٢٤٤ - حَدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ بِذِكْرِ سَلَى الجَزُورِ:
◼ عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ [وَقَد نُحِرَتْ جَزُورٌ [بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ] ٢ بِالأَمْسِ] ١، إِذْ قَالَ بَعْضُهُم لبَعْضٍ: أَيُّكُم يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ [فَقَالَ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ: أَنَا] ٣؛ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَومِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ، حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيهِ، وَأَنَا [قَائمٌ] ٤ أَنظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَو كَانَ لِي مَنَعَةٌ [طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ] ٥، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ (يَمِيلُ) ١ بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لا يَرفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى [انْطَلَقَ إِنْسَانٌ، فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فـ] ٦ جَاءَتهُ فَاطِمَةُ [وَهيَ جُوَيريَةٌ] ٧ فَطَرَحَتْ [ـهُ] ٨ عَنْ ظَهْرِهِ [ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِم تَشْتُمُهُم] ٩، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ، [فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ، رَفَعَ صَوتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِم، وَكَانَ إِذَا دَعَا، دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ، سَأَلَ ثَلَاثًا] ١٠ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيشٍ».
ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِم إذْ دَعَا عَلَيْهِم (فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنهُمُ الضَّحِكُ، وَخَافُوا دَعوَتَهُ) ٢، قَالَ: وَكَانُوا يَرَونَ أَنَّ الدَّعْوَةَ في ذَلكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى [قَالَ] ١١: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بأَبِي جَهْلِ [بنِ هِشَامٍ] ١٢، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بنِ رَبِيْعَةَ، وَشَيبَةَ بنِ
[ ٣ / ٢١٥ ]
رَبِيْعَةَ، وَالوَلِيدِ بنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ» - وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَم يَحفَظْ -، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، صَرْعَى (قُتِلُوا) ٣ [يَومَ بَدْرٍ] ١٣ [ثُمَّ سُحِبُوا] ١٤ [فَأُلقُوا] ١٥ في القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ [غَيرَ أَنَّ أُمَيَّةَ [كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَلَمَّا جَرُّوهُ] ١٧ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، فَلَم يُلْقَ فِي البِئْرِ] ١٦.
[الحكم]: متفق عليه (خ، م).
[الفوائد]:
الحديث رواه البخاري في كتاب الوضوء تحت باب: «إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة، لم تفسد عليه صلاته»، وفي الصلاة تحت باب: «المرأة تطرح عن المصلي، شيئًا من الأذى».
وذكره ابن خزيمة في باب: «ذكر الدليل على أن المصلي إذا أصاب ثوبه نجاسة وهو في الصلاة لا يعلم بها لم تفسد صلاته».
وذكره الطحاوي في باب: «بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﷺ في أرواث الأنعام المأكولة لحومها أنها لا تنجس ما تصيبه من الثياب، وأن الصلاة في الثياب التي أصابتها جائزة».
[التخريج]:
[خ ٢٤٠ واللفظ له، ٢٩٣٤ والزيادة الثانية له ولغيره، ٣١٨٥ والرواية الثالثة، والزيادة الثانية عشر، والثالثة عشر، والخامسة عشر، والسابعة عشر، له ولغيره، ٣٨٥٤ وعنده نحو الزيادة السادسة عشر/ م ١٧٩٤ والرواية الأولى والثانية وسائر الزيادات له عدا الثالثة، وعنده نحو السادسة عشر/ كن ٨٩٢٣، ٨٩٢٤/ حم ٣٧٢٢، ٣٩٦٢ والزيادة
[ ٣ / ٢١٦ ]
الثالثة له ولغيره/ خز ٨٥١/ حب ٦٦١١ وسياقة الزيادة السادسة عشر له/ عه ٧٢١٢ - ٧٢١٥/ بز ١٨٥٢، ١٨٥٤/ عل ٥٣١٢/ طي ٣٢٣/ ش ٣٧٧١٨/ مش ٢٩٨/ مشكل ٣٩٥١ - ٣٩٥٣/ هقل (٢/ ٢٧٨ - ٢٨٠) / لك ١٤١٨، ١٤١٩/ غو (٢/ ٨٢٥، ٨٢٦) / نبق ٤٦/ منتظم (٢/ ٣٨٠) / مبهم (٤/ ٢٣٩، ٢٤٠) / إسحاق (صـ ٢١١)].
[السند]:
هذا الحديث مداره على أبي إسحاق السبيعي، رواه عنه غير واحد من أصحابه، فبهذه السياقة:
رواه البخاري (٢٤٠) قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، (ح) وحدثني أحمد بن عثمان، قال: حدثنا شريح بن مَسْلَمَةَ، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: حدثني عمرو بن ميمون، أن عبد الله بن مسعود حدَّثه به، دون الزيادات.
وهذه السياقة بطولها ليست لشعبة، فسياقته مختصرة عنها كما سيأتي، وإنما هي ليوسف، وهو ابن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي، قال ابن حجر: «وإنما قرنها برواية عبدان تقوية لها، لأنَّ في إبراهيم بن يوسف مقالًا» (الفتح ١/ ٣٤٩).
قلنا: وقد توبع يوسف على هذه السياقة المطولة:
فرواه مسلم (١٧٩٤)، والطحاوي في (المشكل ٣٩٥١)، والبيهقي في (الدلائل ٢/ ٢٧٩)، من طريق عبد الرحيم بن سليمان، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق به، نحوه، مع كثير من الزيادات، وصرَّح فيه
[ ٣ / ٢١٧ ]
بأن القائل: «أَيُّكُم يَقُومُ ..»، هو أبو جهل، وقال في حديثه: «وذكر السابع ولم أحفظه»، والذي لم يحفظه هو أبو إسحاق، وقد جاء مصرحًا به عند البخاري وغيره من رواية الثوري.
وقد تابعهما على هذه السياقة المطولة: إسرائيل، وسماعه من أبي إسحاق قديم كما سنذكره عقب الرواية الثانية، فإن في روايته بعض الزيادات التي اقتضت إفرادها بالتخريج.
وقد رواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق، ولكن اختصرا متنه بعض الشيء:
فأما حديث شعبة:
فرواه الطيالسي في (المسند ٣٢٣).
ورواه البخاري (٢٤٠، ٣١٨٥) عن عبدان بن عثمان، عن أبيه عثمان بن جبلة.
ورواه البخاري (٣٨٥٤)، وابن خزيمة (٨٥١) - وعنه ابن حبان (٦٥٧٠) - عن محمد بن بشار، ورواه مسلم (١٧٩٤) عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ورواه أحمد في (المسند ٣٧٢٢)، ثلاثتهم عن غندر.
ورواه أحمد في (المسند ٣٩٦٢) عن وهب بن جرير.
ورواه النسائي في (الكبرى ٨٩٢٣) من طريق خالد بن الحارث.
خمستهم، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قال: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيشٍ مِنَ
[ ٣ / ٢١٨ ]
المُشْركِينَ؛ إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ ..» الحديث مختصرًا، ليس فيه قول ابن مسعود: «لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ»، وليس فيه ضحكهم وتمايلهم، ولا ذكر السؤال والدعاء ثلاثًا، ووقع فيه: «وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ»، وفيه أيضًا: «فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ غَيْرَ أُمَيَّةَ، أَوْ أُبَيٍّ»، والشك من شعبة كما صرَّح به عند البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم، خلافًا لما جاء عند أبي عوانة (٦٧٧٣) من طريق الطيالسي، أن الشك من ابن مسعود! وهو خطأ غريب، فالحديث في مسند الطيالسي فيه التصريح بأن الشاك هو شعبة.
وزاد الطيالسي في روايته: «وَثَمَّ سَلَى بَعِيرٍ، فَقَالُوا: مَنْ يَأْخُذُ سَلَى هَذَا الْجَزُورِ - أَوِ الْبَعِيرِ - فَيَقْذِفُهُ علَى ظَهْرِ النَّبِيِّ؟ فَجَاءَ عُقْبَةُ بنُ أَبي مُعَيطٍ فَقَذَفَهُ ..» الحديث.
وفي رواية وهب: «مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا عَلَى قُرَيْشٍ غَيْرَ يَومٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي، وَرَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ، وَسَلَى جَزُورٍ قَريْبٌ مِنْهُ، فَقَالُوا: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّلَى، فَيُلْقِيَهُ عَلَى ظَهْرِهِ؟ قَالَ: فَقَالَ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ: أَنَا، فَأَخَذَهُ فَأَلقَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ»، الحديث.
وفي رواية خالد: «بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ وَالمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَسَلَى جَزُورٍ مَطْرُوحَةٌ فَقَالُوا: «أَيُّكُم يَذْهَبُ بهَذَا؟» قَالَ: فَهَابُوا ذَلكَ، فَأَخَذَهُ عُقبَةُ فَطَرَحَهُ ..»، الحديث.
ورواه بنحو حديث شعبة: زيد بن أبي أنيسة، خرَّجه البزار في (المسند ١٨٥٤) من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي، عنه به، وزاد فيه: «فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللهَ ﷺ رَأْسَهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ المَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ»، ثُمَّ قَصَّ القِصَّةَ.
[ ٣ / ٢١٩ ]
قال البزار: «ولا نعلم أحدًا زاد في هذا الحديث أنه قال: «أَمَّا بَعْدُ» إلا زيد بن أبي أنيسة».
وأما حديث الثوري:
فرواه البخاري (٢٩٣٤)، ومسلم (١٧٩٤)، عن أبي بكر ابن أبي شيبة، وهو في (مصنفه ٣٧٧١٨) عن جعفر بن عون، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَنَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَنُحِرَتْ جَزُورٌ فِي نَاحِيَةِ مَكَّةَ، قَالَ: فَأَرْسَلُوا، فَجَاؤُوا مِنْ سَلاهَا، فَطَرَحُوهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ، حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ ..» الحديث مختصرًا، وفيه: «قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ».
ورواه أبو عوانة (٧٢١٢)، والنسائي في (الكبرى ٨٩٢٤)، وأبو يعلى (٥٣١٢)، وغيرهم من طرق، عن جعفر بن عون، عن سفيان الثوري، به.
وتوبع عليه جعفر: فرواه ابن أبي شيبة في (المسند ٢٩٨) عن أبي الأحوص، ورواه أبو عوانة (٧٢١٥) من طريق زيد بن حباب، كلاهما، عن الثوري، بنحوه.
وقد رواه يونس بن بكير في (السير لابن إسحاق/ ص ٢١١) عن يونس بن عمرو، عن أبيه أبي إسحاق السبيعي، به، نحو رواية زكريا، وسمى السابع: «عمارة بن الوليد».
وكذا سمَّاه إسرائيل في روايته عن أبي إسحاق مطولًا بنحو رواية يوسف وزكريا، وصرَّح فيه بأن الملقى فرث الناقة ودمها وسلاها كما تراه في الرواية التالية:
[ ٣ / ٢٢٠ ]
رِوَايَةُ: فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِم، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُم: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا المُرَائِي، أَيُّكُم يَقُومُ إلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا، فَيَجِيءُ به، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيهِ، فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُم، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًّا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُم إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلقٌ إِلَى فَاطِمَةَ ﵍ - وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ -، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًّا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِم تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ» ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بعَمْرِو بنِ هشَام، وَعُتْبَةَ بنِ رَبيعَةَ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبيعَةَ، وَالوَلِيدِ بنِ عُتبَةَ، وَأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَعُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بنِ الوَلِيدِ» قَالَ عَبدُ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُم صَرْعَى يَومَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إلَى القَلِيْبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ القَلِيبِ لَعْنَةً».
[الحكم]: صحيح (خ).
[التخريج]:
[خ ٥٢٠ «واللفظ له» / حم ٣٧٢٣ مختصرًا/ عه ٧٢١٧ - ٧٢١٨/ منذ ٢٣٨٧/ شا ٦٧٥/ طيو ٩٥٥/ هق ١٧٧٨٨/ هقل (٣/ ٨٢، ٨٣) / غو (٢/ ٨٢٦) / بغ ٣٧٤٥/ نبغ ٢٩].
[ ٣ / ٢٢١ ]
[السند]:
رواه البخاري (٥٢٠) عن أحمد بن إسحاق السورماري (^١)، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، به.
وتوبع عليه السرماري شيخ البخاري:
فرواه الشاشي (٦٧٥) عن العباس الدوري، ورواه البيهقي في (الكبرى ١٧٧٨٨)، و(الدلائل ٣/ ٨٢) من طريق أحمد بن حازم بن أبي غرزة، كلاهما، عن عبيد الله بن موسى، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق السبيعي، به.
وتوبع عليه عبيد الله بن موسى:
فرواه أحمد (٣٧٢٣) عن خلف، وهو ابن الوليد الجوهري.
ورواه ابن المنذر (٢٣٩٧)، وأبو عوانة (٦٧٧٦) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، كلاهما، عن إسرائيل بن يونس، قال: ثنا أبو إسحاق، به، غير أن أحمد لم يسق متنه وأحال على رواية شعبة قائلًا: «فذكر الحديث، إلَّا أنه قال: «عمرو بن هشام، وأمية بن خلف، وزاد: وعمارة بن الوليد».
وقد رواه أبو عوانة (٦٧٧٥) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثني أبي وغيره، عن أبي إسحاق، فساقه بسنده ومتنه نحو رواية
_________________
(١) - في حاشية السلطانية: «السرماري»، وهذا هو المعروف في كتب التراجم، فهو من أهل سرمارى.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
إسرائيل.
وهذا الغير المبهم في السند هو إسرائيل، بدليل قول يحيى أثناء سياقته للمتن: «وسمَّى إسرائيل السابع: وعمارة بن الوليد»، فقد ساقه يحيى بلفظ إسرائيل، لا بلفظ أبيه زكريا، وقد سبقت سياقة زكريا عند مسلم وغيره، وليس فيها ذكر الدم والفرث، وغيره مما اختصت به رواية إسرائيل.
وإسرائيل ممن سمع من أبي إسحاق قبل اختلاطه كما ذهب إليه أبو حاتم، وأبو زرعة في (علل ابن أبي حاتم ١/ ٥٣٥، ٢/ ١٥٤)، والترمذي في (السنن/ عقب الحديث رقم ١٦) وفي (العلل الكبير ١/ ١٥٥)، بل قدَّم ابنُ مهدي إسرائيلَ في حديث أبي إسحاق على شعبة وسفيان، ورُوِيَ عن شعبة أنه كان يقول في أحاديث أبي إسحاق: «سلوا عنها إسرائيل، فإنه أثبت فيها مني» (شرح العلل لابن رجب صـ ٥٢٢، ٥٢٣).
فأما أحمد وابن معين، فذهبا إلى أن سماع إسرائيل من أبي إسحاق إنما هو بأخرة، والأول هو الصواب، وقد اعتمده الشيخان، فأخرجا في صحيحيهما لإسرائيل عن أبي إسحاق، ويؤيد ذلك ما رواه أبو زرعة الدمشقي عن عبيد الله بن عمرو قال: جئت محمد بن سوقة معي شفيعًا عند أبي إسحاق، فقلت لإسرائيل: استأذن لنا الشيخ. فقال لنا: صلى بنا الشيخ البارحة فاختلط، قال: فدخلنا عليه، فسلمنا وخرجنا» (تاريخ أبي زرعة ١/ ٤٦٩).
وقد توبع إسرائيل على ذكر الدم والفرث في هذا الحديث كما في الرواية التالية:
[ ٣ / ٢٢٣ ]
رِوَايةُ: الفَرْث بِدَمِهِ:
• وَفِي رِوَايةٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَمَلأٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَقَدْ نَحَرُوا جَزُورًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ [-أَظُنُّهُ أَبُو جَهْلٍ-]: أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذَا الفَرْثَ بِدَمِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى يَضَعَ وَجْهَهُ سَاجِدًا فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، قَالَ عَبدُ اللهِ: فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَأَخَذَ الفَرْثَ فَذَهَبَ بِهِ، ثُمَّ أَمْهَلَهُ حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأُخْبِرَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهِيَ جَارِيَةٌ فَجَاءَتْ تَسْعَى فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: «اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ - ثَلاثَ مِرَارٍ -، اللهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بنِ هِشَامٍ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ»، حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ عَبدُ اللهِ: فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ فِي قَلِيبٍ وَاحِدٍ.
[الحكم]: صحيح، وأصله متفق عليه، فقد سبق في الصحيحين بسياقة أخرى.
[التخريج]: [ن ٣١٢ / كن ٣٦٥ «واللفظ له» / بز ١٨٦٠ «والزيادة له» / مشكل ٣٩٥٠].
[السند]:
رواه البزار (١٨٦٠)، والنسائي في (الصغرى ٣١٢)، و(الكبرى ٣٦٥) - وعنه الطحاوي في (المشكل ٣٩٥٠) -: عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد القطواني، عن علي بن صالح بن حي، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله في بيت المال، به.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
[التحقيق]:
هذا إسناد حسن؛ رجاله كلهم ثقات، سوى خالد بن مخلد القطواني، فأثنى عليه جماعة وتكلم فيه آخرون، والظاهر أن علي بن صالح سمع من أبي إسحاق قبل اختلاطه، فإنه في طبقة الثوري وشعبة، ومات قبلهما، وعلى كلٍّ، فهو متابع كما سبق.
وخفيت هذه المتابعة على الطحاوي، فقال: «حديث ابن مسعود ذلك إنما رواه علي بن صالح، عن أبي إسحاق، وقد خالفه زكريا بن أبي زائدة وشعبة بن الحجاج فرويَاه عن أبي إسحاق بخلاف ذلك».
ثم ساقه من طريق زكريا وشعبة مقتصرًا على ذكر السَّلَى كما سبق، ثم قال: «فكان في حديثي زكريا وشعبة أن الذي جعله ذلك الشقي على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي كان سَلَى ناقة منحورة، وهو الذي يكون فيه ما [هي] حامل به مما لا دم فيه ولا فرث، ومما هو كسائر لحمها .. وإذا كان هذا الاختلاف في هذا الحديث كما ذكرنا، فإن ما رواه اثنان عليه أولى بالصحة مما رواه واحد عليه، وإن كان رواته جميعًا عدولًا أئمةً حفاظًا أثباتًا، وإن جعلت الروايتان متكافئتان، لم تكن واحدة منهما أولى من الأخرى، وكانتا لما تضادتا ارتفعتا، وصار ما فيه هذا الاختلاف من الأرواث من الأشياء المأكولة لحومها كما لا حديث فيه» (المشكل ١٠/ ١٠٣ - ١٠٨ بتصرف).
وتبعه ابن حزم، فقال: «إن شعبة وسفيان وزكريا بن أبي زائدة، رووا كلُّهم هذا الخبر عن الذي رواه عنه علي بن صالح، وهو أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، فذكروا أن ذلك كان سلى جزور، وهم أوثق وأحفظ من علي بن صالح، وروايتهم زائدة على روايته» (المحلى ١/
[ ٣ / ٢٢٥ ]
١٧١، ١٧٢).
قلنا: فأما ذكر الدم والفرث، فلم ينفرد به علي بن صالح، وإنما تابعه عليه إسرائيل كما سبق عند البخاري وغيره، وأما الاختلاف بين روايتيهما ورواية شعبة ومن تابعه، فليس بحاجة إلى الترجيح، إذ ليس بينهما تضاد أصلًا، وكل ما هناك أن شعبة ومن تابعه اقتصروا على ذكر السلى، وزاد إسرائيل وعلي ذكر الفرث والدم، وهي زيادة من ثقتين، فوجب قبولها، لا سيما وأحدهما له اختصاص بأبي إسحاق رَاويه، قال ابن حجر: «سماع إسرائيل من أبي إسحاق في غاية الإتقان للزومه إِيَّاه؛ لأنه جدُّه وكان خصيصًا به؛ قال عبد الرحمن بن مهدي: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إِلَّا اتكالا على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم. وعن إسرائيل قال: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ سورة الحمد» (الفتح ١/ ٣٥١).
وانظر ما سطرناه تحت رواية إسرائيل.
وقد جاء ذكر الفرث من طريق آخر، عن أبي إسحاق كما في الرواية التالية:
[ ٣ / ٢٢٦ ]
رواية أُخْرَى فِيهَا ذِكْرُ الفَرْث:
• وَفِي رِوَايةٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ، وَأَبُو جَهْلِ بنِ هِشَامٍ، وَشَيْبَةُ وَعُتبَةُ (^١) ابنَا رَبِيعَةَ، وَعُقبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ، وَأُمَيةُ بنُ خَلَفٍ [قَالَ أَبُو إسْحَاقَ: وَرَجُلَانِ آخَرَانِ لَا أَحْفَظُ أَسمَاءَهُمَا كَانُوا سَبْعَةً وَهُمْ فِي الْحِجْرِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى، فَلَمَّا سَجَدَ أَطَالَ السُّجُودَ] ١ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُم يَأْتِي جَزُورَ بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْتِيَنَا بفَرْثِهَا، فَيُلْقِيَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ؟ فَانْطَلَقَ أَشْقَاهُمْ، وأَسْفَهُهُم عُقبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ، فَأَتَى بِهِ، فَأَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَيهِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لَم يَهْتَمَّ. قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: وَأَنَا قَائِمٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ، لَيسَ عِنْدِي عَشِيرَةٌ تَمنَعُنِي، [فَأَنَا أَرْهَبُ] ٢ إِذْ سَمِعَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بذَلِكَ، فَأَقبَلَتْ حَتَّى أَلقَتْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهَا، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ قُرَيْشًا تَسُبُّهُم، فَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيهَا شَيئًا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ يَرفَعُهُ عِنْدَ تَمَامِ سُجُودِهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعُقبَةَ، وَعُتبَةَ، وَأُمَيةَ بنِ خَلَفٍ، وَأَبي جَهْلِ بنِ هِشَامٍ، وَشَيْبَةَ».
وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَسْجِدِ، فَلَقِيَهُ أَبُو البَخْتَري، وَمَعَ أَبي البَخْتَري سَوْطٌ يَتَخَصرُ بِهِ (^٢)، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْكَرَ وَجْهَهُ، فَأَخَذَهُ فَقَالَ: تَعَالَ، مَا لَكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَلِّ عَنِّي» فَقَالَ: عَلمَ اللهُ لَا أُخَلِي عَنْكَ أَوْ تُخْبِرَنِي مَا
_________________
(١) - في مطبوعة الأوسط: «عقبة»، وهو تحريف، بدلالة ما ذكر بعد، وقد جاء على الصواب في بقية المراجع.
(٢) - في مطبوعة الأوسط: «بخنصريه»، وهو تحريف، وقد جاء على الصواب في بقية المراجع.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
شَأنُكَ، وَلَقَدْ أَصَابَكَ سُوءٌ. فَلَمَّا عَلمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهُ غَيرُ مُخَلٍّ عَنْهُ أَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبَا جَهْلٍ أَمَرَ فَطُرِحَ عَلَيَّ فَرْثٌ».
فَقَالَ أَبُو البَختَري: هَلُمَّ إِلَى المَسْجِدِ، فَأَبَى النَّبِيُّ ﷺ، فَأَخَذَهُ أَبُو البَخْتَري فَأَدْخَلَهُ المَسْجِدَ، ثُمَّ أَقبَلَ إِلَى أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا الحَكَمِ، أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَ بمُحَمَّدٍ، فَطُرحَ عَلَيهِ الفَرْثُ؟ فَقَالَ: نَعَم، فَرَفَعَ السَّوْطَ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهُ، فَثَارَتْ (^١) الرِّجَالُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَيحَكُم هِيَ لَهُ، إنمَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ أَنْ يُلْقِيَ بَيْنَنَا العَدَاوَةَ وَيَنْجُوَ هُوَ وَأَصحَابُهُ».
[الحكم]: صحيح المتن دون قصة أبي البختري، فإسناده ضعيف بهذه السياقة.
[فائدة]:
قال الحافظ أبو محمد النخشبي: «الرجلان اللذان لم يذكرهما ابن إسحاق ونسي اسميهما هما الوليد بن عتبة وعمارة بن الوليد، ذكرهما إسرائيل في حديثه» (الحنائيات ١/ ٤٠٥).
[التخريج]: [طس ٧٦٢ واللفظ له/ بز ١٨٥٣ والزيادتان له ولغيره/ نبص ٢٠٠/ حنائي ٦٠].
[السند]:
رواه الطبراني في (الأوسط ٧٦٢) قال: حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي،
_________________
(١) - في مطبوعة الأوسط: «فتأخرت»، وهو تحريف، وقد جاء على الصواب في بقية المراجع.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
قال: نا داود بن عمرو الضبي، قال: نا المثنى بن زرعة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني الأجلح بن عبد الله الكندي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الله بن مسعود، به.
ورواه البزار (١٨٥٣)، وأبو نعيم في (الدلائل ٢٠٠)، والحنائي في (الحنائيات ٦٠)، من طرق، عن داود بن عمرو، به.
[التحقيق]:
إسناده ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: الأجلح بن عبد الله الكندي، مختلف فيه، فضعَّفه جماعة منهم: أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، ووثقه ابن معين وغيره (تهذيب التهذيب ١/ ١٩٠)، وذكره الذهبي في (من تكلم فيه وهو موثق ١٣) وقال: «شيعي مشهور صدوق، وثقه ابن معين»، وذكره في (الديوان ٢٨٧) وقال: «صدوق، شيعي جلد»، وكذا قال ابن حجر: «صدوق شيعي» (التقريب ٢٨٥).
ولم يذكره أحد في قدماء أصحاب أبي إسحاق، وإن كان الظاهر أنه ممن تحمل عنه قديمًا قبل الاختلاط، فإنه من شيوخ الثوري وشعبة، وهما أقدم الناس في أبي إسحاق، ومع ذلك فتفرده من بين من رواه عن أبي إسحاق بزيادة قصة أبي البختري هذه، تفرَّد لا يحتمل، وأشار إلى ذلك البزار بقوله: «وهذا الحديث بهذا اللفظ لا نعلم رواه إلَّا الأجلح، وقد رواه إسرائيل، وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم، عن أبي إسحاق» اهـ، أي: بغير هذا اللفظ.
ولذا قال الهيثمي: «حديث ابن مسعود في الصحيح، وزيادة أبي البختري من ضرب أبي جهل وغير ذلك لم أرها» (كشف الأستار ٣/ ١٢٧).
[ ٣ / ٢٢٩ ]
وقال ابن حجر: «وأخرجها البزار من طريق أبي إسحاق، وأشار إلى تفرد الأجلح بها عن أبي إسحاق» (الفتح ١/ ٣٥٢).
الثانية: المثنى بن زرعة أبو راشد صاحب المغازي، ترجم له ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٨/ ٣٢٧)، وابن منده في (الكنى ٢٨٤٢)، والذهبي في (المقتنى ٢١٢٥) برواية داود عنه، ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
ولكنه توبع، تابعه زياد البكائي كما تراه في الرواية التالية، بينما قال الطبراني: «لم يروِ هذا الحديث عن الأجلح إلَّا محمد بن إسحاق، تفرَّد به: المثنى بن زرعة»! .
وبغض النظر عن متابعة زياد، فقد قال ابن حجر: «روى هذا الحديث ابن إسحاق في المغازي، قال: حدثني الأجلح عن أبي إسحاق، فذكر هذا الحديث وزاد في آخره قصة أبي البختري مع النبي ﷺ في سؤاله إيَّاه عن القصة وضرب أبي البختري أبا جهل وشجه إيَّاه، والقصة مشهورة في السيرة، وأخرجها البزار من طريق أبي إسحاق، وأشار إلى تفرد الأجلح بها عن أبي إسحاق» (الفتح ١/ ٣٥٢).
إذن، فعلته تفرد الأجلح فقط.
وقد قال الحافظ أبو محمد النخشبي - في تخريجه لفوائد الحنائي -: «هذا حديث صحيح من حديث أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي .. وهو غريب من حديث أبي بكر محمد بن إسحاق .. عن أبي حجية الأجلح بن حجية الكندي الكوفي» (الحنائيات ٦٠).
وقد رُوِيَ عن الأجلح بذكر الفرث والدم والسلى جميعًا كما في الرواية التالية:
[ ٣ / ٢٣٠ ]
رِوَايةٌ بِذِكْرِ الفَرْثِ والدَمِ والسَّلَى جَمِيعًا:
• وَفِي رَوِايةٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ يُصَلِّي، وَعُتْبَةُ بنُ رَبيعَةَ، وَشَيبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدُ بنُ عُتبَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَالنَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، وَعُقبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ جُلُوسٌ في الْحِجْرِ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَأْتِي بَنِي فُلَانَ، فَإِنَّهُم قَدْ نَحَرُوا وَأَجْزَرُوا، فَيَأْتِيَنَا بِسَلَاهَا وَدَمِهَا وَفَرْثِهَا فَيُلْقِيَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ؟ فَانْطَلَقَ أَسْفُهُهُم وَأَشْقَاهُم عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَتَاهُم بِهِ فَأَلْقَاهُ بَيْنَ كَتِفَيهِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لم يَتَجَلْجَلْ، وَأَنَا قَائِمٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَلَا أَمْنَعَهُ، لَيْسَتْ لِي عَشِيرَةٌ تمْنَعُنِي، فَأَنَا أَتَكَاءَبُ، إِذْ سَمعَتْ فَاطِمَةُ، فَأَقْبَلَتْ حَتَّى أَلقَتْ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ قُرَيْشًا فَشَتَمَتْهُم، فَلَمْ يُرْجِعُوا إلَيهَا شَيْئًا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ يَرفَعُهُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ» ثَلاثًا، «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَعُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَأَبِي جَهْلٍ، وَالوَلِيدِ، وَأُمَيَّةَ، وَالنَّضْرِ»، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَقِيَهُ أَبُو البَخْتَري، وَمَعَ أَبِي البَخْتَري سَوطٌ يَتَخَصَّرُ بِهِ ..»،
وساق القصة بنحوه، وزاد في آخره: «فَقُتِلُوا يَومَ بَدرٍ جَميعًا، فَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومَ بَدْرٍ: «مَنْ لَقِيَ أَبَا البَخْتَرِي بنَ هِشَامٍ فَلا يَقْتُلْهُ».
[الحكم]: منكر بذكر النضر وقصة أبي البختري، إسناده ضعيف، والمحفوظ فيه ذكر عمارة بن الوليد بدل النضر.
[التخريج]: [بكا (صـ ١١١)].
[ ٣ / ٢٣١ ]
[السند]:
رواه ابن قدامة في (الرقة والبكاء) من طريق عبد الله بن سعيد الأموي، عن زياد، عن ابن إسحاق، عن الأجلح، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الله بن مسعود، به.
[التحقيق]:
إسناده ضعيف بهذه السياقة، لتفرد الأجلح بها، وهو ممن لا يحتمل تفرده كما سبق.
وأيضًا فقد خالف هنا من هو أوثق منه، وهو إسرائيل، فقد عَدَّ إسرائيل في السبعة: عمارة بن الوليد، وجعله الأجلح هنا: النضر بن الحارث، والأول هو المحفوظ، وإن قال الحافظ ابن حجر: «استشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين؛ لأنه لم يقتل ببدر، بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته، فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبة له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر، وقصته مشهورة، والجواب أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب محمول على الأكثر، ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يطرح في القليب، وإنما قتل صبرًا بعد أن رحلوا عن بدر مرحلة، وأمية بن خلف لم يطرح في القليب كما هو بل مُقَطَّعًا» (الفتح ١/ ٣٥١).
فأما زياد فهو ابن عبد الله البكائي، قال ابن حجر: «صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لِين، ولم يثبت أن وكيعًا كذَّبه» (التقريب ٢٠٨٥).
وعبدالله بن سعيد الأموي، وثقه الدارقطني في (العلل ٥/ ٢٧٨،
[ ٣ / ٢٣٢ ]
٤٧٧)، والخطيب في (التاريخ ٥٠٥٣).
رِوَايةُ: فَرْثِهَا وَقَذَرِهَا:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَرُفقَةٌ مِنَ المُشْركينَ جُلُوسٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي وَقَدْ نُحِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ جَزُورٌ وَبَقِيَ فَرْثُهَا (^١) وَقَذَرُهَا، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا رَجُلٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا القَذَرِ فَيُلْقِيَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ؟ وَنَبيُّ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ (^٢)، إِذْ انبَعَثَ أشْقَاهَا، فأَلقَاهَا عَلَيهِ، فَقَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَرفَعَهُ عَنْهُ حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَرَفَعَتْهُ عَنْهُ، فَقَامَ، فَسَمِعْتُهُ وُهُوَ قَائِمٌ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي الحَكَمِ بنِ هِشَامٍ - وَهُوَ أَبُو جَهْلٍ -، وَعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَالوَليدِ بنِ عُتْبَةَ، وَعُقبَةَ (^٣) بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ»، وَرَجُلًا آخَرَ، قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: فَرَأَيْتُهُمْ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ صَرْعَى فِي الطُّوَى، طُوَى بَدرٍ يَعْنِي القَلِيبَ».
[الحكم]: إسناده ضعيف بهذه السياقة، وأصل القصة في الصحيحين دون قوله: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ» إلى قوله: «كَسِنِي يُوسُفَ»، فهذا إنما صحَّ في حديث آخر.
_________________
(١) - تحرفت في المطبوع إلى: «مرثها».
(٢) - في المطبوع: «ساجدا».
(٣) - تحرفت في المطبوع إلى: «عتبة».
[ ٣ / ٢٣٣ ]
[التخريج]: [متاع ٢٩].
[السند]:
رواه ابن حجر في (الإمتاع) من طريق خيثمة بن سليمان، أنا هلال بن العلاء، ثنا سعيد بن عبد الملك هو الحراني، أنا محمد بن سلمة، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن مسعود، به.
[التحقيق]:
إسناده ضعيف، فيه: سعيد بن عبد الملك الحراني، قال أبو حاتم: «يتكلمون فيه، يقال: إنه أخذ كتبًا لمحمد بن سلمة، فحدَّث بها، ورأيت فيما حدَّث (أحاديث) كذب» (الجرح والتعديل ٤/ ٤٥)، وقال الدارقطني: «ضعيف لا يحتجُّ به» (اللسان ٣٤٥٠، ٣/ ٣٧)، بينما ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٢٦٧)! .
وقد أخطأ في متن الحديث، فزاد فيه قوله: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، وهذا إنما دعا به النبي ﷺ وهو في المدينة، لما حبس المشركون جماعة من المسلمين بمكة، فكان ﷺ يقنت في الصلاة ويقول: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، رواه البخاري (١٠٠٦، ٤٥٦٠، ٦٣٩٣)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة.
وحديث ابن مسعود رواه البزار (١٨٥٤) من طريق عبيدالله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق به، نحو حديث شعبة،
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وليس فيه تلك الزيادة، وهو المحفوظ.
ومع ذلك قال ابن حجر عقب روايته من هذا الطريق: «هذا حديث صحيح؛ رواه البخاري، ومسلم، وابن خزيمة».
قلنا: وليس عند واحد منهم بهذه السياقة، وهذا يدل على أن الحافظ إنما يعني أصل القصة.
[تنبيهات]:
الأول: وقع في رواية الثوري عند البخاري: «وأبي بن خلف»، قال ابن حجر: «وهو وهم منه أو من شيخه .. إذ حدَّثه، فقد رواه شيخه أبو بكر في مسنده فقال: أمية، وكذا رواه مسلم عن أبي بكر، والإسماعيلي وأبو نعيم من طريق أبي بكر كذلك، وهو الصواب، وأطبق أصحاب المغازي على أن المقتول ببدر أمية، وعلى أن أخاه أبيا قتل بأحد» (الفتح ١/ ٣٥١).
قلنا: شيخه أبو بكر هو ابن أبي شيبة، والحديث في مصنفه وبقية المراجع على الصواب: «وأمية بن خلف».
الثاني: وقع في رواية زكريا عند مسلم: «والوليد بن عقبة»، قال النووي: «هكذا هو في جميع نسخ مسلم: والوليد بن عقبة بالقاف، واتفق العلماء على أنه غلط، وصوابه: والوليد بن عتبة بالتاء كما ذكره مسلم في رواية أبي بكر بن أبي شيبة بعد هذا، وقد ذكره البخاري في صحيحه وغيره من أئمة الحديث على الصواب وقد نبه عليه إبراهيم بن سفيان (^١) في آخر
_________________
(١) - هو أبو إسحاق النيسابوري راوي الصحيح.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
الحديث فقال: الوليد بن عقبة في هذا الحديث غلط، قال العلماء: والوليد بن عقبة بالقاف هو ابن أبي معيط، ولم يكن ذلك الوقت موجودا أو كان طفلًا صغيرًا جدًّا، فقد أتي به النبي ﷺ يوم الفتح وهو قد ناهز الاحتلام ليمسح على رأسه» (شرح النووي ١٢/ ١٥٢).
الثالث: لهذا الحديث رواية مختصرة، اقتصر فيها على دعائه ﷺ على النفر من قريش، وبيان قتلهم في بدر، خرجها البخاري (٣٩٦٠)، ومسلم (١٧٩٤)، وأحمد (٣٧٧٥)، وابن أبي شيبة في (المصنف ١٤/ ٣٦١)، وغيرهم، وستخرج في موضعها المناسب من الموسوعة - إن شاء الله -.
[ ٣ / ٢٣٦ ]