وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾
١١٠ - حديث ابنِ عَبَّاسٍ من رِوَايةِ ابنِ أَبِي طَلْحَةَ:
◼ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ - يَعْنِي: حِينَ سَارَ إلَى بَدْرٍ - وَالمُسلمُونَ بَيْنَهُم وَبَينَ الْمَاءِ رَمْلَةٌ دِعْصَةٌ، فَأَصَابَ المُسْلِمِينَ ضَعْفٌ شَدِيدٌ، وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ في قُلُوبِهِمُ الْغَيْظَ، فَوَسْوَسَ بَيْنَهُم: تَزْعُمُونَ أَنَّكُم أَوْلِيَاءُ اللهِ وَفِيْكُم رَسُولُهُ، وَقَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُم تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ!، فَأَمْطَرَ اللهُ عَلَيْهِم مَطَرًا شَدِيدًا، فَشَرِبَ المُسلمُونَ وَتَطَهَّرُوا، وَأَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، وَثَبَتَ الرَّمْلُ حِينَ أَصَابَهُ المَطَرُ، وَمَشَى النَّاسُ عَلَيْهِ وَالدَّوَابُ، فَسَارُوا إِلَى الْقَومِ، وَأَمَدَّ اللهُ نَبِيَّهُ بِأَلْفٍ مِنَ المَلَائكَةِ، فَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي خَمْسِمائَةٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُجَنِّبَةً، وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمائَةٍ مُجَنِّبَةً».
[الحكم]: إسناده ضعيف.
[اللغة]:
رملة دعصة: الدِّعْصُ، بالكَسْرِ، ، قطعَةٌ مِنَ الرمل مُستَديرَةٌ. (تاج العروس ١٧/ ٥٨٠).
[ ١ / ٤٤٤ ]
مُجَنِّبَةً: مجنبة الجيش هي التي تكون في الميمنة والميسرة (النهاية ١/ ٣٠٣).
[التخريج]:
[طبر (١١/ ٦٤) «واللفظ له» / نبص ٤٠٠/ هقل (٣/ ٧٨ - ٧٩) / مردويه (كشاف ٢/ ١٧)].
[السند]:
أخرجه (الطبري): عن المثنى بن إبراهيم، عن عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، به.
وأخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة): من طريق بكر بن سهل. والبيهقي في (الدلائل) أيضًا: من طريق عثمان بن سعيد الدارمي. كلاهما: عن عبد الله بن صالح، به.
وكذا رواه ابن مردويه - كما في (تخريج الكشاف) للزيلعي - من طريق عبد الله بن صالح، به.
[التحقيق]:
هذا الإسناد عبارة عن نسخة مشهورة، يُروَى بها مئات الآثار عن ابن عباس في التفسير، وقد انفرد بروايتها (عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس).
وهذا إسناد ضعيف؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: الانقطاع؛ بين علي بن أبي طلحة وابن عباس، فقد أجمع النقاد على أنَّ علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قال يحيى بن معين: «لم يسمع من ابن عباس شيئًا فرَوى مرسلًا» (رواية ابن طهمان ٢٦٠).
وقال ابن أبي حاتم في (ترجمة علي بن أبي طلحة من المراسيل): «سمعت أبي يقول: سمعت دُحيمًا يقول: «إنَّ علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير».
وسمعت أبي يقول: «علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل، إنما يروي عن: مجاهد، والقاسم بن محمد، وراشد بن سعد، ومحمد بن زيد» (المراسيل ٢٥٤).
وقال أبو أحمد الحاكم: «لم يسمع من ابن عباس شيئًا، ولا يتابع في تفسيره عن ابن عباس» (الأسامي والكنى ٣/ ٢٨٧).
وقال الخطيب: «أرسل رواية التفسير عن عبد الله بن عباس» (موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٣٤٤).
وقال الخليلي في الإرشاد: «تفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، رواه الكبار عن أبي صالح كاتب الليث عن معاوية. وأجمع الحفاظ: على أنَّ علي بن أبي طلحة لم يسمعه من ابن عباس» (الإرشاد ١/ ٣٩٣).
قلنا: وقول أبي حاتم: «إنما يروي عن مجاهد و.. و..»، لا يُفهم منه أنَّ كلَّ رواية يرويها علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، إنما سمعها من مجاهد أو أحدٍ ممن ذكرهم، بل مراد أبي حاتم بذكر ذلك الاستدلال على عدم سماعه من ابن عباس، كعادتهم في الاستدلال على عدم سماع الراوي من شيخه، إذا روى عنه بالواسطة في مواطن أخرى، وهذه طريقة معروفة لدى
[ ١ / ٤٤٦ ]
أئمة هذا الفن في الاستدلال على عدم السماع، لا سيّما أبي حاتم الرازي، وانظر على سبيل المثال: (المراسيل لابنه: ٢٣٨، ٣١٤، ٤٢٠، ٦٠٦، ٧٢٤، ٧٥٧، ٧٧١، ٨٢٣، ٨٢٢، ٨٢٤، ٨٢٨، ٩٢٠، ١١٨، ١٢٤، ١٨٤، ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٨٥، ٢٨٨، ٢٩٠، ٢٩٢، ٣٠٦، ٣٩٧، ٣٩٩، ٤٠١، ٤٩١، ٥٥٧، ٦٢٧، ٦٣٠، ٦٣٧، ٧٨٧، ٧٨٨، ).
ويدلُّ على ذلك ما ذكره الخطيب في (تاريخه) عن يعقوب بن إسحاق بن محمود الفقيه، قال: سُئل صالح بن محمد - المعروف بجزرة: ثقة حافظ إمام -: عن علي بن أبي طلحة ممن سمع التفسير؟ قال: «من لا أحد!» (تاريخ بغداد ١٣/ ٣٨٠).
ولهذا أعلَّها بالانقطاع: ابن كثير في (تحفة الطالب ص ٣٢٧)، وابن الملقن في (البدر المنير ٦/ ٣٩٤، ٧/ ٦٢٢، ٩/ ١١٩)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ٧٤١٠، ١٠٩٦٨، ١٠٩٧١، ١٠٩٧٣)، و١٢٢٤٣)، والألباني في (السلسلة الصحيحة ٤/ ١٠٤، ٥/ ٧٩، ٦/ ١١٤)، و(الضعيفة ٣/ ٨٨، ١١/ ٥) وغيرهم.
هذا بخلاف ما في علي بن أبي طلحة من كلام، وهذه هي:
العلة الثانية: ابن أبي طلحة - وإن مشَّاه بعضهم -؛ فقد قال أحمد: «له أشياء منكرات» (سؤالات الميموني ٣٧٤). وتبعه العقيلي فذكره في (الضعفاء ٢/ ١٠٠ - ١٠١).
وقال يعقوب بن سفيان: «ضعيف الحديث منكر ليس بمحمود المذهب» (المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٥٧)، وقال في موضع آخر: «ليس هو بمتروك ولا هو حجة» (المعرفة والتاريخ ٣/ ٦٥). واعتمد الذهبي في (الكاشف
[ ١ / ٤٤٧ ]
٣٩٣١) قول أحمد. وقال الحافظ: «صدوق قد يخطئ» (التقريب ٤٧٥٤).
العلة الثالثة: عبد الله بن صالح - كاتب الليث -: الجمهور على تضعيفه؛ لسوء حفظه، كما في (تهذيب الكمال ١٥/ ١٠١ - ١٠٧). وكان له جار يدخل الموضوعات في كتبه، قال ابن حبان: سمعت ابن خزيمة يقول: «كان له جار بينه وبينه عداوة، فكان يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح، ويكتب في قرطاس بخط يشبه خط عبد الله بن صالح، ويطرح في داره في وسط كتبه، فيجده عبد الله فيحدث به، فيتوهم أنه خطه وسماعه، فمن ناحيته وقع المناكير في أخباره» (المجروحين ١/ ٥٣٤).
وهذا يرد على قول من يقول إن روايته لهذه النسخة مجرد كتاب يرويه، فلا يضرُّه هنا سوء حفظه، فهذه كتبه أيضًا دخلها الخلل فلا تعتمد، لا سيّما وقد انفرد عن معاوية بن صالح برواية هذا التفسير، فأين أصحاب الحديث وحُمَّال الآثار؟ !
* وشيخه معاوية بن صالح، مختلف فيه، لخصه الحافظ بقوله: «صدوق له أوهام» (التقريب ٦٧٦٢).
قلنا: فغاية هذا النسخة أن يُعتبر بها، وعلى هذا يحمل قول الإمام أحمد بن حنبل - إِنْ ثبت (^١) -: «بمصر كتاب معاوية بن صالح في التأويل، لو
_________________
(١) فقد رواه الطحاوي في (شرح مشكل الآثار ١٢/ ٣٨٩)، و(شرح معاني الآثار ٣/ ٢٨٠) - وعنه أبو جعفر النحاس في (الناسخ والمنسوخ ص ٧٥) -: عن علي بن الحسين القاضي (وهو أبو عبيد بن حربويه)، عن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم، عن الإمام أحمد. والحسين - وإنْ كان موصوفًا بالحفظ -، فقد قال عنه الدارقطني: «ليس بالقوي» (الميزان ٢٠٤١). وقد تحرَّف الإسناد في «شرح المعاني»، إلى: «علي بن الحسين بن عبد الرحمن بن فهم»، وترجم له كذلك العيني في (رجال معاني الآثار ٣٣٥) وقال: «لم أرَ من ترجمه».
[ ١ / ٤٤٨ ]
دخل رجل إلى مصر فكتبه، ثم انصرف به، ما رأيت (رحلته) ذهبت باطلًا».
وكذا يحمل صنيع البخاري في صحيحه - حيث علَّق منها عن ابن عباس أشياء في التفسير -، وأكثر من روايتها ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وابن مردويه، والطبري، وغيرهم ممن صنف في التفسير. وتبعهم الحافظ ابن كثير، فأكثر منها في «تفسيره». وانظر: (مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٥٥).
ولا يخفى على أحد أن كل هؤلاء لم يشترطوا الصحة فيما يوردونه، فلا يقال: إن رواية البخاري وأبي حاتم وغيرهما لهذه النسخة، إنما هي على سبيل الاعتماد والتصحيح! .
وقد قال الحافظ أبو أحمد الحاكم - في ترجمة علي بن أبي طلحة -: «ليس ممن يُعتمد على تفسيره الذي يُروى عن معاوية بن صالح عنه» (تاريخ الإسلام ٣/ ٩٣٢).
وفي المقابل:
قال الطحاوي: «وإنْ كان خبرًا منقطعًا، لا يثبت مثله، غير أن قومًا من أهل العلم بالآثار يقولون: إنه صحيح، وإنَّ علي بن أبي طلحة وإنْ كان لم يكن رأى عبد الله بن عباس ﵄ فإنما أخذ ذلك عن مجاهد وعكرمة» (شرح معاني الآثار ٣/ ٢٨٠).
وتبعه تلميذه أبو جعفر النحاس فقال: «والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما أخذ التفسير عن مجاهد
[ ١ / ٤٤٩ ]
وعكرمة وهذا القول لا يوجب طعنًا؛ لأنه أخذه عن رجلين ثقتين وهو في نفسه ثقة صدوق» (الناسخ والمنسوخ ص ٧٥).
وقال الذهبي: «وأخذ تفسير ابن عباس عن مجاهد، فلم يذكر مجاهدًا، بل أرسله عن ابن عباس» (ميزان الاعتدال ٣/ ١٣٤).
وقال الحافظ: «وعلي يقال: لم يسمع من ابن عباس، لكنَّه إنما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه: مجاهد وغيره، وقد اعتمده البخاري وأبو حاتم وغيرهما في التفسير» (التلخيص الحبير ٤/ ٢٩٢).
قلنا: وفي حصر روايته عن ابن عباس بواسطة مجاهد أو عكرمة أو غيرهما من ثقات أصحابه - نظر ظاهر، بل إننا لم نقف له على رواية عن عكرمة، ولا ذكره في شيوخه أحدٌ، فأين التقى به وأخذ عنه؟ وقد وُجِدَ في روايات علي بن أبي طلحة المنكرات، ولهذا تَكلَّم فيه أحمد وغيره - كما تقدَّم -، وفي هذا ردٌّ على قول ابن النحاس أنه في نفسه ثقة صدوق! .
ولم يذكر الطحاوي لنا أحدًا من أهل العلم بالآثار ممن يقول إنه صحيح!، بل أقوالهم متفقة على تضعيفه؛ لانقطاعه.
وأما اعتماد البخاري وأبي حاتم وغيرهما على تفسيره، فلا يعني التصحيح، فهذا الإمام البخاري لم يحتجَّ بحديث واحد لعلي بن أبي طلحة، وإنما علَّق له أشياء في التفسير عن ابن عباس ولم يُسَمِّهِ، ويقول في بعضها: «ويُذكر عن ابن عباس»، كما قال الحافظ نفسه في (تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٠). وهذا صيغة تمريض تؤكد ما ذكرنا، والله تعالى أعلى وأعلم.
ومما يؤكد ما ذكرنا أيضًا: أنَّ هذه القصة التي هي مَظِنَّة الاشتهار، لم يتابعه
[ ١ / ٤٥٠ ]
عليها أحد من ثقات أصحاب ابن عباس، إنما تابعه عطية العوفي - وحاله معروفة -، كما في الرواية التالية.
رِوَايةُ عَطِّيَةَ الْعَوْفِيِّ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿إذ يَغشَاكُمُ النعَاسُ أَمَنَةً منهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُثَبتَ به الأَقدَامَ﴾: «وَذَلِكَ أَنَّ المُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيشٍ لَمَّا خَرَجُوا لِيَنْصُرُوا الْعِيرَ وَيُقَاتِلُوا عَنْهَا، نَزَلُوا عَلَى الْمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَغَلَبُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ، فَأَصَابَ المُؤْمِنِينَ الظَّمَأُ، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، حَتَّى تَعَاظَمَ ذَلِكَ فِي صُدُورِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَأَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً حَتَّى سَالَ الوَادِي، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وَمَلَئُوا الْأَسْقِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ وَاغْتَسَلُوا مِنَ الجَنَابَةِ، فَجَعَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ طَهُورًا، وَثَبَّتَ الأَقْدَامَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القَوْمِ رَمْلَةٌ فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهَا المَطَرَ، فَضَرَبَهَا حَتَّى اشْتَدَّتْ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهَا الأَقْدَامُ».
[الحكم]: ضعيف جدًّا.
[التخريج]: [طبر (١١/ ٦٤ - ٦٥)].
[السند]:
قال (الطبري): حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي - سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي -، قال: حدثني عمي - الحسين بن
[ ١ / ٤٥١ ]
الحسن -، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس .. فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ مسلسل بالضعفاء:
فمحمد بن سعد هو ابن محمد بن الحسن بن عطية العوفي؛ قال الخطيب: «كان لينًا في الحديث» (تاريخ بغداد ٢/ ٣٦٨).
وأبوه: سعد بن محمد؛ قال الإمام أحمد: «لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك» (تاريخ بغداد ٩/ ١٢٩).
وعمه: هو الحسين بن الحسن بن عطية؛ ضعَّفه يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وقال ابن حبان: «لا يجوز الاحتجاج بخبره» (لسان الميزان ٣/ ١٥٥).
وأبوه: الحسن بن عطية العوفي؛ ضعيف كما قال الحافظ في (التقريب ١٢٥٦).
وأبوه: عطية العوفي؛ قال فيه ابن حجر: «صدوق يخطيء كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلسًا» (التقريب ٤٦١٦)، وقال الذهبي: «ضعَّفوه» (الكاشف ٣٨٢٠).
ولذا قال الشوكاني: «وهذا المروي عن ابن عباس في إسناده العوفي، وهو ضعيف جدًّا» (فتح القدير ٢/ ٣٣٤).
[ ١ / ٤٥٢ ]
رِوَايةُ ابنِ جُرَيجٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «غَلَبَ المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ عَلَى الْمَاءِ فَظَمِئَ المُسْلِمُونَ، وَصَلُّوا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ رِمَالٌ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الحُزْنَ، فَقَالَ: تَزعُمُونَ أَنَّ فِيكُمْ نَبِيًّا وَأَنَّكُمْ أَوليَاءُ اللهِ، وَقَدْ غُلِبْتُمْ عَلَى الْمَاءِ وَتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ؟ قَالَ: فَأَنزَلَ اللهُ مَاءً مِنَ السَّمَاء، فَسَالَ كُلُّ وَادٍ، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وَتَطَهَّرُوا، وَثَبَتَتْ أَقْدَامُهُمْ، وَذَهَبَتْ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ».
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا.
[التخريج]: [طبر (١١/ ٦٥ - ٦٦)].
[السند]:
قال (الطبري): حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجَّاج، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف فيه ثلاث علل:
الأولى: الانقطاع؛ فإنَّ ابنَ جُرَيجٍ لم يلقَ ابن عباس ﵁، قال العلائي: «ذكر ابن المديني أنه لم يلقَ أحدًا من الصحابة» (جامع التحصيل ١/ ٢٢٩).
وهو على جلالته كان يدلس تدليسًا فاحشًا، فقد سُئل الدارقطني عن تدليس ابنِ جُرَيجٍ؟ فقال: «يتجنب تدليسه، فإنه وحش التدليس، لا يدلس
[ ١ / ٤٥٣ ]
إلَّا فيما سمعه من مجروح» (سؤالات الحاكم ٢٦٩).
الثانية: القاسم شيخ الطبري هو ابن الحسن، لم نقف له على ترجمة بعد طول بحث. وانظر: (معجم شيوخ الطبري ٢٤٢).
الثالثة: شيخه الحسين وهو ابن داود المصيصي - المعروف بسنيد -، قال الحافظ: «ضُعِّفَ مع إمامته ومعرفته؛ لكونه كان يُلقِّنُ حجَّاج بن محمد شيخه» (التقريب ٢٦٤٦).
[تنبيه]:
الحديث عزاه السيوطي في (الدر المنثور ٧/ ٥٩) لابن المنذر، وأبي الشيخ.
[ ١ / ٤٥٤ ]
١١١ - حَدِيثُ السُّدِّيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ، فَسَبَقَهُمُ المُشْرِكُونَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ؛ انْصَرَفَ أَبُو سُفيَانَ وَأَصْحَابُهُ تِلْقَاءَ البَحْرِ، فَانْطَلَقُوا. قَالَ: فَنَزَلُوا عَلَى أَعْلَى الوَادِي، وَنَزَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي أَسْفَلِهِ. فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﵊ يُجْنِبُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَيُصَلِّي جُنُبًا، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِم، فَقَالَ: كَيْفَ تَرْجُونَ أَنْ تَظْهَرُوا عَلَيْهِم وَأَحَدُكُمْ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ جُنُبًا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ قَالَ: فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ، فَاغْتَسَلُوا وَتَوَضَّئُوا وَشَرِبُوا، وَاشْتَدَّتْ لَهُمُ الأَرْضُ، وَكَانَتْ بَطْحَاءَ تَدْخُلُ فِيهَا أَرْجُلُهُمْ، فَاشْتَدَّتْ لَهُمْ مِنَ الْمَطَرِ وَاشْتَدُّوا عَلَيْهَا.
[الحكم]: مرسل ضعيف.
[التخريج]: [طبر (١١/ ٦٥)].
[السند]:
قال (الطبري): حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي به مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: الإرسال؛ فإنَّ السدي - وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة - من التابعين.
[ ١ / ٤٥٥ ]
وقال أحمد بن محمد: «قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: السدي كيف هو؟ قال: أخبرك أن حديثه لمقارب، وإنه لحسن الحديث إلَّا أن هذا التفسير الذي يجيء به أسباط عنه فجعل يستعظمه، قلت ذاك إنما يرجع إلى قول السدي، فقال: من أين؟ وقد جعل له أسانيد ما أدري ما ذاك» (الضعفاء الكبير للعقيلي ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
الثانية: أسباط بن نصر؛ قال ابن حجر: «صدوق كثير الخطأ يغرب» (التقريب ٣٢١).
[ ١ / ٤٥٦ ]
١١٢ - حَدِيثُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ:
◼ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيتُنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَاءٍ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنِّي لَأُدَلِّكُ ظَهْرَهُ وَأَغْسِلُهُ».
[الحكم]: إسناده لين.
[التخريج]: [طهم ٧ «واللفظ له» / تخ (٢/ ١٦٥) معلقًا/ هق ٧/ كر (١١/ ١٢٦)].
[السند]:
أخرجه إبراهيم بن طهمان في «مشيخته» - ومن طريقه البيهقي وابن عساكر -: عن عباد بن إسحاق، عن أبيه، عن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن سعد بن أبي وقاص، به.
وعلَّقه البخاري في (التاريخ) عن إبراهيم بن طهمان، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد لين؛ لجهالة ثابت بن عبدالله بن الزبير، فلم يروِ عنه إلَّا إسحاق بن عبد الله والد عباد (^١)، وقد ترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ٢/
_________________
(١) أما ما جاء في المطبوع من (الجرح والتعديل ٢/ ٤٥٤): «روى عن سعد روى عنه عباد بن إسحاق سمعت أبي يقول ذلك»، وكذا في (الفيصل في مشتبه النسبة للحازمي ١٦٦)، فهذا خطأ، فإن الذي روى عن ثابت هو إسحاق والد عباد، كما في (التاريخ) للبخاري، و(الثقات) لابن حبان، وغيرها من كتب التراجم. وجاء في المطبوع لابن حبان: (روى عنه عباد بن إسحاق عن أبيه)، كذا، والصواب: (روى عنه عباد بن إسحاق عن أبيه عنه)، كذا في أصل ابن حبان، ولكن المحقق حذفها عمدًا!، ظنًّا منه أنها مكررة خطأ!، والله المستعان.
[ ١ / ٤٥٧ ]
١٦٥)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٢/ ٤٥٤)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق ١١/ ١٢٦)، والذهبي في (تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٦٧)، ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكر ابن عساكر عن الزبير بن بكار أنه قال: «كان لسان آل الزبير جلدًا وفصاحةً وبيانًا»، وذكره ابن حبان في (الثقات ٤/ ٩٠) على قاعدته في توثيق المجاهيل.
ومع هذا تساهل فيه الذهبي فقال: «سنده وسط»! (المهذب ١/ ٨).
وأما عباد بن إسحاق، وأبوه، فصدوقان كما في (التقريب ٣٨٠٠، ٣٦٦).
[ ١ / ٤٥٨ ]