لم يكتف الأمام الذهلي بخروج البخاري من نيسابور، بل لاحقه بكتابة رسائل إِلى علماء البلاد الأخرى، بل وإِلى بعض الولاة يحرضهم علي مقاطعة الإِمام البخاري. قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (^١): قدم محمد أبن إِسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إِليهما محمد بن يحيي أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق. وروي أحمد بن منصور الشيرازي قال: سمعت بعصْ أصحابنا يقول: لما قدم أبو عبد الله بخارى نصب له القباب علي فرسخ من البلد، وإستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور إِلا إِستقبله، ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير، فبمَي أياما. قال: فكتب بعد ذلك محمد بن يحيي الذهلي إِلى خالد بن أحمد أمير بخارى: أن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه علي أهل بخارى، فقالوا: لا نفارقه، فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج (^٢).
والحقيقة أن سبب خروجه من بخارى ليس هو كتاب الذهلي فقط، بل هناك سببان آخران:
الأول: أن هناك نفرة بين أمير بخارى وبين البخاري، سببها الموقف العزيز
_________________
(١) ٧/ ١٩١.
(٢) السير (١٢/ ٤٦٣).
[ ١ / ٧٠ ]
الذي وقفه البخاري عندما طلب هذا الأمير من البخاري أن يحمل العلم الشريف إِلى أبوابه السلطانية.
قال غنجار في "تاريخه": سمعت أبا عمرو: أحمد بن محمد المقرئ، سمعت بكر بن منير بن خليد بن عسكر يقول: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إِلى محمد بن إِسماعيل أن أحمل إِلى كتاب "الجامع" و"التاريخ" وغيرهما لأسمع منك. فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إِلى أبواب الناس. فإِن كانت لك الي شئ منه حاجة، فاحضر إِلى مسجدي، أو في داري. وإِن لم يعجبك هذا فأنك سلطان، فامنعني من المجلس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم، لقول النبي ﷺ: "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" (^١) فكان سبب الوحشة بينهما هذا (^٢).
وقال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر ابن أبي عمرو الحافظ البخاري يقول: كان سبب منافرة أبي عبد الله أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة الطاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله، فيقرأ "الجامع" و"التاريخ"علي أولاده، فامتنع عن الحضور عنده، فراسله بأن يعقد مجلسا لأولاده، لا يحضره غيرهم، فامتنع، وقال: لا أخص أحدا. فإِستعان الأمير بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد (^٣).
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد (٢/ ٢٦٣ و٣٠٥ و٣٤٤ و٣٥٣ و٤٩٥)، وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي (٢٦٥١) وابن ماجة (٢٦١) و(٢٦٦)، وحسّنه النرمذي وصححه ابن حبان (٧٥) وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو صححه ابن حبان (٩٦)، والحاكم (١/ ١٠٢)، ووافقه الذهبي.
(٢) سير النبلاء (١٢/ ٤٦٤ و٤٦٥).
(٣) سير النبلاء (١٢/ ٤٦٤ و٤٦٥).
[ ١ / ٧١ ]
الثاني: أن الذين يمسكون الزعامة الدينية في بخارى كانوا ممن يخالفون البخاري في بعض آراءه الفقهية، وهم ممن ينتسبون إِلي "أهل الرأي" وعلى رأس هؤلاء: حريث بن أبي الورقاء، وهؤلاء كانت لهم علاقة وطيدة بأمير بخارى، بخلاف البخاري. وقد مر معنا ما يشير إِلى أن هؤلاء كانوا وراء هجرة البخاري من بلده بخارى، وبحثه عن دار له يقيم فيها، يتنفس فيها الحرية وينشر علمه وآراءه فيها. قال الحاكم: حدثنا خلف بن محمد، حدثنا سهل بن شاذويه قال: كان محمد بن إِسماعيل يسكن سكة الدهقان، وكان جماعة يختلفون إِليه، يظهرون شعار أهل الحديث من افراد الإِقامة، ورفع الأيدي في الصلاة وغير ذلك. فقال حريث بن أبي الورقاء وغيره: هذا رجل مشغب، وهو يفسد علينا هذه المدينة، وقد أخرجه محمد بن يحيي من نيسابور، وهو إِمام أهل الحديث، فاحتجوا عليه بابن يحيي، وإِستعانوا عليه بالسلطان في نفيه من البلد، فأخرج. وكان محمد بن إِسماعيل ورعا، يتجنب السلطان ولا يدخل عليهم (^١).
وهكذا إِضطر الإِمام البخاري إِلى مفارقة بخارى بسبب هذه الأحداث المؤلمة، وآلمها هو أن يكون سببها المباشر هو إِخوانه في العلم الذين مالؤا السلطان عليه، ومع هذا فلم يفكر يوم خروجه من بخارى إلا بسلامة دينه خشية أن يتعرض لفتنة أكبر قد لا يستطيع الصبر عليها.
قال إِبراهيم بن معقل النسفي: رأيت محمد بن إِسماعيل البخاري في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى، فتقدمت إِليه، فقلت: يا أبا عبد الله، كيف ترى هذا اليوم من اليوم الذي نثر عليك فيه ما نثر؟ فقال: لا أبالي إِذا سلم ديني (^٢).!!
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٦٥).
(٢) السير (١٢/ ٤٦٣).
[ ١ / ٧٢ ]