موارد الإمام البخاري في الأحاديث المرفوعة المسندة من تاريخه الكبير
[ ١ / ١١١ ]
الفصل الرابع
موارد الإمام البخاري في الأحاديث المرفوعة المسندة من تاريخه الكبير
كتب العشرات من "الصحابة" رضوان الله عليهم، بعض ما سمعوه من النبي ﷺ، كما كتب المئات من أتباعهم ما كتبه هؤلاء الصحابة، وما رواه غيرهم شفاهًا، واتسعت دائرة الكتابة عند أتباع التابعين، لتشمل الآلاف منهم، حيث نشطوا لتدوين ما كتبه الصحابة وأتباعهم، ومن هؤلاء الأتباع، من لم يكتف بالجمع، بل "صنف" ما كتبه على حسب ما رآه نافعًا في ذلك الوقت. ويندر أن نجد مشتغلًا بالعلم بعد هؤلاء وليس عنده "كتب" كتبها عن مشايخه ثم اشتغل بها تصنيفًا، أو رواية على الأقل، ولذلك يجد طالب العلم في ذلك الوقت أمامه كمًا هائلًا من الكتب التي كتبها مشايخه، عن شيوخهم. وبقدر ما كان الطالب حريصًا علي الكتابة، ضابطًا لما يسمع ذكيا كلما ارتفع ذكره، وعلا شأنه في آفاق هذا العلم العظيم.
ولهذا نستطيع أن ندرك مدي اجتهاد المتأخرين ممن هم في طبقة البخاري وطبقة شيوخه في تحصيل المادة العلمية، التي بها تبوؤا تلك المراتب العلية في ميدان العلم، كما نستطيع أن ندرك مدي ما كان بين أيديهم من "الكتب" التي كتبها مشايخهم، وغير مشايخهم، في هذا المضمار.
إِن كثرة "المصادر" عند طالب العلم، تُسهل عليه مهمة الإِنتقاء، بضم النظير إِلى النظير، لحل إِشكلات عد يدة، قد يواجهها، "المصنف" الخبير.
[ ١ / ١١٣ ]
البخاري واحد من خبراء المصنفين، الذين كتبوا الكثير، وقرأوا الكثير في ذلك الزمن، وقد ظهر تفننه في اختيار المادة العلمية، وتوسعه في الإشارة إِلى المصادر المتعددة، في الموضع الواحد، في تاريخه الكبير، بشكل ملفت للنظر ومحير للباحث. وهو ﵀ يشير ولا يصرح إِلا قليلًا إِلى المصدر المعتمد، وهذه هي عادة علماء ذلك الزمن، إِذ أن غالب ما يروونه بأسانيدهم، دون تصريح بالمصدر المعتمد في إِسناد بعينه.
وفي هذا الفصل حاولت أن أذكر بعض ما اعتمده البخاري من مصادر في جانب من جوانب تاريخه الكبير، وهو "الأحاديث المرفوعة السندة"، لا أدعي أنني أحطت بكل ما اعتمده من مصادر، ذلك لأن مصادر تراجم أصحاب "المصنفات" لم تنص علي أنهم "مصنفون" أو أنهم "رواة" لمصنفين، ولذلك أحجمت عن ذكرهم في هذا الفصل.
وقد سرت في تدوين معلومات هذا الفصل وفق الضوابط التالية:
١ - إِثبات أن لأحد رجال الإِسناد "مصنفًا" أو "نسخة"، أو "كتابًا"، أو هو مجرد راوٍ لهذه الكتب، وكان اعتمادي في ذلك علي كتب التراجم، أو غيرها من كتب الفهارس، التي ذكرت ذلك.
٢ - إِذا كان في رجال الإِسناد "مصنفًا" وثبت أن الراوي عنه في هذا الإِسناد هو راوي هذا "المصنف" عنه اضطررت لذكر الأثنين معًا، وذلك تفاديًا لبعض الإِشكالات، والاستدراكات الواردة علي هذا الفصل.
مثال ذلك:
عبد الله بن عثمان بن خُثيم، فقبد ثبت أنه "مصنف" كتابًا، وثبت أن الذي رواه عنه هو يحيي بن سليم الطائفي (^١).
_________________
(١) انظر المصدرين رقم (١٠٠)، و(٢١٦) من هذا الفصل.
[ ١ / ١١٤ ]
والبخاري روي عن إِبن خثيم من طريق الطائفي (^١)، ومع هذا فقد اضطررت لذكر كل من "ابن خثيم" و"الطائفي" علي أن كلا منهما مصدر للبخاري. تلافيًا للاستدراك.
٣ - قد يكون لأحد رجال الإِسناد أكثر من "كتاب" وخاصة الذين عانوا التصنيف، ولم يتبين لي علي أيها اعتمد البخاري، وهذا الذي جعلني أرتب هذا الفصل علي أسماء أصحاب "الكتب" لا على أسماء "الكتب" نفسها، وهذا الذي دفعني كذلك لذكر جميع ما استطعت أن أذكره من مؤلفات لذلك الرجل. هذه هي أهم الضوابط في هذا الفصل .. وأسأل الله التوفيق.
* * *
_________________
(١) الحديثان رقم (٥٠)، و(٦٦٤).
[ ١ / ١١٥ ]
موارد البخاري في الأحاديث المرفوعة