خاتمة
قد تبين لنا من مجموع الأحاديث المتقدمة أن هذه الخطبة تفتح بها جميع الخطب سواء كانت خطبة نكاح أو خطبة جمعة أو غيرها فليست خاصة بالنكاح١ كما قد يظن وفي بعض طرق حديث ابن سعود التصريح بذلك كما تقدم وقد أيد ذلك عمل السلف الصالح فكانوا يفتتحون كتبهم بهذه الخطبة كما صنع الإمام أبو جعفر الطحاوي
_________________
(١) ١ تنبيه: وأما الحديث الذي رواه إسماعيل بن إبراهيم عن رجل من بني سليم قال: خطبت إلى النبي ﷺ أمامة بنت عبد المطلب فأنكحني من غير أن يتشهد. أخرجه أبو داود والبيهقي فهو ضعيف من أجل إسماعيل هذا فإنه مجهول كما في "التقريب". ثم إنه قد اضطرب عليه فيه كما بين البيهقي وغيره. ولو صح لدل على جواز الترك أحيانا لا على عدم المشروعية مطلقا
[ ٣٦ ]
﵀ حيث قال في مقدمة كتابه "مشكل الآثار": وأبتدئ بما أمر ﷺ بابتداء الحاجة مما قد روي عنه بأسانيد أذكرها بعد ذلك إن شاء الله: إن الحمد لله "
قلت: فذكرها بتمامها.
وقد جرى على هذا النهج شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ فهو يكثر من ذلك في مؤلفاته كما لا يخفى على من له عناية بها.
وقد قال المحقق السندي في "حاشيته على النسائي" في شرح قوله في الحديث: "والتشهد في الحاجة": والظاهر عموم الحاجة للنكاح وغيره ويؤيده بعض الروايات فينبغي أن يأتي الإنسان بهذا يستعين به على قضائها وتمامها ولذلك قال الشافعي: الخطبة سنة في أول العقود كلها قبل البيع والنكاح وغيرها و"الحاجة"
[ ٣٧ ]
إشارة إليها ويحتمل أن المراد ب "الحاجة" النكاح إذ هو الذي تعارف فيه الخطبة دون سائر الحاجات"
وكذا في "حاشيته على ابن ماجه".
قلت: هذا الاحتمال الثاني ضعيف بل باطل لثبوت ذلك عن النبي ﷺ في غير النكاح كما في قصة ضماد في حديث ابن عباس وكما في حديث جابر. فتنبه.
لكن القول بمشروعية هذه الخطبة في البيع ونحوه كإجارة ونحوها فيه نظر بين ذلك لأنه مبني على القول بوجوب الإيجاب والقبول فيها وهو غير مسلم بل هو أمر محدث لأن الناس من لدن النبي ﷺ وإلى يومنا هذا ما زالوا يتعاقدون في هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدال على المقصود١ فبالأحرى أن تكون
_________________
(١) ١ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في فصل له عقده لبيان قاعدة عظيمة المنفعة - كما قال هو نفسه - حول هذه المسألة وهو الإيجاب والقبول في العقود وفي المعاطاة فيها ذهب فيه إلى: أنه لا يتقيد فيها بلفظ معين بل هذا من البدع وإنها تصح بأي لفظ وبالفعل الدال على المقصود واحتج على ذلك بالكتاب والسنة واللغة وفي تضاعيف ذلك من الفوائد والتحقيقات ما لا تقف عليها عند غيره فانظر" الفتاوى " ٣ / ٢٦٧، ٢٧٤.
[ ٣٨ ]
الخطبة فيها بدعة وأمرا محدثا. وبيوعه ﷺ وعقوده التي وردت في كتب السنة المطهرة من الكثرة والشهرة بحيث يغني ذلك عن نقل بعضها في هذه العجالة وليس في شيء منها الإيجاب والقبول بله الخطبة فيها.
أقول هذا مع احترامي للائمة واتباعي إياهم على هداهم بل أعتبر أن تصريحي هذا هو من الاتباع لهم لأنهم ﵀ هم الذين علمونا حرية الرأي والصراحة في القول حتى عن تقليدهم لأنهم كما
[ ٣٩ ]
قال الإمام مالك ﵀: "ما منا من أحد إلا رد أو رد عليه إلا صاحب هذا القبر" فجزاهم الله تعالى عنا خيرا١.
أقول: إن القصد من جمع هذه الرسالة هو نشر هذه السنة التي كاد الناس أن يطبقوا على تركها فألفت أنظار الخطباء والوعاظ والمدرسين وغيرهم إلى ضرورة حفظهم لها وافتتاحهم خطبهم ومقالاتهم ودروسهم بها عسى الله تعالى أن يحقق أغراضهم بسببها٢
_________________
(١) ١ وقد أوردت نصوصهم في ذلك في مقدمة كتابي "صفة صلاة النبي ﷺ" وقد تم ما حقق الله الرجاء فقد طبع حتى الآن مرات متعددة في المكتب الإسلامي واختصر وترجم أيضا ولله الحمد والمنة ٢ وقد فهم عن الشيخ – ﵀ القول بفرضية هذه الخطبة ومن أجل ذلك عقب بكلمة في "الكتاب النصيحة" ص ٨١ فقال ﵀: "وهي خطبة التي كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه وقد كانت أهملت =
[ ٤٠ ]
------------------------------------------------------------------------
_________________
(١) = وفي بعض السنين فأحياها بعض الأئمة كالإمام الطحاوي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم الجوزية – ﵏ – وغيرهم. ثم أهملت في القرون المتأخرة فجاء دورنا – ولله الحمد – في إحيائها فألفت فيها الرسالة المعروفة – "خطبة الحاجة" – ونفع الله بها من شاء من محبي السنة وانتشر العمل بها في صدور الكتب والرسائل وفي خطب الجمع وغيرها – فلله المنة -. فمن العجائب أن يقف في طريقها بعض الفضلاء فيكتب كلمة في كتابه النافع "تصحيح الدعاء" ص ٤٥٤، فيقول ما ملخصه: "في الخطبة محدثات منها: التزام افتتاح خطبة الجمعة بخطبة الحاجة الواردة في حديث ابن مسعود – ﵁ – والعجب أن حديث ابن مسعود هذا رواه أصحاب "السنن" مترجمين له في كناب "النكاح" سوي النسائي فقد ترجم له – أيضا – في "الصلوات" ومن تتبع هدى النبي ﷺ لم ير فيه التزام افتتاح خطبه ﷺ بذلك ولم نر في فعله ﷺ وفي الهدي الراتب لصاحبته – ﵃ – التزام هذه الصيغة في خطبهم وافتتاح أمورهم وهؤلاء المؤلفون من علماء الإسلام لا تراهم كذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – فإنه في =
[ ٤١ ]
----------------------------------------------------------------------------
_________________
(١) = كتبه وفتاويه يفتتح بها تارة وبغيرها تارة أخرى". فأقول: - وبالله التوفيق –: أولا: هي ليست فرضا حتى لا تترك بل قد يكون العكس هو الأصوب وهو تركها أحيانا حتى لا يتوهم أحد فرضيتها كما في حديث قيام رمضان: "أني خشيت أن تكتب عليكم". ومما يدلل على أننا مدركون لذلك جيدا – ولله الحمد -: أنني لم افتتح عددا من مؤلفاتي وتحقيقاتي بهذه الخطبة مثل كتاب "الإيمان" لابن أبي شيبة و"حجاب المرأة المسلمة" الطبعة الأولى و"تمام المنة" الطبعة الثانية و"آداب الزفاف" الطبعة الثانية ومن آخر ذلك مقدمتي على الطبعة الجديدة من المجلد الأول من "السلسلة الصحيحة" وغير ذلك كثير. ثانيا: إذا كان التزام بدعة فما الحكم إهمالها مطلقا؟! فإني لم أره افتتح كتابا له بهذه الخطبة المباركة مستفيضا عنها بخطب ينشئها هو نفسه! أليس هذا من باب: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟! ثالثا: عزا الفاضل المشار إليه في هذا الموضع من حاشية كتابه إلى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٨٦ – ٢٨٧ مشيرا إليه بقوله: "مهم"! =
[ ٤٢ ]
_________________
(١) = فأقول نعم مهم ومن أهمه قوله ﵀ فإن حديث ابن مسعود لم يخص النكاح وإنما هي خطبة لكل حاجة في مخاطبة العباد بعضهم بعضا فما قيمة تعجب الفضل المذكور من كون أصحاب السنن رووا خطبة الحاجة في كتاب النكاح؟! وكذلك الأمر في قوله في آخر بحثه: "بهذا التقرير تعلم فقه أصحاب "السنن" – رحمهم الله تعالى – في ترجمة خطبة الحاجة في كتاب النكاح وتقرير العلماء بمشروعيتها بين عقد الزواج!! ومن عظيم تقدير المولى سبحانه أن ترد خطبة الحاجة في مجلد الفتاوى الذي عزا إليه الفاضل المذكورة! في مقدمة رسالتين لشيخ الإسلام ﵀ ١٨/٧٦، ٢١٠ بخلاف ذاك الموضع الذي أشار هو إليه حاثا عليه والذي تكلم فيه تفضيلا عن هذه الخطبة النبوية المباركة هذا فضلا عن المجلدان منه أو كتبه الأخرى ومثله الإمام ابن قيم الجوزية ﵀. فهلا كان هذا الإمامان قدوة لهذا الفاضل فيتأسى بهما – ولو مرة – فيفتتح كتابا له بخطبة الحاجة؟! رابعا: مما يؤكد عموم مشروعيتها بين يدي كل عمل صالح حديث ابن =
[ ٤٣ ]
_________________
(١) = عباس الذي رواه مسلم في قصة قدوم ضماد مكة وفيه ذكر النبي ﷺ له هذه الخطبة المباركة وأن ضمادا أسم بعد سماعها فلم يكن ثمة نكاح ولا عقد زواج! خامسا: وكأن شيخ الإسلام – ﵀ – يشير في بعض كلام إلى وقوع إهمال في هذه الخطبة كما أشرت إليه فقال ﵀: "ولهذه استحيت وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموما وخصوصا من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك وموعظة الناس ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية. وكان الذي عليه شيوخ زماننا الذين أدركناهم وأخذنا عنهم وغيرهم يفتتحون مجالس التفسير أو الفقه في الجوامع والمدارس وغيرها بخطبة أخرى ". إلى أن قال ﵀: "كما رأيت قوما يخطبون للنكاح بغير الخطبة المشروعة وكل قوم لهم نرع غير الآخرين". أقول: فتأمل مقابلته ﵀ بين افتتاح الشيوخ مجالسهم بغير خطبة الحاجة الشرعية وكذا ما يفعله القوم الذين يخطبون للنكاح بغير الخطبة المشروعة يظهر لك الحق وينكشف أمامك الصواب بلا ارتياب والحمد لله رب العالمين.
[ ٤٤ ]
وقد قال ﷺ: "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء".
رواه مسلم في "صحيحه"٨ / ٦١من حديث جرير ابن عبد الله ﵁
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبد الرحمن
محمد ناصر الدين الألباني
[ ٤٥ ]