٢٠٨ - حَدِيثُ مَيْمُونَةَ:
◼ عَنْ عَبدَ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ اليَوْمَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللهِ مَا أَخْلَفَنِي»، قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَهُ ذَلكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ في نَفسِهِ جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ (بِسَاطٍ) لَنَا؛ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ [بِهِ] مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ [رَسُولُ اللهِ ﷺ]: «قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي البَارِحَةَ»؟، قَالَ: «أَجَل، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ»، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومَئِذٍ فَأَمَرَ بقَتْلِ الكِلَابِ، حَتَّى إِنَّهُ [لَـ]ـيَأْمُرُ بقَتْلِ كَلْبِ الحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَترُكُ كَلْبَ الحَائِطِ الكَبِيرِ.
[الحكم]: صحيح (م)، دون الرواية والزيادات، وهي صحيحة.
[اللغة]:
قَولُهُ (وَاجِمًا): «هُوَ الساكتُ الذي يَظهَرُ عَلَيه الهَمُّ وَالكَآبَةُ، وَقيلَ هُوَ الحَزينُ».
وأما قوله (جروُ كَلْبٍ): «الجَروُ فَبكَسر الجيم وَضَمهَا وَفَتحهَا ثَلَاثُ لُغَات
[ ٣ / ٦٩ ]
مَشهُورَاتٌ وَهُوَ الصغيرُ من أَولَاد الكَلب وَسَائر السبَاع» (شرح النووي ١٤/ ٨٢ - ٨٣).
[التخريج]:
[م ٢١٠٥ «واللفظ له» / د ٤١٠٩ «والرواية، والزيادة الأولى والثالثة له ولغيره» / ن ٤٣٢١ «والزيادة الثانية له ولغيره» / كن ٤٩٨٧/ خز ٣٢١/ حب ٥٦٨٥، ٥٨٩٢/ طب (٢٣/ ٤٣١/ ١٠٤٨) (٢٤/ ١٧/ ٣١، ٣٢) / طس ٩١٧١/ مث ٣١٠٢/ هق ١١٦٥ - ١١٦٧، ٤٣٠٢/ تمهيد (١٤/ ٢٢١)].
[السند]:
قال مسلم: حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السباق، أن عبد الله بن عباس، قال: أخبرتني ميمونة، به.
تحقيق الزيادات والروايات:
أما الرواية والزيادة الأولى والثالثة: فأخرجها أبو داود (٤١٠٩)، قال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السباق، عن ابن عباس، قال: حدثتني ميمونة، به.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح.
وكذا أخرجه ابن حبان (٥٦٤٩) من طريق أبي صفوان الأموي عبد الله بن سعيد بن عبد الملك. والطبراني في (المعجم الكبير ٢٣/ ٤٣١/ ١٠٤٧) من طريق الليث بن سعد. كلاهما: عن يونس بن يزيد، عن الزُّهري، به، بالرواية والزيادتان أيضًا.
[ ٣ / ٧٠ ]
وأبو صفوان والليث ثقتان من رجال الشيخين، وانظر: (التقريب ٣٣٥٧، ٥٦٨٤).
وأما الزيادة الثانية؛ فأخرجها النسائي (٤٣٢١)، قال: أخبرنا محمد بن خالد بن خلي، قال: حدثنا بشر بن شعيب، عن أبيه، عن الزُّهري قال: أخبرني ابن السباق، عن ابن عباس، به.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، عدا محمد بن خالد بن خلي، وهو صدوق كما في (التقريب ٥٨٤٤).
وقد توبع على هذه الزيادة متابعة ناقصة من الليث بن سعد، وأبي صفوان الأموي، وقد تقدمت روايتهما.
رِوَايَةُ: «وَلَا الثَّانِيَةَ، وَلَا الثَّالِثَةَ»:
• وَفِي رِوَايةٍ: « فَلَمْ يَأْتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَا الثَّانِيَةَ، وَلَا الثَّالِثَةَ، ».
[الحكم]: ضعيف بهذا اللفظ، والمحفوظ أن جبريل لقيه ﷺ في الليلة الثانية.
[التخريج]: [حم ٢٦٨٠٠].
[السند]:
قال أحمد: حدثنا روح، حدثنا محمد بن أبي حفصة، قال: حدثنا الزُّهري، عن عبيد بن السباق، عن عبد الله بن عباس، عن ميمونة، به.
[ ٣ / ٧١ ]
[التحقيق]:
هذا إسناد لين؛ محمد بن أبي حفصة، فيه لين لا سيّما في الزُّهري، وقال الحافظ: «صدوق يخطئ» (التقريب ٥٨٢٦)، وانظر: (تهذيب التهذيب ٩/ ١٢٣).
وقد خولف في متنه؛ فالمحفوظ من رواية الثقات عن الزُّهري به: أن جبريل لقيه ﷺ في الليلة الثانية؛ كما تقدَّم عند مسلم وغيره، ولفظه: «فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ [رَسُولُ اللهِ ﷺ]: «قَدْ كُنْتَ وَعَدتَنِي أَنْ تَلقَانِي البَارِحَةَ»».
رِوَايَةُ غَسْلِ المَكَانِ:
• وَفِي رِوَايةٍ: « فَنَظَرُوا فَإِذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ نَضَدٍ لَهُم، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بذَلكَ الجَرْو فَأُخْرِجَ، وَأَمَرَ بذَلِكَ المَكَانِ فَغُسِلَ بِالْمَاءِ ».
[الحكم]: ضعيف بلفظ الغسل، والمحفوظ بلفظ: النضح.
[التخريج]:
[عل ٧٠٩٣/ طب (٢٣/ ٤٣٠/ ١٠٤٦) «واللفظ له» / طس ٣٤٨٧ «والزيادة له» / طص ٣٩٤].
[السند]:
أخرجه الطبراني في معاجمه الثلاثة، قال: حدثنا الحسين بن عبد الله الخرقي، ثنا محمد بن مرداس الأنصاري، ثنا محمد بن مروان العقيلي، ثنا
[ ٣ / ٧٢ ]
عمارة بن أبي حفصة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة بنت الحارث، به.
وقال الطبراني: «لم يروه عن عمارة بن أبي حفصة إلَّا محمد بن مروان» (الأوسط). وبنحوه في (الصغير) وزاد: «ولا رواه عن الزُّهري عن عبيد الله إلَّا عمارة».
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات، عدا محمد بن مروان وابن مرداس والحسين بن عبد الله؛
فأما محمد بن مروان العقيلي؛ فمختلف فيه؛ قال أحمد: «ليس به بأس»، وقال في موضع آخر: «حدَّث بأحاديث وأنا شاهد فلم أكتبها وكتبها أصحابنا، وكان يروي عن عمارة بن أبي حفصة تركته على عمدٍ ولم أكتب عنه شيئًا، كأنَّه ضعَّفه» (العلل - رواية عبد الله ٣٩٢٧، ٤٥٦٣)، وقال ابن معين: «ليس به بأس» (ضعفاء العقيلي ٣/ ٥٤٩)، وقال في موضع آخر: «صالح»، وقال أبو زرعة: «ليس عندي بذلك» (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨/ ٨٥ - ٨٦)، وقال أبو داود: «صدوق»، وقال في موضع آخر: «ثقة» (تهذيب التهذيب: ٩/ ٤٣٥)، وقال الحافظ: «صدوق له أوهام» (التقريب ٦٢٨٢).
وأما محمد بن مرداس الأنصاري؛ فذكره ابن حبان في (الثقات ٩/ ١٠٧)، وقال: «مستقيم الحديث». وهو المعتمد.
أما قول أبي حاتم عنه أنه: «مجهول» (الجرح والتعديل ٨/ ٩٧)، (العلل ٢٦١٨)، وقول الحافظ في (التقريب ٦٢٧٨): «مقبول». فغير مقبول، فقد
[ ٣ / ٧٣ ]
روى عنه جماعة من الأئمة: منهم البخاري - خارج الصحيح -، والبزار، وابن أبي عاصم، والروياني، وعبدان الأهوازي، وغيرهم كثير. فهذا وحده كافٍ في رفع الجهالة عنه، فكيف إذا انضم إلى ذلك قول ابن حبان فيه: «مستقيم الحديث»، الدال على سبره لمروياته، وهذا من توثيق ابن حبان المقبول الذي لا مغمز فيه، كما يقول العلامة المعلمي اليماني (^١).
ولذا تعقب الذهبي في (الميزان ٤/ ٣٢) أبا حاتم في قوله عنه أنه: (مجهول)، فقال: «كذا قال أبو حاتم!، وهذا الرجل بصري شهير. روى أيضًا عن جارية بن هرم، وغندر، وبشر بن مفضل، وعدة. وعنه البخاري خارج الصحيح، والبزار، وعبدان، ومحمد بن هارون الرويانى، وعمر البجيرى، وذكره ابن حبان في (الثقات) فأصاب».
وقال الحافظ في (تهذيبه ٩/ ٤٣٤): «ذكر صاحب الميزان أنه روى عن خارجة بن مصعب خبرًا باطلًا، وعندى أن الآفة فيه من شيخه».
قلنا: وهو كما قال الحافظ، فخارجة هذا متروك، وكذَّبه ابن معين. انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب ٣/ ٧٨).
وأما الحسين بن عبد الله الخرقي؛ فقال ابن أبي يعلى: «صَحِبَ جماعةً
_________________
(١) انظر: (التنكيل ١/ ٥٥، ٢/ ٥٢٦) بل قال (٢/ ٦٦٩): «إن تصريح ابن حبان بتوثيق الراوي كأن يقول: «كان متقنًا»، أو «مستقيم الحديث»، لا يقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعله أثبت من توثيق كثير منهم». اهـ. بتصرف يسير. وأثنى على قوله هذا الشيخ الألباني في تعليقه على التنكيل، فقال: «هذا تفصيل دقيق، يدل على معرفة المؤلف رحمه الله تعالى، وتمكنه من علم الجرح والتعديل، وهو مما لم أره لغيره، فجزاه الله خيرًا».
[ ٣ / ٧٤ ]
من أصحاب أحمد منهم حرب وأكثر من صحبة المروذي وكان يُدْعَى خليفة المروذي وذكره ابن مهدي في تاريخه فقال: كان رجلًا صالحًا من أصحاب أبي بكر المروذي وكتب الناس عنه» (طبقات الحنابلة ٢/ ٤٥ - ٤٦). وانظر: (إرشاد القاصي والداني ٤١٠).
وعمارة بن أبي حفصة - وإن كان ثقة من رجال البخاري -، لا يُعرف له رواية عن الزُّهري في غير هذا الحديث.
وقد خولف في إسناده ومتنه؛
فأما الإسناد: فقد رواه الثقات من أصحاب الزُّهري (عنه عن عبيد بن السباق عن ابن عباس)، كما تقدَّم.
وخالفهم عمارة - وسلك الجادة -؛ فجعله (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة)، بدلًا من عبيد بن السباق.
ولا شك أن رواية الجماعة أصح، لا سيّما وليست هي طريق الجادة، ولذا قال الدارقطني: «رواه عمارة بن أبي حفصة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. والصحيح عن عبيد بن السباق» (العلل ٤٠١٢).
وقد أشار إلى ذلك الطبراني أيضًا، فقال: «هكذا رواه عمارة بن أبي حفصة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، ورواه أصحاب الزُّهري؛ منهم: يونس بن يزيد، وسفيان بن عيينة، وغيرهما، عن الزُّهري، عن عبيد بن السباق، عن ابن عباس، عن ميمونة» (المعجم الأوسط). وبنحوه في (الصغير).
وأما المتن: فقد تفرَّد بذكر الغسل لمكان الكلب، والمحفوظ فيه:
[ ٣ / ٧٥ ]
النضح؛ هكذا رواه أصحاب الزُّهري؛ كيونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهما، كما تقدَّم عند مسلم وغيره.
قلنا: وقد وقفنا له على متابعتين، الأولى على إسناده ومتنه، والثانية على سنده فقط:
أما الأولى: فأخرجها أبو يعلى في (المسند) قال: حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا محمد بن أبي الفرات وهو ابن دينار الطاحي، عن محمد بن أبي حفصة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، به.
ولكن هذا سند ضعيف؛ فيه محمد بن دينار الطاحي وهو: «صدوق سيء الحفظ» كما في (التقريب ٥٨٧٠).
ومحمد بن أبي حفصة: فيه لين، كما تقدم.
بل وفي صحة ذكره هنا نظر، وذلك لأمرين:
الأول: أن المعروف بذكر (الغسل) في متنه، و(عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) في سنده - هو عمارة بن أبي حفصة، كما تقدم عن الدارقطني، والطبراني.
الثاني: أن المحفوظ عن محمد بن أبي حفصة، كرواية الجماعة (عن الزُّهري عن عبيد بن السباق)، كذا أخرجه أحمد (٢٦٨٠٠) عن روح بن عبادة، عن محمد بن أبي حفصة به، وقد تقدم.
فنخشى أن يكون (محمد بن أبي حفصة) محرَّفًا من (عمارة بن أبي حفصة)، والله أعلم.
[ ٣ / ٧٦ ]
وأما المتابعة الثانية على سنده فقط:
فأخرجها ابن خزيمة (٣٢١) قال: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، أن سلامة بن روح حدَّثهم، عن عقيل، قال: أخبرني محمد بن مسلم، أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته .. الحديث وفيه: «ثُمَّ نَضَحَ مَكَانَهُ بِالْمَاءِ بِيَدِهِ».
قلنا: وهذه متابعة لا يُفرح بها؛ فإسنادها ضعيف جدًّا؛ ففيه محمد بن عزيز الأيلي، قال عنه الحافظ: «فيه ضعف، وقد تكلموا فى صحة سماعه من عمه سلامة» (التقريب ٦١٣٩).
وسلامة بن روح، وإن قوَّاه بعضهم، فقد تكلم فيه أبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهما، حتى قال النسائي: «ضعيف ليس بثقة». وقد تكلم في سماعه من عقيل أيضًا، وذكروا له مناكير عن عقيل. وقد تقدمت ترجمته موسعة أثناء الكلام على حديث عامر بن ربيعة في باب «حكم الماء المستعمل». فانظرها هناك.
قلنا: وهذا ينبغي أن يعد أيضًا من مناكيره؛ لمخالفته المحفوظ عن الزُّهري (عن عبيد بن السباق) لا (عن ابن عتبة). والله أعلم.
[ ٣ / ٧٧ ]
رِوَايةُ: «جَرْوَ كَلْبٍ لِلْحُسَيْنِ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: « فَاتهَمَ جَرْوَ كَلْبٍ كَانَتْ تَحتَ نَضَدٍ لَهُمْ لِلْحُسَيْنِ، ».
[الحكم]: ضعيف بذكر الحسين.
[التخريج]: [عل ٧١١٢].
[السند]:
قال أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا سليمان بن كثير، حدثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن ابن عباس، عن ميمونة، به.
زهير هو أبو خيثمة ابن حرب، وسعيد بن سليمان هو الضبي الحافظ المعروف بـ سعدويه.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات، عدا سليمان بن كثير العبدي؛ فهو وإن كان حسن الحديث إلَّا أنَّ روايته عن الزُّهري فيها ضعف. قال الحافظ: «لا بأس به في غير الزُّهري» (التقريب ٢٦٠٢).
وقد تفرَّد هنا بذكر الحسين، خلافًا لرواية الثقات من أصحاب الزُّهري كيونس، وشعيب وغيرهما، فلم يذكروه.
بل وروي عن سليمان أيضًا كرواية الجماعة بدون ذكر الحسين، كما عند ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٣١٠٢)، والطحاوي في (المشكل ٨٨٣)، وغيرهما: من طرقٍ عن أبي الوليد الطيالسي، عن سليمان بن كثير،
[ ٣ / ٧٨ ]
به.
وقد جاء هذا اللفظ في أحاديث أخرى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة، وسيأتي الكلام عليها في أبوابها - إن شاء الله تعالى -.
رِوَايةٌ مَقْلُوبَةٌ:
• وَفِي رِوَايةٍ: « حَتَّى إِنَّهُ لَيَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الحَائِطِ الكَبِيرِ، وَيَترُكُ كَلْبَ الحَائِطِ الصَّغِيرِ».
[الحكم]: منكر، والمحفوظ: « حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ».
[التخريج]: [(طب ٢٣/ ٤٣١/ ١٠٤٧)].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا هارون بن كامل المصري، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد بن السباق، أن ابن عباس، قال: أخبرتني ميمونة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف. قال الحافظ: «صدوق كثير الغلط، ثبت فى كتابه، وكانت فيه غفلة» (التقريب ٣٣٨٨).
[ ٣ / ٧٩ ]
قلنا: وبسبب غفلته، قلب متن الحديث؛ فجعل الأمر بالقتل لكلب الحائط الكبير وترك كلب الحائط الصغير، والصحيح العكس، كما تقدَّم.
وفي السند أيضًا: هارون بن كامل بن يزيد الفهري المصري، وهو مجهول؛ فقد ترجم له الذهبي في (تاريخ الإسلام ٦/ ٨٤٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الألباني: «لم أجد له ترجمة» (السلسلة الصحيحة ٤/ ١٨٦).
رِوَايةٌ بِقَتْلِ الكَلْبِ الصَّغِيرِ:
• وَفِي رِوَايةٍ عَنْ مَيْمُونَةَ: « حَتَّى إِنَّهُ لَيَأْمُرُ بقَتْلِ الكَلْبِ الصَّغِيرِ (فَإِنْ كَانَ لَيُكَلَّمُ في الكَلْبِ الصَّغِيرِ فَمَا يَأْذَنُ فِيهِ»).
[الحكم]: شاذٌّ بهذا اللفظ، والصواب أن الأمر بقتل كلب الحائط الصغير، لا الكلب الصغير، وقد أشار لذلك الألباني.
[التخريج]: [ن ٤٣١٤ «واللفظ له» / كن ٤٩٨٠/ مشكل ٨٨٣ «والرواية له»].
[التحقيق]:
له طريقان عن الزُّهري بهذا اللفظ:
الأول:
أخرجه النسائي، قال: أخبرنا كثير بن عبيد، قال: حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزُّهري، قال: أخبرني ابن السباق، قال:
[ ٣ / ٨٠ ]
أخبرتني ميمونة، به.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، عدا كثير بن عبيد وهو ابن نمير المذحجي، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه، وهو «ثقة» كما في (التقريب ٥٦١٨).
إلَّا أنَّ الزبيدي قد خولف في إسناده ومتنه:
فأما مخالفة الإسناد؛ فرواه الزبيدي عن الزُّهري بإسقاط ابن عباس، بين عبيد بن السباق وبين ميمونة.
وقد رواه الجماعة - يونس، وشعيب، وابن أخي الزُّهري، وسفيان بن عُيَينَة، وسليمان بن كثير، ومحمد بن أبي حفصة - عن الزُّهري بإثباته، كما تقدَّم.
وقد ذكر الدارقطني في (العلل ٤٠١٢) أن الزبيدي أيضًا رواه بإثبات ابن عباس، كرواية الجماعة.
فيحتمل أن يكون وقع سقط في نسخ النسائي، أو وقع وهم ممن دون الزبيدي، والله أعلم.
وأما المخالفة في المتن؛ فقد جاء في هذه الرواية الأمر بقتل الكلب الصغير، وهذا خطأ؛ لأنَّ لفظة: «الصغير» صفة للحائط، وليس للكلب، وهذا هو المحفوظ كما عند مسلم وغيره، ولفظه: «حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ».
قال النووي: «وفرق بين الحائطين؛ لأنَّ الكبير تدعو الحاجة إلى حفظ جوانبه، ولا يتمكن الناظور من المحافظة على ذلك، بخلاف الصغير» (شرح النووي على مسلم ١٤/ ٨٤ - ٨٥).
[ ٣ / ٨١ ]
الطريق الثاني:
أخرجه الطحاوي في (المشكل ٨٨٣)، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي البصري أبو بكر، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا سليمان بن كثير، عن الزُّهري، عن عبيد بن السباق، عن ابن عباس، عن ميمونة، به، وفيه: « فَإِنْ كَانَ لَيُكَلَّمُ في الكَلْبِ الصَّغِيرِ فَمَا يَأْذَنُ فِيهِ».
وهذه رواية منكرة من حديث سليمان بن كثير - على ضَعْفِ روايته عن الزُّهري كما تقدَّم -، فقد تفرَّد بها شيخ الطحاوي: إبراهيم بن محمد بن إسحاق الصيرفي، وهو مجهول الحال؛ ترجم له أبو أحمد الحاكم في (الكنى ٢/ ١٩٩)، والعيني في (رجال معاني الآثار ١/ ١٨)، برواية جماعة عنه، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٨٨)، وهو معروف بالتساهل فلا يُعتبر.
وقد خولف فيه:
فرواه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٣١٠٢)، والعباس بن الفضل الأسفاطي - كما عند الطبراني في (المعجم الكبير ٢٣/ ٤٣١/ ١٠٤٨) -، كلاهما، عن أبي الوليد الطيالسي، عن سليمان بن كثير به، بلفظ: «وَكَانَ يُكَلَّمُ في كَلْبِ الحَائِطِ الصَّغِيرِ فَمَا يَأْذَنُ فيهِ».
وابن أبي عاصم ثقة حافظ معروف، وتابعه العباس بن الفضل الأسفاطي، وهو صدوق كما قال الدارقطني في (سؤالات الحاكم ١٤٣)، والذهبي في (تاريخ الإسلام ٦/ ٧٦١).
وكذا رواه سعيد بن سليمان الضبي الملقب بسعدويه - كما عند أبي يعلى (٧١١٢) -، عن سليمان بن كثير به، بلفظ: «حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُكَلَّمُ في كَلْبِ الحَائِطِ الصَّغِيرِ، فَمَا يَأْذَنُ فيهِ»
[ ٣ / ٨٢ ]
وسعدويه ثقة حافظ، من رجال الشيخين.
ومما تقدَّم يتبين أن الأمر بقتل الكلب الصغير خطأٌ، وأن المحفوظ هو الأمر بقتل كلب الحائط الصغير، وقد أشار إلى ذلك الألباني في (صحيح سنن النسائي ٣/ ١٥٥) حيث قال - معلقًا على رواية النسائي -: «صحيح بلفظ: «يَقْتُلُ كَلْبَ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ»»، وعزاه لمسلم.
[ ٣ / ٨٣ ]
٢٠٩ - حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: [كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب ﵁ يَقُولُ - وَهُوَ في المَسْجِدِ - بأَعْلَى صَوْتِهِ: «اجْتَنِبُوا اللَّغْوَ في المَسْجِدِ». قَالَ ابنُ عُمَرَ: «وَ] كُنْتُ أَبِيْتُ في المَسْجِدِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ».
[الحكم]: صحيح، علَّقه البخاري بصيغة الجزم، ووصله أبو داود وغيره بسند صحيح، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن حزم، والبغوي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن مفلح، وعلي القاري، والألباني.
[الفوائد]:
قال الخطابي: «قوله «كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ» يتأول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، وتقبل وتدبر في المسجد عابرة؛ إذ لا يجوز أن تترك الكلاب وانتياب المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه، وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على المسجد أبواب فتمنع من عبورها فيه» (معالم السنن ١/ ١١٧). وسبقه إلى هذا التأويل ابن خزيمة، وابن حبان - عقب الحديث -.
وقال البيهقي: «وقد أجمع المسلمون على نجاسة بولها ووجوب الرش على بول الآدمي فكيف الكلب؟ فكأنَّ ذلك كان قبل أمره بقتل الكلاب وغسل الإناء من ولوغه أو كأن علم مكان بولها يخفى عليهم، فمن علمه وجب عليه غسله» (السنن الكبرى عقب رقم ١١٦٨).
ونقل عن أبي بكر الإسماعيلي أنه قال في معنى الحديث: «إِنَّ المسجد لم يكن
[ ٣ / ٨٤ ]
يغلق عليه (^١)، وكانت تَتَردَّدُ فيه الكلاب وعساها كانت تبول، إلَّا أنَّ عِلمَ بولها فيه لم يكن عند النبي ﷺ وأصحابه ولا عند الراوي أيُّ موضع هو، ومن حيث أمر في بول الأعرابي بما أمر دل ذلك على أن بول ما سواه في حكم النجاسة واحد، وإن اختلف غلظ نجاستها».
وقال البيهقي معقبًا: «وقد روينا في حديث ميمونة (^٢) في قصة جرو الكلب، فأمر به النبي ﷺ فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح به مكانه».
وروينا عن أبي هريرة ﵁ في غسل الإناء من ولوغه بعدد، وإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب، وفي كل ذلك دلالة على نجاسته» (السنن الكبرى عقب رقم ٤٣٠١). وبنحوه (عقب حديث ميمونة السابق برقم ٤٣٠٢) وزاد: « وعلى نسخ حديث عبد الله بن عمر في الكلب إن كان يخالفه، مع أنه يحتمل ما ذكره الإسماعيلي وغيره، فلا يكون مخالفًا له، والله أعلم». وانظر: (مختصر الخلافيات ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
وقال ابن حجر: «والأقرب أن يقال: إِنَّ ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحه، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، ويشير إلى ذلك ما زاده الإسماعيلي في روايته - من طريق ابن وهب - في هذا الحديث عن ابن عمر قال: كان عمر يقول بأعلى صوته: اجْتَنِبُوا اللَّغْوَ في المَسْجِدِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَقَدْ كُنْتُ أَبِيْتُ في المَسْجِدِ إلخ، فأشار إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المسجد حتى من لغو الكلام، وبهذا يندفع الاستدلال به على طهارة
_________________
(١) في المطبوع: (عليها) والصواب ما أثبتناه لموافقته للسياق.
(٢) وقد تقدم تخريجه.
[ ٣ / ٨٥ ]
الكلب» (فتح الباري ١/ ٢٧٩).
واستدل به أبو داود وغيره على أن الأرض تطهر بالجفاف؛ فبوب عليه: «باب في طهور الأرض إذا يبست». والله أعلم.
[التخريج]:
[خ ١٧٤ «معلقًا» / د ٣٨١ «واللفظ له» / حم ٥٣٨٩/ خز ٣٢٢/ حب ١٦٥٢/ بغ ٢٩٢/ معيل (قاري ٣/ ٤٤)، (الفتح ١/ ٢٧٩) / مستخ (غلق ٢/ ١٠٩) / هق ١١٦٨، ٤٣٠٠، ٤٣٠١ «والزيادة الأولى له ولغيره» / تمهيد (١٣/ ١١٠ - ١١١) / فحم (زوائد القطيعي ٥٧٢) «مقتصرًا على قول عمر»].
[السند]:
علَّقه البخاري بصيغة الجزم قائلًا: قال أحمد بن شبيب حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه به مقتصرًا على ذكر الكلاب.
ووصله أبو داود - ومن طريقه ابن عبد البر، والبغوي -، فرواه: عن أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، به.
ورواه الإسماعيلي - ومن طريقه البيهقي -: عن أبي يعلى الموصلي حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب، به. وذكرا قول عمر.
[التحقيق]:
هذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات.
وأحمد بن شبيب هذا من شيوخ البخاري، روى له في الصحيح ما يقرب من عشرة أحاديث، ولعل البخاري ذكره هنا بصيغة التعليق لتفرد يونس بن
[ ٣ / ٨٦ ]
يزيد به، دون الثقات الحفاظ من أصحاب الزُّهري، ولكن هذا لا يضر؛ فيونس من كبار أصحاب الزُّهري الذين يقبل تفردهم عنه.
ولذا صحَّحه الخطابي كما في (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ١/ ٧٩)، وابن حزم في (المحلى ١/ ١٧٠ - ١٧١)، والبغوي في (شرح السنة ٢/ ٨٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى ٢١/ ٤٨٠، ٥١٠)، وابن القيم في (إغاثة اللهفان ١/ ١٤٩)، وعلي القاري في (مرقاة المفاتيح ٢/ ٤٦١)، والألباني في (صحيح سنن أبي داود ٢/ ٢٣٣).
وقال ابن مفلح: «رواه أحمد وأبو داود بإسناد على شرط البخاري» (المبدع ١/ ٢٠٨).
[تنبيهان]:
الأول: ورد ذكر البول عند البخاري وأبي داود، وابن خزيمة، وابن حبان، وبقية المصادر عدا أحمد، وقد ذكر البيهقي وابن حجر أن كلمة «تبول» لم ترد في بعض نسخ البخاري، وقد رواه البيهقي موصولًا من طريقين، عن أحمد بن شبيب شيخ البخاري، وفيه ذكر البول.
الثاني: رواه البخاري وغيره من طريق نافع عن ابن عمر، مقتصرًا على ذكر النوم في المسجد، وسيأتي تخريج هذه الرواية في موسوعة الصلاة، كتاب المساجد، باب: «النوم في المسجد».
[ ٣ / ٨٧ ]
رواية: «وَأَحْتَلِمُ»:
• وَفِي رِوَايةٍ: «كُنْتُ شَابًا أَعزَبَ أَبِيْتُ فِي المَسْجِدِ وَأَحْتَلِمُ، فَتُقْبِلُ الكِلَابُ فِيهِ وَتُدبرُ لَا يُنْضَحُ، ولا يُرَشُ».
[الحكم]: إسناده ضعيف بهذا اللفظ، واستغربه أبو نعيم.
[التخريج]: [حل (٨/ ٢٨٩)].
[السند]:
قال أبو نعيم: حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم، ثنا علي بن الحسين بن الجنيد، ثنا محمد بن عمار الموصلي، ثنا المعافى بن عمران، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه، به.
[التحقيق]:
قال أبو نعيم: «غريب من حديث الزُّهري بلفظ «النضح والرش» لا أعلم رواه عنه إلَّا صالح».
قلنا: وصالح هو ابن أبي الأخضر، قال عنه الحافظ: «ضعيف يُعتبر به» (التقريب ٢٨٤٤)، وقد أخطأ في سنده أيضًا، فجعله عن الزُّهري عن سالم عن أبيه، وكذا أخرجه أحمد في (المسند ٥٣٨٩) من طريق صالح، ولكن بلفظ الرواية السابقة.
والصواب: ما رواه يونس، عن الزُّهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه كما سبق.
[ ٣ / ٨٨ ]