وردت هذه الخطبة المباركة عن ستة من الصحابة وهم: عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله ونبيط بن شريط وعائشة ﵃ وعن تابعي واحد هو الزهري - ﵀ -
١ - حديث ابن مسعود وله عنه أربعة طرق:
الأول: عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة [في النكاح وغيره]: الحمد لله. الحديث
أخرجه أبو داود١: ٣٣١، والنسائي١ / ٢٠٨، والحاكم، ٢ / ١٨٢، ١٨٣، والطيالسي رقم ٣٣٨، وأحمد رقم ٣٧٢٠ و٤١١٥، وأبو يعلى في "مسنده"
[ ٩ ]
ق ٣٤٢ / ١، والطبراني في "المعجم الكبير" والبيهقي في "سننه" ٧ / ١٤٦ من طرق عنه.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا أنه منقطع فقد قال النسائي عقب أن ساقه:
أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا ولا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ولا عبد الجبار بن وائل بن حجر
وهذه الزيادة "في النكاح وغيره" هي لأبي داود من طريق سفيان عن أبي إسحاق وظاهرها أنها من قول ابن مسعود لكن خالف شعبة فجعلها من قول أبي إسحاق حيث قال: "قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النكاح أو في غيرها؟ قال: في كل حاجة ". رواه الطيالسي.
والزيادة الأولى والثانية والثالثة والرابعة للطحاوي،
[ ١٠ ]
ولأحمد الأولى في رواية وللحاكم الثانية والسادسة وللنسائي الثالثة وللطبراني الخامسة وللدارمي الثانية والسادسة
الثاني: عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة. قال: التشهد في الحاجة فذكره
أخرجه النسائي٢ / ٢٩، والترمذي٢ / ١٧٨، والطبراني في الكبير عن الأعمش وابن ماجه
١ / ٥٨٤، ٥٨٥ عن يونس ابن أبي إسحاق والطحاوي ١ / ٤، والبيهقي٣ / ٢١٤
عن المسعودي ثلاثتهم عن أبي أسحاق عنه. وقال الترمذي:
حديث حسن رواه الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن النبي ﷺ ورواه شعبة عن أبي
[ ١١ ]
إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ وكلا الحديثين صحيح لأن إسرائيل جمعها فقال: عن أبي إسحاق عن الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ
قلت: ورواية إسرائيل هذه وصلها أحمد رقم ٤١١٦ وأبو داود والبيهقي عن وكيع: حدثنا إسرائيل به
ولم يتفرد إسرائيل به بلك تابعه شعبة عند أحمد رقم ٣٧٢١
والطحاوي والبيهقي فدل ذلك على صحة الإسنادين عن ابن مسعود. لكن الأول منقطع كما تقدم وأما هذا فصحيح على شرط مسلم
وفيها الزيادة الأولى عند الجميع إلا ابن ماجه وله وللطحاوي الزيادة الثانية ولهما وللترمذي الزيادة الثالثة ولابن ماجه الرابعة.
[ ١٢ ]
الثالث: عن عمران القطان عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن ابن مسعود - ﵁ - أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال:
"الحمد لله نستعينه ونستغفره.." الحديث إلى قوله: "عبده ورسوله" وزاد: "أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا".
أخرجه أبو داود١ / ١٧٢، ٣٣١ والبيهقي ٣ / ٢١٥، ٧ / ١٤٦
وأخرجه الطبراني في "الكبير" إلا أنه قال: "إنه كان يقول في خطبة الحاجة".
وهذا سند ضعيف وعلته أبو عياض هذا – وهو: المدني قال الحافظ في "التقريب": "هو مجهول".
هذه هي علة الحديث وقد ذهل عنها جماعة أولهم
[ ١٣ ]
فيها وقفت عليه: المنذري في "مختصر السنن" حيث أعله بعمران هذا فقال: "في إسناده عمران بن داور القطان وفيه مقال ".
وتبعه على ذلك ابن القيم وسيأتي كلامه والشوكاني في "نيل الأوطار" ٣ / ٢٢٤
فقال: في إسناده عمران بن داور - في الأصل: دارون وهو خطأ - أبو العوام البصري قال عفان: كان ثقة واستشهد به البخاري وقال يحي بن معين والنسائي: "ضعيف الحديث ".
وكان أبعدهم عن الصواب الإمام النووي - ﵀ - حيث قال في "شرح صحيح مسلم "٦ / ١٦٠:
إسناده صحيح!
وأعتقد أنه انصرف ذهنه عن العلة الحقيقية التي ذكرت وإلا فلولاها لكان الإسناد حسنا عندي.
[ ١٤ ]
ثم إن في متن هذه الرواية نكارة وهي قوله: "ومن يعصهما" فقد صح عنه ﷺ"النهي عن هذه اللفظة كما في حديث عدي بن حاتم:أن رجلا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال رسول الله ﷺ: "بئس الخطيب أنت قل: ومن يعص الله ورسوله".
أخرجه مسلم٣ / ١٢، ١٣، وأبو داود١ / ١٧٢، والنسائي٢ / ٧٩، والبيهقي٣ / ٢١٦، وأحمد٤ / ٢٥٦، ٣٧٩
فأنت ترى أنه ﷺ أنكر على الخطيب قوله: "ومن يعصهما" ولذلك قال ابن القيم في "تهذيب السنن" ٣ / ٥٥
"فإن صح حديث عمران بن داور فلعله رواه بعضهم
[ ١٥ ]
بالمعنى فظن أن اللفظين سواء ولم يبلغه حديث: "بئس الخطيب أنت" وليس عمران بذلك الحافظ".
قلت: قد بينا آنفا علة الحديث وقد تبين لي الآن أنه لو صح إسناده لم يكن منكرا بالنظر إلى النبي ﷺ لأن له أن يفعل ما ليس لنا لا سيما وقد ثبت عنه ﷺ مثل ما في هذا الحديث كما سيأتي في كلام النووي فهو من خصوصياته ﷺ قال في "شرح مسلم".
قال القاضي وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية وأمره بالعطف تعظيما لله تعالى بتقديم اسمه كما قال ﷺ في الحديث الآخر:
"لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شاء فلان".
والصواب: أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط
[ ١٦ ]
والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم أعادها ثلاثا ليفهم وأما قول الأولين فيضعف بأشياء منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله ﷺ كقوله ﷺ:
"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وغيره من الأحاديث.
وإنما ثنى الضمير هنا لأنه ليس خطبة وعظ إنما هو تعليم حكم فكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظه وإنما يراد الاتعاظ بها ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: علمنا خطبة الحاجة: "الحمد لله نستعينه ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه
[ ١٧ ]
ولا يضر الله شيئا والله أعلم".
قلت: وما استضعفه النووي ﵀ هو الصواب وما استصوبه هو الضعيف وبيان ذلك بأمور:
الأول: قوله: "سبب النهي أن الخطبة شأنها البسط والإيضاح".
فتعقبه المحقق السندي - ﵀ - في تعليقه على مسلم بقوله: "إنه ضعيف جدا إذ لو كان ذلك سببا للإنكار لكان في محل حصل فيه بالضمير نوع اشتباه وأما في محل لا اشتباه فيه فليس كذلك وإلا لكان ذكر الضمير في الخطبة منكرا منهيا عنه مع أنه ليس كذلك بل الإظهار في بعض المواضع في الخطب يكون منكرا فتأمل".
الثاني: تأييده ما ذهب إليه بحديث ابن مسعود
[ ١٨ ]
بدعوى أن إسناده صحيح فغير صحيح لما في سنده من الجهالة كما بينا آنفا
الثالث: على فرض أن الإسناد صحيح إنما يدل الحديث على الجواز لو كان فيه أن النبي ﷺ كان يعلمهم ذلك كما وقع في "شرح مسلم" وليس كذلك وهذا خطأ آخر من الإمام النووي حيث ذكر أن نص الحديث عن أبي داود بلفظ: "علمنا خطبة الحاجة " بل ليس هذا اللفظ عند سائر من أخرج الحديث من هذا الوجه وإنما هو في الطريقين الأولين الخاليين عن هذه الزيادة الضعيفة: "أرسلته بالحق " الخ كما تقدم فكأن النووي - ﵀ - اختلط عليه أحد اللفظين بالآخر فكان منه سياق لا أصل له في شيء من الروايات فتنبه
الرابع: أن قوله: "قد تكرر ذلك في الأحاديث
[ ١٩ ]
الصحيحة من كلامه ﷺ. لا يدل على ذلك التفصيل الذي ذهب إليه وغاية ما فيه أن ذلك وقع منه ﷺ لكن ليس فيه تعليم منه ﵊ - لأمته وحينئذ فلا يعارض حديث عدي بن حاتم التقدم لما تقرر في الأصول أن القول مقدم على الفعل عند التعارض فيجوز ذلك له - ﵇ - دون أمته.
وحكمة هذا الفرق واضحة ذلك لأنه عليه الصلاة السلام ليس في المحل الذي يظن من كلامه أنه يريد به ما لا يليق بمقام الربوبية والألوهية بخلاف غيره ﵊ فقد يظن به ذلك فأمر ﷺ باجتناب الشبهات والإفصاح عن المراد على أساس قوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ١
_________________
(١) ١ حديث صحيح ورد عن جمع من الصحابة وقد خرجته في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" رقم ٢١٣٤.
[ ٢٠ ]
ثم رأيت العز بن عبد السلام قد سبقني إلى ما ذهبت إليه فقد نقل عنه ذلك السندي في حاشية النسائي
ص ٨٠ فقال:
"وقال الشيخ عز الدين: من خصائصه ﷺ أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى وذلك ممتنع على غيره. قال: وإنما يمتنع من غيره دونه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك".
وهذا يوافق تماما ما رجحناه والحمد لله على توفيقه.
وقد نقل السندي قبل ذلك كلام القرطبي في التوفيق بين حديث ابن مسعود - وقد صرح بصحته - وبين حديث عدي من أربعة أوجه ذكرها يترشح منه أنه يذهب هذا
[ ٢١ ]
المذهب الذي رجحناه فراجعه إن شئت.
وكأن النووي تبعه في ذلك إذ صرح بحصته أيضا وقد تقدم بيان خطئه
وقد نحا نحو هذا المذهب أبو الحسن السندي ﵀ فقال:
"فالوجه أن يقال إن التشريك في الضمير يخل بالتعظيم الواجب بالنظر إلى بعض المتكلمين ويوهم التسوية بالنظر إلى أذهان بعض السامعين القاصرين فيختلف حكمه بالنظر إلى المتكلمين والسامعين والله أعلم".
وأنا أرى أن الصواب تعميم هذا الحكم سدا للذريعة وعملا بعموم حديث: "لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان " الحديث١.
_________________
(١) ١ وهو مخرج في كتابي" سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم١٣٦.
[ ٢٢ ]
فإنه من هذا الباب الذي ورد فيه حديث عدي ابن حاتم وما ذهب إليه السندي فيما نقلناه عنه فيما سبق من أن ذكر الضمير في الخطبة غير منكر إنما عمدته حديث ابن مسعود هذا وقد علمت أنه لا حجة فيه من حيث سنده ومتنهأيضا
وقوله: إن إظهار الضمير في بعض المواضع من الخطب يكاد يكون منكرا. قد تأملت فيه فلم يظهر لي وجهه إلا أن يكون من الوجهة الذوقية وهذا لا يعتد به إذا تصادم مع التوجيه الشرعي والله أعلم.
الرابع: عن حريث عن واصل الأحدب عن شقيق عن عبد الله بن مسعود قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد والخطبة كما يعلمنا السورة من القرآن والخطبة الحمد لله ".
[ ٢٣ ]
أخرجه البيهقي٧ / ١٤٦، ١٤٧، وهذا سند ضعيف من أجل حريث. وهو ابن أبي مطر عمرو الفزاري فإنه ضعيف اتفاقا.
وفي هذه الطريق الزيادة الثانية والرابعة.
٢ - حديث أبي موسى الأشعري
أخرجه أبو يعلى في "مسنده"١ / ٣٤٢ من حديث ابن مسعود المتقدم من الطريق الأولى ساقه إلى قوله: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" وزاد:
"قال أبو عبيدة: وسمعت من أبي موسى يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "فإن شئت أن تصل خطبتك بآي من القرآن" تقول: "قلت: فذكر الآيات الثلاث وفيه" أما بعد: ثم تكلم بحاجتك.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد٤ / ٢٨٨
[ ٢٤ ]
وقال: "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط والكبير باختصار ورجاله ثقات وحديث أبي موسى متصل وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ".
قلت: وقد راجعت له مسند عبد الله بن مسعود في "المعجم الكبير" فلم أجده فالظاهر أنه في مسند أبي موسى منه والجزء الذي فيه هذا المسند لا وجود له في "الكتبة الظاهرية".
٣ - حديث عبد الله بن عباس:
قال: "إن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يرقى من هذه الريح فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن شاء الله يشفي على يدي من شاء
[ ٢٥ ]
فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ:
"إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد".
قال: فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن قاموس البحر قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام قال: فبايعه رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "وعلى قومك؟ " قال: وعلى قومي قال: فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم
[ ٢٦ ]
من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة فقال: ردوها فإن هؤلاء قوم ضماد "
أخرجه مسلم٣ / ١٢والبيهقي بهذا التمام وأخرجه منه الخطبة فقط أحمد رقم ٣٢٧٥، وابن ماجه١ / ٥٨٥، والطحاوي لكن سقط من النسخة المطبوعة متنه وقطعة من سنده وليس فيه عند أحمد لفظة: "أما بعد".
وفيه - كما - ترى الزيادة الثانية مكان قوله: "ونستغفره ".وقد تردد شيخ الإسلام ابن تيمية في ثبوت هذه الزيادة وهي صحيحة ثابتة بدون شك كما تقدم بيانه
٤ - حديث جابر بن عبد الله
أخرجه الخطيب١٤ / ٤٤٠، ٤٤١ من طريق عمرو بن شمر عن أبي جعفر محمد بن علي عن علي بن
[ ٢٧ ]
حسين عنه عن النبي ﷺ أنه كان إذا قعد على المنبر قال: "الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" الحديث إلى قوله: "وأن محمدا عبده ورسوله".
وهذا إسناد ضعيف جدا آفته عمرو بن شمر فإنه كذاب وضاع لكن الحديث له أصل بغير هذا السياق فقال الإمام أحمد٣ / ٣٧١: حدثنا وكيع عن سفيان عن جعفر عن أبيه عن جابر قال:
كان رسول الله ﷺ يقوم فيخطب فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ويقول:
"من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة".
[ ٢٨ ]
وكان إذا ذكر الساعة احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش صحبكم مساكم.
"من ترك مالا فللورثة ومن ترك ضياعا أو دينا فعلي وإلى وأنا ولي المؤمنين".
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه في "صحيحه "٣ / ١١
وكذا البيهقي في "سننه "٣ / ٢١٤من طريق أبي بكر بن أبي شيبة: ثنا وكيع به. ولم يسق مسلم لفظه كله وإنما أحال بباقية على اللفظ الذي ساقه قبله من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد عن جعفر به نحوه وفيه بدل قوله: "وكل محدثة بدعة" "وكل بدعة ضلالة".
وجمع بينهما البيهقي في روايته. وكذلك جمع بينهما في كتابه "الأسماء والصفات "ومن هذا الوجه ومن طريق
[ ٢٩ ]
ابن المبارك عن سفيان به قرن روايتهما عنه وزاد أيضا: "وكل ضلالة في النار" وهي عند النسائي أيضا.
١ / ٢٣٤مع اللفظين الأولين من طريق ابن المبارك وإسنادها صحيح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "إقامة الدليل على إبطال التحليل من "الفتاوى":٣ / ٥٨
ثم قال الإمام أحمد٣ / ٣١٩: "ثنا يحي عن جعفر به بلفظ أخرجه رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته بعد التشهد: "إن أحسن الحديث كتاب الله" الحديث مختصرا نحوه.
قلت: وهذا سند صحيح أيضا على شرط مسلم فقوله: "بعد التشهد ". فيه إشارة إلى التشهد المنصوص عليه في حديث ابن مسعود وابن عباس وإلى أنه كان مشهورا معروفا عندهم بحيث أن الراوي استغنى بذلك عن ذكره.
[ ٣٠ ]
٥ - حديث نبيط بن شريط
قال: "كنت ردف أبي على عجز الراحلة والنبي ﷺ يخطب عند الجمرة فقال:
"الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أوصيكم بتقوى الله أي يوم أحرم"؟ ١
قالوا: هذا
قال: "فأي شهر أحرم؟ " قالوا: هذا
قال: "فأي بلد أحرم؟ " قالوا: هذا البلد
قال: "فإن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ".
أخرجه البيهقي٣ / ٢١٥من طريق أبي غسان مالك
_________________
(١) ١ الأصل" أحرم هذا". وعلى هامشه: "كذا في النسخ كلها".
[ ٣١ ]
ابن إسماعيل النهدي: ثنا موسى بن محمد الأنصاري: ثنا أبو مالك الأشجعي عنه
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير موسى بن محمد بن محمد الأنصاري والظاهر أنه المخزومي المدني فإن يكن هو فهو ضعيف وإن يكن غيره فلم أعرفه
٦ - حديث عائشة أم المؤمنين
أخرجه أبو بكر بن أبي داود في "مسند عائشة "ق ٢ / ٥٧
بسند جيد عن هشام - هو ابن عروة - عن أبيه قال:كان رسول الله ﷺ يكثر هاتين الآيتين في الخطبة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية.
قلت: كذا في الأصل "عن أبيه" لم يقل: "قالت عائشة ": أو نحوه ووضع الناسخ فوقه رأس حرف الصاد"صـ" إشارة منه إلى أنه هكذا وقع في أصله أيضا وأن
[ ٣٢ ]
الصواب إثبات قوله: "قالت عائشة" بدليل أن المؤلف أورده في "مسندها" ولو لم يكن ذلك ثابا في روايته لم يورده فيه. لأن الحديث حينئذ مرسل كما هو ظاهر.
وقد رأيت فيه حديثا آخر وقع فيه مثل هذا السقط لكن بقي فيه ما يدل عليه فقال١ / ٥٩
عن هشام عن أبيه قالت ووضع الناسخ عليه "صـ" أيضا فقوله: "قالت" صريح في أن القائل ليس هو عروة وإنما هي امرأة وليست هي إلا عائشة بالدليل المتقدم ولأنه كثير الرواية عنها وهي خالته. والله أعلم.
٧ - حديث سهل بن سعد
قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب الناس أو علمهم لا يدع هذه الآية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
[ ٣٣ ]
رواه سمويه في "فوائده" كما في "حسن التنبه في ترك التشبه" للشيخ محمد الغزي٨ / ٥.
٨ - حديث ابن شهاب الزهري
قال ابن وهب ب: أخبرني يونس أنه سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال ابن شهاب: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه فإنما نحن به وله".
أخرجه أبو داود١ / ١٧٢، والبيهقي٣ / ٢١٥ وهذا إسناد
[ ٣٤ ]
رجاله كلهم ثقات ولكنه مرسل فهو لذلك ضعيف لا يحتج به.
وفيه: "ومن يعصهما" وقد تقدمت هذه العبارة في الطريق الثالث لحديث ابن مسعود بينت هناك ضعفها.
فقد يقال:إن هذا المرسل شاهد له فأقول: ليس كذلك. لأن الإرسال الذي فيه هو في محل يحتمل أن يكون المرسل الذي أرسله قد أخذه عن ذلك المجهول الذي رواه عن ابن مسعود –
أعني: يحتمل أن يكون الزهري أخذه عن أبي عياض عن ابن مسعود أو عمن رواه عنه ثم هو أرسله ومع هذا الاحتمال لا يشد أحدهما الآخر. فتأمل
[ ٣٥ ]