الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:
لا يخفى أن الأحكام الفقهية مبنية على نصوص الكتاب والسنة، ولذا اعتنى العلماء بالتأليف في أحكام القرآن، واعتنوا أيضًا بأحاديث الأحكام جمعًا وشرحًا وتخريجًا، ومن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب «التحقيق» لأبي الفرج بن الجوزي، وقد اعتنى بكتابه هذا أبو عبد الله بن عبد الهادي في كتابه «تنقيح التحقيق»، وامتاز كتابه بعدة مزايا، منها:
١ - أن أصله (وهو كتاب «التحقيق») يذكر الأحاديث التي يستدل بها الحنابلة ومخالفيهم، فحصل فيه بذلك نوع من الشمول الذي تفتقده بعض الكتب الأخرى المؤلفة في أحاديث الأحكام التي تختص بالأحاديث التي يستدل بها أصحاب مذهب معين.
٢ - أن مؤلفه له عناية كبيرة بأحاديث الأحكام، كما يعلم من ترجمته، وقد شهد له بذلك الموافق والمخالف، وكتابه «المحرر» خير شاهد على ذلك.
٣ - أنه اعتنى بالكلام على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا وفق طريقة علماء الحديث المتقدمين.
٤ - أنه كان بعيدا عن التعصب، ملتزمًا الإنصاف في الكلام على
[ المقدمة / ٥ ]
الأحاديث والمسائل الفقهية، ولا يخفى أن الغاية من الاشتغال بعلم الحديث هي العمل بما دلت عليه السنة النبوية والبعد عن التعصب لأقوال الرجال.
ويعد كتاب «التنقيح» دراسة عملية لقواعد الحكم على الأحاديث، وهو مع كتاب «نصب الراية» للزيلعي، و«التلخيص الحبير» لابن حجر، من أهم كتب التخريج التي تساعد طالب العلم على تعلم طريقة الحكم على الأحاديث ودراسة الأسانيد عمليًّا.
وقد قام الأخ/ سامي بن محمد بن جاد الله، والأخ/ عبد العزيز بن ناصر الخباني، بتحقيق كتاب «تنقيح التحقيق»، فجزاهما الله خيرًا.
وكنت ذكرت في تقدمة كتاب «التعليقة على العلل لابن أبي حاتم» أن أبا عبد الله بن عبد الهادي كان على منهج الأئمة المتقدمين في علم الحديث، وأن الدليل على ذلك من جهتين:
١ - إجمالًا.
٢ - وتفصيلًا.
ثم بينت الدليل الإجمالي.
ثم شرعت في بيان الدليل التفصيلي، وهو دراسة كتبه كـ «الصارم المنكي» وغيره، ثم شرعت في الكلام على الحديث الأول من أحاديث «الصارم المنكي»، وهو حديث ابن عمر في الزيارة، فسقت كلام السبكي عليه من كتابه «شفاء السقام» بنصه، ثم أتبعته بكلام ابن عبد الهادي من «الصارم» بنصه.
ثم ذكرت أن الصحيح في هذا الحديث هو ما ذهب إليه ابن عبد الهادي من تضعيفه ورده، وأنه مسبوق في ذلك من كبار الحفاظ.
وذكرت أن هذا الحديث معلول بعدة علل، واقتصرت هناك على بيان
[ المقدمة / ٦ ]
علتين من علله، وهما:
١ - ضعف موسى بن هلال، وأنه لا يحتج به.
٢ - أن الراجح أن العمري الذي في الإسناد هو عبد الله (المكبر)، لا عبيد الله (المصغر) الثقة، وأن الراجح في عبد الله أنه مع صلاحه في نفسه واستقامته في ذاته إلا أنه لا يحتج بحفظه، ولكن يكتب حديثه، وذلك لوجوه ثلاثة، هي:
١) أن هذا هو قول جمهور الحفاظ.
٢) أن بعض الحفاظ جرحه جرحًا مفسرًا.
٣) أن هناك عددًا من الأحاديث أنكرت على العمري، وأحاديث أخرى
تفرد بها قد تستنكر عليه.
وقد تكلمت هناك عن الوجه الأول، وأكمل هنا الكلام عن بقية الأوجه، ثم أتكلم عن بقية العلل التي يعل بها هذا الحديث، فأقول وبالله التوفيق:
* * *
[ المقدمة / ٧ ]
الوجه الثاني من الأوجه التي تدل على عدم الاحتجاج بعبد الله العمري: أن بعض الحفاظ جرحه جرحًا مفسرًا.
قال البخاري: عبد الله العمري ذاهب، لا أروي عنه شيئًا.
قال الإمام أحمد - في رواية أبي زرعة (^١) -: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلًا صالحًا. ا. هـ من «تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٠).
وقال يعقوب بن شيبة: هو رجل صالح، مذكور بالعلم والصلاح، وفي حديثه بعض الضعف والاضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيرًا.
وقال صالح بن محمد الأسدي: لين، مختلط الحديث.
وقال أبو حاتم ابن حبان: كان ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط، فاستحق الترك.
وقال أبو بكر البيهقي في «سننه الكبرى» (٦/ ٣٢٥): كثير الوهم.
وقال أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٢٤١): ضعيف ليس بحجة عندهم لتخليطه في حفظه.
وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه، ولم يخرّج لذلك في «الصحيحين» ا. هـ من «الإرشاد» (١/ ١٩٣).
كل هؤلاء الحفاظ تكلموا في حديث عبد الله العمري، وفسَّروا جرحهم، فأحمد بيَّن أنه كان يزيد في الأسانيد ويخالف.
_________________
(١) هو الدمشقي.
[ المقدمة / ٨ ]
والبخاري قال: ذاهب. يعني - والله أعلم -: ذاهب الحديث.
ويعقوب بن شيبة ذكر أن في حديثه بعض الضعف والاضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيرًا، وبيَّن صالح الأسدي أنه مختلط الحديث.
وذكر البيهقي أنه كثير الوهم.
ولا يخفى أن من القرائن والأدلة التي يرجع إليها في الحكم على الراوي: أن يكون جرح من جرحه مفسرًا، والله تعالى أعلم.
* * *
[ المقدمة / ٩ ]
الوجه الثالث: أن العمري فد استنكرت عليه عدة أحاديث، وتفرد بجملة من الأحاديث، ومن ذلك ما يلي:
١ - حديث منكر: قال ابن وهب في كتابه «الجامع» (٧١): وحدثني عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «أصدق الأسماء الحارث وهمام، وأبغضها إلى الله حرب ومرة، وأكذبها خالد ومالك، لا مالك إلا الله».
قلت: أخرج مسلم (٢١٣٢) أصل هذا الحديث، فقال: حدثني إبراهيم بن زياد أخبرنا عباد بن عباد عن عبيد الله بن عمر وأخيه عبد الله يحدثان عن نافع عن ابن عمر رفعه: «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن».
قلت: وأول الحديث: «أصدق الأسماء حارث وهمام، وأبغضها إلى الله حرب ومرة» جاء من طرق، ولا يصح منها شيء.
وأما زيادة «وأكذبها خالد ومالك …» فلعلها لم تأت إلا في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
وهذا الحديث رجاله كلهم ثقات مشاهير ما عدا عبد الله العمري، فالظاهر أن العلة منه.
٢ - حديث آخر: حديث التكبير عند سجود التلاوة، أخرجه أبو داود (١٤١٣): ثنا أحمد بن الفرات أخبرنا عبد الرزاق أنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجدنا.
وأخرجه أحمد (٢/ ١٥٧ رقم: ٦٤٦١): ثنا حماد ثنا عبد الله عن نافع به
[ المقدمة / ١٠ ]
بدون التكبير.
قلت: هذا الحديث أخرجه مسلم (٥٧٥) من طريقين عن عبيد الله بن عمر عن نافع به، وليس فيه ذكر التكبير.
وأخرجه أبو داود (١٤١١) من طريق مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن نافع به، وليس فيه ذكر التكبير.
وقد تكلم على هذه الزيادة التي تفرد بها العمري ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ١٩٧).
٣ - حديث آخر: قال أبو داود (٢٠٧٩): ثنا عقبة بن مكرم ثنا أبو قتيبة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رفعه: «إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل».
قال أبو داود: هذا الحديث ضعيف، وهو موقوف، وهو قول ابن عمر ﵄. ا. هـ.
ورواه أيضًا يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع به، ورفعه.
ولكن رواه أبو عاصم وحجاج وعبد الرزاق عن ابن جريج بهذا الإسناد موقوفًا، وهو الصواب، وكذلك رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفًا.
ذكر ذلك الدارقطني (^١).
قلت: فعلى هذا الصواب في هذا الخبر وقفه، ولعل العمري هو الذي
_________________
(١) ينظر: «بيان الوهم والإيهام» (٢/ ٤٨ رقم: ١١٧؛ ٤/ ١٩٨).
[ المقدمة / ١١ ]
أخطأ في رفعه.
٤ - حديث آخر: قال الطبراني (١٢/ ٣٦٤ - رقم: ١٣٣٥٦): ثنا يحيى ابن عثمان بن صالح ثنا سعيد بن أبي مريم أخبرني الليث بن سعد عن ابن وهب عن العمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لم يسجد يوم ذي اليدين.
قلت: لا شك في أنه ﷺ سجد يوم ذي اليدين، وقد خالفه عبيد الله العمري فرواه عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، وفيه ذكر السجود، وحديثه رواه ابن أبي شيبة (٤٥١٤) وأبو داود (١٠٠٩) وابن ماجه (١٢١٣) وابن خزيمة (١٠٣٤) كلهم عن أبي أسامة عنه به.
وأيضًا قد نص العلماء على وهم وغلط الزهري في نفيه لسجود السهو في حديث ذي اليدين، قال مسلم في كتابه «التمييز» (ص ١٨٣): وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين وهم غير محفوظ، لتظاهر الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ في هذا
ثم قال بعد أن ساق جملة من الروايات: فقد صح بهذه الروايات المشهورة المستفيضة في سجود رسول الله ﷺ يوم ذي اليدين أن الزهري واهم في روايته إذ نفى ذلك في خبره من فعل رسول الله ﷺ ا. هـ.
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ٣٦٦): ولا أعلم أحدًا من أهل العلم والحديث المنصفين (^١) فيه عول على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، لاضطرابه فيه، وأنه لم يتم له إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكل أحد يؤخذ
_________________
(١) كذا، ولعلها: المصنفين.
[ المقدمة / ١٢ ]
من قوله ويترك إلا النبي ﷺ ا. هـ.
وبهذا تتبين نكارة الحديث الذي رواه الطبراني، ورجاله كلهم ثقات مشاهير عدا عبد الله بن عمر العمري، فلعل الخطأ منه.
٥، ٦ - حديثان آخران: قال أبو بكر البزار في مسنده (١٦٢): وثنا إبراهيم بن زياد الصايغ نا يونس بن محمد نا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه».
وقال أيضًا:
ونا يونس بن محمد نا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر رفعه: «إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما».
قال البزار: وهذان الحديثان إنما يرويهما الثقات الحفاظ عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ، ولا نعلم أحدًا قال: عن ابن عمر عن عمر إلا عبد الله بن عمر العمري، ولم يتابع عليه ا. هـ.
٧ - حديث آخر: قال أحمد في «المسند» (٥٩٤٩): ثنا سريج ثنا عبد الله عن سعيد المقبري قال: جلست إلى ابن عمر ومعه رجل يحدثه فدخلت معهما فضرب بيده صدري وقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: «إذا تناجى اثنان فلا تجلس إليهما حتى تستأذنهما».
وأخرجه أيضًا في موضع آخر (٢/ ١٣٨): ثنا نوح أنا عبد الله به.
وأخرجه الدارقطني في «العلل» (٤/ ورقة ٧٣) - كما في حاشية «المسند» طبع الرسالة - من طريق أبي أسامة عن العمري به.
ورواه عبيد الله بن عمر عن المقبري عن ابن عمر موقوفًا، أخرجه
[ المقدمة / ١٣ ]
الدارقطني في «العلل» من طريق يحيى القطان عن عبيد الله به، وعبيد الله يقدم في المقبري كما قال الإمام أحمد، هذا مع إتقانه وحفظه، فروايته هي الأرجح.
ومتن هذا الخبر لا شك في صحته مرفوعًا، فقد أخرج البخاري (٦٢٨٨) ومسلم (٢١٨٣) من طريق نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر».
ولكن المقصود هنا رواية المقبري عن ابن عمر، فالصواب فيها الوقف كما في رواية عبيد الله عنه (^١).
٨ - حديث آخر: قال عبد الله بن أحمد في «السنة» (١٣٦٠) وفي زوائده على «فضائل الصحابة» (٦٣): ثني سلمة بن شبيب ثنا مروان بن محمد الطاطري ثنا عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال: ما كنا نختلف في عهد رسول الله ﷺ أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، وأن الخليفة بعد أبي بكر عمر، وأن الخليفة بعد عمر عثمان.
قلت: وهذا الحديث بهذا السياق منكر من أجل ذكر الخلافة، وإنما اللفظ الصحيح ما رواه البخاري في «صحيحه» (٣٦٩٧) قال: حدثني محمد ابن حاتم بن بزيع حدَّثنا شاذان حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم.
٩ - حديث آخر: قال النسائي في «الكبرى» (٢/ ١٠٢٦٩): أخبرنا
_________________
(١) وينظر: «العلل» للدارقطني (١٠/ ٣٤٥) و«الفتح» لابن حجر (١/ ١٥٠).
[ المقدمة / ١٤ ]
العباس بن محمد ثنا خالد بن مخلد ثنا عبد الله بن عمر عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد عن ابن عمر أنه أراد أن يودِّع رجلًا، فقال: تعال أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا: «استودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك».
أخبرني الحسن بن إسماعيل ثنا عبدة عن عبد العزيز بن عمر عن يحيى بن إسماعيل ثنا قزعة عن ابن عمر به.
أخبرنا أحمد بن سليمان ثنا أبو نعيم ثنا عبد العزيز عن يحيى بن إسماعيل ابن جرير عن قزعة قال: أرسلني ابن عمر إلى حاجة … فذكره ا. هـ.
قلت: خالف عبدةُ - وهو ابن سليمان الكلابي - وأبو نعيم - وكلاهما من الثقات الأثبات - عبد الله بن عمر العمري، ولا شك أن روايتهما أصح، وقد تابعهما أبو ضمرة أيضًا.
قال النسائي (١٠٢٧٠): أخبرنا أحمد بن حرب ثنا أبو ضمرة عن عبد العزيز بن عمر عن يحيى بن إسماعيل بن جرير عن قزعة به. أنا الحسين بن حريث أنا عيسى عن عبد العزيز بن عمر حدثني إسماعيل ابن محمد بن سعد عن قزعة به.
أخبرنا هشام بن عمار عن يحيى ثني عبد العزيز بن عمر عن قزعة به ا. هـ.
قلت: وأصح هذه الروايات رواية الجماعة، وهم: عبدة بن سليمان وأبو نعيم وأبو ضمرة، وأضعف هذه الروايات رواية عبد الله العمري، لأنها أكثرها مخالفة لباقي الروايات.
وإن كان هذا الحديث جاء من طريق أخرى عن مجاهد عن ابن عمر،
[ المقدمة / ١٥ ]
ولكنه من غير طريق عبد العزيز بن عمر، والمقصود هنا في مخالفة العمري هي طريق عبد العزيز بن عمر الذي وقع عليه الاختلاف، قال النسائي (١٠٢٦٩): أنا أحمد بن إبراهيم بن محمد ثنا ابن عائذ ثنا الهيثم بن حميد ثنا المطعم عن مجاهد عن ابن عمر به.
١٠ - حديث آخر: قال عبد الرزاق (٥٠٢٢): عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: ليس على النساء أذان ولا إقامة.
وأخرجه البيهقي في «الكبرى» (١/ ٤٠٨) من طريق بحر بن نصر قال: قرئ على ابن وهب أخبرك عبد الله بن عمر عن نافع به.
قلت: جاء عن ابن عمر ﵄ بإسناد أقوى مما تقدم، ظاهره يخالف السابق:
قال أبو بكر بن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٢٢٣): نا أبو خالد عن ابن عجلان عن وهب بن كيسان قال: سئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟
فغضب، قال: أنا أنهى عن ذكر الله!
ووهب بن كيسان أدرك ابن عمر، قال أحمد (٢/ ١٠٨): ثنا قتيبة بن سعيد ثنا بكر بن مضر عن ابن عجلان عن وهب بن كيسان - وكان وهب أدرك ابن عمر - أن ابن عمر رأى …
وأخرج ابن حبان في «صحيحه» (٦٧٨٠) من طريق هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن ابن عمر.
١١ - حديث آخر: حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال في الذهب والحرير: هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثها.
[ المقدمة / ١٦ ]
رواه عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن أبي موسى به.
ورواه نافع، واختلف عليه، قال الدارقطني في «العلل» (٧/ ٢٤١): يرويه عبد الله بن سعيد بن أبي هند، واختلف عن نافع فرواه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى.
ورواه سويد بن عبد العزيز عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي موسى، ووهم فيه في موضعين في قوله: سعيد المقبري، وإنما هو سعيد بن أبي هند، وفي تركه نافعًا في الإسناد.
ورواه عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن رجل عن أبي موسى، وهو أشبه بالصواب، لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئًا، وقال أسامة بن زيد عن سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل عن أبي موسى في حديث النهي عن اللعب بالنرد، وهو الصحيح.
وهذا يقوي قول العمري عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن رجل، والله أعلم. ا. هـ.
قلت: سعيد لم يسمع من أبي موسى، كما قال الدارقطني، وقال أبو حاتم: لم يلقه.
فلا شك أن بينهما شخص أو أكثر، ولكن سعيد بن أبي هند لم يذكر واسطة في حديثه هذا كما في رواية ابنه عبد الله بن سعيد، ونافع من رواية أيوب وعبيد الله بن عمر، وهما من كبار الحفاظ، وخالفهم عبد الله العمري فقال: عن نافع عن سعيد عن رجل عن أبي موسى، ولا شك أن روايتهم أصح، والله تعالى أعلم.
[ المقدمة / ١٧ ]
١٢ - حديث آخر: قال ابن ماجه (٢٠١٥): ثنا يحيى بن معلى بن منصور ثنا إسحاق بن محمد الفروي ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا يحرّم الحرام الحلال».
وأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٦٨) من طريق جعفر بن أحمد بن سام وعلي ابن أحمد الجواربي كلاهما عن إسحاق به.
وأخرجه البيهقي (٧/ ١٦٨) من طريق جعفر بن أحمد به.
قال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ١٢٤): (هذا إسناد ضعيف، لضعف العمري) ا. هـ.
قلت: إن كان إسحاق - وهو الفروي - تفرد به، فقد تكلم فيه بعض الحفاظ، وخاصة بعد أن عمي، فصار يتلقن، وقال النسائي: متروك.
فيحتمل أن الخطأ من الفروي، والله أعلم.
١٣ - حديث آخر: قال أحمد (٢/ ١٣٨): ثنا نوح بن ميمون أنا عبد الله عن موسى عن سالم عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يوتر على راحلته.
وأخرجه أبو يعلى (٥٤٥٩): ثنا أبو خيثمة حدثنا يونس بن محمد ثنا عبد الله بن عمر عن موسى به.
قلت: هذا الحديث صحيح، ولكن الصحيح في رواية موسى بن عقبة عن سالم وقف هذا الخبر على عبد الله بن عمر بن الخطاب، وإنما رواه موسى بن عقبة مرفوعًا عن نافع وليس عن سالم:
قال أحمد (١/ ٢٥٢): ثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة ثني سالم أن عبد الله كان يصلي في الليل ويوتر راكبًا على بعيره، لا يبالي حيث وجهه، قال:
[ المقدمة / ١٨ ]
وقد رأيت أنا سالمًا يصنع ذلك، وقد أخبرني نافع عن عبد الله أنه كان يأثر ذلك عن النبي ﷺ.
قلت: وهيب من كبار الحفاظ، وقد فصل في روايته بين رواية سالم - فرواها موقوفة - وبن رواية نافع - فرواها عنه بالرفع -.
وأما عبد الله العمري فلم يبين ذلك، فجعل الخبر كله مرفوعًا من رواية سالم، ولم يذكر رواية نافع.
وقد رواه ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر كان يوتر وهو راكب حيث كان وجهه.
أخرجه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (١/ ٥٤٢ - رقم: ٨٥٥): ثنا سعيد بن يحيى الأموي ثني أبي ثنا ابن جريج به، فوافق ابن جريج وهيبًا.
والخبر لا شك في صحة رفعه من حديث سالم، وقد خرجه الشيخان من طريق الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعًا.
ولكن من رواية موسى الصواب وقفه كما تقدم، والله تعالى أعلم.
١٤ - حديث آخر: قال أبو يعلى الموصلي - كما في «مسند الفاروق» (١/ ٣٨٦) و«المقصد العلي» (٢/ ٣١٣ - رقم: ٧٠٩) -: ثنا زهير ثنا يونس بن محمد ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ: «ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين سوداوين وعنده ما يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة».
قال ابن كثير: (غريب من هذا الوجه، والعمري له أوهام، فإن هذا الحديث في «الصحيح» عن عبد الله بن عمر نفسه كما سيأتي في «مسنده») ا. هـ
من «مسند الفاروق».
[ المقدمة / ١٩ ]
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٠٩): (رواه أبو يعلى في «الكبير» وفيه عبد الله العمري، وفيه ضعف، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح) ا. هـ
وقول الهيثمي: (رواه في الكبير) يعني مسند أبي يعلى الذي رواه عنه ابن المقرئ، فإنه أكبر من المسند المطبوع الذي رواه عنه أبو عمرو بن حمدان، ولذا لما ذكره في «المقصد العلي» (٢/ ٣١٣) رمز له بـ (ك).
والصحيح في هذا الحديث أنه من مسند ابن عمر كما تقدم في كلام ابن كثير فقد أخرجه الشيخان من طريق نافع عن ابن عمر، أخرجه البخاري من طريق مالك، ومسلم من طريق عبيد الله وأيوب وأسامة بن زيد وهشام بن سعد.
وأخرجه مسلم أيضًا من طريق الزهري عن سالم عن ابن عمر به.
فخالف عبد الله العمري - فيما يظهر - وجعله من مسند عمر.
ووقع في روايته لفظة غريبة لعله تفرد بها، وهي: (سوداوين) فلم أقف عليها في الروايات الصحيحة.
وزهير شيخ أبي يعلى: هو ابن حرب أبو خيثمة النسائي، من كبار الحفاظ.
ويونس بن محمد: هو ابن مسلم البغدادي، وهو ثقة جليل، قال الذهبي: من كبار الحفاظ ببغداد.
١٥ - حديث آخر: قال أبو عبيد في «الأموال» (٧٤٠): ثنا ابن أبي مريم عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال: حمى رسول الله
[ المقدمة / ٢٠ ]
ﷺ النقيع - وهو موضع معروف بالمدينة - لخيل المسلمين.
وأخرجه حميد بن زنجويه في «الأموال» (١١٠٥) عن أبي عبيد.
وأخرجه أحمد (٥٦٥٥): ثنا قراد أخبرنا عبد الله به، ولفظه: حمى النقيع لخيله.
و(٦٤٣٨، ٦٤٦٤): ثنا حماد بن خالد ثنا عبد الله به.
والبيهقي في الكبرى (٦/ ١٤٦) من طريق القعنبي عن العمري به.
وخالفه عاصم بن عمر بن حفص، فرواه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر به.
ولكن عاصم ضعيف، وقد يكون أضعف من عبد الله العمري، وهو أخوه، والراوي عنه عبد الله بن نافع فيه بعض الضعف.
وأخرج حميد بن زنجويه (١١٠٤): أنا عبد الله بن صالح ثنا الليث ثني يونس عن ابن شهاب قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف والربذة.
ووصله عبد العزيز بن محمد عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب رفعه.
أخرجه أبو داود والطحاوي والبيهقي (٦/ ١٤٦) وهو لا يصح، قال البخاري: هذا وهم. وقال البيهقي: لأن قوله (حمى النقيع) من قول الزهري، وكذلك قاله ابن أبي الزناد عن عبد الرحمن. ا. هـ.
[ المقدمة / ٢١ ]
قلت: ويؤيد ذلك أن البخاري أخرج في «صحيحه» من طريق يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ». قال: وبلغنا أن رسول الله ﷺ حمى النقيع …
قلت: وقوله: (وبلغنا) هو من قول الزهري.
١٦ - حديث آخر: قال الإمام أحمد (٥٩٤٦): ثنا سريج ثنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا فما أحللنا من شيء حتى أحللنا يوم النحر.
قال محقق «المسند»: سيأتي في الرواية (٦٠٨٢) أن ليس كلهم بقي محرمًا إلى يوم النحر، وقد فصلت الروايات الصحيحة أن من ساق الهدي لم يحل، وأن من لم يسق الهدي حلّ، كما سيرد برقم (٦٠٦٨) وقد سلف برقم (٤٨٢٢). ا. هـ.
قلت: أنا أذهب إلى هذا، والأدلة كثيرة التي تدل على ذلك، وسأذكر ما ذكره محقق «المسند» مما جاء عن نافع فقط، ثم أذكر ما جاء عن ابن عمر من غير طريق نافع.
قال أحمد (٦٠٨٢): ثنا يونس وسريج بن النعمان قالا: ثنا فليح عن نافع عن ابن عمر قال: لا أعلمه إلا خرجنا حجاجًا مهلين بالحج فلم يحل النبي ﷺ ولا عمر حتى طافوا بالبيت. قال: قال سريج: يوم النحر وبالصفا والمروة.
قال أحمد (٦٠٦٨): ثنا يونس ثنا فليح عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لبّد رأسه وأهدى، فلما قدم مكة أمر نساءه أن يحللن، قلن: ما لك أنت لا تحل. قال: إني قلدت هديي، ولبدت رأسي فلا أحل حتى أحل
[ المقدمة / ٢٢ ]
من حجتي.
وقد خولف فليح في هذا الحديث، فقد أخرجه البخاري (١٥٦٦، ١٧٢٥، ٥٩١٦) من طريق مالك، و(١٦٩٧) من طريق عبيد الله بن عمر، و(٤٣٩٨) من طريق موسى بن عقبة، كلهم عن نافع عن ابن عمر عن حفصة بنحوه.
وأخرجه مسلم (١٢٢٩) من طريق مالك وعبيد الله وابن جريج عن نافع به.
وأخرج البخاري (١٦٩١) من طريق ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي … وساق الحديث إلى أن ذكر قول الرسول ﷺ للناس: من لم يكن منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل بالحج …
فطاف حين قدم مكة … ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض، فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى وساق الهدي من الناس.
وأخرجه مسلم (١٢٢٧) وأخرج أحمد (٤٨٢٢) من حديث بكر بن عبد الله عن ابن عمر بنحوه.
قلت: هذا التفصيل الذي جاء في هذه الروايات وخاصة الأخيرة تخالف ما جاء في رواية عبد الله العمري من كونهم لم يحلوا من شيء حتى يوم النحر، والله تعالى أعلم.
١٧ - حديث آخر: قال أبو بكر البزار (١٥٨): ثنا يوسف بن موسى نا الفضل بن دكين نا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أن رسول الله
[ المقدمة / ٢٣ ]
ﷺ لم يصدق أحدًا من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية.
قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن العمري إلا الفضل بن دكين، ولا نعلم يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه ا. هـ.
وأخرجه السلفي في «الطيوريات» (رقم: ٧١٩) من طريق أحمد بن الصلت ثنا أبو نعيم به.
قلت: وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر، فقد رواه ابن سيرين عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر يقول: ألا لا تغلوا صُدُق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته كثر من ثنتي عشرة أوقية.
قال الحافظ ابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ٤٠٨) - بعد أن ذكره من طريق البزار -: إسناده جيد، ليس فيه متكلم فيه سوى العمري وحده ا. هـ.
وقد خالفه عبد العزيز بن أبي رواد، فرواه عن نافع قال: قال عمر: لا تغالوا في مهور النساء … فذكره، ثم قال نافع: فكان عمر يقول: مهور النساء لا يزدن على أربع مائة درهم، إلا ما تراضوا عليه فيما دون ذلك.
قال نافع: وزوج رجل من ولد عمر ابنة له على ست مائة درهم. قال: ولو علم بذلك نكله. قال: وكان إذا نهى عن الشيء قال لأهله: إني قد نهيت كذ وكذ …
أخرجه عبد الرزاق (٦/ ١٧٥) عن عبد العزيز به.
قلت: وعبد العزيز تكلم في حفظه، ولكن كأنه أقوى من العمري،
[ المقدمة / ٢٤ ]
وقد خالف الجادة في هذا الحديث من حديث نافع، لأن الجادة في حديثه: (عن ابن عمر)، والحفاظ يقدمون من خالف الجادة على من سلكها، لأن من خالف يكون معه زيادة علم، والله تعالى أعلم.
وقد جاء هذا الحديث من طريق آخر عن نافع، فرواه عيسى بن ميمون البصري عن سالم ونافع عن ابن عمر عن عمر، ولكن عيسى متروك. قاله الدارقطني في «العلل» (٢/ ٢٣٨).
وجاء هذا الخبر بأسانيد أخرى لكن من غير طريق نافع عن ابن عمر، تنظر في «العلل» للدارقطني، فقد تكلم عليها، لكنه لم يذكر طريق العمري، وكذلك الحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٧٥ - ١٧٧) قد توسع في ذكر طرق هذا الخبر.
١٨ - حديث آخر: قال أحمد (١/ ٣٤): ثنا عبد الرزاق ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قبل الحجر ثم قال: قد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك.
وأخرجه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به (٢٦).
وأخرجه مسلم (١٢٧٠): ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، وأبو بكر النجاد في «مسند عمر» من طرق عن المقدمي، والدارمي (٢/ ٥٢): أخبرنا مسدد، والبزار (١٣٩): ثنا محمد بن المثنى نا حفص بن عمر، ثلاثتهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر به.
وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر إلا حماد بن زيد. ا. هـ.
[ المقدمة / ٢٥ ]
وفي «علل الدارقطني» (٢/ ١٣ - رقم: ٨٦): وسئل عن حديث نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ أنه قبل الحجر.
فقال: يرويه أيوب السختياني، واختلف عنه:
فرواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر. قال ذلك الحوضي ومسدد والمقدمي.
وقيل عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع مرسلًا عن عمر.
ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب قال: نبئت أن عمر قال: وقول حماد ابن زيد أحب إليّ ا. هـ.
وقال الدارقطني أيضًا في «التتبع» (ص: ٢٥٧): قد اختلف فيه على أيوب وعلى حماد بن زيد، وقد وصله مسدد والحوضي عن حماد، وخالفهم: سليمان وأبو الربيع وعارم فأرسلوه عن حماد، وقال ابن علية عن أيوب: (نبئت أن عمر) ليس فيه نافع ولكن عمر (^١)، وهو صحيح من حديث سويد ابن غفلة وعابس بن ربيعة وعبد الله بن سرجس عن عمر ا. هـ.
وأخرجه مسلم وغيره عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن عمر.
والخلاصة أن هذا الحديث رواه عن نافع راويان: أيوب والعمري.
فأما أيوب: فاختلف عليه، فرواه حماد واختلف عليه، فرواه عنه المقدمي ومسدد والحوضي عنه عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر،
_________________
(١) كذا في مطبوعة «التتبع»، ونقل هذا النص عن الدارقطني: المزي في «تحفة الأشراف» (٨/ ٧٢)، وفيه: (ليس فيه نافع ولا ابن عمر).
[ المقدمة / ٢٦ ]
وخالفهم سليمان بن حرب وعارم وأبو الربيع، فرووه عن حماد فأرسلوه.
ويظهر أن رواية الوصل والإرسال كلاهما ثابتتان عن حماد، وأن حماد إما أنه اضطرب وإما أنه حدث به على الوجهين وأنه ثابت عنده الوصل فحدث به مرّة، وأخرى أرسله مع ثبوت الوصل عنده.
ولكن يؤيد الوجه الأول وهو اضطراب حماد أن ابن علية وهو من كبار الحفاظ، ومقدم جدا في أيوب، حتى اختلف أيهما يقدم في أيوب: حماد بن زيد أو ابن علية (^١) رواه عن أيوب فقال: نبئت أن عمر، ولعل الذي نبأه نافع، كما في رواية حماد، فهذا يرجح الإرسال، لأن رواية ابن علية سالمة من
_________________
(١) ذكر ابن رجب في «شرح العلل» (٥١٠) بعض أقوال الحفاظ في الترجيح بينهما، ومن ذلك: قال الإمام أحمد: ما عندي أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد، وقد أخطأ في غير شيء. وقال ابن معين: ليس أحد أثبت في أيوب من حماد بن زيد. وقال أيضًا: إذا اختلف إسماعيل بن علية وحماد بن زيد في أيوب كان القول قول حماد. قيل ليحيى: فإن خالفه سفيان الثوري؟ قال: فالقول قول حماد بن زيد في أيوب. قال يحيى: ومن خالفه من الناس جميعًا في أيوب فالقول قوله. وقال سليمان بن حرب: وحماد بن زيد في أيوب أكثر من كل من روى عن أيوب. وقال النسائي: أثبت أصحاب أيوب حماد بن زيد، وبعده عبد الوارث وابن علية. وقال البرديجي: ابن علية أثبت من روى عن أيوب، وقال بعضهم: حماد بن زيد. قال: ولم يختلفا إلا في حديث أوقفه ابن علية ورفعه حماد، وهو حديث أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «ليس أحد منكم ينجيه عمله» قالوا: ولا أنت؟! قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». قال ابن رجب: وليس وقف هذا الحديث مما يضره فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرًا ولا يرفعها، والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها. قلت: وقد اختلفا أيضًا في أحاديث أخر، منها حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر. كذا رواه حماد بن زيد عن أيوب، ورواه ابن علية عن أيوب قال: نبئت أن عمر قبل الحجر. ا. هـ، وقد ذكر ابن رجب أقوالًا أخرى في تقديم ابن علية.
[ المقدمة / ٢٧ ]
الاضطراب، وهي توافق رواية سليمان بن حرب ومن معه عن حماد، فإذا كان الإرسال هو الأرجح فتكون رواية العمري فيها نظر، والله أعلم.
١٩ - حديث آخر: أخرج البخاري من طريق ابن أبي ذئب وعبيد الله بن عمر العمري كلاهما عن سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجزه بالليل، فثاب إليه ناس، فصفوا وراءه …
وأخرجه أبو داود من طريق ابن عجلان عن سعيد المقبري به ببعضه.
قال الدارقطني في «العلل» (٥/ ق: ٧٢/ ب): يرويه سعيد المقبري واختلف عنه، فرواه ابن عجلان وعبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي سلمة عن عائشة، وخالفهم عبد الله بن عمر العمري وأبو معشر فروياه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وحديث أبي سلمة عن عائشة هو الصواب ا. هـ.
وقال الحافظ ابن حجر في «النكت الظراف» (١٢/ ٣٥٠): قلت: رواه عبد الله بن عمر العمري فقال: (عن سعد (^١) عن أبي هريرة) وهو خطأ، أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل ا. هـ.
٢٠ - حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي (٢٤٥٤): ثنا العمري ثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رجلًا أسلم، فأمره رسول الله ﷺ أن يغتسل.
وأخرجه أحمد (١٠٢٦٨): ثنا سريج ثنا عبد الله، يعني ابن عمر به.
و(٨٠٣٧): ثنا عبد الرحمن ثنا عبد الله بن عمر به، ولفظه: " اذهبوا
_________________
(١) كذا، ولعل الصواب: (عن سعيد - وهو المقبري - عن أي هريرة) فيكون العمري أسقط أبو سلمة بن عبد الرحمن، وجعله من مسند أبي هريرة.
[ المقدمة / ٢٨ ]
به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل ".
وأخرجه عبد الرزاق (٩٨٣٤): أخبرنا عبيد الله وعبد الله ابنا عمر عن سعيد به مطولًا، وفيه: فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال النبي ﷺ: «لقد حسن إسلام أخيكم».
وأخرجه ابن خزيمة (٢٥٣) وأبو عوانة (٤/ ١٦١) وابن الجارود (١٥) وابن حبان (١٢٣٨) والبيهقي (١/ ١٧١) كلهم من طريق عبد الرزاق به.
وقد أخرج الشيخان (خ: ٤٦٢، ٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢ مطولًا؛ م: ١٧٦٤) وأبو داود (٢٦٧٩) والنسائي في «الصغرى» (١٨٩) و«الكبرى» (١٩٢، ٧٩٣) وأحمد (٩٨٣٣) وابن خزيمة (٢٥٢) (^١) وابن حبان (١٢٣٩) وأبو عوانة (٤/ ١٥٩، ١٦١)، والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٧٨) وفي «السنن» (١/ ١٧١) كلهم من طريق الليث عن المقبري عن أبي هريرة قصة ثمامة، وليس فيها أن النبي ﷺ أمره بالاغتسال، وإنما هو الذي ذهب واغتسل، وليس فيها أيضًا أنه صلى ركعتين، ولا «لقد حسن إسلام أخيكم».
وأخرجه مسلم (١٧٦٤) وأبو عوانة (٤/ ١٥٧) من طريق عبد الحميد بن جعفر عن المقبري به، قال مسلم: وساق الحديث بمثل حديث الليث.
وأخرجه أحمد (٧٣٦١): ثنا سفيان عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة - إن شاء الله -، ثم قال سفيان: الذي سمعناه منه عن ابن عجلان.
وساقه مطولًا وفيه: قال: فذهبوا به إلى بئر الأنصار فغسَّلوه فأسلم.
قال عبد الله بن أحمد: وسمعته يقول: عن سفيان سمعت ابن عجلان
_________________
(١) وسقط من إسناده ذكر الليث.
[ المقدمة / ٢٩ ]
عن سعيد عن أبي هريرة أن ثمامة قال لرسول الله ﷺ.
وأخرجه ابن قانع في «المعجم» (١/ ١٣١): ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدي نا سفيان عن ابن عجلان عن المقبري عن أبيه.
وأخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٧٩) من طريق ابن إسحاق ثني سعيد المقبري به، وليس فيها الأمر بالاغتسال، والصلاة ركعتين، ولا «لقد حسن إسلام أخيكم»، ولكن فيها بعض المخالفة لرواية الليث.
وقال البيهقي: وهذه الرواية توهم أن يكون صدر الحديث في رواية يونس بن بكير من قول محمد بن إسحاق عن شيوخه، ورواية الليث بن سعد ومن تابعه أصح في كيفية أخذه ا. هـ.
وأخرجه البيهقي في «الدلائل» أيضًا (٤/ ٨١) من طريق ابن إسحاق قال: فأخبرني سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.
وأخرجه أيضًا (٤/ ٨١) من طريق محمد بن حميد الرازي ثنا أبو تميلة ثنا عبد المؤمن بن خالد الحنفي عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس بقصة ثمامة، وليس فيها الأمر بالاغتسال.
وأخرجه أبو نعيم في «الصحابة» (١٤٢٢) من طريق محمد بن أبي حماد ثنا أبو تميلة به.
وأخرج أبو يعلى (٦٥٤٧) ثنا بشر بن سيحان ثنا عمرو بن محمد الرزيني - قال: فما رأيت مثله بعيني قط - ثنا سفيان الثوري عن رجل عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما أسلم ثمامة أمره رسول الله ﷺ أن يغتسل ويصلي ركعتين.
[ المقدمة / ٣٠ ]
قلت: وهذا الرجل الذي لم يسم الأقرب أنه عبد الله العمري، ولذلك لم يسمه الثوري، ولو كان عبيد الله لسمّاه فيما يظهر، والله أعلم.
ولذلك قال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٨٣) - بعد أن ذكره -: فإن كان هو العمري فالحديث حسن ا. هـ.
لكن في «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٣٥٦): وقال الطبراني: هذا الحديث عند سفيان عن عبد الله وعبيد الله.
وقال الخطيب: ورواه عبد الله الأشجعي عن سفيان الثوري عن عبيد الله العمري.
قلت: وقد أخرجه البزار - كما في «كشف الأستار» (٣٣٣) -: ثنا سلمة بن شبيب وزهير بن محمد - واللفظ لزهير - أبنا عبد الرزاق أنا عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن ثمامة بن أثال أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر.
قال البزار: لا نعلم رواه عن عبيد الله إلا عبد الرزاق ا. هـ.
فيتلخص مما تقدم أن هذا الحديث رواه عن المقبري:
١ - الليث بن سعد.
٢ - وعبد الحميد بن جعفر.
٣ - ومحمد بن عجلان.
٤ - ومحمد بن إسحاق.
وليس في روايتهم الأمر بالاغتسال.
ورواه عن المقبري: عبد الله العمري، ورواه عنه عبد الرحمن بن مهدي وسريج بن النعمان وأبو داود الطيالسي وعبد الرزاق، وفي هذه الرواية الأمر بالاغتسال.
ورواه عبد الرزاق عن عبيد الله العمري مرة مقرونًا بعبد الله العمري،
[ المقدمة / ٣١ ]
وهذا في أكثر الروايات عنه، ومرة عنه وحده.
ورواه الثوري واختلف عليه: فرواه عبيد الله الأشجعي (^١) وأبو عامر الأسدي (^٢) عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر به.
ورواه عمرو بن محمد الرزيني عن الثوري عن رجل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة به.
ولا شك أن الأول أرجح، ويبدو أنه جاء أيضًا من رواية الثوري عن عبد الله بن عمر لقول الطبراني: هذا الحديث عند سفيان عن عبد الله وعبيد الله، والله تعالى أعلم.
وأنا أميل إلى ترجيح رواية الليث ومن معه، وأن الرسول ﷺ لم يأمره بالاغتسال، وإنما هو فعل ذلك.
وكذلك أمره بالصلاة فيه نظر.
وأما أمره بالاغتسال بماء وسدر فهذه اللفظة منكرة، لأنها لم تأت في باقي
_________________
(١) ذكره الخطيب كما تقدم.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الصحابة» (١٤٢١) ثنا سعد بن محمد الناقد ثنا محمد بن عثمان العبسي ثنا منجاب ثنا أبو عامر الأسدي عن سفيان عن عبيد الله بن عمر عن المقبري عن أبي هريرة أن ثمامة بن أثال أسلم وأمره للنبي ﷺ أن يغتسل، ثم أمره أن يصلي. قلت: ومنجاب هو ابن الحارث، وهو ثقة. وأبو عامر ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٧/ ١١٩) فقال: القاسم بن محمد، أبو عامر سمع الثوري وعبد الله بن عمر روى عنه أبو تميلة ومنجاب بن الحارث. سمعت أبي يقول ذلك ا. هـ. وذكره للبخاري (٧/ ١٦٤) وسكت عنه، وترجم له الذهبي في «المقتنى في سرد الكنى» (٣٤٢١) فقال: القاسم بن محمد بن واصل الأسدي الكوفي، سمع الثوري، وعنه منجاب.
[ المقدمة / ٣٢ ]
الروايات.
وأما ترجيح رواية الليث ومن معه فلأمور:
١ - أن الليث أثبت الناس - أو من أثبتهم - في المقبري، فروايته تقدم على رواية غيره.
٢ - أنها رواية الأكثر.
٣ - أن رواية عبيد الله بن عمر احتف بها بعض الإشكالات، وهي:
١) غرابة رواية عبيد الله بن عمر، حتى قال البزار: لا نعلم رواه عن عبيد الله إلا عبد الرزاق ا. هـ.
٢) كونها قُرنت برواية عبد الله في كثير من الروايات، وهذا يحتمل أن يكون اللفظ لعبد الله العمري وليس لعبيد الله، كما جرى مثل هذا في أحاديث كثيرة، ولعله الأقرب لأن عبيد الله من الحفاظ الأثبات، وهذه الرواية فيها نكارة، فالقول بأن هذا لفظ عبد الله العمري أولى.
٣) الاختلاف الذي وقع في لفظ رواية عبيد الله.
٤) غرابة رواية الثوري.
٥) الاختلاف الذي وقع على الثوري:
فقد رواه عبيد الله الأشجعي وأبو عامر الأسدي عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر به، ورواه عمرو بن محمد الرزيني عن الثوري عن رجل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة به.
[ المقدمة / ٣٣ ]
ولا شك أن الأول أرجح، ويبدو أنه جاء أيضًا من رواية الثوري عن عبد الله بن عمر، لقول الطبراني: (هذا الحديث عند سفيان عن عبد الله وعبيد الله) والله تعالى أعلم.
٢١ - حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي (٦٨٥): ثنا العمري ثني سعيد المقبري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي قال: رأيت عمار بن ياسر صلى ركعتين، فأخفهما، فقلت له - أو قال له رجل -: يا أبا اليقظان أخففتهما! قال: يا ابن أخي، هل رأيتني انتقصت من حدودهما شيئًا؟ قال: لا. قال: إني بادرت بالوسواس، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل ليصلي الصلاة ما له منها النصف، وإنه ليصلي الصلاة ما له منها الثلث، وإنه ليصلي الصلاة ما له منها الربع» حتى قال: العشر.
وأخرج السلفي في «الطيوريات» (٦٠٤) من طريق الحسن بن سفيان (^١) ثنا يزيد ثنا العمري - يعني عبد الله بن عمر - عن سعيد المقبري عن أبي بكر عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحدهم ليصلي وماله من الصلاة ثلثها ولا ربعها ولا سدسها حتى بلغ العُشر».
وأخرج أحمد (٤/ ٣١٩): ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله حدَّثني سعيد ابن أبي سعيد عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه أن عمارًا صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان
والنسائي في «الكبرى» (٦١٤): أخبرنا عمرو بن علي.
وأبو يعلى في «مسنده» (١٦١٥): ثنا القواريري.
_________________
(١) والظاهر أن هذه الرواية في «مسنده».
[ المقدمة / ٣٤ ]
والبزار في «مسنده» (١٤٢٠): ثنا محمد بن المثنى (^١).
وقال البخاري في «تاريخه» (٧/ ٢٥): وقال صدقة.
كلهم عن يحيى بن سعيد به.
وأخرجه ابن حبان (١٨٨٩) عن أبي يعلى به، ولكن ليس عنده: (عن أبيه)، والظاهر أن هذا خطأ من ابن حبان أو من أحد رواة الصحيح عنه، لأنه عند أبي يعلى على الصواب، وينظر «إتحاف المهرة» (١١/ ٧٣٤ - ٧٣٥).
ورواه أبو يعلى (١٦٤٩): ثنا محمد بن عمار ثنا عبد الوهاب ثنا عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن أن عمار …
ورواه ابن المبارك في «الزهد» (١٣٠١) عن عبيد الله كذلك.
والصواب الأول، لأن يحيى بن سعيد من كبار الحفاظ، وقد زاد، وزيادته مقبولة.
ورواه ابن عجلان عن المقبري، واختلف عليه، وخالف عبيد الله ابن عمر.
ورواه الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.
أخرجه البخاري في «التاريخ» (٧/ ٢٦)، والنسائي في «الكبرى» (٦١٧)، وهو خطأ، سلك الجادة في حديث المقبري (^٢).
وأخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٦٤) قال: ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن
_________________
(١) وقع عنده: (محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن) بدل (عمر) وهذا يظهر أنه من النساخ.
(٢) لأن الغالب في حديث المقبري عن أبي هريرة أو عن أبيه عن أبي هريرة.
[ المقدمة / ٣٥ ]
إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن ابن لاس الخزاعي قال: دخل عمار بن ياسر المسجد فركع فيه ركعتين أخفهما وأتمهما …
وأخرجه البزار (١٤٢٢): ثنا نصر بن علي نا زياد بن عبد الله نا ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن عمر بن الحكم قال: صلى بنا عمار صلاة
وأصح هذه الروايات رواية عبيد الله بن عمر، وكل هذه الروايات تخالف رواية عبد الله بن عمر العمري في أمرين:
١) إسقاط عمر بن أبي بكر من الإسناد.
٢) التصريح بالسماع بين أبي بكر بن عبد الرحمن وعمار، وهذا لم أقف عليه في باقي الروايات، وسماع أبي بكر من عمار فيه نظر، وقد ذُكر أن أبا بكر ابن عبد الرحمن استصغر يوم الجمل، فردَّ هو وعروة بن الزبير، وقد ثبت في رواية عبيد الله بن عمر أن الذي كلَّم عمارًا في تخفيف الصلاة هو عبد الرحمن بن الحارث، والله تعالى أعلم.
وذكر ابن طاهر في «أطراف الغرائب والأفراد» (٤١٧٢): عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عنه (^١): حديث دخل عمار المسجد فصلى فيه ركعتين … الحديث، تفرد به يحيى بن سعيد الأموي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن عمر بن عبد الرحمن. ا. هـ من المطبوع، وقوله: (عبد الله) في المخطوط كأنه (عبيد الله)، فإن كان (عبد الله) فهذا قد يكون اضطرابًا من العمري في هذا الحديث أو يكون خطأ من الأموي، والله أعلم.
_________________
(١) أي: عن عمار بن ياسر.
[ المقدمة / ٣٦ ]
٢٢ - حديث آخر: قال الترمذي (١١٣): ثنا أحمد بن منيع ثنا حماد بن خالد الخياط عن عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؟ قال:
«يغتسل». وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللًا؟ قال: «لا غسل عليه».
قالت أم سلمة: يا رسول الله، هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: «نعم، إن النساء شقائق الرجال».
قال أبو عيسى: وإنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن عبيد الله ابن عمر، وعبد الله ضعَّفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه ا. هـ.
وأخرجه أبو داود (٢٣٦) وابن ماجه (٦١٢) وأحمد (٦/ ٢٥٦) وابن أبي شيبة (١/ ٧٨) والدارمي (١/ ١٩٥) وعبد الرزاق (٩٧٤) وابن الجارود (٨٩، ٩٠) وابن المنذر في «الأوسط» (٥٩٤) - وقال قبل إن يسوق الحديث: وقد روينا عن النبي ﷺ في هذا الباب حديثًا وقد تكلم في إسناده. وقال بعد أن رواه: عبد الله كان يحيى القطان يضعفه ا. هـ - والبيهقي (١/ ١٦٧، ١٦٨) من طرق عن عبد الله العمري به.
وقال ابن رجب في «فتح الباري» (١/ ٣٤٢): وقد استنكر أحمد هذا الحديث في رواية مهنا، وقال في رواية الفضل بن زياد: أذهب إليه ا. هـ.
قلت: يبدو أنه يذهب إليه من الناحية الفقهية، وأما من الناحية الحديثية فقد استنكره كما في رواية مهنا.
وَقال الشوكاني (١/ ٢٨١) في «نيل الأوطار»: وقد تفرّد به المذكور (^١)
_________________
(١) يعني: العمري.
[ المقدمة / ٣٧ ]
ولم نجده عن غيره فالحديث معلول بعلتين: الأولى: العمري المذكور. والثانية: التفرد وعدم المتابعات، فقصر عن درجة الحسن والصحة، والله أعلم ا. هـ.
وقد جاء الحديث من طريق آخر، فقال الطبراني في «الأوسط» (٨٩٦٦): حدثنا مقدام ثنا أبو الأسود ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة والقاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يرى في منامه شيئًا ولا يرى بللًا، ويرى بللًا ثم لا يرى شيئًا؟ قال: «إذا وجد أحدكم بلالًا ولم يرى شيئًا فليغتسل، وإذا رأى شيئًا ولم ير بللًا فلا يغتسل».
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن محمد إلا عبيد الله بن عمر وأبو الأسود، تفرد به عن عبيد الله بن عمر أخوه عبد الله بن عمر، وتفرد به عن أبي الأسود ابن لهيعة ا. هـ.
قلت: هذا الحديث في ثبوته نظر، والأقرب أنه لا يصح بهذا السياق، وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه الإمام أحمد وأبو عيسى الترمذي وهو ظاهر كلام ابن المنذر أنه لا يصح، لوجود عبد الله العمري كما تقدم، ولعدم قوة المتابعة التي جاءت من طريق ابن لهيعة (^١)، وأيضًا لما جاء في «صحيح مسلم» (٣١٤) و«سنن البيهقي» (١/ ١٦٨) واللفظ له - لأن مسلمًا لم يسق لفظه، وإنما أحال
_________________
(١) يقال فيها كما قيل في حديث العمري، وإن كان أثنى أحمد بن صالح المصري على رواية أبي الأسود النظر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة، وقد ساق الطبراني في «الأوسط» (٨٩٦٤ - ٨٩٧٤) عدة أحاديث من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود، وذكر أن ابن لهيعة تفرد بها، ومن ضمنها هذا الحديث. وهذا بناء على إن شيخ الطبراني قد توبع، وهو ما يفهم من كلام الطبراني، فأما إن كان لم يتابع فالإسناد إلى ابن لهيعة ضعيف، لأن شيخ الطبراني متكلم فيه، حتى قال النسائي: ليس بثقة.
[ المقدمة / ٣٨ ]
على حديث هشام بن عروة، وأنه بمعناه - من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها حدثته أن أم سليم ذهبت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، أرأيت المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل، أتغتسل؟
قال: «نعم». قالت عائشة: أف لك، أترى المرأة ذلك! فالتفت إليها النبي ﷺ فقال: «تربت يداك، فمن أين يكون الشبه؟».
وأخرج البخاري (١٣٠ وغيره) ومسلم (٣١٣) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ: «إذا رأت الماء». فغطت أم سلمة تعني وجهها وقالت: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟! قال: «نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها».
وأخرج مسلم (٣١٠ (^١)، ٣١١) من حديث أنس عن أم سليم بنحو ما تقدم.
فهذه الألفاظ تخالف حديث العمري، والله تعالى أعلم.
٢٣ - حديث آخر: قال أبو أحمد بن عدي (٤/ ١٤٦٠): ثنا ابن صاعد ثنا عثمان بن معبد بن نوح ثنا إسحاق الفروي ثنا عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ».
_________________
(١) وله حديث باطل رواه الطبراني عنه عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «طعام البخيل داء، وطعام السخي شفاء». قال الذهبي في «السير» (١٣/ ٣٤٦) بعد أن ذكر هذا الحديث له: فهذا باطل ما حدث به ابن يوسف أبدًا ا. هـ.
(٢) من مسند أنس بخلاف الذي بعده عن أم سليم.
[ المقدمة / ٣٩ ]
ورواه الدارقطني (١/ ١٤٧) أيضًا من طريق محمد بن مخلد عن عثمان بن معبد به.
قال ابن عدي في ترجمة العمري: وهذا الحديث بهذا الإسناد منكر، والذي تقدم مشاهير (^١).
وروى الإمام مالك (١/ ٨٦) عن نافع عن ابن عمر كان يقول: إذا مس أحدكم ذكره فقد وجب عليه الوضوء.
٢٤ - حديث آخر: قال أبو جعفر العقيلي (٢/ ٢٨٠) في ترجمة العمري: ثنا زكريا بن يحيى ثنا محمد بن المثنى قال: ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديثًا حدثناه حفص بن غياث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال: لما غُسّل عمر وجدنا في عقبه دمًا سائلًا. فقال ابن عمر: ارفع.
فقال (^٢): لا تحدث بهذا.
٢٥ - حديث آخر: أخرج السلفي في «الطيوريات» (٦٠٩) من طريق الحسن بن سفيان ثنا يزيد بن صالح الفراء ثنا عبد الله بن عمر العمري عن سالم أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: «ما فوق الإزار».
وأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٧/ ١٩١): أنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا يونس بن محمد ثنا عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم به.
_________________
(١) يعني بذلك أربعة أحاديث رواها من طريق العمري.
(٢) القائل فيما يظهر: عبد الرحمن بن مهدي.
[ المقدمة / ٤٠ ]
ثم قال: هذا موصول، وقد روينا في كتاب الطهارة فيه طريقين آخرين، وهما يؤكدان هذه الرواية ا. هـ.
قلت: هذا الإسناد غريب من هذا الوجه إن كان العمري تفرّد به، وسلسلة سالم أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة مشهورة، وقد خرّج الشيخان بهذه السلسلة عدة أحاديث، فأين مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما من أصحاب سالم عن هذا الحديث؟
وقد ضعفه أبو محمد بن حزم فقال في «المحلى» (١/ ٣٩٧): … وبخبر رويناه من طريق محمد بن الجهم عن محمد بن الفرج عن يونس بن محمد … ثم ذكره.
ثم قال: وأما حديثا عائشة فأحدهما من طريق عمر بن أبي سلمة، وقد ضعفه شعبة ولم يوثقه أحد فسقط، وأما الثاني: فمن طريق عبد الله بن عمر وهو العمري الصغير، وهو متفق على ضعفه، إنما الثقة أخوه عبيد الله، فسقط حديثا عائشة ا. هـ.
ويعني بطريق عمر بن أبي سلمة ما ذكره قبل فقال: وبحديث رويناه من طريق أبي خليفة عن مسدد عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تنام مع رسول الله ﷺ وهي حائض وبينهما ثوب ا. هـ.
وأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٣/ ١٦٦) من طريق مسدد به.
قلت: وهذا المتن يوافق بعض الشيء ما صح في حديث عائشة هذا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث من طريق عمر بن أبي سلمة يخالف طريق العمري من
[ المقدمة / ٤١ ]
حيث المتن، لأن حديث العمري قولي بخلاف حديث عمر بن أبي سلمة فإنه فعلي، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما قول البيهقي السابق في تقوية هذا الحديث فالذي يظهر أنه يقصد بالطريقين طريق الأسود وطريق شريح عن عائشة، وسوف يأتيان.
طريق آخر: قال الطبراني في «الأوسط» (١٤٢٤): ثنا أحمد قال: نا مقدم بن محمد نا عمي القاسم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن ابن أبي مليكة عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تسأله: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: «ما فوق السرة».
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن خثيم إلا القاسم، تفرد به مقدم.
قلت: وهذا قواه ابن دقيق العيد في «الإمام» (٣/ ٢٤٦) فقال: أحمد ابن محمد بن صدقة أحد حفاظ بغداد، ومقدّم روى عنه البزار فوثقه، وعمه أخرج له البخاري، وعبد الله بن عثمان بن خثيم القاري - بالتشديد - قال يحيى بن معين: ثقة حجة. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة. وأخرج له مسلم، وباقي الإسناد لا يسأل عنه. ا. هـ.
قلت: هذا الإسناد غريب كما ذكر الطبراني، وأخشى أنه لا يصح لغرابته ولما يأتي، وابن خثيم مختلف فيه.
طريق آخر: قال أحمد: ثنا موسى بن داود ثنا المبارك عن أبي عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس عن عائشة عن النبي ﷺ في الرجل يباشر امرأته وهي حائض - قال: «له ما فوق الإزار».
[ المقدمة / ٤٢ ]
وأخرجه الدارمي (١/ ٢٤٤ - رقم: ١٠٦٧): ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يتوشحني وأنا حائض، ويصيب من رأسي وبيني وبينه ثوب.
قلت: وهذا الإسناد أصح من السابق، وعلى هذا فإن هذا اللفظ بهذا الإسناد يقدم على اللفظ السابق - والله تعالى أعلم - خاصة أنه جاء ما يشهد له من حديث عائشة، كما أخرج الشيخان من حديث الأسود عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرها رسول الله ﷺ فتأتزر بإزار، ثم يباشرها (^١).
نعم جاء في مسلم نحو حديث العمري عن سالم عن أبي سلمة عن عائشة، ولكن من حديث أنس (٣٠٢) بلفظ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح».
وفد جاءت طرق كثيرة عن عائشة باللفظ الذي جاء عن العمري ولكنها موقوفة (^٢).
٢٦ - حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي (٣٤٣٢): ثنا أبو جعفر الشيباني وغير واحد قالوا: ثنا مطرف بن عبد الله المدني ثنا عبد الله بن عمر العمري عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلاء».
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
_________________
(١) وهذا اللفظ هو الصحيح من حديث عائشة، وهو حديث عملي بخلاف طريق العمري فإنه لفظي.
(٢) ينظر: «الموطأ» للإمام مالك (١/ ٥٨)، و«مصنف عبد الرزاق» (١/ ٣٢٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٥٣١)، «تفسير الطبري» - سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ - (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، و«المطالب العالية» لابن حجر (٢٠٦).
[ المقدمة / ٤٣ ]
وأخرجه البزار - كما في «كشف الأستار» (٣١١٨) -: ثنا عبد الله بن شبيب ثنا مطرف به.
قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، وعبد الله ابن عمر قد احتمل أهل العلم حديثه.
وأخرجه الطبراني في «الصغير» (٦٧٥) والدعاء (٧٩٩): ثنا عبد الرحمن ابن معدان بن جمعة اللاذقي وأبو زرعة قالا: ثنا مطرف به.
وقال: لم يروه عن سهيل إلا عبد الله تفرد به مطرف.
وأخرجه في «الأوسط» (٤٧٢١) عن عبد الرحمن بن معدان عن مطرف به، وقال كما تقدم.
ومطرف صدوق وفي مالك ثقة، قال ابن معين: ثقة (^١) ووثقه ابن سعد، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أحمد: كانوا يقدمونه على أصحاب مالك، وخرج له البخاري في «صحيحه» وتكلم فيه أبو حاتم الرازي فقال: مضطرب الحديث صدوق. قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: من أحب إليك مطرف أو إسماعيل بن أبي أويس؟ فقال: مطرف.
قلت: وأبو حاتم معروف بشدته في الجرح، ومع ذلك لم يضعفه، وإنما تكلم فيه وقدمه على إسماعيل.
وتكلم فيه ابن عدي فقال: يحدث عن ابن أبي ذئب وأبي مودود وعبد الله بن عمر ومالك وغيرهم بالمناكير.
_________________
(١) تراجع حاشية «تهذيب الكمال».
[ المقدمة / ٤٤ ]
ثم ذكر له أحاديث باطلة، لكن قال الذهبي في «الميزان» (٤/ ١٢٥): هذه أباطيل حاشا مطرفًا من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود، فكيف خفي هذا على ابن عدي؟! فقد كذبه الدارقطني، ولو حولت هذه إلى ترجمته كان أولى. ا. هـ.
٢٧ - حديث آخر تفرد به العمري: قال أحمد (٢/ ١٥٦): ثنا حماد ابن خالد عن عبد الله - يعني العمري - عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها: ثُرير، فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه فقال: «أعطوه حيث بلغ السوط».
وأخرجه أبو داود (٣٠٦٧) والطبراني في «الكبير» (١٣٣٥٢) والبيهقي (٦/ ١٤٤) كلهم من طريق أحمد.
وهذا السياق تفرد به العمري فيما يظهر.
وأما أصل إقطاع الأرض له من قبل الرسول ﷺ فهو في «صحيح البخاري» من حديث أسماء، بدون هذه القصة، فقد روى (٣١٥١) من طريق محمود بن غيلان حدَّثنا أبو أسامة حدَّثنا هشام قال: أخبرني أبي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ.
ورواه في موضع آخر (٥٢٢٤) بسياق مطول.
وعلقه البخاري أيضًا (٣١٥١) من حديث هشام عن أبيه مرسلًا (^١)، فقال: وقال أبو ضمرة عن هشام عن أبيه أن النبي ﷺ أقطع الزبير أرضًا من
_________________
(١) ينظر: حاشية «المسند» (١٠/ ٤٨٦).
[ المقدمة / ٤٥ ]
أموال بني النضير.
٢٨ - حديث آخر: أخرج الترمذي (٣٤٦) من طريق زيد بن جَبيرة عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن
قال أبو عيسى: وحديث ابن عمر ليس إسناده بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جَبيرة من قبل حفظه …
وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ مثله.
وحديث داود عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن عمر ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه، منهم يحيى بن سعيد القطان. ا. هـ
وأخرجه ابن ماجه (٧٤٧) (^١).
والبزار (١٦١) وقال: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عمر عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدَّث به إلا الليث عن عبد الله بن عمر ا. هـ
وأخرجه النجاد في «مسند عمر» (٧١؛ ٧٢).
كلهم من طريق عبد الله بن صالح به.
وأيضًا أبو بكر الإسماعيلي - كما في «مسند الفاروق» (١/ ١٦١) -
_________________
(١) سقط ذكر العمري من بعض نسخ ابن ماجه، ينظر: «تحفة الأشراف» و«مسند الفاروق» لابن كثير (١/ ١٦١).
[ المقدمة / ٤٦ ]
من حديث الرمادي وحرملة وحميد بن زنجويه والأعين كلهم عن عبد الله بن صالح به.
وقال ابن كثير في «مسند الفاروق»: والعمري الذي مدار الحديث عليه ضعيف.
٢٩ - خبر آخر لعل العمري تفرد به: قال أبو يعلى (١/ ١٧٠ رقم: ١٩٠): ثنا عبيد الله ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ كل جمعة.
قال في «مجمع الزوائد» (٢/ ١١): رواه أبو يعلى، وفيه العمري، وثقه أحمد وغيره، واختلف في الاحتجاج به ا. هـ.
وهذا الحديث فيه نكارة بالإضافة إلى التفرد فيما يظهر، وذلك من جهتين:
١) تفرده بذلك عن نافع وهو إمام مشهور، وله أصحاب كثيرون فأين هم عنه؟
٢) من جهة المتن، ففي هذا الخبر أن عمر ﵁ كان يجمر المسجد النبوي كل جمعة، فمثل هذا ينبغي أن يشتهر، فكيف لا يروى إلا من هذا الطريق؟
والذي يظهر لي أن أصل هذا الخبر ما رواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨١): ثنا وكيع عن سفيان عن موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر كان يجمر ثيابه في كل جمعة.
وهذا إسناد صحيح، وهو أصح مما رواه العمري، وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ٤٨٠): ثنا أبو أسامة ثنا عبيد الله عن نافع قال: كان ابن عمر إذا راح إلى
[ المقدمة / ٤٧ ]
الجمعة اغتسل وتطيب بأطيب الطيب عنده.
٣٠ - حديث آخر: قال أبو عبيد في كتابه «الأموال» - وعنه حميد بن زنجويه في «الأموال» (٨٢٣) -: وحدثني سعيد بن أبي مريم عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان لا يعطي أهل مكة عطاء، ولا يضرب عليهم بعثًا، ويقول: هم كذا وكذا. كلمة لا أحب ذكرها.
قلت: هذا غريب، وفي متنه إشكال.
٣١ - حديث آخر: قال حميد بن زنجويه في «الأموال» (٢٠٢٢): ثنا عبد العزيز بن عبد الله أنا العمري عن نافع عن ابن عمر قال: ليس في الخيل ولا العسل ولا الرقيق صدقة إلا صدقة الفطر في الرقيق.
وأخرجه أبو عبيد (١٤٩٤): ثنا ابن أبي مريم عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال: ليس في الخيل ولا في الرقيق ولا في العسل صدقة.
قلت: لم أقف على من تابع عبد الله العمري على هذا الخبر عن نافع أو ابن عمر.
وقد جاء عن نافع بإسناد أصح فيه بعض المخالفة لما تقدم:
أخرج عبد الرزاق (٦٩٦٦) - وعنه أحمد في «العلل» (٢٠٨٩) - وأخرجه عبد الرزاق أيضًا (٦٩٦٥) عن الثوري، وابن أبي شيبة (٣/ ١٤٢) ثنا وكيع ثنا سفيان، - ومن طريقه ابن حزم (٥/ ٢٣٣) -، وحميد بن زنجويه في «الأموال» (٢٠٢٤): ثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان، كلاهما - الثوري وعبد الرزاق - عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن العسل أفيه صدقة؟
[ المقدمة / ٤٨ ]
فقلت: ليس بأرضنا عسل، ولكن سألت المغيرة بن حكيم عنه فقال: ليس فيه شيء. قال عمر بن عبد العزيز: هو عدل مأمون صدق.
وهذا لفظ عبد الرزاق، وليس في رواية أحمد ذكر العسل، وإنما فيها: سألني عمر بن عبد العزيز عن شيء قد سمَّاه.
ولفظ الثوري: قال نافع: بعثني عمر بن عبد العزيز على اليمن، فأردت أن آخذ من العسل العشر، قال مغيرة بن حكيم: ليس فيه شيء، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز فقال: صدق، وهو عدل رضي.
وقال ابن أبي شيبة (٣/ ١٤٢): ثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل، فقلت: أخبرني المغيرة بن حكيم أنه ليس فيه صدقة. فقال عمر: عدل مصدق.
وهذا الخبر صحيح إلى نافع، وقد صححه ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٣٤٨).
ونافع في رواية عبيد الله بن عمر عنه عندما سئل عن العسل أخبر بأنه لا علم له بزكاته، لأنه لم يكن بأرضه، ولو كان عنده خبر عن ابن عمر في ذلك لذكره، وإنما سأل المغيرة بن حكيم عنه، وهو تابعي من أقرانه، فلو كان عنده عن ابن عمر شيء ما تعداه إلى غيره ممن هو دونه بكثير.
ولذلك قال أبو عيسى الترمذي في «جامعه» (٣/ ١٥):
(باب ما جاء في زكاة العسل ثنا محمد بن يحيى النيسابوري ثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي عن صدقة ابن عبد الله عن موسى بن يسار عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
[ المقدمة / ٤٩ ]
«في العسل في كل عشرة أزق زق».
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر في إسناده مقال، ولا يصح عن النبي ﷺ في الباب كبير شيء … وصدقة بن عبد الله ليس بحافظ، وقد خولف في رواية هذا الحديث عن نافع.
ثنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل، قال: قلت: ما عندنا عسل نتصدق منه، ولكن أنا المغيرة بن حكيم أنه قال: ليس في العسل صدقة.
فقال عمر: عدل مرضي. فكتب إلى الناس أن توضع. يعني عنهم) ا. هـ.
وينظر «العلل الكبير» له (١/ ٣١٢).
٣٢ - حديث آخر: قال الإمام أحمد (٣٣٠): ثنا حماد الخياط ثنا عبد الله عن نافع أن عمر زاد في المسجد من الأسطوانة إلى المقصورة، وزاد عثمان، وقال عمر: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نبغي نزيد في مسجدنا» ما زدت فيه.
قال ابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ١٥٧) - بعد أن ذكر هذا الخبر -: وهذا وإن كان منقطعًا إلا أن الظاهر أن نافعًا سمعه عن ابن عمر، وقد روي كذلك مرفوعًا من طريق أخرى، قال الحافظ أبو يعلى (^١): ثنا موسى بن محمد بن حيان ثنا مسلم (^٢) بن قتيبة ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أريد أن أزيد في قبلتنا» ما زدت.
_________________
(١) هو في «المقصد العلي» للهيثمي (٢٢٥).
(٢) كذا، والصواب: (سلم).
[ المقدمة / ٥٠ ]
وهذا إسناد حسن، وعبد الله بن عمر العمري في كلتي الطريقين ضُعّف ا. هـ.
قلت: وأخرجه البزار (١٥٧) ثنا محمد بن المثنى أن عبد الله بن سلمة (^١) نا عبد الله بن عمر به.
وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه إلا العمري عن نافع.
وأخرجه أبو يعلى - كما في «المقصد العلي» (٢٢٦) -: ثنا أبو خيثمة ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ثنا عبد الله بن عمر به.
والنجاد في «مسند عمر» (٦٣): ثنا عبد الملك بن محمد وإسماعيل بن إسحاق قالا: ثنا عبد الله بن مسلمة به.
و(٦٤) ثنا يزيد بن البادا ثنا أبو خيثمة ثنا عبد الله بن مسلمة به.
وما استظهره الحافظ ابن كثير زاده رجحانًا رواية القعنبي، وهي مثل رواية سلم بن قتيبة، وهذا الحديث غريب من حديث نافع تفرد به العمري - فيما يظهر - وقد تقدم ذلك في كلام البزار، والله تعالى أعلم.
٣٣ - حديث آخر تفرد به العمري، ولكن الراوي عنه فيه ضعف: قال البزار في «مسنده» (١٦٠): ثنا محمد بن عيسى قال: نا إسحاق بن محمد الفروي قال: نا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن ابن عباس سأل عمر عن اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ، فقال: تلك عائشة وحفصة.
_________________
(١) كذا وصوابه: (عبد الله بن مسلمة) كما في الروايات الأخرى.
[ المقدمة / ٥١ ]
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن العمري إلا إسحاق بن محمد، ولا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه.
وقد جاء هذا الحديث من طريق ابن عباس من رواية عبيد الله بن عبد الله ابن أبي ثور عنه، ولكن المقصود هنا طريق ابن عمر عن عمر، ولهذا قال البخاري: ولا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه.
٣٤ - حديث آخر: قال الطبراني في «الدعاء» (٤٦٩، ٤٧٠): ثنا عبد الرحمن بن معدان بن جمعة اللاذقي وجعفر بن سليمان النوفلي المديني قالا: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ مرّ بإنسان في طريق مكة وهو يؤذن، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقال النبي ﷺ: «برئ هذا من الشرك».
ثنا يحيى بن محمد الحنائي وأحمد بن علي الأبار قالا: ثنا طالوت بن عباد الصيرفي ثنا سعيد بن راشد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يقول: الله أكبر. فقال: «على الفطرة». فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: «خرج من النار».
قلت: وهذا إسناده ضعيف، سعيد بن راشد منكر الحديث. قاله البخاري، وقال النسائي: متروك.
وأخرجه مسلم من حديث أنس بنحو اللفظ الثاني، وفي الباب عن غيره.
٣٥ - حديث آخر: أخرج السلفي في «الطيوريات» (٦٠١) من طريق الحسن بن سفيان (^١) ثنا يزيد بن صالح اليشكري ثنا عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يأمر مؤذّنه إذا كان في السفر في ليلة باردة
_________________
(١) لعله من «مسند الحسن بن سفيان».
[ المقدمة / ٥٢ ]
- أو مطيرة - أن يؤذّن على إثر أذانه: «أن لا حرج صلّوا في رحالكم».
والحديث ثابت في «الصحيحين» وليس فيه ذكر زيادة: (أن لا حرج).
قلت: يزيد بن صالح، أبو خالد، اليشكري، النيسابوري: ترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٩/ ٢٧٢) فقال: روى عن عبد الله بن عمر العمري وإبراهيم بن طهمان، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول ا. هـ.
وذكره ابن حبان في «الثقات» (٩/ ٢٧٥) فقال: يروي عن إبراهيم بن طهمان والليث وحماد بن سلمة. ثنا عنه الحسن بن سفيان ا. هـ.
وذكره الذهبي في «الميزان» (٤/ ٤٢٩) فقال: … عن إبراهيم بن طهمان ومالك، وعنه محمد بن عبد الوهاب الفراء والحسن بن سفيان وجماعة، وكان ورعًا مجتهدًا كبير القدر. قال الحسن بن سفيان: فاتني لأجل أمي يحيى بن يحيى، فعوضني الله بأبي خالد الفراء. قال أبو حاتم: مجهول. قلت: وثقه غيره. مات سنة تسع وعشرين ومائتين ا. هـ.
وقال ابن حجر في «اللسان» (٦/ ٢٨٩): ذكره ابن حبان في «الثقات» وذكر في شيوخه حماد بن سلمة والليث، وذكر الحاكم في شيوخه قيس بن الربيع وسلمة بن خالد وإبراهيم بن أبي يحيى وأبا بكر النهشلي وغيرهم. وقال إبراهيم ابن قتيبة: وكان من أشد مشايخنا ورعًا. وقال الحسن بن سفيان: وكان أسند من يحيى بن يحيى ا. هـ.
فيزيد بن صالح لا بأس به وهو من أهل الورع والفضل، وأما تجهيل أبي
[ المقدمة / ٥٣ ]
حاتم له، فأبو حاتم مذهبه في الجهالة معروف فهو يتشدد في ذلك.
٣ - ومما أُعلّ به هذا الخبر: تفرد موسى بن هلال به عن عبد الله العمري، وتفرد العمري عن نافع.
وهذه علة توجب رد الخبر، قال أبو بكر بن خزيمة - كما في «لسان الميزان» (٦/ ١٣٥) (^١) -: من رواية الأحمسي أشبه، لأن عبيد الله بن عمر أجل وأحفظ من أن يروي مثل هذا المنكر، فإن كان موسى بن هلال لم يغلط … فأشبه أن يكون هذا من حديث عبد الله بن عمر، فأما من حديث عبيد الله بن عمر فإني لا أشك أنه ليس من حديثه.
وقال أبو جعفر العقيلي (٤/ ١٧٠) في ترجمة موسى بن هلال: عن عبيد الله بن عمر، ولا يصح حديثه ولا يتابع عليه.
وقال أبو بكر البيهقي في «الشعب» (٨/ ٩٧): وسواء قال: عبيد الله، أو عبد الله، فهو منكر عن نافع عن ابن عمر، لم يأت به غيره ا. هـ.
وقال أبو عبد الله الذهبي في «الميزان» (٤/ ٢٢٦) في ترجمة موسى: وأنكر (^٢) ما عنده حديثه عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «من زار …» ا. هـ.
_________________
(١) وهو في «إتحاف المهرة» (٩/ ١٢٤) أيضًا.
(٢) وقع في نسخة من «الميزان»: (أكثر)، والأول أصح، لأنه هكذا وقع في نسخة مخطوطة والطبعة الهندية و«لسان الميزان».
[ المقدمة / ٥٤ ]
قال أبو عبد الله ابن عبد الهادي - معلقًا على كلام البيهقي المتقدم -: (وهذا الذي قاله البيهقي في هذا الحديث وحكم به عليه قول صحيح بيّن، وحكم جليّ واضح، ولا يشك فيه من له أدنى اشتغال بهذا الفن، ولا يرده إلا رجل جاهل بهذا العلم، وذلك أن تفرّد مثل هذا العبدي المجهول الحال، الذي لم يشتهر من أمره ما يوجب قبول أحاديثه وخبره، عن عبد الله بن عمر العمري المشهور بسوء الحفظ وشدة الغفلة، عن نافع عن ابن عمر بهذا الخبر، من بين سائر أصحاب نافع الحفاظ الثقات، مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وصالح بن كيسان، وإسماعيل بن أمية القرشي، وابن جريج، والأوزاعي، وموسى بن عقبة، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وغيرهم من العالمين بحديثه، الضابطين لرواياته، المعتنين بأخباره، الملازمين له، من أقوى الحجج وأبين الأدلة، وأوضح البراهين، على ضعف ما تفرد به وإنكاره وعدم قبوله، وهل يشك في هذا من شم رائحة الحديث، أو كان عنده أدنى بصر به؟!) ا. هـ.
قلت: هذا الذي قاله أبو عبد الله ابن عبد الهادي من نكارة هذا الخبر بسبب تفرد موسى بن هلال به عن عبد الله بن عمر، وتفرد عبد الله به عن نافع، وأن من كان مثلهما لا يقبل تفرده وخاصة عن إمام مشهور - كنافع مولى ابن عمر -، وأن مثل هذا التفرد يعد علّة يرد بها الخبر، ويحكم عليه لأجلها بالنكارة كما حكم عليه بذلك أبو بكر بن خزيمة وأبو بكر البيهقي، وهو معنى كلام العقيلي في حكمه على هذا الحديث، هو منهج الحفاظ السابقين والأئمة المتقدمين.
[ المقدمة / ٥٥ ]