الأمر الذي لا نزاع فيه أن البخاري ﵀ صنف التواريج الثلاثة "الكبير"، و"الأوسط" و"الصغير"، ولكن لم أقف على نص يفيد أنه سماها بما اشتهرت به، ويبدو أن ذلك وصف لها، وليس باسم، وإِنما مرد ذلك إِلى القدر الذي إِشتملت عليه من مادة علمية وبمطالعة الورقة الأولى من كتاب التاريخ المطبوع باسم الصغير نجد هذه العبارة:
… حدثنا محمد بن اسماعيل البخاري، قال: "كتاب مختصر من تاريخ النبي ﷺ، والمهاجرين والأنصار، وطبقات التابعين لهم بإِحسان ومن بعدهم" (^١).
وجاء في الورقة الأولى من كتاب التاريخ الأوسط (^٢) ما يلي:
.. التاريخ في معرفة رواة الحديث، ونقله الآثار، والسنن وتمييز ثقاتهم من ضعفائهم، وتاريخ وفاتهم .. (^٣).
ولكن الذي يميز ذلك الوقوف على النسخة ومعرفة رواتها عن المصنف.
ثم وقفت على كتاب الأعلام لابن ناصر الدين الدمشقي في ترجمة زنبييل
فقال: فإِن البخاري له ثلاثة تواريخ فروى الكبير .. والأوسط .. والصغير.
ووقفت على حديث "كفارة المجلس" نقله ابن رشيد من "التاريخ الأوسط"، وهو من رواية زنجويه بن محمد غير أنه قال: رواه البخاري في "تاريخه
_________________
(١) (١/ ٢٣).
(٢) وهذه العبارة وردت في أول النسخة الخطية التي وقفت عليها أخيرا وهي نسخة د/ أحمد سيف.
(٣) أول النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة سراي مدينة، بتركيا برقم (٥٢٤). انظر تاريخ التراث (١/ ٢٥٧).
[ ١ / ٨٦ ]
الصغير "وقد ساق بإِسناده عن أبي ذر الهروي، عن زنجويه بن محمد (^١)، وهذا السماع مثبت في صدر "التاريخ الصغير" الذي تقرر أنه "الأوسط"، وقد تكرر ذلك في مواضع داخل الكتاب، والحديث ذكره البخاري في "الأوسط المعروف بالصغير بلفظه (^٢).
ومحقق كتاب التاريخ المعروف بالصغير قال: كتاب التاريخ الصغير، هذا الكتاب يرويه عن الإِمام -يعني البخاري- عبد الله بن محمد الأشقر (^٣).
قلت: نعم، التاريخ الأوسط رواه ابن الأشقر، ولكن الذي سماه بالصغير هو المحقق وهو في حقيقته الأوسط رواه زنجويه بن محمد، ولو تأمل المحقق ذلك لوجده في الورقة الأولى من الكتاب، وكذا في بداية كل جزء من أجزاء الكتاب غالبا.، ويبدو أنه قد إِعتمد على طبعة الهند التي نشرت على هامش كتاب رجال الطحاوي من قبل محمد الجعفري، في مدينة الله أباد سنة ١٣٢٤ هـ، اذ أن المحقق لم يذكر أنه قد إِعتمد أي نسخة خطية.
وقد ذكر الشيخ المعلمي أنه توجد نسخة من كتاب "التاريخ الأوسط "بمكتبة الجامعة العثمانية بحيدر أباد الدكن- بالهند (^٤)، فكلفت الشيخ عبدالشكور فدا وهو كتبي معروف بتصوير نسخة من كتاب، ثم أخبرني أنه قد إِلتقى بالشيخ حبيب الرحمن الأعظمي الذي إِهتم بهذا الموضوع وأفاده بانه يمتلك نسخة مصورة من الكتاب وأنه قد قارنه بالتاريخ الصغير فإِذا هو أياه. وبهذا يتضح أن المطبوع باسم الصغير، إِنما هو الأوسط.
_________________
(١) السنن الأبين (١٢٦).
(٢) (٢/ ٤٠)
(٣) (١/ ٢٢).
(٤) جاء ذلك في مقدمة الموضح لأوهام الجمع والتفريق (١/ ١١) ومقدمة تاريخ جرجان (٨). ثم وقفت على نسخة مصورة من الأصل المحفوظ بمكتبة الشيخ البسام بعينزة، وعنوانها "التاريخ الأوسط" برواية زنجويه بن محمد، ثم طبع الكتاب باعتناء أحد الفضلاء، اعتمادا على نسختين احداهما رواية زنجويه، والثانية رواية الخفاف، وكان المنهج العلمي يقتضي نشر كل رواية على حده، خاصة بعد أن ذكر الحافظ ابن حجر أن رواية زنجويه مخالفه لرواية الخفاف في شيء كثير.
[ ١ / ٨٧ ]