أبو عمر العتيبي
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ .
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي؛ هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فهذا بحث أذكر فيه الأحاديث التي تراجع الشيخ الألباني عن تضعيفها، فصححها بعد أن كان حكم بضعفها.
ولتراجع الشيخ عن تضعيف حديث عدة أسباب منها:
١/ السهو والغلط مما لا يسلم منه أحد من بني البشر، وقد نص الشيخ الألباني على ذلك السبب في عدة مواطن من كتبه منها قوله في الصحيحة (٧/١٢١): [وقع حديث الترجمة سهوًا في ضعيف الجامع (٧٢٢٥)، وهو من حق صحيح الجامع، فلينقل إليه، وأستغفر الله وأتوب إليه] .
وقد يكون الغلط بسبب انتقال بصر الشيخ من ترجمة رجل لآخر أو سند لآخر -كما في حديث: «اللهم أحيني مسكينًا » الإرواء (٨٦١)، ونحو ذلك.
وقد يكون ذهولًا بغير سبب -بل ناتج عن الطبيعة البشرية- كأن يكون في السند انقطاع، أو جهالة راوٍ، أو اشتباه راوٍ بآخر، أو نكارة في المتن -وهذا نادر، كما في حديث "المطاهر"-، ونحو ذلك؛ فلا يتنبه له الشيخ، ثم يتنبه له بعد ذلك، أو يُنّبَّهُ إلى ذلك فيتنبه.
وانظر السبب السادس هنا.
٢/ تغير اجتهاد الشيخ في حال الراوي الذي عليه مدار الحديث، ومثال ذلك رواية درَّاج أبي السمح فقد كان الشيخ الألباني يضعف روايته مطلقًا، ثم تغير اجتهاده؛ فصار يحسن حديثه في غير روايته عن أبي الهيثم.
قال الشيخ الألباني -﵀- في الصحيحة (٣/١١٨٩): [ فإن درَّاجًا مستقم الحديث إلا ما كان عن أبي الهيثم؛ كما قال أبو داود، وتبعه الحافظ؛ وهو الذي اطمأنت إليه النفس وانشرح له الصدر أخيرًا، كما كنت بينته تحت الحديث المتقدم (٣٣٥٠)] .
وكذلك رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، انظر -مثلًا- الصحيحة (٧/١٣٦٧) .
وكذلك توثيقه للمستور إذا روى عنه جمع من الثقات ولم يأت بما يُنْكَر.
وانظر لذلك "صحيح الترغيب والترهيب" (١/مقدمة الجديدةص٣-٨-طبعة المعارف الجديدة الكاملة) .
٣/ تغير اجتهاد بالنظر إلى طرق الحديث وشواهده فيراها صالحة لتقوية الحديث بخلاف ما كان عليه سابقًا وأمثلته كثيرة سيأتي ذكر بعضها -إن شاء الله تعالى-.
٤/ عدم وقوف الشيخ على إسناد حديث "ما"، فيقلد فيه الشيخ من سبقه من الحفاظ والعلماء -ولا يسعه إلا ذلك-، فلما وقف على تلك الأسانيد والطرق صحح الحديث أو حسنه.
وقد يكون الأمر على العكس من ذلك، فرُبَّ حديث حسنه أو صححه تقليدًا لمن سبقه، ثم لما وقف على سند الحديث تبين له ضعفه وعلته، وخطأ من حسنه أو صححه.
مثال: قال الشيخ في الصحيحة (٧/١٤١٣): [وبهذا التحقيق يتبين تقصير المنذري في قوله في الترغيب (٢/٢٥): "رواه الطبراني في الكبير والبيهقي وفيه ابن لهيعة"! ونحوه قول الهيثمي في المجمع (٣/١١٠): "رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام"
[ ١٧٩ ]
ففاتهما متابعة الحسن بن ثوبان وعمرو بن الحارث المقوية له، مما ورطني قديمًا -وقبل طبع المعجم الكبير- أن أخرِّجَ الحديث في الضعيفة برقم (٣٠٢١) متابعة مني لهما، ولا يسعني إلا ذلك؛ ما دام المصدر الذي عزواه إليه لا تطوله يدي؛ كما كنت بينت ذلك في مقدمة كتابي صحيح الترغيب والترهيب] .
وانظر الصحيحة (٧/١٤١٧) ومقدمة صحيح الترغيب.
٥/ طبع بعض المصادر والمراجع التي لم تكن طبعت من قبل وفيها من الطرق والمتابعات والشواهد ما يبين ثبوت الحديث أو إعلاله.
مثل: طبع صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، والمعجم الكبير والأوسط، ومصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند البزار، وغيرها من الكتب.
٦/ الخطأ والتقصير فلا يستفرغ الشيخ وسعه في الحكم على الحديث لأسباب عارضة يكون الشيخ -﵀- معذورًا فيها -إن شاء الله تعالى-، فيقع الخلل في حكمه على الحديث بسبب ذلك.
وهذا من طبع البشر فَـ"كل بني آدم خطاء".
ومن أمثلة ذلك تعليقاته على المشكاة ففيها -مع ما فيها من تحقيق- تقصير واضح، وكذلك وقع الخلل في عدد غير يسير من أحاديث ضعيف الجامع وصحيحه.
وانظر -مثلًا-: الصحيحة (٧/١٥١٨-١٥١٩رقم٣٥٥٩)،
إلى غير ذلك من الأسباب.
-----
وبعد ذكر بعض الأسباب لتراجع الشيخ عن حكمه على حديثٍ "ما"؛ أذكر منهجي في هذه البحث فهو على النحو التالي:
١/ أذكر متن الحديث الذي تراجع الشيخ عن تضعيفه، وأذكر أمامه حكم الشيخ عليه مؤخرًا.
٢/ أذكر المصدر الذي كان الشيخ قد ضعفه فيه.
٣/ أذكر الموضع الذي تراجع الشيخ فيه عن التضعيف مع نقل نصِ كلام الشيخ -﵀- في الموضع المذكور.
٤/ إذا كان عندي ملاحظة أو تعليق عقبت بعد ذكري ما سبق.
٥/ أقتصر هنا على المواضع التي صرح الشيخ بتراجعه عن حكمه السابق أو أشار إلى ذلك، ولم أكلِّف نفسي تتبع جميع الأحاديث من جميع مؤلفات الشيخ فقد يكون قد تراجع عنها ولم يبين ذلك لأن هذا يحتاج إلى جهد مضاعف، ولعله يتيسر فيما بعد؛ فأجعله ملحقًا بهذا البحث -إن شاء الله تعالى-.
٦/ سأبدأ من المجلد السابع -إن شاء الله تعالى-، وسأكتب هذا البحث على حلقات متتابعة -إن شاء الله تعالى- في كل حلقة خمسة أحاديث.
وأخيرًا أنبه إلى أمر مهم:
هذا البحث إنما هو تقريب وتيسير لطلاب العلم، ولمعرفة آخر أقوال الشيخ -﵀- في الحديث، وفيه ثمرة علمه واجتهاده وطول ممارسته.
ولا يلزمني أن أبين رأيي في الحكم الأخير الصادر عن الشيخ فقد يكون -﵀- مصيبًا، وقد يكون مخطئًا في تراجعه.
فبحثي إنما هو تقريب وتيسير، وليس نقدًا وتتبعًا فهذا له مجال آخر والوقت-الآن- أضيق من ذلك.
فهذا البحث -في أكثره- إنما هو بيان لأقوال الشيخ الألباني -﵀- وآرائه أسأل الله أن يتغمده برحمته، وأن ينور له في قبره ويفسح له فيه، وأن يجمعنا به في الفردوس.
وأسأل الله أن يجزيه خيرًا على ما قدم لهذا الدين، وأسأل الله أن يوفقني لشكر الشيخ الألباني على ما كان سببًا فيه من اختياري منهج أهل الحديث في عقيدتهم وطريقتهم السلفية، ومنهجهم في البحث والاستدلال، وحب علم الحديث وفنِّ التخريج والحكم على الحديث.
وإن من تمام شكري للشيخ أن أبين ما ظهر لي من خطأ الشيخ؛ لأنه من النصيحة الواجبة لله ولرسوله ولدينه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وأسأل الله التوفيق والسداد، والهدى والرشاد، وأن يريني الحقَّ حقًا ويرزقني اتباعه، وأن يريني الباطل باطلًا ويرزقني اجتنابه.
وكتبه:
أبو عمر العتيبي.
أسامة بن عطايا بن عثمان العتيبي الفلسطيني -أعانه الله ووفقه-.
الأحاديث التي تراجع الشيخ الألباني عن تضعيفها من خلال السلسلة الصحيحة (٧) الحلقة الأولى.
الحديث الأول:
١/ متن الحديث: عن ابن شهاب -هو الزهري- أن رسول الله -ﷺقال: «حضرموت خيرٌ من بني الحارث» "صحيح لغيره".
جاء هذا الحديث بلفظه ضمن حديث طويل من رواية عمرو بن عبسة -﵁- وهو حديث صحيح خرجه الشيخ برقم (٢٦٠٦) وكرره برقم (٣١٢٧) .
٢/ الموضع الذي كان قد ضعفه فيه -أعني رواية الزهري-: ضعيف الجامع (ص/٤٠٢رقم٢٧٢٦-الطبعة الثالثة) .
٣/ الموضع الذي تراجع فيه: الصحيحة (٧/١٢٠-١٢١رقم٣٠٥١) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [وقع حديث الترجمة سهوًا في ضعيف الجامع (٧٢٢٥) !، وهو من حق صحيح الجامع، فلينقل إليه، وأستغفر الله وأتوب إليه]
٤/ تعليق: وقع خطأ مطبعي في رقم الحديث الذي عزاه الشيخ إلى ضعيف الجامع وهو: (٧٢٢٥) ولعل الرقم الذي أشار إليه الشيخ (٢٧٢٥)، ولكن في الطبعة التي عندي الرقم (٢٧٢٦) والله أعلم.
الحديث الثاني:
[ ١٨٠ ]
١/ متنه: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللهﷺ-: «ليس في الأرض من الجنة إلا ثلاثة أشياء: غرس العجوة، وأواق تَنْزل في الفرات كل يوم من بركة الجنة، والْحَجَر» . "حسن صحيح"
٢/ كان الشيخ قد ضعفه في الضعيفة (٤/١٠٤رقم١٦٠٠)، وضعيف الجامع (ص/٧١٠رقم٤٩٢٧) .
٣/ تراجع عنه في الصحيحة (٧/٣٠٢-٣٠٥رقم٣١١١) .
قال الشيخ -﵀-: [قد كنت خرجت الحديث في الكتاب الآخر برقم (١٦٠٠) لأسباب ذكرتها هناك، ولأنه لم يكن لدي "مسند إسحاق" الذي أخرجه من غير طريق الخطيب، فلما وقفت عليها بادرت لتخريجها هنا مع إعادة النظر في طريق الخطيب مع التوسع في الكلام على رواته، فأرجو أن أكون قد وفِّقت للصواب في تخريجه هنا فلينقل من هناك] .
٤/ التعليق: نبه الشيخ في الموضع المحال إليه في الصحيحة إلى الجمع بين هذا الحديث وما يعارضه من الأحاديث فينظر هناك.
الحديث الثالث
١/ متنه: عن جابر بن عبد الله -﵄- قال النبي -ﷺ-: «إذا تغوَّط الرجلان، فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثان على طوفهما، فإن الله يمقت على ذلك» . "صحيح"
ومن حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- قال: «لا يناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله يمقت على ذلك» "صحيح لغيره".
وفي لفظ: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك» "صحيح لغيره".
ومن حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يخرج اثنان إلى الغائط فيجلسان يتحدثان كاشفين عن عوراتهما، فإن الله يمقت على ذلك» . "صحيح لغيره"؟
٢/ كان الشيخ قد ضعفه في ضعيف الجامع (ص/٩١٤رقم٦٣٣٦)،وتمام المنَّة (ص/٥٨-٥٩)، ضعيف سنن أبي داود رقم (٣)، ضعيف سنن ابن ماجه.
٣/ تراجع عن تضعيفه في صحيح الترغيب والترهيب (١/١٧٥رقم١٥٥)، والصحيحة (٧/٣٢١-٣٢٤رقم٣١٢٠) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [والآن وقد أوقفنا ابن القطان -جزاه الله خيرًا- على هذا السند الجيد من غير طريق عكرمة بن عمار، فقد وجب نقله من "ضعيف أبي داود" إلى صحيح أبي داود" ومن "ضعيف الجامع" إلى "صحيح الجامع"، وَ"ضعيف الترغيب" إلى صحيح الترغيب"، وَ"ضعيف ابن ماجه" إلى "صحيح ابن ماجه" ولفظه ولفظ أبي داود وغيرهما من طريق عكرمة نحو حديث الترجمة] .
٤/ التعليق: ينظر صحيح الترغيب الطبعة الجديدة، ويكتب رقم ضعيف ابن ماجه.
الحديث الرابع
١/ متنه: عن عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول اللهﷺ- أمر بحدِّ الشِفار، وأن توارى عن البهائم، وَ«إذا ذبح أحدكم؛ فليجهز» "صحيح".
٢/ كان الشيخ -﵀- قد ضعفه في غاية المرام (ص/٤٠-٤١)، وضعيف الجامع (ص/٧٠-٧١رقم٤٩٤) .
٣/ تراجع عن تضعيفه فصححه في صحيح الترغيب والترهيب (١/٥٢٩رقم١٠٧٦-الطبعة القديمة للمعارف)،، وهو في الطبعة الجديدة (١/٦٣١رقم١٠٩١-الطبعة الجديدة)، وفي الصحيحة (٧/٣٥٦-٣٦٠رقم٣١٣٠) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [تنبيه: واعلم أن حديث ابن عمر هذا مما كان نظري قد اختلف في الحكم عليه على نوبات مختلفة، وعوامل متعدد، فلما خرجته في غاية المرام (ص/٤٠-٤١) ضعفته لاضطراب ابن لهيعة في إسناده، كما بينته هناك، وسلفي في تضعيفه: الحافظ المنذري في ترغيبه (٢/١٠٣-١٠٤)، ولذلك أودعته في "ضعيف الجامع".
ثم لما صنفت "صحيح الترغيب" لاحظت أن معناه قد جاء في عديد من أحاديث الباب، فما رأيت من المناسب أن ألحقه بِـ"ضعيف الترغيب"؛ فأوردته في صحيح الترغيب" (١/٥٢٩/١٠٧٦-مكتبة المعارف) محسنًا إياه.
ثم هتف إلي أحد الإخوان سائلًا عن هذا الاختلاف؟ فأجبته بنحو ما تقدم، ووعدته بأن أعيد النظر حينما يتيسر لي ذلك.
والآن وقد يسر الله، فقد تبين لي مجددًا صحة إسناده، على ما كان بدا لي: أن رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة ملحقة في الصحة برواية العبادلة عنه كما تقدم الإشارة إلى موضع بيان ذلك آنفًا. يضاف إلى ذلك تلك الطرق التي لم أكن وقفت عليها من قبل، على ما فيها من وهن، فاطمأنت النفس تمامًا لصحة الحديث، وعليه قررت نقله من "ضعيف الجامع" إلى "صحيح الجامع" والحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
أذكر هذا بيانًا للحقيقة أولًا، وتبرئة للذمة ثانيًا، واعترافًا بعجز الإنسان وضعفه ثالثًا، وأنه كما قال ربنا في كتابه: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾، وقوله: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾، ولعل في ذلك عبرة لبعض الناشئين في هذا العلم، الذين يتسرعون في النقد وإصدار الحكم، دون أي جهد أو بحث وتفكر إلا عفو الخاطر! ] .
الحديث الخامس
١/ متنه: عن جابر -﵁- قال: قال رسول اللهﷺ-: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» "صحيح لغيره".
[ ١٨١ ]
وجاء من حديث عبد الله بن عكيم حدثنا مشيخة لنا من جهينة أنَّ النبي -ﷺ- كتب إليهم إلا تنتفعوا من الميتة بشيء. "صحيح"
٢/ كان الشيخ -﵀- قد ضعفه في: الضعيفة (١/٢٣٨-٢٤٠رقم١١٨-المعارف)، وفي تحذير الساجد (ص/٢٥-الحاشية)، والمشكاة (رقم٥٠٨) من حديث جابر -﵁-.
٣/ تراجع الشيخ عن تضعيفه فصححه في: الضعيفة (١/٢٤٠-المعارف)، والصحيحة (٧/٣٦٦-٣٦٩رقم٣١٣٣) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [واعلم أيها القارئ الكريم! أنني كنت خرجت حديث جابر هذا منذ أكثر من ثلاثين سنة في المجلد الأول من "الضعيفة" برقم (١١٨) من رواية ابن وهب عن زمعة عن أبي الزبير عن جابر معنعنًا، وفيه القصة أيضًا، فلما شرعنا في إعادة طبع هذا المجلد، ووصلت في تصحيح تجاربه إلى هذا الحديث؛ تذكرت أنني كنت خرجت في "الإرواء" ما يشبهه، وكان تأليفه بعد "الضعيفة" بنحو خمسة عشر عامًا، فوجدت فيه حديث عبد الله بن عكيم من طريقين عنه بلفظين، أحدهما بلفظ الترجمة، والآخر مثله إلا أنه قال: "..بإهاب ولا عصب". وملت فيه إلى تصحيح إسناده، وصرحت بأن إسناد الأول صحيح، فخشيت أن يكون في هذا التصحيح شيء من الوهم، فأعدت النظر فيه بطريقة أوسع-كما ترى- مما هناك، فتأكدت من صحته، وازددت قناعة به، والحمد لله، وعليه؛ رأيت لزامًا علي أن أنبه القراء الأفاضل أن الحديث -بشاهد حديث ابن عكيم- صار صحيحًا لغيره، وأنني نقلته إلى هنا، والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم طريق.] .
التعليق: كان الشيخ الألباني -﵀- قد صحح هذا الحديث في الإرواء (١/٧٦-٧٩رقم٣٨) من حديث ابن عكيم، وكان قد ضعفه قبلُ وبعدُ من حديث جابر -﵁- ثم تنبه لتوافق اللفظين فصححه -لغيره- من حديث جابر -﵁-.
انتهت الحلقة الأولى، والحمد لله رب العالمين.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ١٨٢ ]
الكتاب الذي يبين تراجع الشيخ
فهو قد بلغ السلسلة السادسة ولم يتكلم عن السابعة
واسم الكتاب:
التنبيهات المليحة على ماتراجع عنه العلامة المحدث الألباني من الأحاديث الضعيفة أو الصحيحة
جمع وترتيب: عبد الباسط بن يوسف الغريب
في مجلد واحد
طبعة دار الراوي بالدمام
---
أيضا هناك كتب آخر في هذا الموضوع اسمه النصيحة في بيان الأحاديث التي تراجع عنها الألباني في الصحيحة لأبي عمر حاي بن سالم الحاي طبعته دار النفائس بالكويت علم ١٤١٣ ٠ ومما يستفاد منه في هذا الموضوع كتاب تناقضات الألباني للسقاف فهو وإن كان ألفه لغرض سيء عامله الله بما يستحق إلا أنه يمكن الاستفادة منه لمعرفة الأحاديث التي تراجع فيها الألباني
---
الأحاديث التي تراجع الشيخ الألباني عن تضعيفها في السلسلة الصحيحة (٧) الحلقة الثانية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
الحديث السادس:
١/ متنه: عن أبي رمثة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-:
«أصاب الله بك يا بن الخطاب» "صحيح لغيره".
وله قصة وهي:
عن الأزرق بن قيس -﵀- قال: صلى بنا إمام لنا يكني أبا رمثة، فقال: صليت هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي -ﷺ-، قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله -ﷺ- ثم سلم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كانفتال أبي رمثة -يعني نفسه-، فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع، فوثب إليه عمر، فأخذ بمنكبه فهزه، ثم قال: اجلس، فإنَّه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل، فرفع النبي -ﷺ- بصره، فقال: «أصاب الله بك يا بن الخطاب» .
٢/ كان الشيخ -﵀- قد ضعفه في: "ضعيف أبي داود"، ومشكاة المصابيح (١/٣٠٦-٣٠٧) .
٣/ تراجع عن تضعيفه فصححه في السلسلة الصحيحة (٧/٥٢٣-٥٢٤) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [ وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"! ورده الذهبي بقوله: "قلت: المنهال ضعفه ابن معين، وأشعث فيه لين، والحديث منكر".
[ ١٨٣ ]
قلت: وبهما أعله المنذري في "مختصر السنن" ولذلك كنت أوردته في "ضعيف أبي داود"، فلما وقفت على متابعة شعبة وعبد الله بن سعيد الفزاري لهما على الشطر الثاني من حديثهما؛ قررت نقله إلى "صحيح أبي داود"؛ لأن الشطر الأول منه ليس فيه كبير شيء مع كونه موقوفًا، وكذلك كنت ضعفته في تعليقي على المشكاة (١/٣٠٦-٣٠٧)، فليصحح إذن بالطريق الأولى؛ والله ولي التوفيق، وهو الهادي لا إله إلا هو] .
٤/ التعليق: لفظ حديث الشاهد الذي صحح به الشيخ حديث أبي داود هو:
عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-: أن رسول الله -ﷺ- صلى العصر، فقام رجل يصلي [بعدها]، فرآه عمر، [لفأخذ بردائه أو بثوبه]، فقال له: اجلس؛ فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله -ﷺ-: «أحسن (وفي رواية: صدق) ابن الخطاب» .
فائدة: حديث أبي داود من طريق أشعث بن شعبة عن المنهال عن الأزرق..
وقد توبع أشعث؛ تابعه عبد الصمد بن النعمان عند الطبراني في المعجم الأوسط (٢/٣١٦رقم٢٠٨٨) . ولم يذكر الشيخ الألباني -﵀- هذه المتابعة في الموضع المذكور.
فآفته المنهال بن خليفة.
الحديث السابع:
١/ متنه: عن الأسود بن سريع -﵁- قال: [كنت شاعرًا فـ] أتيت النبي -ﷺ- فقلت: يا رسول الله، قد مدحت الله بمحامد ومِدَح وإياك.
فقال: «أما إن ربك يحب الحمد - (وفي لفظ: المدح) -» . هات ما امتدحت به ربك.
قال: فجعلت أنشده، فاستأذن رجل طوال أصلعٌ، فقال لي النبي -ﷺ-: «اسكت»، فدخل، فتكلم ساعة، ثم خرج، فأنشدته، ثم جاء فسكتنى، ثم خرج، فعل ذلك مرتين أو ثلاثًا.
فقلت: من هذا الذي سكتنى له؟ قال: «هذا رجل لا يحب الباطل، [هذا عمر بن الخطاب]» . "حسن صحيح"
٢/ كان الشيخ -﵀- قد ضعفه بِـ"تَمَامِهِ" في: ضعيف الأدب المفرد (٥٥/٣٤٢)، والضعيفة (٦/٤٦٩-٤٧٠رقم٢٩٢٢)، وأشار إلى ضعفه في "تحريم آلات الطرب" (ص/١٢٣) .
٣/ تراجع الشيخ عن تضعيفه فصححه في الصحيحة (٧/٥٤٤-٥٤٧) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [والحديث جزم شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على البكري" (ص٢٩١) بنسبته إلى النبي -ﷺ-.
وكنت قد أشرت إلى ضعفه في "تحريم آلات الطرب" (ص١٢٣)، وجزمت في "ضعيف الأدب المفرد" (٥٥/٣٤٢) أنه ضعيف بهذا التمام، وأحلت على "الضعيفة" (٢٩٢٢)، ولم أكن وقفت -حينذاك- على متابعة الزهري لابن جدعان، فسبحان من قد أحاط بكل شيء علمًا، والمعصوم من عصمه الله.] .
٤/ التعليق: متابعة الزهري التي ذكرها الشيخ عزاها للطبراني في المعجم الكبير فيضاف إليه: أبو نعيم في حلية الأولياء (١/٤٦) .
الحديث الثامن:
١/ متنه: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تَقْذُرُهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير» "صحيح لغيره".
٢/ كان الشيخ -﵀- قد ضعفه في "الضعيفة" (٣٦٩٧)، و"ضعيف الجامع" (ص/٤٧٩رقم٣٢٥٩) وضعف سنده في الطبعة المختصرة من "ضعيف أبي داود" التي طبعت قديمًا.
٣/ تراجع الشيخ عن تضعيفه فحسنه في تعليقه على مناقب الشام وأهله لشيخ الإسلام -﵀- (ص/٨٢-حاشيةرقم٢)، ثم صححه في الصحيحة (٧/٦١١-٦١٩رقم٣٢٠٣) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [وهنا بعض التنبيهات التي لا بد منها:
أولًا: كنت ذكرت الحديث في الضعيفة برقم (٣٦٩٧) من الطريق الأولى، فلما وقفت على الطريق الأخرى والشاهد؛ لم أستجز إبقاءَه هناك، فنقلته إلى هنا، سائلًا المولى ﷾ مزيدًا من التوفيق والهداية.
ثانيًا: وبناءً على ذلك نقلته أيضًا من "ضعيف الجامع" (٣٢٥٨) إلى "صحيح الجامع"، فالرجاء من مقتنيهما، أن يفعل ذلك] .
وقال -أيضًا-: [خامسًا: كنت علَّقتُ على الفصل المشار إليه آنفًا <يعني ما طبع باسم: "مناقب الشام وأهله" لشيخ الإسلام>، حين قام بطبعه صاحب المكتب الإسلامي بتعليقي عليه، ألحقه بكتابي "تخريج فضائل الشام ودمشق للربعي"، وفيه هذا الحديث كما تقدم، وكنت علقت عليه بما خلاصته أنه حديث حسن، ثم خرجته من الطريقين عن ابن عمرو مبيِّنًا علتهما باختصار، وختمته بقولي: "ولكن الحديث قوي بمجموع الطريقين -إن شاء الله تعالى-" ] .
[ ١٨٤ ]
٤/ التعليق: ذكر الشيخ الألباني -﵀- في الموضع المشار إليه في الصحيحة شيئًا من حياته وهجرته مع والده من ألبانيا إلى دمشق والثناء على والده بسبب ذلك، وما يسر الله له وهيأه بسبب تلك الهجرة من تعلم اللغة العربية الفصحى والعامية، والتوحيد الحق، والحديث والسنة أصولًا وفقهًا، ومحاربته للقبوريين، وسجنه بسبب ذلك مرتين، وعدم تأييده للحكم في سوريا لأنه حكم باطل، وذكر بعض جهوده -﵀- في نشر التوحيد والسنة.
الحديث التاسع:
١/ متنه: عن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تكرهوا البنات فإنهن المؤنسات الغاليات» "صحيح".
٢/ كان الشيخ قد ضعفه في ضعيف الجامع (ص/٩٠٥رقم٦٢٦٨) وأحال إلى الضعيفة (٤٧٩٣) .
٣/ تراجع الشيخ -﵀- عن تضعيفه فصححه في الصحيحة (٧/٦٢٧-٦٢٨رقم٣٢٠٦) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [وبعد كتابه هذا بنحو عشرين سنة؛ تبين لي أن رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة ملحقة -من حيث الصحة- برواية العبادلة عنه كما بينه الحافظ الذهبي في "السير"، ونقله عنه في غير ما موضع من تخريجاتي وتعليقاتي (١)، ولما كان هذا الحديث من رواية قتيبة عن ابن لهيعة؛ فقد قررت نقله من الضعيفة إلى هنا، وبخاصة أنه يشهد له مرسل عروة بن الزبير] .
حاشية (١) [انظر مثلًا "الصحيحة" (١/٥٩٥)، وَ(٦/٨٢٥)، وَ"الضعيفة" (١/٤٢١)]
٤/ التعليق: وله شاهدان مرسلان -لم يذكرهما الشيخ-؛ أحدهما من مرسل سالم بن أبي الجعد عند المروزي في البر والصلة (ص/٧٦رقم١٤٦) وابن أبي الدنيا في كتاب العيال (١/٢٤٣رقم٩٧)، وينظر شعب الإيمان للبيهقي (٦/٤١٠) ففيه أمر يحتاج إلى بحث.
والشاهد الآخر من مرسل سعيد بن أبي هند رواه البيهقي في الشعب (٦/٤١٠) .
الحديث العاشر:
١/ متنه: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟» قالوا: الملائكة. قال: «وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» قالوا: فالنبيون. قال: «وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟» قالوا: فنحن. قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟» قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: «ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانًا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها» "حسن".
٢/ كان الشيخ قد ضعفه في الضعيفة (٢/١٠٢-١٠٣رقم٦٤٧) .
٣/ ثم تراجع الشيخ عن تضعيفه فقواه وحسنه في الصحيحة (٧/٦٥٤-٦٥٧رقم٣٢١٥) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [وقد كنت خرجت حديث الترجمة بنحوه في الضعيفة (٦٤٧) من طريقين الأولى خير من الأخرى، وذكرت أن الحافظ ابن كثير جزم بنسبته إلى النبي -ﷺ-، وأنه لعله وقف على طريق أو طرق أخرى يتقوى بها، وحينئذ ينبغي النظر فيها.
وها أنذا قد وقفت على هذا الطريق، فبادرت إلى تخريجها وفاءً بما قلت هناك، فالظاهر أنه من جملة الطرق التي ألقى مجموعها في قلب الحافظ ابن كثير ثبوت الحديث عن النبي -ﷺ-، فجزم بنسبته إليه؛ وهذا أُلقي في صدري أيضًا حين وقفت على هذا الطريق التي عرفت مما سبق أنها حسنة لغيرها على الأقل، فهي قوية بالطريق الأولى المشار إليها آنفًا ] .
٤/ التعليق: نبه الشيخ الألباني -﵀- في الموضع المشار إليه في الصحيحة إلى خطأ الشيخ السلفي محمد نسيب الرفاعي في "تيسير العلي القدير"، وكذلك الشيخ الصوفي محمد علي الصابوني في مختصره لتفسير ابن كثير؛ حيث عزوا الحديث إلى صحيح البخاري وهو لا وجود له فيه، وبيان سبب هذا الوهَم.
انتهت الحلقة الثانية، والحمد لله رب العالمين.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
---
الأحاديث التي تراجع الشيخ الألباني عن تضعيفها في السلسلة الصحيحة رقم (٧) الحلقة الثالثة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
الحديث الحادي عشر
[ ١٨٥ ]
١/ متنه: عن علقمة بن ناجية -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال لهم عام المريسيع حين أسلموا: «إن من تمام إسلامكم أن تؤدوا زكاة أموالكم» .
وقال لهم عام المريسيع: «إني باعث إليكم بمن يأخذ زكاة أموالكم» .
٢/كان الشيخ قد ضعفه إذ لم يورده في صحيح الترغيب والترهيب في الطبعات القديمة، وأكد هذا التضعيف فأورده في ضعيف الترغيب (١/٢٣٦رقم٤٥٧) .
٣/ تراجع الشيخ -﵀- عن تضعيفه فحسنه في السلسلة الصحيحة (٧/٧٠٥-٧٠٧رقم٣٢٣٢) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [(تنبيه): كنت حينما ألفت "صحيح الترغيب والترهيب" ونشرته؛ جردت منه هذا الحديث لتضعيف المنذري إياه؛ بتصديره له بقوله: "روي "، وإعلال الهيثمي بقوله (٣/٦٢): " وفيه من لا يعرف".
وما كان يمكنني إلا الاعتماد عليهما يومئذٍ؛ لعدم التمكن من الوصول إلى إسناده في تلك المصادر، وبخاصة منها كتاب ابن أبي عاصم، فلما منّ الله تعالى بطبعها، ويسر لي الرجوع إليها ودراسة إسناده؛ تبينت أن ما أعل به غير وارد، وبخاصة بالنسبة لإسناد ابن أبي عاصم ] .
٤/ التعليق: أ/ لم يورد الشيخ الألباني -﵀- الجملة الثانية من الحديث وهي عند ابن أبي عاصم.
ب/ والحديث رواه ابن قانع في معجم الصحابة (٢/٢٨٥) وعنده بدل الجملة الثانية من الحديث: وقال رسول الله -ﷺ-: «لا يباع شيء من الصدقة حتى يقبض»، ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة رقم (٥٤٥٤) وعزاه الحافظ في الإصابة للبغوي في معجم الصحابة ولم أجده في المطبوع منه -والمطبوع فيه نقص كبير تبعًا لنقص المخطوطة-.
الحديث الثاني عشر
١/ متنه: عن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- أنَّهُ نهى عن بيع المحفَّلاتِ.
٢/ كان الشيخ قد ضعفه في ضعيف الجامع (ص/٨٧٣رقم٦٠٦٢) والضعيفة (٤٧٢٦) .
٣/ تراجع الشيخ عن تضعيفه فقواه في الصحيحة (٧/٧١٣) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: ["إذا باع أحدكم الشاة واللقحة؛ فلا يحفِّلْها"..-وصحح سنده ثم قال:- وهو شاهد قوي لحديث أنس: "نهى عن بيع المحفلات"، وكنت خرجته في "الضعيفة" (٤٧٢٦) لضعف سنده، وبالتالي أوردته في "ضعيف الجامع"؛ فلينقل منهما] .
٤/ التعليق: ويشهد لحديث النهي عن بيع المحفلات حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «لا تصروا الإبل والغنم» متفق عليه.
وفي رواية للشيخين أيضًا: «نهى عن التلقي للركبان وعن النجش والتصرية » .
الحديث الثالث عشر
١/ متنه: معاذ بن جبل -﵁- قال: كنت مع النبي -ﷺ- في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار.
قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت»
ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنةٌ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ، وصلاة الرجل في جوف الليل»، ثم قرأ: ﴿تتجافى جنوبُهُم عن المضاجع﴾ حتى بلغ: ﴿يعلمون﴾ .
ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟»
فقلت: بلى يا رسول الله.
قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» .
ثم قال: «ألا أخبرك بِمَلاكِ ذلك كله؟» .
قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه فقال: «كُفَّ عليك هذا» .
فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟
فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب النَّاسَ في النار على وجوههم -أو على مناخرهم- يوم القيامة إلا حصائدُ ألسنتهم» .
٢/ كان الشيخ -﵀- قد ضعفه مطولًا في إرواء الغليل (٢/١٣٨-١٤١) ولم يحسن منه سوى قوله -ﷺ-: «وذروة سنامه الجهاد» .
وانظر التعليق.
٣/ تراجع الشيخ عن تضعيفه فقواه مطولًا، وصحح منه قوله -ﷺ-: «ثكلتك أمُّك يا معاذ بن جبل، وهل يكب النَّاسَ على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم» في الصحيحة (٧/٨٤٥-٨٤٦رقم٣٢٨٤)، وصححه لغيره في "صحيح الترغيب والترهيب" (رقم٢٨٦٦) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [واعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث-وهو طرف من حديث طويل لمعاذ -﵁-؛ أنني كنت خرجته من رواية الترمذي وغيره من طريق أبي وائل، وشهر بن حوشب، وميمون بن أبي شبيب <وقع في مطبوعة الصحيحة: ميمون بن أبي شيبة> مطولًا، يزيد بعضهم على بعض، وكلها معلولة بالانقطاع إلا روايةً عن شهرٍ، كما يأتي، خرجت ذلك في الإرواء (٢/١٣٨-١٤١)، وبين عللها أيضا المنذري في "الترغيب" (٤/٥-٦)، ثم ابن رجب في "شرح الأربعين" (ص١٩٦)، وعقب عليها بقوله: "وله طرق أخرى كلها ضعيفة".
فلما وقفت على هذا الإسناد لهذا الطرف، بادرت إلى تخريجه؛ لِعِزَّتِهِ وصحته خلافًا لتلك الطرق.
[ ١٨٦ ]
ثم تابعت البحث، فوجدت له طريقًا أخرى من رواية مبارك بن سعيد -أخي سفيان بن سعيد-: ثنا سعيد بن مسروق عن أيوب بن كريز عن عبد الرحمن بن غَنْم عن معاذ بن جبل الحديث مطولًا، وفيه الطرف.
أخرجه الطبراني (٢٠/٧٣-٧٤) من طريقين عنه.
وهذا إسناد رجاله ثقات من رجال التهذيب؛ غير أيوب بن كريز هذا؛ فإنه لا يعرف إلا في هذه الرواية، ومع ذلك ذكره ابن حبان في الثقات (٦/٥٤) ! فهو مستور، فيقوى حديثه بمتابعة شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم به.
أخرجه أحمد (٥/٢٣٥، ٢٣٦، ٢٤٥) مطولًا ومختصرًا] .
وصحح الشيخ الألباني -﵀- جزءً منه في صحيح موارد الظمآن حيث أورده فيه (١/١٠٥رقم٢٠): [عن معاذ بن جبل، عن رسول الله -ﷺ- قال: قلت: حدثني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: «بخٍ بخٍ! سألتَ عن أمر عظيم، وهو يسير لمن يسره الله عليه: تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، ولا تشرك بالله شيئًا» .
حسن صحيح-التعليق على "الإيمان" لابن أبي شيبة (٢/٢-٣)، التعليق على الإحسان (١/٢١٨)] انتهى النقل من صحيح الموارد.
٤/ التعليق:
أ/ كان الشيخ -﵀- من قبلُ قد صحح حديث معاذ بطوله في تعليقه على الإيمان لابن أبي شيبة (ص/١٦رقم١-٢) -وقد رواه ابن أبي شيبة من طريق عروة بن النزال ومن طريق ميمون بن أبي شبيب كلاهما عن معاذ- فقال: [حديث صحيح بالطريق التي بعده، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير عروة بن النزال، وثقه ابن حبان (١/١٥٨) فقط. وأخرجه الترمذي من طريق أبي وائل عن معاذ وقال: "حديث حسن صحيح"] .
وأظن أن الشيخ -﵀- قد صدر منه هذا التصحيح الذي في تعليقه على الإيمان قبل دراسته لطرقه بدقة؛ وذلك لأن الشيخ -﵀- قد خرجه بتوسع في كتاب الإرواء -من طريق أبي وائل، وعروة بن النزال، وميمون بن أبي شبيب: وكلهم لم يسمع من معاذ كما بينه الشيخ الألباني هناك- وقال: [هذا ويتلخص مما تقدم أن جميع الطرق منقطعة في مكان واحد منها غير هذه الطريق، وأحد طريقي شهر بن حوشب فهي تقوي هذه، وأما الطرق الأخرى فلا يمكن القول فيها أنه يقوي بعضها بعضًا، لأن جميعها متحدة العلة وهي سقوط تابعيها منها ويجوز أن يكون واحدًا، وعليه فهي حينئذٍ في حكم الطريق الواحد، ويجوز أن يكون التابعي مجهولًا والله أعلم.
وخلاصة القول: أنه لا يمكن القول بصحة شيء من الحديث إلا هذا القدر الذي أراده المصنف لمجيئه من طريقين متصلين يقوي أحدهما الآخر والله أعلم] انتهى.
فهذا يدل على تراجع الشيخ عما علقه على كتاب الإيمان لابن أبي شيبة.
ثم تراجع الشيخ -﵀- عن تراجعه فحسنه لوقوفه على الطريق الأخرى التي عزاها للطبراني.
وصححه لغيره في صحيح الترغيب والترهيب (رقم٢٨٦٦) .
ب/ الطريق التي ذكر الشيخ أنها عند الطبراني (٢٠/٧٣-٧٤) خرجها أيضًا باختصار: البخاري في التاريخ الكبير (٧/٤٢٦)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (١/٢١٩)، وعلقها الدارقطني في العلل (٦/٧٨) والبيهقي في الشعب (٤/٢٤٨) .
ج/ كلام الشيخ الألباني -﵀- الذي ذكره في الإرواء بأن الطرق إذا كانت منقطعة في مكان واحد أنها تكون في حكم الطريق الواحد لاتحاد العلة كلام فيه نظر.
وهو منقوض بالمرسل.
وإنما يكون كلامه -﵀- متجهًا إذا كان الذي أرسلوه عن معاذ متحدي الشيوخ فيحتمل أن يكون واحدًا كما قالوا ذلك في المرسل.
وهذا منتفٍ هنا.
فقد أرسله عن معاذ: أبو وائل، وميمون بن أبي شبيب، وشهر -في بعض الروايات-، وعروة بن النَّزال، ومكحول.
وثمة اختلاف بينهم في الشيوخ فاحتمال أخذهم الحديث من شيخ واحد يكون مجهولًا أو ضعيفًا مما يجزم ببطلانه.
نعم قد يكون مرده هنا إلى راوٍ واحد ولكن ليس بقرينة الشيوخ، ولكن بقرينة أخرى وهي الطرق المتعددة المروية عن عبد الرحمن بن غنم؛ فيكون هو الواسطة بينه وبين من أرسله ممن روى عنه أو بواسطة عنه لمن لم يرو عنه.
لا سيما وأن شهرًا صرح بأنه أخذه من عبد الرحمن بن غنم، وهذا من طريق عبد الحميد بن بهرام، وقد حسن الإمام أحمد روايته عن شهر، وتابعه أيوب بن كريز، وهو وإن كان مجهولًا إلا أنَّه صالح هنا -إن شاء الله تعالى- للمتابعة، وتابعه أيضًا عمير بن هانئ وهو ثقة ومتابعته عند ابن حبان في صحيحه.
مما يقوي القول بأنَّ حديث معاذ -﵁- إنما حدث به صاحبه وجليسه وملازمه عبد الرحمن بن غنم وعنه اشتهر بين التابعين ومداره عليه وهو ثقة إمام لا يسأل عن مثله.
فيظهر لي أنه حديث صحيح بطوله بهذه الطرق والمتابعات -وهو ما رجحه الشيخ الألباني أخيرًا-، وأن مداره -على غالب الظن- على عبد الرحمن بن غنم. والله أعلم.
الحديث الرابع عشر
١/ متنه: عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى»
[ ١٨٧ ]
٢/ كان الشيخ -﵀- قد ضعفه في ضعيف الجامع (ص/٧٧١رقم٥٣٤٠)، وأحال إلى المشكاة (٥١٧٩) -ولم يعلق عليه هناك بشيء، فلعله في التحقيق الثاني للمشكاة ولم يطبع بعد- وفي الضعيفة (٥٦٥٠) .
٣/ تراجع الشيخ الألباني -﵀- عن تضعيفه فحسنه في الصحيحة (٧/٨٥٠) .
قال الشيخ الألباني -﵀-: [وله شاهد آخر مرفوع من حديث أبي موسى الأشعري بنحوه، كنت خرجته في الكتاب الآخر (٥٦٥٠) لانقطاعه مع ثقة رجاله، ثم وقفت على هذا الشاهد العزيز القوي، فسارعت إلى تخريجه هنا، ثم أشرت إليه هناك؛ ليكون القراء على بصيرة وعلم بما يَجِدُّ من العلمِ؛ فإنه في تقدمٍ لا يقبل الجمود، وبالله تعالى التوفيق] .
٤/ التعليق: كتبت بحثًا في تخريج الحديث من رواية أبي موسى التي خرجها الشيخ في الضعيفة المجلد الثاني عشر ولم يطبع بعد.
فانظره هنا:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&postid=15462#post15462
الحديث الخامس عشر
١/ متنه: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁- أن النبي -ﷺ- مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟»
قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإنْ كُنْتَ على نهر جارٍ» .
٢/ كان الشيخ -﵀- قد ضعفه في إرواء الغليل (١/١٧١رقم١٤٠)، وفي "الرد على بليق (ص/٩٨)، وضعيف ابن ماجه (ص/٣٥رقم٤٢٥-القديمة)، والمشكاة (١/١٣٣رقم٤٢٧) .
٣/ تراجع الشيخ -﵀- عن تضعيفه فحسنه في السلسلة الصحيحة (٧/٨٦٠-٨٦١رقم٣٢٩٢) .
نقل الشيخ الألباني -﵀- كلام ابن عدي في "حيي بن عبد الله المعافري":"وأرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة". قال الشيخ الألباني -﵀-: [قلت: وهذا الشرط بدهي، ويبدو -لأول وهلة- أنَّه هنا غير متوفر، لسوء حفظ ابن لهيعة الذي عرف به، وإن كان صدوقًا في نفسه، وهذا هو الذي كان حملني -تبعًا لغيري- على تضعيف الحديث من أجله في "إرواء الغليل" (١/١٧١رقم١٤٠) قديمًا، وفي غير إحالة عليه.
ثم بدا لي ما غيَّر وجهة نظري في رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، وأن روايته ملحقة في الصحة برواية العبادلة عنه، استفدت ذلك من ترجمة الحافظ الذهبي لقتيبة في "سير أعلام النبلاء" وقد نقلت ذلك تحدث الحديث المتقدم (٢٨٤٣) فلا داعي لتكراره.
وبناءً على أن هذا الحديث من رواية قتيبة عن ابن لهيعة، فقد رجعت عن تضعيف الحديث به إلى تحسينه، راجيًا من الله أن يغفر لي خطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، وأن يزيدني علمًا وهدى.
وهناك أثر ذكره البيهقي (١/١٩٧) عن هلال بن يساف قال: "كان يقال: في كل شيء إسراف حتى الطهور؛ وإن كنت على شاطئ النهر"
وهلال هذا ثقة تابعي، فكأنه يشير إلى هذا الحديث، وإلى أنه كان مشهورًا بين السلف، والله أعلم] .
٤/ التعليق:
أ/ عزا الشيخ الألباني هذا الحديث في الإرواء إلى المسند وابن ماجه -كما في الصحيحة- وزاد: الحكيم الترمذي في الأكياس والمغترين (ص/٢٧) .
يقول أبو عمر العتيبي: ورواه -أيضًا- البيهقي في الشعب (٣/٢٠رقم٢٧٨٨)، وعزاه البوصيري في مصباح الزجاجة إلى أبي يعلى في مسنده.
ب/ وأثر هلال بن يساف: رواه -أيضًا- ابن أبي شيبة في المصنف (١/٦٧رقم٧١٨)
ج/ فائدة: روى الدقاق في مجلس إملاء في رؤية الله (ص/٨٣رقم١٥٦) من طريق سعيد بن منصور ثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السَّيباني -وهو حمصيِّ- عن أبي سلام ممطور الحبشي -﵀- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قد يكون في الوضوء إسراف، وفي كل شيء إسراف» .
وإسناده حسن إلى أبي سلام ولكنه مرسل.
أبو سلام ثقة من أواسط التابعين جل روايته عن الصحابة مرسلة، وسمع من بعضهم.
انتهت الحلقة الثالثة، والحمد لله رب العالمين.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
---
[ ١٨٨ ]