لعل من الأسباب التى جعلت البخاري يترك بغداد ولم يأخذ بنصيحة الإِمام أحمد في المقام فيها هو "مسألة خلق القرآن" "والفتنه العارمة التي أخذت الناس يومذاك. وفضل البخاري عدم الدخول في هذه المسألة لأنها شائكة" و"حساسة" "ولّدت عند كبار العلماء -فضلًا عن العامة- من الحساسية الشئ الكثير، تفرقت بسببها كلمة الأمة، وأنهكت أهل السنة، وكادت تطيح بالخلافة الإِسلامية.
وروى الحاكم بإسناده إِلي محمد بن شاذل أنه دخل على البخاري يسأله عن "مسألة اللفظ" فقال البخاري: "يا بُني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد ابن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي ألا أتكلم فيها" (^٢)
وقد استقر رأي الإِمام أحمد ومن تبعه كالذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم -وغيرهم- في مسألة خلق القرآن" علي ما يلي:
"القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث تصرف، فمن لزم هذا إِستغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإِيمان، وبانت منه امرأته، يُستتاب، فإِن تاب، وإلا ضربت عنقه، وجُعل ماله فيئا بين المسلمين ولم يدفن في مقابرهم، ومن
_________________
(١) مسألة اللفظ هي أن يقول الإِنسان: لفظي بالقرآن مخلوق، انظر رسالة إِمام أهل السنة والجماعة الإِمام أحمد بن حنبل إِلى الخليفة المتوكل ورسالة في أن القرآن غير مخلوق للإِمام إِبراهيم بن إِسحاق الحربي، تحقيق علي بن عبدالعزيز الشبل.
(٢) سير النبلاء: ١٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧.
[ ١ / ٦٠ ]
وقف، فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، فقد ضاهي الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق، فهذا مبتدع، لا يجالس ولا يكلم (^١)
ومع أن البخاري أخذ علي نفسه عدم الكلام في "مسألة اللفظ" إلا أنه لا يعني أنه لا رأي له في هذه المسألة، لكنه لا يريد أن يتكلم به لأن الضرر الحاصل منها أكثر من النفع، وهو إِمام له من الفقه ما يوازن به بين المصالح والمفاسد حتى في الفتاوى ونشرها بين الناس.
وعندما توجه البخاري إِلي نيسابور ليقيم فيها في أواخر عمره -لأنها كانت المدينة التي تضاهي بغداد في العلم والعلماء- فرح به أهلها فرحًا شديدًا، وخاصة العلماء منهم.
ويبدو أن إِمام نيسابور وهو محمد بن يحيى الذهلي كان يعرف رأي البخاري في "مسألة اللفظ" فنهى تلاميذه وأصحابه عن سؤال البخاري عن رأيه في هذه المسألة وغيرها من مسائل الكلام حتي لا يفقدوه.
قال أبو سعيد حاتم بن أحمد الكندي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إِسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالمًا فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثة. فقال محمد بن يحيى في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد ابن إِسماعيل غدًا فليستقبله. فاستقبله محمد ابن يحيي وعامة العلماء، فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيي: لا تسألوه عن شئ من الكلام، فانه إِن أجاب بخلاف ما نحن فيه، وقع بيننا وبينه، ثم شَمت بنا كل حروري، وكل رافضي، وكل جهمي، وكل مرجئ بخراسان (^٢).
وبعد أن استقر "البخاري" في "نيسابور" كان الذهلي يحث أصحابه
_________________
(١) سير النبلاء: ١٢/ ٤٥٦، وهذه عبارة محمد بن يحيي الذهلي.
(٢) السير: ١٢/ ٤٥٨.
[ ١ / ٦١ ]
علي الذهاب إِلي البخاري للسماع منه.
قال الحاكم: حدثنا محمد بن حامد البزار، سمعت الحسن بن محمد بن جابر، سمعت محمد بن يحيي الذهلي لما ورد البخاري نيسابور، يقول: اذهبوا إِلي هذا الرجل الصالح، فاسمعوا منه. (^١)
وكان الأمر على هذه الحال يسمع منه أهل نيسابور حتي سنة (٢٥٢) حيث أقام البخاري في (نيسابور) خمس سنوات متوالية.
وإلى شهر شعبان من هذه السنة- (٢٥٢) - كان الذهلي يُكِنّ الود والاحترام للبخاري ويلتقى به ويسأله مسائل في العلم والبخاري يجيب عنها، والدليل علي ذلك الحكاية التالية:
قال الحاكم: سمعت الحسن بن أحمد الشيباني المعدل، سمعت أحمد ابن حمدون يقول: رأيت محمد بن اسماعيل في جنازة سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيي الذهلي يسأله عن الأسامي والكني والعلل، ومحمد ابن اسماعيل يمر فيه مثل السهم، كانه يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ (^٢).
قلت: سعيد بن مروان هذا: هو أبو عثمان البغدادي نزيل نيسابور، وهو من شيوخ البخاري في "الصحيح". قال الحاكم: مات في نصف شعبان سنة ٢٥٢ وصلى عليه محمد ين يحيي (^٣) أ. هـ.
وقال الحاكم أيضًا: ولا شك أن البخاري شهد جنازته، فإِنه كان في هذه السنة في نسابور (^٤).
ولم يمضِ علي هذه الحادثة أكثر من شهر حتي وقع بين الذهلي والبخاري ما وقع.
_________________
(١) السير: ١٢/ ٤٤٢.
(٢) السير: ١٢/ ٤٣٢.
(٣) تهذيب التهذيب: ٤/ ٨٠.
(٤) تهذيب التهذيب: ٤/ ٨٠.
[ ١ / ٦٢ ]
وقد روي الخطيب باسناده سؤال الذهلي للبخاري في جنازة بن مروان، فقال متممًا الخبر (^١): "فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيي: ألا مَنْ يختلف إِلى مجلسه لا يختلف إِلينا، فانهم كتبوا إِلينا من بغداد: أنه تكلم في "اللفظ" ونهيناه فلم ينته، فلا تقربوه، ومن يقربه فلا يقربنا، فأقام محمد بن اسماعيل هاهنا مدة وخرج إِلى بخاري (^٢).
ويبدو أن هذا الخبر وصل إِلى البخاري، وتفهم جيدا القرار الذي أعلنه الذهلي علي أهل نيسابور، ولذلك أعلن البخاري عن رأيه في مسألة اللفظ بعد أن سئل عنه -علي كره منه-.
قال أبو أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إِسماعيل لما ورد نيسابور إِجتمع الناس عليه، حسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إِقبال الناس عليه، وإجتماعهم عليه، فقال لأصحاب الحديث: إِن محمد بن إِسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فإِمتحنوه في المجلس، فلما حضر الناس مجلس البخاري، قام إِليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه. فقال الرجل: يا أبا عبد الله، فأعاد عليه القول، فأعرض عنه. ثم قال في الثالثة، فإِلتفت إِليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والإِمتحان بدعة. فشغب الرجل، وشغب الناس، وتفرقوا عنه. وقعد البخاري في منزله (^٣).
_________________
(١) تأريخ بغداد: ٢/ ٣١.
(٢) ويمكن الجمع بين هذه الحكاية وما سبقها من روايات أن الذهلي كان يعرف رأي البخاري في "مسألة اللفظ"، ولكن عندما مال أهل نيسابور إِلى البخاري وكاد أن يخلو مجلس الذهلي داخله شيء من الحسد، فأنضاف ذلك إِلى ما أعلنه البخاري عن رأيه، وأيضا إِلى ما كتبه أهل بغداد فيه، فعند ذلك أظهر الذهلي ما في نفسه وأعلن قراره ضد البخاري.
(٣) سير النبلاء (١٢/ ٤٥٣ و٤٥٤).
[ ١ / ٦٣ ]
والبخاري إِنما كتم رأيه أولا حرصا منه علي وحدة الصف المسلم، أما الآن وقد كتب في شأنه ما كتب، وإمتحنوه، وإضطروه لإِظهار قوله، فإِنه أظهره بشجاعة وثبات، بل صنف فيه مصنفا أبان فيه عن مذهبه في هذه المسألة. فقد روى الذهبي بإِسناده إِلى أبي بكر الإِسماعيلي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن سيار، حدثني محمد بن مسلم خشنام قال: سئل محمد بن إِسماعيل بنيسابور عن اللفظ، فقال: حدثني عبيد الله بن سعيد -يعني أبا قدامة- عن يحيي بن سعيد هو القطان قال: أعمال العباد كلها مخلوقة. فمرقوا عليه، وقالوا له بعد ذلك: ترجع عن هذا القول، حتى نعود إِليك؟ قال: لا أفعل إِلا أن تجيئوا بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي. وأعجبني من محمد بن إِسماعيل ثباته (^١).
وخلاصة رأي البخاري في هذه المسألة تتلخص في فقرتين:
١ - القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر (^٢).
٢ - لم يقل البخاري يوما من الأيام: "لفظى بالقرآن مخلوق" لكنه قال: "أفعال العباد مخلوقة".
وبيان المسألة: أن الأئمة أحمد والذهلي والبخاري متفقون علي الفقرة الأولى، لكنهم إِختلفوا في قول الإِنسان "لفظي بالقرآن مخلوق"، فالإِمام أحمد والذهلي ومن تابعهما أنكروا هذا القول وإعتبروه بدعة لأنه لم يقل به السلف. وذلك: أن اللفظ يطلق ويراد به أمران:
الأول: الملفوظ نفسه -يعني القرآن- وهو غير مقدور للعبد، ولا فعل له فيه.
الثاني: التلفظ به والأداء له، وهو فعل العبد.
فإِطلاق الخلق علي اللفظ قد يوهم المعنى الأول، وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٥٤).
(٢) تاريخ بغداد (٢/ ٣٢).
[ ١ / ٦٤ ]
عليه يوهم المعني الثاني وهو خطأ.
ولذلك منع الإِمام أحمد وغيره الإِطلاقين، يعني "لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق" (^١).
أما البخاري فقال: حركاتهم وأصواتهم وإِكتسابهم وكتابتهم مخلوقة. فأما القرآن المتلو، المبين المثبت في المصاحف، والمسطور المكتوب، الموعي في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق (^٢). قال الله تعالي:
﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ (^٣).
وساق البخاري أدلته علي مذهبه هنا، وجلى هذه المسألة حتى قال الإِمام ابن القيم: البخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب من جميع من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله -يعني الإِمام أحمد- (^٤). ولكن مع هذا لم ينته الأمر بين البخاري والذهلي، لأنه لم يعد -علي ما يظهر من الأخبار- أمرا إِجتهاديا يمكن أن تختلف فيه الأنظار، بل داخله شئ من حظ النفس، فلج امام نيسابور في قراره الأول، وشدد في تبديع الإِمام البخاري، والإِمام البخاري صابر محتسب، لم تصدر منه كلمة تشين من نسبوه إِلى البدعة.
وهكذا كانت هذه الفتنة الأليمة، فببساطة ينسب البخاري إِلى "البدعة" وهو الذي قضي حياته يحاربها، وبين عشية وضحاها يتحول ذلك الإِمام الكبير من إِمام لأهل السنة والجماعة إِلى "مبتدع" يجب أن يهجر ولا يقرب، وسبحان الله الحليم الكريم.
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق المرسلة لأبن القيم (٢/ ٣١٠).
(٢) سير النبلاء (١٢/ ٤٥٥)، وانظر "خلق أفعال العباد" للبخاري (١٣٨ و١٤٦) حيث ذكر بعض أدلته علي ذلك.
(٣) العنكبوت (٤٩).
(٤) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٠٩).
[ ١ / ٦٥ ]
والذي يسجل للإِمام البخاري في هذه المحنة أمور: منها صبره وإحتسابه. ومنها: ثباته وإصراره علي رأيه. ومنها: حكمته وحلمه.
ولم يخل الأمر من محاولات إِصلاح بين الإِمامين، ولكن هيهات وقد دخل بعض حظ النفس في هذه القضية.
كما أنها أظهرت لنا معدن إِثنين من تلاميذ البخاري الخلصين. وفيما يلي بعض أخبار هذه المحنة الأليمة التي لم تنته بخروج البخاري من "نيسابور".- رحمة الله عليه-.
قال الحاكم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، سمعت ابن علي الخلدي، سمعت محمد بن يحيي يقول: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية (^١).
وقال غنجار في "تاريخه": حدثنا خلف بن محمد بن إِسماعيل، سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف ببخارى يقول: كنا يوما عند أبي إِسحاق القيسي، ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد ابن إِسماعيل البخاري، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإِني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: ليس إلا ما أقول.
قال أبو عمرو الخفاف، فأتيت البخاري، فناظرته في شئ من الأحاديث حتى طابت نفسه فقلت: يا أبا عبد الله، ها هنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو أحفظ ما أقول له: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمدان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب.
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٥٩).
[ ١ / ٦٦ ]
فإِني لم أقله، إِلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة (^١).
وقال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل يقول: لما وقع بين محمد بن يحيي والبخاري، دخلت علي البخاري، فقلت: يا أبا عبد الله، أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيي، كل من يختلف إِليك يطرد؟ فقال: كم يعتري محمد بن يحيي الحسد في العلم. والعلم رزق الله يعطية من يشاء (^٢).
وقال الحاكم: وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما إِستوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إِليه. فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس عنه، إِنقطع عنه أكثر الناس غير مسلم. فقال الذهلي يوما: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم رداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وبعث إِلى الذهلي ما كتب عنه علي ظهر حمال (^٣).
وكان مسلم يظهر القول باللفظ ولا يكتمه.
قال: وسمعت محمد بن يوسف المؤذن، سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: حضرت مجلس محمد بن يحيي الذهلي، فقال: ألا من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا.
فقام مسلم بن الحجاج من المجلس. رواها أحمد بن منصور الشيرازي عن محمد بن يعقوب، فزاد: وتبعه أحمد بن سلمة (^٤).
قال أحمد بن منصور الشيرازي: سمعت محمد بن يعقوب الأخرم، سمعت أصحابنا يقولون: لما قام مسلم وأحمد بن سلمة من مجلس الذهلي، قال الذهلي: لا يساكنني هذا الرجل في البلد.
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٥٧ و٤٥٨).
(٢) السير (١٢/ ٤٥٦ و٤٥٧).
(٣) المرجع السابق (١٢/ ٤٥٩ و٤٦٠).
(٤) السير (١٢/ ٤٥٩ و٤٦٠).
[ ١ / ٦٧ ]
فخشي البخاري وسافر (^١).
وقال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ: سمعت أحمد بن سلمة يمَول: دخلت علي البخاري، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا رجل مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟ فقبض علي لحيته، ثم قال:
﴿وأفوض أمري إِلى الله إِن الله بصير بالعباد﴾ (^٢). اللهم إِنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا، ولا طلبا للرئاسة، وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إِلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير. ثم قال لي: يا أحمد، إِني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه لأجلي.
قال: فأخبرت جماعة أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري (^٣).
وقال محمد بن أبي حاتم: أتى رجل أبا عبد الله البخاري، فقال: يا أبا عبد الله، إِن فلانا يكفرك! فقال: قال النبي ﷺ إِذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما" (^٤).
وكان كثير من أصحابه يقولون له: إِن بعض الناس يقع فيك، فيقول: ﴿إِن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ (^٥).
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) غافر: (٤٤).
(٣) السير (١٢/ ٤٥٩).
(٤) أخرجه مالك (٣/ ١٤٨) بشرح السيوطي في الكلام: باب ما يكره من الكلام، ومن طريقه أحمد (٢/ ١١٣)، والبخارى (١٠/ ٤٢٨) والترمذي (٢٦٣٧)، عن عبد الله بن دينار عن بن عمر، وأخرجه مسلم (٦٠) من طريق إِسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار وأخرجه أيضا من طريق عبيد الله بن عمر، وأبو داود (٤٦٨٧) وأحمد (٢/ ٦٠) من طريق فضيل بن غزوان. كلاهما عن نافع عن ابن عمر، وأخرجه أحمد (٢/ ١٨ و٤٤ و٤٧ و١١٢) من طرق عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
(٥) النساء (٧٦).
[ ١ / ٦٨ ]
ويتلو أيضا: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (^١) فقال له عبدالمجيد بن إِبراهيم: كيف لا تدعو الله علي هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك؟ فقال: قال النبي ﷺ إِصبروا حتى تلقوني علي الحوض" (^٢)، وقال ﷺ: "من دعا على ظالمه، فقد إِنتصر" (^٣).
* * *
_________________
(١) فاطر (٤٣).
(٢) أخرجه من حديث أسيد بن حضير البخاري (٧/ ٨٩ و٩٠) في فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب فضل الأنصار. و(٧٠٥٧) في الفتن: باب قول النبي ﷺ سترون بعدي أمورا تنكرونها، ومسلم (١٨٤٥) في الإِمارة: باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة، والترمذي (٢١٩٠) والنسائي (٨ ر ٢٢٤ و٢٢٥)، وأخرجه من حديث أنس البخاري (٧/ ١٩٢)، وأخرجه من حديث عبد الله بن زيد البخاري (٨/ ٣٧ و٤٢) ومسلم (١٠٦١).
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٣٥٥٢) في الدعوات، من حديث عائشة وفي سنده، أبو حمزة: ميمون الأعور وهو ضعيف، ونقل المناوي في "فيض القدير" قول الترمذي في "العلل": سئل عنه البخاري فقال: لا أعلم أحدا رواه غير أبي الأحوص، ولكن هو من حديث أبي حمزة، وضعف أبا حمزة جدا.
[ ١ / ٦٩ ]