البخاري من "الربانيين" الذين صنعهم الله لخدمة هذه الأمة. وحيث وجهت نظرك في سيرة هذا "الأمام الرباني" وجدت خطاه تتابع خطى النبوة، لا يحيد عنها ما استطاع. ومن كان هذا شأنه فإِن المعاني الرفيعة من "العلم" و"اليقين" و"الأخلاص" و"الصدق" و"الزهد" و"الورع" و"الكرم".
"والشجاعة" وغيرها من كرائم الخصال تراها متجسدة فيه، تدعو الناس للأقتداء بها، فتكون عوامل مؤثرة فى الأمة. وكذلك هو شأن الهداة الداعين إِلى الله على بصيرة.
وقد علمنا أن البخاري وضع أمام ناظريه هدفًا ساميًا يسعي إليه، ومن كان كذلك هانت عليه الدنيا "فزهد" فيها، وجانب الشبهات "فتورع" عنها، وبذل ما ملك "فكرم" بين الخلق، وأدلى بحجته "بشجاعة" لا يخشى لوم اللائمين، ولابد لمن سار إِلى غايته من "يقين" يذكي فيه نار الحماس في الوصول إِلى الهدف، كما لابد له من زاد "الصبر" وتحمل الأذى، وبالجملة فلابد له من "أخلاق النبوة" يتخلق بها في شأنه كله.
وكذلك كان البخاري ﵀.
وفيما يلي من الصفحات نقرأ بعض الأخبار التي رويت في "شمائله"- رحمة الله عليه-.
فمن أخبار عبادته ﵀ ما رواه الحاكم قال:
حدثنا محمد بن خالد المطوعي، حدثنا مسبح بن سعيد قال: كان محمد
[ ١ / ٤٩ ]
ابن إِسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. (^١)
وقال غُنْجار: حدثنا أبو عمرو أحمد بن المقريء، سمعت بكر بن منير قال: كان محمد بن إِسماعيل يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة. فلما قضى الصلاة. قال: أنظروا أيش آذاني. (^٢)
وقال محمد بن أبي حاتم: دُعي محمد بن إِسماعيل إِلى بستان بعض أصحابه، فلما صلى بالقوم الظهر، قام يتطوع، فلما فرغ من صلاته، رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: أنظر هل تري تحت قميصي شيئا؟ فإِذا زنبور قد أبره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعا. وقد تورم من ذلك جسده. فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبَرَك؟ قال: كنت في سورة، فأحببت أن أتِمهّا!! (^٣).
وقال: سمعت عبد الله بن سعيد بن جعفر يقول: سمعت العلماء بالبصرة يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إِسماعيل في المعرفة والصلاح. (^٤)
وقد أشتهر عنه أنه عندما صنّف "الصحيح" كان يصلّي لكل ترجمة ركعتين. (^٥)
أما ورعه ﵀ فقد بلغ غاية بعيدة.
قال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أَنّي اغتبت أحدا. (^٦)
_________________
(١) سير النبلاء (١٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩).
(٢) المرجع السابق (١٢/ ٤٤١).
(٣) سير النبلاء (١٢/ ٢٤٤).
(٤) المرجع السابق.
(٥) المرجع السابق (١٢/ ٤٤٣).
(٦) تأريخ بغداد (٢/ ١٢).
[ ١ / ٥٠ ]
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: سمعته -يعني البخاري- يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة. (^١)
وقال: سمعته يقول: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة تضرّ أهلها. وقال محمد بن أبي حاتم: ركبنا يوما إِلى الرّمي، ونحن بفرَبر، فخرجنا إِلى الدرب الذي يؤدي إلى الفرضة (^٢). فجعلنا نرمي، وأصاب سهم أبي عبد الله وتد القنطرة الذي على نهر ورّادة، فإِنشقّ الوتد. فلما رآه أبو عبد الله، نزل عن دابته، فأخرج السهم من الوتد، وترك الرمي. وقال لنا: أرجعوا. ورجعنا معه إِلى المنزل، فقال لي: يا أبا جعفر، لي إليك حاجة تقضيها؟ قلت: أمرك طاعة. قال: حاجة مهمة، وهو يتنفّس الصعداء. فقال لمن معنا: أذهبوا مع أبي جعفر حتى تعينوه على ما سألته، فقلت: أيّة حاجة هي؟ قال لي: تضمن قضاءها؟ قلت: نعم، علي الرأس والعين، قال: ينبغي أن تصير إِلى صاحب القنطرة، فتقول له: أنا قد أخللنا بالوتد، فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله، أو تأخذ ثمنه، وتجعلنا في حلّ مما كان منا، وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري. فقال لي: أبلغ أبا عبد الله السلام، وقل له: أنت في حل مما كان منك. وقال: جميع ملكي لك الفداء. وإن قلت: نفسي، أكون قد كذبت، غير أني لم أكن أحب أن تحتشمني في وتد أو في ملكي. فأبلغته رسالته، فتهلل وجهه، واستنار، وأظهر سرورًا، وقرأ في ذلك اليوم علي الغرباء نحوا من خمس مائة حديث، وتصدق بثلاث مئة درهم. (^٣)
قال: وسمعته يقول لأبي معشر الضرير: اجعلني في حلّ يا أبا معشر، فقال: مِن أَيّ شيء؟ قال: رويت يوما حديثا، فنظرت إليك، وقد أعجبت به، وأنت تحرّك رأسك ويدك، فتبسمت من ذلك. قال: أَنت في حل،
_________________
(١) سير النبلاء (١٢/ ٤٤١).
(٢) الفرضة: مشرب الماء أو المشرعة، النهاية (٣/ ٤٣٣).
(٣) سير النبلاء (١٢/ ٤٤٤).
[ ١ / ٥١ ]
رحمك الله يا أبا عبد الله. (^١)
قال: وحدثني محمد بن العباس الفربري، قال: كنت جالسا مع أبي عبد الله البخاري بفربر في المسجد، فرفعت من لحيته قذاة مثل الذَرّة أذكرها، فأردت أن ألقيها في المسجد، فقال: ألقها خارجا من المسجد .. (^٢)
وقال له بعض أصحابه: يقولون: انك تناولت فلانا. قال: سبحان الله، ما ذكرت أحدا بسوء إلا أن أقول ساهيا، وما يخرج اسم فلان من صحيفتي يوم القيامة. (^٣)
قال: وكان أبو عبد الله اكتري منزلا، فلبث فيه طويلا، فسمعته يقول: لم أمسح ذكري بالحائط، ولا بالأرض في ذلك المنزل، فقيل له: لم؟ قال: لأن المنزل لغيري. (^٤)
قال: وقال لي أبو عبد الله يوما بفربر: بلغني أَنّ نخاسا قدِم بجواري، فتصير معي؟ قلت نعم، فصرنا اليه، فأخرج جواري حسانا صباحا. ثم خرج من خلالهن جارية خزريّة دميمة عليها شحم، فنظر اليها، فمس ذقنها فقال: اشتر هذه لنا منه، فقلت: هذه دميمة قبيحة لا تصلح، واللآتي نظرنا اليهن يمكن شراءهن بثمن هذه. فقال: اشتر هذه، فإِني قد مسست ذقنها، ولا أحب أن أمس جارية، ثم لا أشتريها. فأشتراها بغلاء خمس مئة درهم على ما قال أهل المعرفة. ثم لم تزل عنده حتى أخرجها معه إِلى نيسابور. (^٥)
ومن أخباره في الزهد:
قال محمد بن أبي حاتم: سمعت الحسين بن محمد السمرقندي يقول:
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٤٤).
(٢) تاريخ بغداد (٢/ ١٣). والسير.
(٣) السير (١٢/ ٤٤٥).
(٤) السير (١٢/ ٤٥١).
(٥) السير (١٢/ ٤٥١).
[ ١ / ٥٢ ]
كان محمد بن إِسماعيل مخصوصًا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لايطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس، كلّ شغله كان في العلم. (^١)
وقال: سمعت سليم بن مجاهد يقول: ما بقي أَحد يُعَلِّمُ النَّاس الحديث حِسْبَة غير محمد بن إِسماعيل. (^٢)
وسمعت سليما يقول: ما رأيت بعيني منذ ستين سنة أفقه، ولا أورع، ولا أزهد في الدنيا، من محمد بن إِسماعيل. (^٣)
قال: وسمعته يقول: كنت أستغلَ كلّ شهر خمس مئة درهم، فأنفقت كلّ ذلك في طلب العلم. فقلت: كم بين من ينفق على هذا الوجه. وبين من كان خلوًا من المال، فجمع وكسب بالعلم، حتى أجتمع له. فقال أبو عبد الله: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (^٤)
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاري يقول: خرجت إِلى آدم بن أبي إِياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش، ولا أخبر بذلك أحدا. فلما كان اليوم الثالث، أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرّة دنانير، وقال: أنفق علي نفسك. (^٥)
وقال غُنجار: حدثنا إِبراهيم بن حمد الملاحِمي، سمعت محمد بن صابر ابن كاتب، سمعت عمر بن حفص الأشقر قال: كنا مع البخاري بالبصرة نكتب، ففقدناه أياما، ثم وجدناه في بيت وهو عريان، وقد نَفِدَما عندَه، فجمعنا له الدراهم، وكسوناه. (^٦)
_________________
(١) سير النبلاء (١٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
(٢) السير (١٢/ ٤٤٩).
(٣) المرجع السابق.
(٤) سورة القصص آية (٦٠)، سير النبلاء (١٢/ ٤٤٩).
(٥) المرجع السابق (١٢/ ٤٤٨).
(٦) المرجع السابق.
[ ١ / ٥٣ ]
وقال غنجار: أنبأنا أبو عمرو أحمد بن محمد المقريء: سمعت بكر بن منير- وقد ذكر معناها محمد بن أبي حاتم، واللفظ لبكر- قال: كان حُمِل إِلى البخاري بضاعة أنفذها اليه ابنه أحمد، فأجتمع بعض التجار اليه، فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم. فقال: انصرفوا الليلة. فجاءه من الغد تجار آخرون. فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف. فقال: أني نويت بيعها للذين أتوا البارحة. (^١)
قال ورّاقه: كان أبو عبد الله ربما يأتي عليه النهار، فلا يأكل فيه رقَاقَة، أنما كان يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثا. وكان يجتنب توابل القدور مثل الحمص وغيره. (^٢)
وحكي أبو الحسن يوسف بن أبي ذر البخاري: أن محمد بن إِسماعيل مرض، فعرضوا ماءه علي الأطباء، فقالوا: ان هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى، فإِنهم لا يأتدمون. فصدّقهم البخاري. (^٣)
قال وراقه: كنا بفربر، وكان أبو عبد الله يبني رباطا مما يلي بخارى، فأجتمع بشر كثير يعينونه علي ذلك، وكان ينقل اللبن، فكنت أقول له: أنّك تُكفَى يا أباعبد الله، فيقول هذا الذي ينفعنا. (^٤)
قال: وسمعت أبا عبد الله، يقول: ما تولّيت شراء شيء ولا بيعه قط. فقلت له: كيف، وقد أحلّ الله البيع؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط، فخشيت أن توليت أن أستوي بغيري. (^٥)
وفي مجال حسن الصحبة، والتربية، نجد في أخبار هذا الامام الشيء الذي
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨).
(٢) المرجع السابق (١٢/ ٤٥٠).
(٣) هدي الساري (٤٨١).
(٤) السير (١٢/ ٤٥٠).
(٥) السير (١٢/ ٤٤٦).
[ ١ / ٥٤ ]
يؤكّد ما قدّمناه من "ربانية" هذا العالم المخلص.
و"حسن الصحبة" وعلو الخلق أكثر ما تظهر عند الرجل في معاملته لمن دونه من الناس، كالخدم، والطلاب الغرباء -مثلا- لأن هؤلاء جعلهم الله تحت يده، وهؤلاء طلّاب، يريدون السماع بدون مقابل، وكفى بالأغتراب ذلّة وضعفا، وإذا أردت أن تعرف خلق انسان فأنظر أخلاقه مع الضعفاء.
والبخاري أحسن صحبة الجميع، وهاك ما قاله خادمه وورّاقه الذي صاحبه في السفر والحضر.
قال الورّاق عن سيده وأستاذه: وكان يتصدّق بالكثير، يأخذ بيد صاحب الحاجة من أهل الحديث، فيناوله ما بين العشرين إِلى الثلاثين، وأقلّ وأكثر، من غير أن يشعر بذلك أحد. وكان لا يفارقه كيسه. ورأيته ناول رجلا مرارا صرّة فيها ثلاث مئة درهم، -وذلك أن الرجل أخبرني بعدد ما كان فيها من بعد- فأراد أن يدعو، فقال له أبو عبد الله: أرفق، وأشنغل بحديث آخر كيلا يعلم بذلك أحد. (^١)
قال: وكنتُ اشتريت منزلًا بتسع مئة وعشرين درهمًا، فقال: لي إليك حاجة تقضيها؟ قلت: نعم، ونعمى عين، قال: ينبغي أن تصير إِلى نوح ين ابي شدّاد الصيرفي، وتأخذ منه ألف درهم، وتحمله إليّ، ففعلت، فقال لي: خذه اليك، فأصرفه في ثمن المنزل. فقلت: قد قبلته منك وشكرته. وأقبلنا على الكتابة، وكنا في تصنيف "الجامع" فلما كان بعد ساعة، قلت: عرضت لي حاجة لا أجتريء رفعها إليك فظنّ أني طمعت في الزيادة، فقال: لا تحتشمني، وأخبرني بما تحتاج، فإِني أخاف أن أكون مأخوذا بسببك، قلت له: كيف؟ قال: لأن النبيّ ﷺ آخي بين أصحابه. فذكر حديث سعد وعبدالرحمن. فقلت له: قد جعلتك في حِلّ من جميع ما تقول. ووهبت
_________________
(١) سير النبلاء (١٢/ ٤٥٠).
[ ١ / ٥٥ ]
لك المال الذي عرضته علىّ -عنيت المناصفة- وذلك أنه قال: لي جوار وامرأة، وأنت عزب، فلذي يجب علىّ أن أناصفك لنستوي في المال وغيره، وأربح عليك في ذلك، فقلت له: قد فعلت -رحمك الله- أكثر من ذلك اذ أنزلتني من نفسك مالم تنزل أحدا، وحللت منك محل الولد. ثم حفظ علىّ حديثي الأول وقال: ما حاجتك؟ قلت: تقضيها؟ قال: نعم، وأسرّ بذلك. قلت: هذه الألف، تأمر بقبوله، وأصرفه في بعض ما تحتاج اليه، فقبله، وذلك أنه ضمن لي قضاء حاجتي. ثم جلسنا بعد ذلك بيومين لتصنيف "الجامع"، وكتبنا منه ذلك اليوم شيئا كثيرا إلى الظهر، ثم صلينا الظهر، وأقبلنا على الكتابة من غير أن نكون أكلنا شيئا، فرآني لما كان قرب العصر شبه القلق المستوحش، فتوهّم فيّ ملالا. وإنما كان بي الحصر غير أني لم أكن أقدر على القيام، وكنت أتلوّى أهتمامًا بالحصر. فدخل أبو عبد الله المنزل، وأخرج إِلى كاغدة فيها ثلاث مئة درهم، وقال: أما أذا لم تقبل ثمن المنزل، فينبغي أن تصرف هذا في بعض حوائجك. فجهدني، فلم أقبل. ثم كان بعد أيام. كتبنا إِلى الظهر أيضا، فناولني عشرين درهما. فقال: ينبغي أن تصرف هذه في شراء الخضر ونحو ذلك. فأشتريت بها ما كنت أعلم أنه يلائمه، وبعث به إليه، وأتيت. فقال لي: بيّض الله وجهك، ليس فين حيلة، فلا ينبغي لنا أن نُعَنّي أنفسنا. فقلت له: أنك قد جمعت خير الدنيا والآخرة، فأيّ رجل يَبَرّ خادمه بمثل ما تَبَرّني أن كنت لا أعرف هذا، فلست أعرف أكثر منه. (^١)
قال: وكان أبوعبد الله يصليّ في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة وكان لايوقظني في كل ما يقوم. فقلت: أراك تحمل على نفسك، ولم توقظني. قال: أنت شاب، ولا أحب أن أفسد عليك نومك. (^٢)
_________________
(١) سير النبلاء: ١٢/ ٤٥٠ - ٤٥٢.
(٢) تأريخ بغداد: ٢/ ١٣ - ١٤.
[ ١ / ٥٦ ]
قلت: فلله درّ هذا الخادم كم حالفه الحظ. لخدمة هذا الإِمام؟ وكم أثّرت فيه تربية هذا المربي الجليل. وقبل أن ننتقل الى نموذج آخر في معاملة البخاري لعبيده، هذا خبر آخر يرويه الورّاق الوفي يلقي الضوء على دروس التربية التي كان يتلقاها عن امامه.
قال: وأملى يوما علىّ حديثا كثيرا، فخاف ملالي، فقال: طب نفسا، فإِن أهلّ الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم. وأنت مع النبي ﷺ وأصحابه. فقلت: ليس شيء من هذا، يرحمك الله الا وأنا أري الحظّ لنفسي فيه. (^١)
والنموذج الآخر الذي أحببنا إِيراده هنا، هو لجارية البخاري، دخلت عليه وقد نشر دفاتره وأصوله التي رحل في تحصيلها إِلى بعيد الديار، وعانى في سماعها متاعب الأسفار، نثرها ليصنّف النظير إِلى النظير، ويقدم للمسلمين من بنات أفكاره واجتهاداته ما ينفع في الدارين. وإذا بهذه الجارية تتلف ما هو منشور من هذه الدفاتر، ولم تقف لتعتذر، بل وقفت لتجادل، لأنها تعرف خلق سيدها النبيل، وبعد ذلك حصلت على أغلى مكافأة تفكر بها في حياتها وهي "الحرية".
وقال الورّاق الأمين:
سمعت عبد الله بن محمد الصارفي يقول: كنت عندأبي عبد الله في منزله، فجاءته جارية، وأرادت دخول المنزل، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ قالت: أذا لم يكن طريق، كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال لها: أذهبي فقد أعتقتك. قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله، أغضبتك الجارية؟ قال: أن كانت أغضبتني فإِنيّ أرضيت نفسي بما فعلت. (^٢)
_________________
(١) السير: ١٢/ ٤٤٥.
(٢) سير النبلاء: ١٢/ ٤٥٢.
[ ١ / ٥٧ ]
فهل ترى هذا الإِمام ترك شيئا لحظّ نفسه في هذه الصحبة الكريمة؟ وهل هناك شك في "ربانية" هذا الإِمام؟.
قال محمد بن أبي حاتم: كانت له قطعة أرض يكريها كلّ سنة بسبع مئة درهم. فكان ذلك المكتري ربّما حمل منها إلى أبي عبد الله قِثّاة أو قثّاتين، لأن أبا عبد الله كان معجبا بالقثّاء النضيج، وكان يؤثره على البطيخ أحيانا وفكان يهب للرجل مئة درهم كل سنة لحمله القِثاء إليه أحيانا. (^١)
قال عبدالمجيد بن إِبراهيم: ما رأيت مثل محمد بن إِسماعيل كان يسوي بين القوي والضعيف. (^٢)
ومن أخباره في دوام المراقبة واليقظة:
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله، يقول: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة أذا فى عا لم يستجب له. فقالت له امرأة أخيه بحضرتي: فهل تبيّنت ذلك أيها الشيخ من نفسك، أو جربت؟ قال: نعم. دعوت ربّي ﷿ مرتين، فإِستجاب لي، فلم أحبَّ أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يعجل لي في الدنيا، ثم قال: ما حاجة المسلم إِلى الكذب والبخل؟!! (^٣)
ومن أخباره في مراعاة الجليس:
قال ورّاقه: وسمعته يقول: ما أكلت كرّاثا قط، ولا القنابري.
قلت: ولم ذاك؟ قال: كرهت أن أوذي مَنَ مَعِي مِنّ نتنهما. قلت: وكذلك البصل النيء؟ قال: نعم. (^٤)
ومن وفائه ورقة عاطفته وصدق أخوته ما ذكره إِسحاق بن أحمد قال: كنا
_________________
(١) السير: ٢١٢/ ٤٤٩.
(٢) المرجع السابق.
(٣) السير: ١٢/ ٤٤٨.
(٤) السير: ١٢/ ٤٤٥. والقنابري: شجر له رائحة غير محمودة.
[ ١ / ٥٨ ]
عند محمد بن إِسماعيل البخاري، فورد عليه كتاب فيه نعي عبد الله بن عبد الرحمن (يعني: الدارمي). قال: فنكس رأسه، ثم رفع واسترجع، وجعل تسيل دموعه على خدّيه ثم أنشأ يقول:
إِن تَبقَ تُفجَع بالأحبة كلّهم … وفناء نَفسِك لا أبالك أَفجَعُ (^١)
* * *
_________________
(١) السير: ١٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
[ ١ / ٥٩ ]