وهذا موضع إِجماع عند جميع من لقي البخاري من شيوخه وأقرانه وتلاميذه، بل وكل مشتغل بفن الرواية والدراية إِلى يوم الناس هذا (^٢) - فهو- ﵀.
كان من أذكياء الدنيا، وذكاؤه ذكاء خارق، ينفذ إلي طيات النصوص والالفاظ، يستخرج منها ما حير الأذكياء المتخصصين في فنون الحديث.
وهذا الذكاء النادر ظهرت بوادره منذ الطفولة.
قال البخاري: ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إِلي الداخلي وغيره. فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبى الزبير، عن
_________________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٧)، سير النبلاء (١٢/ ٣٩٣)، هدي الساري (٤٧٨).
(٢) انظر مبحث "ثناء العلماء عليه".
[ ١ / ٢٥ ]
إبراهيم، فقلت له: إِن أبا الزبير لم يرو عن إِبراهيم. فإِنتهرنى، فقلت له: إِرجع إِلي الأصل. فدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لى: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدى، عن إِبراهيم، فأخذ القلم منى، وأحكم كتابه، وقال: صدقت. فقيل للبخارى: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إِحدي عشرة سنة. (^١)
إِن ذكاء البخاري اختصر له الزمن، فإِستطاع أن يجمع في ذاكرته ما عجز عنه شيوخه وأقرانه. وكذلك سهل له إِستنباط ما حير به عقول اللاحقين.
قال حاشد بن إِسماعيل: كان البخارى يختلف معنا إِلي مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فلمناه بعد ستة عشر يوما فقال: قد أكثرتم علي فأعرضوا على ما كتبتم. فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. وقال أبو بكر بن أبى عياش الأعين: كتبنا عن محمد بن إِسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفريانى. (^٢)
قال ابن حجر: كان موت الفرياني سنة اثنتي عشرة ومائتين وكان سن البخاري إِذ ذاك نحوا من ثمانية عشر عاما أو دونها. (^٣)
والأخبار في قوة حفظ البخارى وسيلان ذهنه كثيرة جدا، إِنما أردت أن أشير إِلي أن الذكاء الخارق كان من المقومات الكبرى لهذه الشخصية الفذة.