﷽
اللهم صلِّ وسلِّم على محمَّد وآله (^١).
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا (^٢).
أما بعد: فهذا كتابٌ أذكر فيه المسائل والأحاديث التي ذكرها الشَّيخ الإمام العلاَّمة الحافظ جمال الدِّين أبو الفرج ابن الجوزي- ﵀ في كتاب «التَّحقيق» محذوفة الأسانيد- في الغالب- منه إلى مؤلفي الكتب من الأئمة الحفَّاظ، كالإمام أحمد والبخاريِّ ومسلمٍ والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ والدَّارقطنيِّ وغيرهم، ثم أُتبعها بزياداتٍ مفيدةٍ من ذكر من روى الحديث أو صحَّحَه أو ضعَّفَه، وذكر بعض علل الأحاديث، والتَّنبيه على أحوال رجالٍ سكت عنهم المؤلِّف وهم غير محتجٍّ بهم (^٣)، ورجالٍ تكلَّم فيهم وهم صادقون محتجٌّ بهم، ورجالٍ وثَّقهم في موضعٍ وضعَّفهم في موضعٍ (^٤) آخر، وغير ذلك من الزِّيادات المحتاج إليها، وذلك على وجه الاختصار في الغالب، وأكتب في أوَّل الزِّيادة «ز» بالأحمر، وآخرها دائرة «O» بالأحمر أيضًا لكي تتميَّز من كلام المؤلِّف، وسميتُه: «كتاب تنقيح التَّحقيق في أحاديث التَّعليق»، والله أسأل أن ينفع به إنَّه
_________________
(١) في (ب): (بسم الله الرحمن الرحيم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب).
(٢) (كثيرًا) ليست في (ب).
(٣) في (ب) زيادة: (أو محتج بهم).
(٤) (موضع ليست في (ب).
[ ١ / ١ ]
قريبٌ مجيبٌ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكَّلت وإليه أنيب.
قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي ﵀:
أحمد الله على الإنعام المترادف، وأشكره على الإكرام المتكانف، حمدًا يقوم بشكر التَّالد والطَّارف، وشكرًا يصدر من مقرٍّ بالفضل عارفٍ، وكيف لا؟! وبحر فهمي يهمي، وكم فهم واقفٍ؟ وبصر تبصري (^١) في العلوم ينفي في نقده الزائف.
وأصلِّي على أشرف راكبٍ وملبٍّ وطائفٍ، محمَّدٍ الذي شرع أحسن الشَّرائع ووظَّف أزين الوظائف، وعلى كلِّ من صحبَه وتبعَه خالفًا لسالفٍ.
وبعدُ: فهذا كتابٌ نذكر فيه مذهبنا في مسائل الخلاف ومذهب المخالف، ونكشف عن دليل المذهبين من النقل كشف مناصِفٍ، لا نميل لنا ولا علينا فيما نقول ولا نجازف، وسيحمدنا المطِّلع عليه - إن كان منصفًا- والواقف، ويعلم أنَّا أولى بالصَّحيح من جميع الطَّوائف، والله الموفِّق لأرشد الطرق وأهدى المعارف.
* * * * *
_________________
(١) في (ب) و«التحقيق»: (بصيرتي).
[ ١ / ٢ ]
فصلٌ
كان السَّبب في إثارة العزم لتصنيف هذا الكتاب أنَّ جماعةً من إخواني ومشايخي في الفقه كانوا يسألوني في زمن الصِّبا جمع أحاديث «التَّعليق»، وبيان ما صحَّ منها وما طُعِن فيه، وكنت أتوانى عن هذا لشيئين:
أحدهما: اشتغالي بالطَّلب.
والثاني: ظنِّي أنَّ ما في التَّعاليق من ذلك يكفي، فلمَّا نظرت في التَّعاليق رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مُزْجاة! يُعَوِّل أكثرهم على أحاديث لا تصحُّ، ويُغرِض عن الصِّحاح!! ويقلِّد بعضهم بعضًا فيما ينقل.
ثمَّ قد انقسم المتأخرون ثلاثة أقسام:
أحدها: قومٌ غلب عليهم الكسل، ورأوا أنَّ في البحث تعبًا وكلفةً، فتعجَّلوا الرَّاحة، واقتنعوا بما سطره غيرهم.
والقسم الثَّاني: قومٌ لم يهتدوا إلى أمكنة الأحاديث، وعلموا أنَّه لا بدَّ من سؤال من يعلم هذا، فاستنكفوا عن ذلك.
والقسم الثَّالث: قومٌ مقصودهم التَّوسع في الكلام طلبًا للتَّقدم والرِّئاسة، واشتغالهم بالجدل والقياس، ولا التفات لهم إلى الحديث - لا إلى تصحيحه ولا إلى الطَّعن فيه -، وليس هذا شأن من استظهر لدينه، وطلب الوثيقة في أمره.
ولقد رأيت بعض الأكابر من الفُقهاء يقول في تصنيفه - عن ألفاظٍ قد أخرجت في الصِّحاح -: (لا يجوز أن يكون رسول الله ﷺ قال هذه الألفاظ)!!
[ ١ / ٣ ]
ويردُّ الحديث الصَّحيح ويقول: (هذا لا يُعرف)!! وإنَّما هو لا يَعرفه.
ثمَّ رأيته قد استدل بحديثٍ زعم أنَّ البخاريَّ أخرجه - وليس كذلك-، ثمَّ نقله عنه مصنفٌ آخر كما قال تقليدًا له!!
ثمَّ استدلَّ في مسألة، فقال: (دليلنا ما روى بعضهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال كذا)!
ورأيت جمهور مشايخنا يقول [في تصانيفهم] (^١): (دليلنا ما روى أبو بكر الخلاَّل بإسناده عن رسول الله [ﷺ] (^٢»، و(دليلنا ما روى أبو بكر عبد العزيز بإسناده)، و(دليلنا ما يروي (^٣) ابن بطَّة بإسناده) وجمهور تلك الأحاديث في الصِّحاح وفي «المسند» وفي «السُّنن»! غير أنَّ السَّبب في اقتناعهم بهذا: التَّكاسل عن البحث.
والعجب ممَّن ليس له شغلٌ سوى مسائل الخلاف، ثم اقتصر (^٤) منها في المناظرة على خمسين مسألة!! وجمهور هذه الخمسين لا يستدلُّ فيها بحديثٍ!!!
فما قدر الباقي حتَّى يتكاسل عن المبالغة في معرفته؟!
* * * * *
_________________
(١) زيادة من (ب) و«التحقيق».
(٢) زيادة من (ب).
(٣) في (ب): (روى) و«التحقيق».
(٤) في (ب): (قد اقتصر).
[ ١ / ٤ ]
فصل
وأَلْوَمُ عندي ممَّن قد لُمته من الفقهاء: جماعة من كبار المحدثين، عرفوا صحيح النَّقل وسقيمه وصنَّفوا في ذلك، فإذا جاء حديث ضعيف يخالف مذهبهم بيَّنوا وجه الطَّعن فيه، وإن كان موافقًا لمذهبهم سكتوا عن الطعن فيه!
وهذا يُنبئ عن قلَّة دينٍ، وغلبة هوى.
ز: وقد ضعف الحافظ أبو الفرج ﵀ جماعةً في موضع لمَّا كان الحديث يخالف مذهبه، ثمَّ احتجَّ بهم في موضع آخر لمَّا كان يوافق مذهبه! O.
وقال الدَّارَقُطْنيُّ: ثنا أحمد بن محمَّد بن سعيد ثنا إبراهيم بن عبد الله ابن محمَّد السكونيُّ (^١) قال: سمعت أبي قال: سمعت وكيعًا يقول: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم! (^٢)
قال: وهذا حين شروعنا فيما انتدبنا له من ذكر الأحاديث، معرضين عن العصبية التي نعتقدها في مثل هذا حرامًا، وبعيدٌ: مصنِّفٌ منصِفٌ (^٣)!
ولو ذكرنا كلَّ [حديث] (^٤) بجميع طرقه، وأشبعنا الكلام فيها لطال ومُلَّ، وإنما هذا [موضوع] (^٥) للفقهاء، وغرضهم يحصل مع الاختصار،
_________________
(١) كذا في النسختين، وفي «سنن الدارقطني» و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم: (٥/ ١٦١): (السلولي)، والله أعلم.
(٢) «سنن الدارقطني»: (١/ ٢٦).
(٣) (منصف (ليست في) (ب).
(٤) بياض بالأصل، فأثبتت من (ب).
(٥) في الأصل: (موضع)، وفي (ب): (موضع موضوع)، والمثبت من «التحقيق».
[ ١ / ٥ ]
وللمحدثين فيه حظٌّ (^١) بقليلٍ من البسط والأسانيد، والله الموفق.
* * * * *
_________________
(١) في «التحقيق»: (يدٌ).
[ ١ / ٦ ]