سأله وراقه يوما فى خلوة: هل من دواء يشربه الرجل فينتفع به للحفظ؟ فقال البخارى: لا أعلم. ثم أقبل عليه وقال: لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر. ثم قال البخارى: وذاك أنى كنت بنيسابور مقيما، فكانت ترد إِليَّ من بخاري كتب، وكن قرابات لي يقرئن سلامهن فى
_________________
(١) هدي السارى (٤٧٧).
(٢) المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق.
[ ١ / ٢٧ ]
الكتب، فكنت أكتب كتابا إِلي بخارى، وأردت أن أقرئهن سلامى، فذ هب على إِساميهن كتبت كتابى ولم أقرئهن سلامى، وما أقل ما يذهب عنى من العلم!! هـ (^١).
فأنت تري هنا أنه ينسى أسماء قريباته، ولا ينسي أسماء آلاف الرواة ومساكنهم ووفايتهم، كانه لا قريب له إِلا العلم.
ولقد وهب البخارى وقته كله للعلم، وتفرغ تفرغا تاما لهذا الأمر، وأخلص نيته في ذلك، فبورك له فى علمه، وانتفعت به أجيال المسلمين.
قال هانئ بن النضر: كنا عند محمد بن يوسف -يعنى: الفريابي- بالشام، وكنا نتنزه -فعل الشباب فى أكل الفرصاد ونحوه- وكان محمد بن اسماعيل معنا، وكان لا يزاحمنا في شئ مما نحن فيه، ويكب علي العلم (^٢).
والأخبار تشير إِلي أن البخاري كان يتعبد بطلب العلم، فلا يقل سهره عي العلم عن سهره علي العبادة، بل تراه يتلذذ بالسهر علي العلم، ويستطيب السفر الطويل، والإِغتراب المتواصل في سبيل العلم.
قال وراقه: كان أبو عبد الله إِذا كنت معه فى سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانا، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إِلي عشرين مرة، فى كل ذلك يأخذ القداحة، فيوري نارا بيده ويسرج، ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها، ثم يضع رأسه. (^٣)
وقال الفربرى: كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري بمنزله ذات ليلة،
_________________
(١) سير النبلاء (١٢/ ٤٠٦).
(٢) سير النبلاء (١٢/ ٤٠٥). والفرصاد: التوت الشامى، ويكثر فى تلك البلاد، وينبت علي حواف الشوارع والأنهار، وهو إِلي وقت قريب -كما حدثونا- لا يباع لكثرته، فيباح بدون ثمن.
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ٣).
[ ١ / ٢٨ ]
فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها فى ليلة ثماني عشرة مرة (^١).
وهاتان كما تري صورتان، صورة فى السفر، وأخري فى الحضر، ما كان البخارى فيها يتلذذ بدفئ الفراش كما يتلذذ بتسجيل الفكرة الواردة علي خاطره، يسجلها قبل أن تضيع منه.
أى همة هذه؟ وأي إِخلاص هذا الذي يملك علي الإِنسان فكره وراحته؟
ولا يظنن القارئ أن فكر البخارى حين التأمل يرجع بما لا طائل منه، فساعة من هذا التفكير تتوارد فيه إِليه الخواطر النافعة بل المذهلة حقا.
قال ﵀: تذكرت يوما أصحاب أنس، فحضرني فى ساعة ثلاثمائة نفس (^٢).
قال وراقه: سمعته يقول: ما نمت البارحة حتي عددت كم أدخلت في تصانيفى من الحديث، فإِذا نحو مائتى ألف حديث (^٣).
أما عن أسفاره ورحلاته فى طلب الحديث فهذا شئ يطول، لكن لابد من الوقوف علي أمر هام فى هذه الرحلات، وهو طول الإِقامة فى المركز العلمي الذى يصل إِليه، وعلي الخصوص إِذا كان فيه من الشيوخ ما يستوجب هذه الإِقامة. قال ﵀: أقمت بالبصرة خمس سنين (^٤).
وقال: دخلت إِلي الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلي البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إِلي الكوفة وبغداد مع المحدثين.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) هدى الساري (٤٨٨).
(٣) المرجع السابق (٤٨٧).
(٤) هدى الساري (٤٨٨).
[ ١ / ٢٩ ]