إِن السيرة العلمية للبخاري جديرة أن يقف عندها الباحث، فقد عرفنا أنه رزق المؤهلات التى تؤهله للطلب، من الذكاء، وفراغ البال من العيش، وصلاح البيئة، وصلاح الأهل، وطيب المطعم، وكذلك رزق الأخلاص في الطلب، ومحبة الصالحين من شيوخه وأقرانه، كما حقّته دعوات أهل الخير ممن عرفوا قدره، الى غير ذلك من توفيق الله تعالي لهذا الإِمام. لكن ما هو الجهد الذي بذله هذا الإِمام للوصول إِلى ما وصل اليه؟ إِنّ يد العناية قد أهدت اليه ما يستطيع به أن يبلغ الذروة، فبماذا قابل الإِمام كل ذلك؟
لقد اختطّ لنفسه منهجًا جديدا وحازمًا في الطلب، فكان عجبًا من العجب، أثار انتباه غير واحد من فحول ذلك الزمن.
فقد ألقي في قلبه حفظ الحديث، فبدأ يحفظه وهو لم يتخرّج من الكتاب بعد. فما أن تخرّج منه إِلا وهو يحفظ ما يقارب السبعين ألف حديث. وهذا من غرائب الأمور في التحصيل العلمي يومذاك. لأن من يتخرّح من الكُتّاب يكون قد أتم حفظ القرآن. أما أنه كان يحفظ معه (سبعين ألف حديث) فهذا موضع العجب الذي لا ينتهي.
قال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي: لو جئتَ مِن قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث!! (^١)
والعجب أنه لم يكن يحفظ حفظا تقليديا كما يحفظ من في سنّه، بل كان يحفظ حفظ الأدباء العقلاء الفقهاء، فكان يُعْمِل فكره في الاسناد، كما يجهد عقله في المتن.
قال سليم بن مجاهد -متمما للخبر السابق: "فخرجت في طلبه حتى
_________________
(١) هدي الساري: ص (٤٨٣). وقارن هذا بقول إِسحاق بن راهوية فبعد أن تصدّر وجلس للفتوى جعل يقول: (كأني أنظر إِلى سبعين ألف حديث من كتابي). السير: ١٢/ ٤١٦.
[ ١ / ٣٠ ]
لقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: "نعم، وأكثر منه، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين إِلا وعرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم". (^١)
وقال: وراقه: سمعته يقول: لم تكن كتابتي الحديث كما يكتب هؤلاء، كنت إذا كتبت عن رجل، سألته عن اسمه، وكنيته، ونسبه، وعلّة الحديث ان كان فهما- فان لم يكن سألته أن يُخرج لي أصله، ونسخته، وأما الآخرون فلا يبالون ما يكتبون، ولا كيف يكتبون (^٢).
وقال بكر بن منير: سمعت البخاري يقول: كنت عند أبي حفص: أحمد ابن حفص أسمع كتاب "الجامع" لسفيان الثوري -من كتاب والدي- فمرّ أبو حفص على حرف ولم يكن عندي ما ذكر- فراجعته الثانية، فقال الثانية كذلك، فراجعته فسكت. ثم قال: مَنْ هذا؟ قالوا: ابن إِسماعيل. فقال أبو حفص: هو كما قال، واحفظوا أنّ هذا يصير يوما رجلا. أهـ. (^٣)
قال عباس الدوري: ما رأيت أحسن طلبا للحديث من محمد بن إِسماعيل، كان لا يدع أصلًا ولا فرعًا إِلا قلعه. (^٤)
وقال الدارمي: لم يكن يُشْبه طلب محمد للحديث طلبنا، كان إذا نظر في حديث رجل أنزفه. (^٥)
قلت: وقد مرّ بنا كيف ردّ على أحد شيوخه يصحح له اسمًا في الإِسناد، وهو لم يبلغ الحادية عشرة من العمر.
فهذه الطريقة البارعة في الطلب، وهي طريقة التفكّر والتأمل والملاحظة،
_________________
(١) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٤ - ٢٥. تهذيب الكمال: ص (١١٧٠).
(٢) تغليق التعليق: ٥/ ٣٨٩.
(٣) تاريخ بغداد: ٢/ ١١.
(٤) تغليق التعليق: ٥/ ٣٨٩. وانظر: سير النبلاء: ١٢/ ٤٠٦.
(٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٧.
[ ١ / ٣١ ]
وما انضاف اليها من الالهام والذكاء والنهم، أهّلت البخاري أن يدرك في صباه ما لم يدركه الكبار إِلا قُرب انتهاء الأعمار.
هذا ما كان البخاري يعانيه في الصبا. ثم قال هو عن نفسه: "فلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء" (^١). ويريد بقوله (هؤلاء): أهل الرأي، كما أفاد ابن حجر.
وهنا نجد البخاري خطا خطوة أخرى بل أتمها ولم يتم السادسة عشرة من عمره، وهو حفظه كتب الفقه المصّنفة في زمانه، وكذلك معرفة كتب أهل الرأي الشائعة في ذلك العهد. وهكذا جمع بين علم الرواية جرحا وتعديلا، واسنادا وتعليلا، وبين علم الدراية فقها واستنباطا. وهذا ما أهّله لـ "مناطحة الكباش"- كما عبّر بذلك أحد من كان يحضر مجلس شيخه أبي عاصم النبيل.
قال محمد بن قتيبة البخاري: كنت عند أبي عاصم النبيل، فرأيت عنده غلاما، فقلت له: من أين أنت؟ قال: من بخارى. قلت: ابن من؟ قال: ابن إِسماعيل، فقلت: أنت من قرابتي. فقال لي رجل بحضرة أبي عاصم: هذا الغلام يناطح الكباش. (^٢)
قال ابن حجر: يعني: يقاوم الشيوخ.
قلت: وليس هذا فحسب بل أهّله لمرتبة أخرى وهي "التصنيف".
قال البخاري: "فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنّفت كتاب التأريخ اذ ذلك عند قبر الرسول ﷺ في الليالي المقمرة". (^٣)
قلت: التأريخ الكبير سنتحدث عنه في غير هذا الموضع، ويكفي أن
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي: ٢/ ٢١٦. وهدى الساري: ص (٤٧٨).
(٢) هدي الساري: ص (٤٨٢).
(٣) تأريخ بغداد: ٢/ ٦ - ٧. وتذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٥٥.
[ ١ / ٣٢ ]
شيخه إِسحاق بن راهويه سمّاه "السحر". وأن البخاري أفاد أن بعض مشايخه لو بعثوا من قبورهم لما عرفوا طرقه تصنيفه للتاريخ. وأما "قضايا الصحابة والتابعين" فلم يصلنا بعد. وعبيد الله بن موسي العبسي توفي سنة (٢١٣) على الصحيح، وهو من شيوخ البخاري. أي أن البخاري عانى التصنيفى حقا وهو في سن السابعة عشرة من عمره، أو كما قال: طعن في الثامنة عشرة.
ويبدو مِن وصف هذا الكتاب أنه في "الفتاوى" التي أفتى بها الصحابة والتابعون مما لم يكن منصوصا عليه أي هو بتعبير آخر: "فقه الصحابة والتابعين". وهذه التفاتة ذكية من هذا الشاب اليقظ تحاول ارجاع الفقه إِلى أصوله الأولى وتقف حائلا دون التفريعات البعيدة عن أصولها. بمعنى أنه أراد أن يقول: ان هناك أمورا اجتهد فيها الصحابة والتابعون فلا حاجة للإِجتهاد فيها مرّة أخري، فهم أقرب منا إِلى النبي ﷺ واجتهادهم أولى أن يتَّبع من اجتهادنا.
وأنت ترى أن هذا أمر ليس بالهيّن -أعني التصنيف في هذا الجانب من جواب العلم- لأنه يقتضي احاطة تامة بما هو منصوص عليه وما هو غير منصوص عليه من مسائل الفقه، ومن لم يكن بهذا المستوي من الأحاطة فليبتعد عن هذا الحقل من التصنيف، لآن ذلك يؤدي إِلى تداخل ما هو منصوص عليه بغيره، وبذلك تضطرب الضوابط التي يقوم عليها هذا النوع من التصنيف. والبخاري قد أقحم نفسه في ذلك بثبات ورباطة جأش، وهو لم يتم الثامنة عشرة من عمرة.