الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد. وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد ..
فإِن كتاب "التاريخ الكبير" للإِمام أبي عبد الله: محمد بن إِسماعيل البخاري ﵀ يحتل مكانة الصدارة في الدراسات الحديثية، منذ أن صنفه صاحبه وِإلى يومنا هذا.
وذلك لإِمامة مصنفه الذي أذعن لأحكامه الموافق والمخالف. ولإِشتتماله على مادة علمية قيمة، من حيث الصناعة الحديثية، حيث أودع فيه علما جما قد لا يفطن إِليه إِلا أهل الإِختصاص في هذا الفن.
فقد كان ذلك دافعا لي، إِلى العمل في هذا الكتاب، وزادني فيه رغبة، وجود علاقة بين عملي في رسالة الماجستير وموضوعها "تفسير سورة يوسف ﵇" من تفسير القرآن العظيم مسندا عن "، رَسول الله ﷺ والصحابة والتابعين " للإِمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وبين هذا الموضوع، لما بينهما من التقارب النسبي، من حيث دراسة الأسانيد والحكم عليها والتخريج.
وكنت كلما نظرت في كتاب "التأريخ الكبير" إِزددت به إِعجابا، لما حبا الله صاحبه من ذكاء، إِستطاع به أن يجمع مادة واسعة ويختصرها بإِشارات أودعها هذا الكتاب تدل على إِطلاع واسع على غالب ما كتب في زمانه من حديث، وما دون من علم وتأريخ.
[ ١ / ٧ ]
وتيقنت أنه كلما زادت صلتي بهذا الكتاب، وتأملي فيه، إِزدادت مداركي، وتوسعت معرفتي بفنون "علم الحديث" و"تأريخه". وقد رأيت أن الإِشتغال به، وفهمه، وحل إِشاراته، وفك رموزه، هو خير معين لي في هذه المرحلة من مراحل التحصيل العلمي، لأنه سوف يفتح لي آفاقا واسعة في هذا الميدان، تسنح لي بمواصلة البحث والدراسة إِلى أمد بعيد- ان شاء الله تعالى-.
إِلا أن الذي وقفت عنده متحيرا هو: كيف تكون البداية؟ فهذا الكتاب بحر، فمن أي سواحله أبدأ؟
وبعد الإِستخارة والإِستشارة إِستقر الرأي أن تكون البداية بتخريج الأحاديث المرفوعة المسندة فقط من هذا الكتاب.
وهكذا خرجت هذه البداية في الصورة التي بين يدي القارئ الكريم.
هذه البداية -على سعتها- لم تمنعني من إِستخراج أشياء أخرى من هذا الكتاب، سارت جنبا إِلى جنا مع إِستخراجي للأحاديث المرفوعة المسندة، مثل: الأحاديث الموقوفة، والعلل الواردة في هذا الكتاب، وغير ذلك، وهي لا تقل مساحة عن موضوع هذه الدراسة إِن لم تزد عليها، أسأل الله أن ييسر لي إِخراجها في مقتبل الأيام.
لقد كانت خطة هذا الموضوع تسير على ما يلي: -
١ - إِستخراج الأحاديث المرفوعة المسندة، وتمييزها عن الأحاديث التي يتخلف عنها واحد من القيود. وأعني بالأحاديث المرفوعة المسندة، تلك الأحاديث التي رواها الإِمام البخاري ﵀ بسنده عن شيوخه إِلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأدخلت في ذلك الصحابة المختلف في صحبتهم، وكذلك بعض الأحاديث المختلف فيها التي ظاهرها الرفع وهي موقوفة، والمتصلة وهي
في حقيقتها مرسلة، مع بيان الراجح في ذلك.
وقد عرف الحافظ ابن الصلاح ﵀ الحديث المرفوع بأنه: ما أضيف
[ ١ / ٨ ]
إِلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصة، ولا يقع مطلقه على غير ذلك، ويدخل في المرفوع المتصل والمنقطع والمرسل، ومن جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابل المرسل، فقد عنى بالموضوع المتصل (^١).
قال ابن الصلاح: ذكر الخطيب أن المسند عند أهل الحديث هو الذي إتصل إِسناده من رواية الى منتهاه وأكثر من يستعمل ذلك فيما جاء عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢).
وعرف الحاكم المسند بقوله: والمسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه لسند يحتمله، وكذلك سماع شيخه، من شيخه، إِلى أن يصل الإِسناد إِلى صحابي مشهور إِلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٣).
وقال ابن عبدالبر: وأما المسند: فهو ما رفع إِلى النبي ﷺ خاصة، وقد يكون متصلا مثل: مالك عن نافع، عن ابن عمر عن رَسُولِ اللَّه ﷺ. وقد يكون منقطعا .. (^٤).
وقال أيضا:
وقد ذهب قوم إِلى أن المسند لا يقع الا على ما إِتصل مرفوعا إِلى النبي ﷺ (^٥).
وللأقوال المختلفة في تحديد مدلول المسند والمرفوع جمعت بينهما ليتحدد النوع الذي أردت أن تقتصر عليه الدراسة وهو المرفوع المتصل.
وإستخراج الأحاديث وفق الضوابط المذكورة، أمر عسر، ولا يعرف مقدار الجهد المبذول في ذلك إِلا من عرف طريقة البخاري في إيراده لأحاديث كتابه
_________________
(١) المقدمة: ص (٥٠).
(٢) المقدمة: ص (٤٩).
(٣) معرفة علوم الحديث: (١٧)، وشرح نخبة الفكر: ص (١٢٠).
(٤) التمهيد (١/ ٢١).
(٥) المصدر السابق (١/ ٢٥).
[ ١ / ٩ ]
هذا. فهو أحيانا يقدم سند الحديث ثم يتبعه بالمتن على الطريقة المعهودة، وهذا لا يكلف في إِستخراجه كبير عناء بخلاف ما إِذا إِبتدأ بإِيراد الحديث من أثناء السند، وبعد ذكره لمتن الحديث يورد بقية السند، وهذا كثير.
إِلا أن العناء يزداد شدة إِذا أورد السند فقط ولم يورد من الحديث شيئا على الإِطلاق، لا طرفا منه ولا إِختصارا. ويزداد هذا الأمر شدة إِذا بدأ من أثناء السند حتى إِذا إِنتهى إِلى الصحابي، عاد فأكمل السند من شيخه إِلى حيث إِبتدأ أولا. إِن هذا الأمر جعلني أقف أمام الحديث الواحد مرة بعد مرة، أدرس سنده، وأخرج متنه لأرى هل يندرج تحت موضوع الدراسة هذه فألحقه بها؟ أم يتخلف عنه فأنحيه عنها؟
إن هذه الطريقة على ما فيها من عناء، لم تخل من النفع أيضا، لأنني كنت أكتب ملاحظاتي على كل حديث من حيث التخريج وما يلحقه، ولذلك لم أكد أنته من جمع (أحاديث) هذه الدراسة إِلا ورأيت نفسي قد قطعت شوطا كبيرا في تخريجها وما هو لاحق بالتخريج.
ولهذا جاءت هذه المادة محكمة، ولا أظن أن شيئا من هذه الأحاديث يستدرك عليها- وفق هذه الشروط- إِلا ما ذهلت عنه، والله أعلم.
٢ - من عادة البخاري في "تأريخه" ألا يذكر ألفاظ الأحاديث كاملة إِلا إِذا دعت الضرورة لذلك، فيكتفي بطرف منه، أو بإِختصاره، أو لا يذكره على الإِطلاق. وأحيانا يقدم لفظ حديث مرسل أو موقوف، ثم يتبعه بالمرفوع المسند، ويقول: بهذا، أو نحوه. وفي كل هذه الحالات وغيرها تكفلت بذكر لفظ الحديث المطلوب من تأريخ البخاري نفسه، أو من المراجع الأخرى.
٣ - الحكم على سند الحديث:
إِن دراسة الأسانيد تتناول جانبين: -
[ ١ / ١٠ ]
الأول: ترجمة رواة السند:
وقد سرت في ذلك وفق الضوابط التالية: -
١ - إِن كان راوي الحديث ثقة، فأكتفي بعبارة الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، مع حذف طبقة الراوي، وكتابة من أخرج له من أصحاب الكتب الستة بالحروف.
٢ - إِن كان الراوي صدوقا، أو مختلفا فيه، فأنقل فيه أقوال آئمة الجرح والتعديل، المعول عليهم في نقد الرجال، من الكتب العتبرة في هذا العلم. وأختم ذلك بكلام الحافظ ابن حجر في التقريب غالبا.
٣ - إِن كان الراوي من رجال الكتب الستة، وما ألحق بها، فلا أذكر في ترجمته أحدا من شيوخه، ولا تلاميذه، إِلا لفائدة.
٤ - إِذا لم أقف على ترجمة للراوي- وذلك نادر- فإِن كان له ذكر ضمن ترجمة شيوخه، أو تلاميذه، أشرت إِلى ذلك.
الثاني: الحكم على السند:
سرت في هذا وفق المنهج الذي رسمه الحافظ ابن حجر- ﵀ في التقريب حيث قال: إِنحصر لي الكلام على أحوالهم- يعني الرواة- في إِثنتي عشرة مرتبة، وحصر طبقاتهم في إِثنتي عشرة طبقة.
فأما المراتب:
فأولها: الصحابة، فأصرح بذلك لشرفهم.
الثانية: من أكد مدحه، إِما: بأفعل: كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة، لفظا: كثقة ثقة، أو معنى: كثقة حافظ.
الثالثة: من افرد بصفة، كثقة، أو متقن، أو ثبت، أو عدل.
الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا، وإليه الإِشارة بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
[ ١ / ١١ ]
الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلا، وإليه الإِشارة: بصدوق سئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بآخره. ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة، كالتشيع، والقدر، والنصب، والإِرجاء، والتجهم، مع بيان الداعية من غيره.
السادسة: من ليس له من الحديث إِلا القليل، ولم يثبت ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.
السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإِليه الإِشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال.
الثمامئة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إِطلاق الضعف، ولولم يفسر، وإِليه الإِشارة بلفظ: ضعيف.
التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق، وإليه الإِشارة بلفظ: مجهول.
العاشرة: من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح، وإِليه الإِشارة: بمتروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط.
الحادية عشرة: من إِتهم بالكذب.
الثانية عشرة: من أطلق عليه إِسم الكذب، أو الوضع (^١).
- فمن كان من المرتبة الثانية والثالثة صححت إسناده.
- ومن كان من المرتبة الرابعة حسنت إِسناده.
- ومن كان من الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة فقد حكمت بضعف أسانيدهم أن لم يتابعوا، فإِذا توبعوا قلت: حسن لغيره.
- وما كان بعد ذلك حكمت بضعفه أو شدة ضعفه حسب درجته، وإِن توبع.
_________________
(١) التقريب (٧٤).
[ ١ / ١٢ ]
أما إِن كان الراوي من غير رجال التقريب فقد سرت في ذلك وفق الضوابط التالية: -
١ - أن كان الراوي من طبقة كبار التابعين، الآخذين عن الصحابة -رضوان الله عليهم- ولم يثبت فيه جرح، وهو عادة ممن يذكرهم ابن حبان في الثقات، فإِني أحسن حديثه، لكونه عدلا في الظاهر، ولتعذر معرفة العدالة الباطنة له.
قال الحافظ ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة، في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم (^١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر هذه المسألة: ورجح ذلك سليم بن أيوب الرازي، الفقيه، ووافقه ابن الصلاح، وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات (^٢).
٢ - من سكت عنه الإِمام البخاري، وابن أبي حاتم، أو أحدهما، توقفت في الحكم عليه، حتى يتبين أمره، فإِن توبع براوٍ معتبر حسنت حديثه.
٣ - من لم أقف على ترجمته من الرواة، توقفت في الحكم على حديثه ولم أحكم عليه بالجهالة، رجاء وجود جرح أو تعديل فيه، في كتب الرجال التي لم ينشر كثير منها بعد.
وفق هذا المنهج سرت في حكمي على أسانيد الأحاديث المرفوعة المسندة في التأريخ الكبير.
٤ - تخريج الحديث تخريجا موسعا في جميع ما وقفت عليه من كتب السنة، مع الإِشارة إِلى الشواهد والمتابعات حيث الحاجة.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (١٢٢).
(٢) الباعث الحثيث (٩٢).
[ ١ / ١٣ ]
٥ - تخصيص مساحة لا بأس بها -حيث الحاجة- لذكر علل الحديث الواردة فيه، وترجيع ظهر لي في رجحانه. وهذا أملاه على "منهج التعليل" الذي راعاه البخاري في "تاريخه الكبير".
٦ - شرح الغريب والتعريف بالمواضع.
٧ - عمل فهارس علمية لهذه الدراسة، وهي: -
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث النبوية على حروف المعجم.
٣ - فهرس الأحاديث على الأبواب الفقهية.
٤ - فهرس الرواة والأعلام.
٥ - فهرس المواضع.
٦ - فهرس مصادر البحث.
٧ - فهرس الموضوعات.
وقد إِقتضى العمل في هذا الموضوع تقديم دراسة مركزة تتناول جوانب تتعلق بهذا الموضوع من "التأريخ الكبير".
وقد خصصت الفصل الأول لإِلقاء بعض الأضواء على شخصية الإِمام البخاري، سلكت فيها مسلكا نافعا -إِن شاء الله تعالى-.
أما الفصل الثاني فدرست فيه "مصنفات" الإِمام البخاري، وأجبت على بعض الإِشكالات حول بعض مصنفاته.
والفصل الثالث قدمت فيه تقويما للطبعة المتداولة من "التأريخ الكبير" ما لها وما عليها، وإستعرضت فيه النسخ الخطية الموجودة من هذا الكتاب، مع إِبداء بعض الآراء فيها.
أما الفصل الرابع فخصصته لذكر المصادر التي إِعتمد عليها البخاري في الأحاديث المرفوعة المسندة في "التأريخ الكبير".
[ ١ / ١٤ ]
والفصل الخامس أفردته للمشايخ الذين روى عنهم البخاري الأحاديث المرفوعة المسندة في "تأريخه الكبير".
أما الفصل السادس فاستعرضت فيه منهج البخاري في "تأريخه الكبير" درست فيه بعض ملامح هذا المنهج.
ثم ختمت هذه الدراسة بخاتمة ضمنتها أهم النتائج والأحصاءات التي توصلت إِليها من خلال هذه الدراسة.
وبعد ..
فهذه "بداية" عمل جاد -إن شاء الله- في "التأريخ الكبير" وأقول "بداية" تيمنا بأن تتبعها "دراسات" أخرى لا تقل عنها في الحجم ولا في المستوى، وأسأل الله أن ييسر لي ذلك، وأن يتقبل مني هذا العمل، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
* * *
[ ١ / ١٥ ]
القسم الأول