وقال الشَافعيُ: ليسا من الرَأس، ويُسنُّ لهما ماءٌ جديدٌ.
لنا سبعة أحاديث:
٢٢٢ - الحديث الأوَل: قال أحمد: ثنا يحيى بن إسحاق ثنا حمَّاد بن زيد عن سِنَان بن ربيعة عن شَهْر بن حَوْشب عن أبي أمَامَة عن النَبيِّ ﷺ قال: «الأذنان من الرَّأس» (^١).
فإن قال الخصم: في هذا الحديث: سِنَان وشَهْر، فأمَّا سِنَان: فقال أبو حَاتِمٍ الرَازيَّ: هو مضطرب الحديث (^٢).
وأمَا شَهْر: فقال ابن عَدِي: ليس بالقويِّ، ولا يحتجُ بحديثه (^٣).
وقال الدَّارَقُطْنيُ: قال سُلَيمان بن حَرْبٍ عن حمَّاد بن زيدٍ: إنَ قوله: (الأذنان من الرَأس) من قول أبي أمامة غير مرفوعٍ (^٤). وهو الصَّواب.
_________________
(١) «المسند»: (٥/ ٢٦٨).
(٢) «الجرح والتعديل» لابنه: (٤/ ٢٥٢ - رقم: ١٠٨٦) وفيه: (شيخ، مضطرب الحديث).
(٣) «الكامل»: (٤/ ٤٠ - رقم: ٨٩٨).
(٤) كذا وقع في الأصول (سليمان بن حرب عن حماد بن زيد)، والذي في مطبوعة «سنن الدارقطني»: (١/ ١٠٤) أن هذا من كلام سليمان بن حرب، ونصه: (قال سليمان بن حرب: «الأذنان من الرأس» إنما هو قول أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدَل- أو كلمة قالها سليمان-. أي: أخطأ) ا. هـ، وهكذا نقله الحافظان: ابن دقيق في «الإمام»: (١/ ٥٠١)، وابن حجر في «إتحاف المهرة»: (٦/ ٢٣٢ - رقم: ٦٤٠٣). وسيأتي فيما نقله الحافظ ابن عبد الهادي عن «سنن أبي داود» نحو هذا عن سليمان بن حرب، وأن حماد بن زيد شك في الرفع والوقف. ويبدو أن ابن الجوزي لم يرد نقل كلام الدارقطني بنصه، وإنما أراد أن يشير إلى الاختلاف على حمَّاد بن زيد في هذا الإسناد (فبعضهم رواه عنه مجزومًا برفعه، وبعضهم رواه عنه مجزومًا بوقفه، وبعضهم رواه عنه بالشك)، وأنَ سليمان بن حرب رواه عن حمَّاد مجزومًا بوقفه، فيكون المراد بقوله (قال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد …) أي في روايته للحديث، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٠٣ ]
فالجواب: أمَّا شَهر: فقد وثَّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين (^١).
وأمَّا سِنَان: فإنَّما قال فيه يحيى: ليس بالقويِّ (^٢). والاضطراب في الحديث لا يمنع الثِّقة.
وجواب من قال: (هو قول (^٣) أبي أمامة) أن نقول: الرَّاوي قد يرفع الشيءَ، وقد يُفْتي به.
ز: وروى هذا الحديث: أبو داود (^٤) وابن ماجه (^٥) والدَارَقُطنيُ (^٦).
والصَواب أنَه موقوف على أبي أمامة كما قال الدَارَقُطْنيُ (^٧).
٢٢٢/ أ- قال أبو داود: [ثنا] (^٨) سليمان بن حرب (ح) وحدَّثنا مسدَّد وقتيبة عن حمَّاد بن زيد عن سِنَان بن ربيعة عن شَهر بن حَوْشب عن أبي أُمامة ﵁ ذكر وُضوء النَّبي ﷺ قال: وكان رسول الله ﷺ يمسح المأقين، قال: وقال: الأذنان من الرَأس.
قال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة.
وقال قتيبة: قال حمَّاد: لا أدري هو من قول النَبيِّ ﷺ أو أبي أمامة - يعني: قصة الأذنين- (^٩).
_________________
(١) انظر: ما تقدم (ص: ١٤٧).
(٢) «التاريخ» برواية الدوري: (٤/ ١٦٥ - رقم: ٣٧٣٦).
(٣) في (ب): (هو من قول).
(٤) «سنن أبي داود»: (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩ - رقم: ١٣٥).
(٥) «سنن ابن ماجه»: (١/ ١٥٢ - رقم: ٤٤٤).
(٦) «سنن الدارقطني»: (١/ ١٠٣ - ١٠٤)
(٧) لم نقف على نصِّ الدارقطني، ولكن هذا ظاهر صنيعه في «السنن».
(٨) زيادة استدركت من (ب).
(٩) هنا ينتهي النقل عن أبي داود.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وقال حرب: قلت لأبي عبد الله- يعني أحمد بن حنبل-: الأذنان من الرَأس؟ قال: نعم. قلت: صحَ فيه شيءٌ عن النَبيِّ ﷺ قال: لا أعلم O.
٢٢٣ - الحديث الثَاني: قال الدَارَقُطنيُ: ثنا ابن صاعد ثنا الجرَاح بن مَخْلد ثنا يحيى بن العريان ثنا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيدٍ عن نافعٍ عن ابن عمر (^١) أنَ رسول الله ﷺ قال: «الأذنان من الرَّأس» (^٢).
قالوا: قد قدح أحمد في أسامة، وقال: قد روى عن نافع أحاديث مناكير (^٣). وقال النَسائيُ: ليس بالقوي (^٤).
قلنا: قد قال يحيى بن معين: هو ثقةٌ صالحٌ (^٥).
قالوا: فقد قال الدَارَقُطْنيُ: رَفْعُه وهمٌ، والصَواب أَنه موقوف على ابن عمر.
قلنا: الذي يرفعه يذكر زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، والصَحابي قد يروي الشَيء مرفوعًا، وقد يقوله على سبيل الفتوى.
٢٢٤ - الحديث الثَالث: قال الدَارَقُطْنيُ: ثنا أبو الحسن محمَّد بن
_________________
(١) في مطبوعة «سنن الدارقطني»: (عن أسامة بن زيد عن ابن عمر)، فسقط منه: (عن نافع) فليُلحق. وانظر: «إتحاف المهرة» لابن حجر: (٩/ ١٠ - رقم: ١٠٢٦١).
(٢) «سنن الدارقطني»: (١/ ٩٧).
(٣) «العلل» برواية عبد الله: (١/ ٣٠٢ - رقم: ٥٠٣؛ ٢/ ٢٤ - رقم: ١٤٢٨).
(٤) «عمل اليوم والليلة»: (ص: ٣٥١ - رقم: ٥٠٤)، وفي «الضعفاء والمتروكون»: (ص: ٥٦ - رقم: ٥١): (ليس بثقة).
(٥) «الكامل» لابن عدي: (١/ ٣٩٥ - رقم: ٢١٢) من رواية أبي يعلى.
[ ١ / ٢٠٥ ]
عبد الله بن زكريا النَّيسابوريُّ ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق ثنا أبو كامل الجَحدَريَّ ثنا غُنْدَر محمَّد بن جعفر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عبَّاس أن النَّبي ﷺ قال: «الأذنان من الرأس» (^١).
قالوا: قال الدَارَقُطْنيُ: تفرَّد به أبو كامل عن غُنْدَر، وهو وهمٌ؛ وتابعه الرَّبيع بن زيدٍ (^٢) - وهو متروكٌ-، والصَواب عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن رسول الله ﷺ مرسلًا.
قلنا: أبو كامل لا نعلم أحدًا طعن فيه، والرَفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، كيف وقد وافقه غيره؟! فإن لم يعتد برواية الموافق اعتبر بها؛ ومن عادة المحدِّثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه: وقفوا مع الواقف احتياطًا، وليس هذا مذهب الفقهاء، ومن الممكن أن يكون ابن جريج سمعه من عطاء مرفوعًا، ورواه له سليمان عن رسول الله ﷺ غير مسندٍ.
ز: وقد زعم ابن القطَان أيضًا أن إسناد هذا الحديثِ صحيحٌ، قال:
لثقة رواته واتصاله، وإنَّما أعلَه الدَارَقُطْنِيُ بالاضطراب في إسناده فتبعه عبد الحقِّ على ذلك، وهو ليس بعيبٍ فيه، والذي قال فيه الدَارَقُطْنِيُ، هو: (أنَّ أبا كامل تفرَد به عن غندر، ووهم فيه عليه) هذا ما قال، ولم يؤيِّده بشيءٍ، ولا عضده بحجَّةٍ، غير أنَّه ذكر أن ابن جريج- الذي دار الحديث عليه- يُروى عنه عن سليمان بن موسى عن النَّبي ﷺ.
قال: وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان: مسندٌ
_________________
(١) «سنن الدارقطني»: (١/ ٩٨ - ٩٩).
(٢) كذا بالنسختين، وفي «التحقيق» و«سنن الدارقطني»: (بن بدر) وهو الصَّواب، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ومرسلٌ؟! والله أعلم (^١). انتهى كلامه، وفيه نظر كثيرٌ.
٢٢٥ - وقد روى هذا الحديث ابنُ عَدِيّ في «كامله» في ترجمة عبد الله بن سلمة الأفطس- وهو متروك-، فقال: حدَثنا محمَّد بن محمَّد بن البَاغَنْديَّ ثنا أبو كامل ثنا غُنْدَر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «الأذنان من الرَّأس».
قال أبو كامل: لم أكتب عن غُنْدَر إلا هذا الحديث الواحد، أفادنيه عنه: عبد الله بن سلمة الأفطس.
قال ابن عَدِيّ: وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن غُنْدَر بهذا الإسناد غير أبي كامل، وحدَث عن أبي كامل بهذا الحديث: المعمريَّ والبَاغَنْديَّ.
وقد روي هذا الحديث عن الرَّبيع بن زيدِ (^٢) عن ابن جريج (^٣). انتهى كلام ابن عَدِيّ.
وهذه الطَريقة التي سلكها المؤلف ومن تابعه (في أنَّ الأخذ بالمرفوع في كل موضعِ) طريقةٌ ضعيفةٌ، لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة العلل في الحديث O.
٢٢٦ - الحديث الرَابع: قال الدَارَقُطنيُ: ثنا عليُّ بن عبد الله (^٤) بن مُبَشر ثنا محمَّد بن حرب ثنا عليُ بن عاصم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: «الأذنان من الرأس» (^٥).
_________________
(١) «بيان الوهم والإيهام»: (٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤ - رقم: ٢٤٦٢).
(٢) كذا بالنسختين، وفي «الكامل»: (ابن بدر)، وهو الصواب، والله أعلم. انظر: «تهذيب الكمال»: (٩/ ٦٣ - رقم: ١٨٥٤)؛ وما سبق: (ص: ٢٠٦).
(٣) «الكامل»: (٤/ ١٩٦ - رقم: ١٠٠٧).
(٤) في «التحقيق» (عبيد) خطأ.
(٥) «سنن الدارقطني»: (١/ ١٠٠).
[ ١ / ٢٠٧ ]
قالوا: قد قال الدَارَقُطنيُ: وهم عليُ بن عاصم في قوله: (عن أبي هريرة)، والصَّحيح: عن ابن جريج عن سليمان مرسلًا (^١).
قلنا: قد أجبنا عن هذا آنفًا، وذكرنا مذهب المحدثين في ذلك.
ز: عليُ بن عاصم: متكلَمٌ فيه، قال يزيد بن هارون- في روايةِ عنه-: ما زلنا نعرفه بالكذب (^٢). وقال ابن معين: ليس بشيءٍ (^٣). وقال النَسائيُ: متروك الحديث (^٤).
وسليمان بن موسى: لم يسمع من أبي هريرة.
والصَواب ما قاله الدَارَقُطْنِيُ أنَه مرسلٌ O.
٢٢٧ - الحديث الخامس: قال الدَارَقُطْنِيُ: ثنا عليُ بن الفضل بن طاهر البَلْخِيُ ثنا حمَّاد بن محمَّد بن حفص ثنا محمَّد بن الأزهر الجوزجاني ثنا الفضل بن موسى السِّينانيُ (^٥) عن ابن جريجِ عن سليمان بن موسى عن الزهريِ عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الأذنان من الرَأس» (^٦).
_________________
(١) في «السنن»: (والذي قبله- أي الرواية المرسلة- أصحُ عن ابن جريج).
(٢) «الضعفاء الكبير» للعقيلي: (٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦ - رقم: ١٢٤٤) من رواية عثمان بن أبي شيبة. قال الخطيب في «تاريخ بغداد»: (١١/ ٤٥٦ - رقم: ٦٣٤٨) - عقب هذه الرواية-: (وكذا روى أيوب بن إسحاق بن سافري عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة عن يزيد، وحكي عن يزيد بن هارون فيه خلاف هذا) ا. هـ ثم ساق الرواية المخالفة، وانظر أيضًا: (١١/ ٤٤٩ - رقم: ٦٣٤٨) من «تاريخ بغداد»، و«معرفة الرجال عن يحيى بن معين» برواية ابن محرز: (٢/ ٢١٣ - رقم: ٧١٣).
(٣) «معرفة الرجال» برواية ابن محرز: (١/ ٥٠ - رقم: ٢) وفيه: (كذابٌ، ليس بشيء).
(٤) «الكامل» لابن عدي: (٥/ ١٩١ - رقم: ١٣٤٨).
(٥) في الأصل و(ب): (الشيباني)، والتصويب من «التحقيق» ومطبوعة «سنن الدارقطني» وكتب التراجم.
(٦) «سنن الدارقطني»: (١/ ١٠٠).
[ ١ / ٢٠٨ ]
قالوا: قال الدَارَقُطْنيُ: المرسل أصحُ.
قلنا: قد سبق جوابه.
٢٢٨ - الحديث السادس: قال الدَارَقُطْنيُ: ثنا يحيى بن محمَّد بن صاعد ثنا أحمد بن بكر أبو سعد ثنا محمَّد بن مصعب القَرْقَسَانيُ ثنا إسرائيل عن جابر عن عطاء عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «الأذنان من الرأس» (^١).
قالوا: جابر هو: ابن يزيد الجعفيُ، وقد ضعَّفوه.
قلنا: قد وثَّقه: الثَوريَّ وشعبة (^٢).
قالوا: قد رواه مرَة: عن عطاء عن النَّبي ﷺ.
قلنا: الرَاوي: قد يسند، وقد يختصر.
ز: أحمد بن بكر: ويقال: ابن بكرُويه، أبو سعد البَالِسيُ، ضعيفٌ، قال ابنُ عَدِي: روى أحاديث مناكير عن الثِّقات. وروى هذا الحديث في ترجمته عن ابن صاعد، ثمَّ قال: وهذا الحديث لا يعرف إلا بأحمد ابن بكر (^٣). وقال الأزديَّ: أحمد بن بكر يضع الحديث (^٤).
وقد ذكر الدَارَقُطَّنيُ أنَ هذا الحديث اختلف فيه على جابر الجعفيِّ، وأن رواية من أرسله أشبه بالصَواب (^٥).
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) انظر ما تقدم: (ص: ١٨٧).
(٣) «الكامل»: (١/ ١٨٢ - رقم: ٢٥).
(٤) «الميزان» للذهبي: (١/ ٨٦ - رقم: ٣٠٩).
(٥) «سنن الدارقطني»: (١/ ١٠٠).
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقد رواه عمر بن قيس عن عطاء عن ابن عبَّاس موقوفًا، وعمر ضعيف O.
قال المؤلف: وقد روي هذا الحديث من وجوهٍ كثيرة فيها ضعفٌ، فاقتصرنا على ما ذكرنا.
٢٢٩ - الحديث السَابع: قال الترمذيَّ: ثنا قتيبة ثنا بكر بن مضر عن ابن عجلان عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل عن الرُبيع بنت مُعوِّذ أنَّها رأت النَّبي ﷺ يتوضَأ، قالت: فمسح رأسه وصدغيه وأذنيه مرَةً واحدةً (^١).
وقد روى الخصم: أن رسول الله ﷺ أخذ ماءً جديدًا لأذنيه.
ولا حجَّة لهم في هذا، لأَنَّا نقول: هذا الأولى (^٢).
* * * * *