من المعروف عند المهتمين بكتاب «التنقيح» أنه سبق طبعه ثلاث مرات - قبل هذه الطبعة -، ولكن الأمر الذي قد يجهله الكثير هو حقيقة تلك الطبعات، وهذا ما سنعرف به هنا:
أما الأولى: فصدرت سنة (١٣٧٣) بهامش «التحقيق» لابن الجوزي، عن «مطبعة السنة المحمدية»، بتحقيق الشيخ/ محمد حامد الفقي ﵀ (^١)، وصدر منها - حسب علمنا - المجلد الأول فقط، وهو ينتهي بآخر «مسائل صفة الصلاة»، ولم يصف المحقق النسخة التي اعتمدها، ولم يذكر عنها أية
_________________
(١) (حقيقة تاريخية): قال الشيخ محمد حامد الفقي في صدر هذه الطبعة (تنبيه: على القارئ أن يلاحظ: أن الجمع بين كتابي التحقيق والتنقيح - لما بينهما من الاتصال الوثيق - كان هو رأي ومشورة حضرة صاحب الفضيلة والسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، شيخ علماء نجد، ومفتي المملكة العربية السعودية - أدام الله النفع به وتوفيقه لخير المسلمين -؛ والشيخ عبد العزيز بن باز، المدرس بمعهد الرياض) ا. هـ. وهذه الطبعة صدرت سنة (١٣٧٣)، فهذا مما يؤكد العناية الكبيرة لعلماء الدعوة السلفية في نجد بعلم الحديث، بل وبعلم التخريج، منذ زمن مبكر، وأن لهم أياد بيضاء في ذلك قد لا يعلمها كثير من الناس، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، وما هنا إلا نموذج صغير على ذلك. وعنايتهم ﵏ بعلم الحديث رواية ودراية كانت من لدن الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وإلى هذا العصر، وعلى وجوه وأنحاء متعددة، وإنكار ذلك لا يخرج عن أحد ثلاثة أسباب:
(٢) الجهل بتراث هذه الدعوة المباركة. ٢ - الخلل في معاير التقييم العلمي. ٣ - العداء لهذه الدعوة. وشرح هذه القضية يطول، وإنما أردنا الإشارة، والله تعالى أعلم.
[ المقدمة / ٢٣٣ ]
معلومة، وكل ما ذكره أنه قال: (لاحظت أن ابن عبد الهادي يسوق السند كسياق ابن الجوزي في «التحقيق»، وفي ذلك تكرير لا مبرر له، فحذفت وسط السند، مشيرًا إليه بكلمة «بسنده إلى»).
وبعد الاطلاع على هذه الطبعة تبين أنها ليس فيها حرف واحد من كلام ابن عبد الهادي، وإنما هي اختصار لكتاب «التحقيق»! فقد يكون بعض النساخ عمد إلى كتاب «التنقيح» وجرده من زيادات الحافظ ابن عبد الهادي، واقتصر على ما ذكره من كلام ابن الجوزي، طلبًا للاختصار! ثم كُتب على النسخة ما يوهم أنها كتاب «التنقيح»، والله تعالى أعلم.
وانتشرت هذه الطبعة بين طلبة العلم، واعتمدوها، ونتج عن ذلك أخطاء كثيرة في نسبة أشياء للحافظ ابن عبد الهادي وهو لم يقلها (^١).
وهذه الطبعة الآن تعد من الطبعات النادرة جدًا، فلا تكاد توجد إلا في بعض المكتبات العامة.
وأما الطبعة الثانية: فصدرت سنة (١٤٠٩)، عن «المكتبة الحديثة» بدولة الإمارات، بتحقيق الأستاذ/ عامر صبري، فطبع المجلد الأول من المخطوط،
_________________
(١) ومن ذلك أن الشيخ الفاضل أبا إسحاق الحويني نقل في كتابه «نهي الصحبة» (ص: ٢٢) عن هذه الطبعة (١/ ٣٤٨) أن ابن عبد الهادي تعقب ابن الجوزي بقوله: (وليس هذا الجواب بقاطع للخصم، فإن أحاديثهم أيضا مشتهرة …)، وهذا الكلام غير موجود في شيء من نسخ التنقيح المعتمدة. ومن ذلك ما ذكره بعضهم من أن ابن عبد الهادي تناقض في حكمه على عبد الله العمري فضعفه في كتاب «الصارم المنكي» ثم مال إلى تقويته في «التنقيح» - استنادًا إلى هذه الطبعة -، وهذا ليس بصحيح، فإن ما نسب لابن عبد الهادي في «التنقيح» إنما هو كلام ابن الجوزي.
[ المقدمة / ٢٣٤ ]
وهو ينتهي بآخر كتاب الزكاة، في مجلدين، وهي طبعة متقنة، وسالمة من التحريف والسقط إلا شيئًا يسيرًا مثل تحلة القسم (^١)، ولكن المحقق الفاضل لم يتم تحقيق الكتاب، وكان الكثيرون من طلبة العلم يظنون أن هذا القدر من الكتاب هو الموجود منه فحسب، ثم هذه الطبعة نفذت من الأسواق، وصار الكتاب من الكتب النادرة الوجود، ومع ذلك لم تعد طباعتها.
وأما الطبعة الثالثة: فصدرت سنة (١٤١٩)، عن «دار الكتب العلمية»، بتحقيق/ أيمن صالح شعبان. وزعم محققها أنه اعتمد على نسختين: هما نسخة الزركشي (النسخة الأولى)، ونسخة الظاهرية (المختصرة) التي سبقت الإشارة إليها، وقال عن النسخة الثانية: (وهذه النسخة تمثل شطر الكتاب الأخير، وقد أستأنسنا بها في بعض المواطن التي أعجمت علينا في النسخة الأصل نتيجة لرداءة التصوير الميكروفيلمي) ا. هـ.
وبمطالعة هذه الطبعة ظهر أنه اعتمد على الطبعة الثانية (التي حققها الأستاذ عامر صبري) في القسم الأول (إلى نهاية كتاب الزكاة)، مع تصحيح بعض الأخطاء اليسيرة فيها، ومع المحافظة على ما وقع فيها من السقط والتصحيف في الغالب (^٢)، بل أثبت الزيادات التي أضافها الأستاذ/ عامر صبري من نسخ أخرى لم يذكر محقق هذه الطبعة أنه اعتمدها، أو اطلع عليها، فمن أين أتى بهذه الزيادات؟!
_________________
(١) ولعل أكبر ما يؤخذ على هذه الطبعة أن المحقق لم يثبت الحواشي النفيسة المثبتة بهوامش النسخة الخطية - والتي سبق التعريف بها - إلا في مواضع قليلة جدًا.
(٢) وهذا مما أكد لنا أنه اعتمد على طبعة الأستاذ/ عامر صبري، ومن أمثلة المواضع التي وقع فيها سقط في الطبعتين:
[ المقدمة / ٢٣٥ ]
وأما في القسم الثاني فإنه خرج لنا بنسخة جديدة من تلفيقه، فإنه عمد إلى كتاب «التحقيق» لابن الجوزي وحذف منه أسانيده إلى أصحاب الكتب المشهورة، ثم عمد إلى نسخة الظاهرية (المختصرة) التي سبقت الإشارة إليها، وأخذ منها ما وجده زائدًا على كلام ابن الجوزي ووضعه بين الرمزين الذين ذكر ابن عبد الهادي أنه سوف يميز بهما كلامه، وربما نظر في النسخة الأولى أحيانًا، لأنه قد ذكر بعض الفروق اليسيرة بينها وبين نسخة الظاهرية المختصرة.
وعليه فلا يصح الاعتماد على هذه الطبعة في القسم الثاني من الكتاب على
_________________
(١) ـ[طبعة أ. عامر صبري … ط. دار الكتب طبعتنا]ـ ١/ ٢٧٠ السطر: ١٠ … ١/ ٦٠ السطر: ١٦ … ١/ ٩٦ السطر: ١٠ ١/ ٥٨٣ السطر: ٤ … ١/ ٢٢٥ السطر: ١٣ … ١/ ٣٨٦ السطر: ٢ ٢/ ١٠٨٨ السطر: ٣ … ١/ ٥٣٣ السطر: ٤ … ٢/ ٤٥٢ السطر: ١ ٢/ ١٣٧٧ السطر: ٤ … ٢/ ١٨١ السطر: ١٢ … ٣/ ٢٤ السطر: ٨ ومن أمثلة المواضع التي اتفقت فيها الطبعتان على التحريف والتصحيف: ـ[ط. عامر … ط. دار الكتب … طبعتنا … الخطأ الصواب]ـ ١/ ٣٩٣ ١/ ١٢٣ ١/ ٢١٤ … الرواة المراوزة ١/ ٦٢٠ ١/ ٢٤٥ ١/ ٤١٧ … ولم يعرف من ولم يعرف محمد ٢/ ٧٩٣ ١/ ٣٤٢ ٢/ ١٥٤ … لم يجد أبي لم يحمد أبي ٢/ ١٠٠٨ ١/ ٤٨٣ ٢/ ٣٧٣ … قال الشيخ أيضًا … قال الشيخ الضياء ٢/ ١٠٢٠ ١/ ٤٩١ ٢/ ٣٨٥ … لكن نفاه لكن ثناه ٢/ ١٠٩٥ ٢/ ٨ ٢/ ٤٥٨ … فزاد عن قراد عن
[ المقدمة / ٢٣٦ ]
أنها طبعة لكتاب «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي، وإنما هي مختصر له مُشوَّهٌ، لأن محققها إنما اعتمد على نسخة مختصرة لـ «التنقيح»، وقد أوضحنا في وصف النسخ الخطية حال هذه النسخة وحقيقتها، وما حصل فيها من تشويه للكتاب.
وبكل حال ما تظهره الموازنة بين مسألة واحدة من طبعة دار الكتب العلمية وهذه الطبعة أبلغ من كل كلام يمكن أن يقال، والحمد لله على التوفيق.
* * *
[ المقدمة / ٢٣٧ ]