لقد اطلعنا أثناء بحثنا عن مخطوطات الكتاب على عدة نسخ، ومعظمها مخروم من الأول، أو الآخِر، أو منهما، بل وبعض هذه النسخ قد دخله الاختصار والتصرف الكبير من النساخ، وأيضًا أغلب هذه النسخ متأخر التاريخ، ولكن بحمد الله وُفِّقنا للوقوف على نسختين كاملتين للكتاب، وإليك التعريف بهما:
النسخة الأولى (الأصل):
وهي من محفوظات «مكتبة أحمد الثالث» بتركيا، وقد حصلنا على صورة منها من مصورتها المحفوظة بـ «مركز البحث العلمي» بجامعة أم القرى برقم (١٠٥١)، وعدد أوراقها: (٣٩٣) (^١).
وكتب على طرتها: (كتاب «تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق». تأليف:
الشيخ، الإمام، العالم، العلامة، فارس الحفَّاظ، وناقد المعاني والألفاظ، شمس الدين، أبي عبد الله، محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي، المقدسي، تغمده الله برضوانه، آمين، وغفر لكاتبه الزركشي) ا. هـ.
وجاء في آخرها ما نصه: (علقه لنفسه، بيده الفانية، ولمن شاء الله من بعده، العبد الفقير، الحقير الذليل، المعترف بذنبه وعصيانه، المقر لله ﷾ بفضله وامتنانه، الراجي رحمته، الخائف من عذابه: محمد بن عبد الله الزركشي، غفر الله له، ولوالديه، وحشره في زمرة من أنعم عليهم بكرمه
_________________
(١) وقع خطأ في الترقيم المثبت على أصل النسخة، فنجد الرقم بعد الورقة (٢٨٩): (٢١٠)! ويستمر الترقيم متسلسلًا إلى الرقم: (٣١٤).
[ المقدمة / ٢٢٤ ]
وجوده، ومنه وعنه، وكان الفراغ منه يوم الجمعة لست مضين من شهر جمادى الآخر، سنة ست وستين وسبعمائة، والحمد لله وحده) ا. هـ.
ثم كتب تحتها التوقيع التالي: (علقته من نسخة معتمدة، عليها حواشي المؤلف وضبطه، ﵀ ا. هـ.
ولهذه النسخة عدة ميزات سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، ولكن نذكر هنا أنها احتوت على حواش مهمة جدًا، وسوف نخصها بالحديث في الفقرة التالية:
حواشي النسخة:
احتوت هذه النسخة على حواش كثيرة جدًا، فقل أن تخلو ورقة منها من حاشية أو أكثر، ومعظم هذه الحواشي لابن عبد الهادي، وهي منقولة من نسخته، وقد سبق ذكر تنبيه الناسخ على ذلك في توقيعه الآنف الذكر، بل قد نص ابن عبد الهادي على بعضها في جوف الكتاب (انظر مثلًا: ٢/ ٤٧٩).
ولكن هناك حواش أخرى قليلة ليست لابن عبد الهادي جزمًا، لأنها في التعقب عليه! (انظر مثلًا: ١/ ١٠٠؛ ٢/ ١٢٥، ٥٨٦؛ ٣/ ١٠٢، ٤٤٨، ٤٦٧، ٥٦٥؛ ٤/ ٥٨، ٢٣٩).
وهناك بعض الحواشي التي لم تتميز لنا (انظر مثلًا: ١/ ٣٣٦؛ ٢/ ٢٣٥، ٢٦٧، ٣٥٠، ٤٢٦، ٤٨٣؛ ٣/ ١٧١، ٢٧٨، ٤٧٥ - ٤٧٦؛ ٤/ ١١٦، ١٥٠).
وقد أثبتنا جميع الحواشي الموجودة على النسخة في الحاشية، وما سكتنا عنه فهو مما رأينا أنه لابن عبد الهادي، ومتى جزمنا بأن الحاشية ليست لابن عبد الهادي أو ترددنا في ذلك فإننا ننص على ذلك، ويبقى هذا من الاجتهاد الذي اضطررنا إليه، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ
[ المقدمة / ٢٢٥ ]
فنستغفر الله منه، والله الموفق.
وهذه الحواشي فيها:
- عزو بعض الأحاديث إلى مصادرها (انظر: ٢/ ٣٤، ١٧٤، ١٧٦، ٢٥٢، ٢٥٧، ٤٨٤، ٦٣٩، ٦٤٥).
- وذكر بعض الشواهد والمتابعات والاختلافات (انظر: ١/ ١٩١، ٢٦١، ٢٦٢؛ ٢/ ٩، ١٨، ٨٨، ٩٩، ١٠٦، ١٨٥، ١٨٩، ٢٣٠، ٢٦٣، ٢٧٦، ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٧، ٣٦٦، ٣٧٠، ٤٠٠، ٥٠٩، ٥١٥، ٥٢٤، ٥٢٧ وغيرها).
- وفيها التعيين لبعض الرواة وترجمتهم (انظر: ١/ ٢٦٢، ٢٨٠، ٣١٩؛ ٢/ ٢٤، ٤٦، ٦٠، ٦٤، ٨٧، ١٣٢، ١٣٧، ١٤٩، ١٨٣، ١٨٨، ١٩٠، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٢٣، ٢٢٦، ٢٣٧، ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٦٣، ٢٦٥، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٨، ٣٣٣، ٣٦٩، ٣٨٥، ٣٨٧، ٤٠٠، ٤٠٢، ٤١٥، ٤١٩، ٤٢٧، ٤٤٠، ٤٤٢، ٤٤٣، ٤٧٠ وغيرها كثير).
- وفيها نقل كلام العلماء في تصحيح الأحاديث وتضعيفها (انظر: ١/ ٢٥٠، ٢٦١، ٢٦٢؛ ٢/ ٣٥، ١٨٠، ١٨٩، ٢٠٦، ٢٥٤، ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٨، ٢٩٩، ٣٢٦، ٣٧٧، ٤١٩، ٤٧٤، ٥٣٣، ٥٤٩).
- وفيها التنبيه على بعض أوهام ابن الجوزي وغيره (انظر: ١/ ٢٤٧، ٢٦٠؛ ٢/ ٤٤، ٥٨، ١٣٥، ١٥٨، ٢٨٠، ٣٦١، ٣٨٩، ٤٧٦، ٥٢٥، ٥٩٩، ٦١٢، ٦٢٨، ٦٥٢).
[ المقدمة / ٢٢٦ ]
- وفيها التنبيه على بعض التصحيفات والتحريفات والسقوط التي وقعت في «التحقيق» (انظر: ٢/ ٣١٨، ٣٤١، ٣٥٠، ٣٨٤، ٣٧١، ٤٠٤، ٤٣١، ٥٣٥، ٥٥٤، ٥٨٦، ٥٩٢، ٦٢٥، ٦٤٥، ٦٦٥، ٦٧٠).
- وفيها بعض الفوائد الفقهية واللغوية (انظر: ١/ ١٠٣، ١٢٠، ١٤١، ١٦٩، ١٧٠ - ١٧١، ١٧١ - ١٧٢، ٢١٠، ٣٢١، ٣٦٢، ٣٨٤، ٤٠٤؛ ٢/ ٢٣٢، ٢٦٨، ٣١٠، ٣٥٩، ٣٦٥، ٣٨٦، ٤٦٤، ٤٨٣، ٥٠٠، ٥٠٨، ٥١٢، ٥٩٣، ٥٩٦، ٦١٠، ٦١٣، ٦٣٩، ٦٧٢، ٦٨٣ وغيرها).
- وفيها التنبيه على اختلاف النسخ في بعض النصوص المنقولة (انظر: ٢/ ٧، ١١٠، ١٩٤، ٢٦٢، ٢٧٠، ٤٧١، ٥٣٦).
وبالجملة هي تعليقات متينة، تتضمن فوائد علمية عزيزة جدًا، ولعل هذه الحواشي لو جمعت من مواطنها المتفرقة لكونت كتابًا مستقلًا، يصح أن يطلق عليه: «النكت على التحقيق لابن الجوزي»!
فمن الظلم بعد ذلك أن تهمل هذه الحواشي عند طبع الكتاب!
النسخة الثانية (ب):
وهي نسخة محفوظة أيضًا في «مكتبة أحمد الثالث» بتركيا، وعنها نسخة مصورة في جامعة الإمام، تحت الرقم: (٢٦٧٩ ف)، وقد حصلنا على مصورة لها من أحد الإخوة الأفاضل جزاه الله عنا خيرًا.
وعدد أوراقها: (٣٩٦).
[ المقدمة / ٢٢٧ ]
ولا يوجد أية معلومة عن هذه النسخة، فلا يعرف ناسخها، ولا تاريخ نسخها (^١)، ولكنها نسخة جيدة، تمتاز بجمال الخط ووضوحه، وقد أفدنا منها كثيرًا في قراءة بعض المواضع التي أشكلت علينا بالأصل، وفي استدراك بعض المواضع التي سقطت من النسخة الأولى، وهذا يؤكد أن لها أصلًا آخر غير النسخة الأولى.
الموازنة ين النسختين:
امتازت النسخة (ب) بجودة الخط ووضوحه كما سبق، ولكن فاقتها النسخة الأولى (الأصل) بميزات عدة، هي:
١) أن ناسخها عالم جليل من علماء الحنابلة المشاهير، ألا وهو محمد بن عبد الله الزركشي صاحب الشرح الشهير على «مختصر الخرقي» (^٢).
٢) قرب تاريخ نسخها من تاريخ وفاة المؤلف، فقد نسخت سنة (٧٦٦).
٣) أنها منسوخة من نسخة معتمدة، عليها حواشي المؤلف وضبطه، كما سبق.
٤) احتواءها على الحواشي التي علقها المؤلف على نسخته، وهي حواش مهمة ومفيدة كما تقدم.
٥) محافظة الناسخ على الرقوم التي وضعها المؤلف فوق أسماء بعض
_________________
(١) جاء في «فهرست المخطوطات والمصورات» الصادر عن جامعة الإمام (الحديث - ١/ ١٨٦) ما نصه: (كتبت بقلم نسخي في القرن التاسع الهجري تقديرًا) ا. هـ.
(٢) انظر ترجمته في «السحب الوابلة» لابن حميد (٣/ ٩٦٦ - رقم: ٦٢٥).
[ المقدمة / ٢٢٨ ]
الرواة، وهي الرقوم التي يستخدمها المزي في «تهذيب الكمال» لبيان أسماء الكتب التي أخرجت للراوي.
٦) الدقة في إثبات الرموز التي وضعها ابن عبد الهادي للتمييز بين كلامه وكلام ابن الجوزي.
ومع اجتماع هذه الميزات في هذه النسخة، فإنها تستحق أن تكون أصلًا معتمدا في تحقيق الكتاب، والله الموفق.
نسخ أخرى:
ذكرنا في أول الكلام أننا اطلعنا على عدة نسخ للكتاب، ولا نرى كبير فائدة في التعريف بجميع تلك النسخ وحالُها ما سبق وصفه، ولكننا سوف نشير إلى نسختين من تلك النسخ، لحاجتنا لذلك فيما يأتي:
الأولى: قطعة من أول الكتاب في (٤٧) ورقة، تنتهي بالمسألة رقم (٤٧)، ولا توجد عنها أية معلومة، وهي من محفوظات «المكتبة الظاهرية» بدمشق، وحصلنا على صورة منها عن مصورتها المحفوظة في «مركز البحث العلمي» بجامعة أم القرى برقم: (١٠٤٨)، وسوف نذكر هذه النسخة عند الحاجة إليها باسمها (نسخة الظاهرية)، وربما رمزنا لها بـ (ظ).
وإنما ذكرنا هذه النسخة لاحتوائها على بعض الزيادات اليسيرة ليست موجودة في الأصل ولا في النسخة الثانية (^١)، ويبدو أنها كانت ملحقة في هوامش نسخة المؤلف، فقد يكون ألحقها بعد تدوينه الكتاب، فوقعت في بعض
_________________
(١) يرجع الفضل في الاهتداء إلى هذه المواضع بعد الله تعالى إلى تعليقات الأستاذ/ عامر صبري، فجزاه الله عنا خيرًا.
[ المقدمة / ٢٢٩ ]
النسخ دون بعض، وقد يكون بعض النساخ لم ينتبه لها، والله أعلم.
الثانية: وهي نسخة محفوظة أيضًا في المكتبة الظاهرية برقم: (حديث: ٣٠١)، وهي تبدأ بكتاب الصيام إلى آخر الكتاب، وعدد أوراقها: (٢٦٩).
وكتب على طرتها بخط مغاير لخط ناسخها: (الثاني من تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي) ا. هـ.
ولم نجد ما يدل على ناسخها، أو تاريخ نسخها، وكتب على البطاقة التعريفية بها - التابعة للمكتبة الظاهرية - ما يلي:
(اسم الكتاب: الثاني من تنقيح التحقيق لابن الجوزي.
اسم المؤلف: ابن عبد الهادي.
تاريخ النسخ: القرن التاسع.
الملاحظات: من كتاب الصيام إلى آخره، ويتلوه تفسير لبعض الآيات) ا. هـ.
وقد ذكر الشيخ العلامة الألباني ﵀ هذه النسخة في كتابه «فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية» (ص: ١٠٢ - رقم: ٢٥٧)، ونسبه لابن عبد الهادي أيضًا.
وبعد قراءة النسخة وموازنتها بالنسختين السابقتين (الأصل، و«ب») تبين أن فيها تصرفًا كبيرًا يخرجها عن كونها نسخة لكتاب «التنقيح»، وبيان ذلك كما يلي:
أ) حذف صاحب النسخة الكثير من الأسانيد والنقول التي ذكرها ابن عبد الهادي، بل حذف بعض المسائل بأكملها!
[ المقدمة / ٢٣٠ ]
ب) دَمَجَ ما ينقله ابن الجوزي بما ينقله ابن عبد الهادي، وإذا ورد كلام لابن عبد الهادي صَدَّره بقوله (قال شيخنا) (^١)! أو (قلت).
وكان ابن عبد الهادي إذا أراد أن ينقل كلامًا لابن الجوزي صدره بقوله: (قال المصنف)، فوجدنا صاحب النسخة يبدله في بعض المواضع بـ (قال شيخنا)!!
ج) أبدل المصطلحات التي تفيد أن صاحب الكتاب حنبلي، فعندما يقول ابن الجوزي: (قال أصحابنا) أو (لنا) عند ذكر الأدلة، يبدلها الناسخ بـ (قالت الحنابلة) و(استدل الحنابلة)! وكذلك إذا سمى ابن الجوزي أو ابن عبد الهادي أحد علماء الحنابلة فإنه يبهمه، فإذا قال ابن الجوزي مثلًا: (قال القاضي أبو يعلى) يستبدله بـ (قال بعض أهل العلم)!
وإذا قال ابن الجوزي: (وبه قال الخلال والأكثرون من أصحابنا) استبدله بـ (وبه قال أكثر أصحاب أحمد)!
وإذا قال: (كما ظنه من ظنه من الأصحاب) استبدله بـ (كما ظنه بعض الناس)!
_________________
(١) وهذا أحدث لبسًا عند من يعتمد على هذه النسخة في نقل بعض ذلك الكلام، فالنسخة منسوبة لابن عبد لهادي، وذلك يقتضي أن قائل (قال شيخنا) هو ابن عبد الهادي، فمن هو شيخ ابن عبد الهادي؟ إذا سلمنا بما سبق فنقول شيخه إما ابن تيمية وإما المزي، وهذا ما قاله بعض أهل العلم الذين اعتمدوا على هذه النسخة، ومنهم الشيخ العلامة الألباني - رحمه الله تعالى - (انظر مثلًا: الإرواء: رقم: ٩٨٨). وكان هذا الخطأ مقتصرًا على من يعتمد على هذه النسخة المخطوطة وهم قلة، أما وقد طبع الكتاب عنها في دار الكتب العلمية فهذا الخطأ سوف ينتشر بشكل أكبر بكثير من السابق، بل قد وقع شيء من ذلك والله المستعان.
[ المقدمة / ٢٣١ ]
د) يدخل في الكتاب نقول أخرى ليست من «التنقيح»، فمثلًا في آخر كتاب النذور نقل جملة من فتاوى ابن تيمية في ست ورقات (ق: ٢٤٣/ ب - ٢٤٩/ ب) (^١)! بل في أواخر مسائل الذبح عقد فصلًا سماه: (فصل جامع) ثم ذكر تفسير عدة آيات من سورة المائدة في ست وثلاثين ورقة (ق: ٢٠٤/ ب - ٢٤٠/ أ) (^٢)، وبالمراجعة تبين أن ذلك منقول من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ومن تفسير ابن كثير!!!
وهذا يذكرنا بكتاب «الكواكب الدراري» لابن عروة، ولكن نقل ابن عروة كان نقل عالم متقن مدقق، ولا يقع فيه مثل هذا التخليط الذي وقع في هذه النسخة، وهنأك أمور كثيرة تدل على أن صاحب هذه النسخة ليس من أهل العلم.
وهذه الأمور تجعلنا نجزم بأن هذه النسخة ليست لكتاب «التنقيح» لابن عبد الهادي، وإنما هي في أحسن الأحوال نسخة لمختصر له، دخله تصرف وتشويه كبير، لا يمكن أن يعد من اختلاف النسخ!
وربما لو وجد الجزء الأول من الكتاب لانكشفت حقيقة هذه النسخة بشكل أوضح.
وبكل حال فلا يصح أن تعد هذه النسخة من نسخ «التنقيح»، فضلًا عن أن يعتمد عليها في طبع الكتاب، وتخرج للناس منسوبة لابن عبد الهادي.
* * *
_________________
(١) انظر طبعة دار الكتب العلمية (٣/ ٥١٣ - ٥٢٩).
(٢) انظر طبعة دار الكتب العلمية (٣/ ٤٠٥ - ٤٦٢).
[ المقدمة / ٢٣٢ ]