إذا تحدد المقصد واستقر، ووضحت الغاية واستنارت، فان طالبها يمضي إليها بخطى ثابتة مدروسة، لايلوي على شيء، ولا تشغله دنياه عنها.
ومن توفيق الله تعالى للبخاري أن هدفه في حياته وضحت معالمه وهو في
[ ١ / ٣٣ ]
عهد الصبا. فالغاية التي كان يرمي إليها البخاري من كل ما تعلّمه، ووقف حياته عليها، كانت: ربط جميع تصرفات الانسان المسلم بأصل شرعي يستند إليه. ونلحظ ذلك عندما قال لورّاقه: "إِني ما أتيت شيئا بغير علم منذ عقلت". (^١)
وقال: "ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في كتب أهل الرأي، وما تركت بالبصرة حديثا إِلا كتبته". (^٢)
وقال لوراقة يوما: "لا أعلم شيئا يُحتاج اليه إِلا وهو في الكتاب والسنة".
قال: فقلت له: يمكن معرفة ذلك؟ قال: نعم. (^٣)
ولأجل هذه الغاية وضع البخاري جميع تصانيفه، ولو تأملها الباحث لما وجدها تخرج عن هذا الاطار. فـ "قضايا الصحابة والتابعين" و" الجامع الصحيح" و"الإِعتصام"، و"جزء القراءة خلف الإِمام "، ورفع اليدين في الصاة" وغيرها كلها تصب في هذا المسار ولا تحيد عنه.
فالبخاري اذن ملك وسائل هذه الغاية، من علم واسع، وذكاء خارق، وهمّة عالية، ولا بدّ له من الناصر والمؤازر.
وقد وجد البخاري في شخص الإِمام أحمد ﵀ النموذج الذي يمكن التعاون معه لهذه الغاية العظمى، فالهدف عندهما متّحد، وتوافق الآراء بينهما قائم إِلى حد بعيد. وكذلك كان الإِمام أحمد- وقد قطع في غايته هذه أشواطا بعيدة- كان يرى في شخصية الإِمام البخاري ذلك العنصر الناضج الذي يمكن الاستفادة من طاقاته الكبيرة في خدمة السنة في عاصمة الخلافة العباسية.
_________________
(١) الوافي بالوفيات: ٢/ ٢٠٨. وطبقات الشافعية للسبكي: ٢/ ١٠.
(٢) هدي الساري: ص (٤٨٨).
(٣) المرجع السابق.
[ ١ / ٣٤ ]
لقد كان الإِمام أحمد يتفرّس في الرجال، وتفكّر يوما في علماء خراسان فقال: أخرجت خراسان ثلاثة: أبو زرعة، ومحمد بن إِسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد عندي أبصرهم وأعلمهم، وأفقههم. (^١) وروى عنه ابنه عبد الله قال: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إِسماعيل. (^٢) ولذلك كان الإِمام أحمد حريصا على أن يبقي الإِمام البخاري إِلى جانبه، لما يرى من أخلاصه، وسعة علمه، واجتماع القلوب عليه، بل كان يراه أحق الناس بخلافته واكمال مسيرته. قال البخاري: (دخلت بغداد ثماني مرّات، في كلها أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي: يا أبا عبد الله، تدع العلم والناس، وتصير إِلى خراسان؟!!. قال البخاري: فأنا أذكر قوله الآن) (^٣)
الإِمام أحمد كان يرى أن منزلة بغداد من أقطار الخلافة الاسلامية بمنزلة الرأس من الجسد، وبغداد كانت تملك من عوامل التأثير في أقطار الخلافة ما لا يمكن عكسه. ولم يدرك البخاري ذلك الابعد قوات الأوان، فإنه ترك بغداد وذهب للإِقامة في نيسابور، وبقي فيها خمس سنين، ثم وقعت الفتنة التي أدّت إِلى خروجه من نيسابور، فتذكر يومها قول الإِمام أحمد حتى قال البخاري: (فأنا أذكر قوله الآن).
ولعل هدف البخاري كان نشر العلم في تلك الأقطار، إذ أن بغداد قد كُفِيتْ ذلك بمثل الإِمام أحمد ﵀.
* * *
_________________
(١) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٨.
(٢) المرجع السابق: ٢/ ٢١.
(٣) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٢ - ٢٣.
[ ١ / ٣٥ ]