٢٨٢ - حَدِيثُ أُمِّ قَيْسٍ:
◼ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ ﵂، قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ فِي (يُصِيبُ) الثَّوْب؟ قَالَ: «حُكِّيهِ [وَلَو] بِضِلَعٍ وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
[الحكم]: صحيحٌ، وصحَّحَهُ: ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، وابنُ القطان، وابنُ الملقن، وابنُ حجرٍ، والشوكانيُّ، والألبانيُّ.
[اللغة]:
«قوله: «بِضِلَعٍ» -كذا جاء في كلِّ المصادر: بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام، وقد تُسَكَّنُ تخفيفًا - أي: بعود، والأصل فيه ضلع الحيوان فسُمِّيَ به العود الذي يشبهه» (النهاية في غريب الأثر ٣/ ٩٦)، وكذا فسَّرَه الأزهريُّ وغيرُهُ، وضبطَه ابنُ دَقيق، وابنُ سيد الناس: بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام، وفسراه بالحجر، وقال ابنُ دقيق عن الروايةِ بالمعجمةِ: «لعلَّه تصحيفٌ؛ لأنه لا معنى يقضي تخصيص بذلك الضلع» اهـ، وتَعَقَّبَهُمَا في ذلك أبو زُرْعَةَ العراقيُّ وغيرُهُ، وانظر: (البدر المنير ١/ ٥١٨)، و(التلخيص ١/ ٣٥ - ٣٦)، و(شرح السيوطي على سنن النسائي ١/ ١٩٦).
[ ٣ / ٤٢٩ ]
[الفوائد]:
قال ابنُ حبان: «قوله ﷺ: «اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» أَمْرُ فَرْضٍ، وَذِكْرُ السِّدْرِ وَالحَكِّ بِالضِّلَعِ أَمْرُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ» (الصحيح عقب ١٣٩٥).
وقال الخطابيُّ: «قوله: «اغْسِلِيهِ بِمَاءٍ»؛ دليلٌ على أن النجاساتِ إنما تزالُ بالماء دون غيرِهِ من المائعاتِ؛ لأنه إذا أمر بإزالتها بالماء فأزالها بغيره كان الأمر باقيًا لم يمتثل، وإذا وجب ذلك عليه في الدم بالنصِّ كان سائر النجاسات بمثابته، لا فرقَ بينهما في القياس، وإنما أمرَ بحكه بالضلع ليتقلع المستجسد منه اللاصق بالثوب، ثم تتبعه الماء ليزيل الأثر» (معالم السنن ١/ ١١٣).
وقال أيضًا: «وإنما أمر بحكه لينقلع المتجسد منه اللاصق بالثوب ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر وزيادة السدر للمبالغة وإلا فالماء يكفي» اهـ. (حاشية السندي على سنن النسائي ١/ ١٥٤).
قال الشوكانيُّ: «والحقُّ أن الماء أصلٌ في التطهير لوصفه بذلك كتابًا وسنة وصفًا مطلقًا غير مُقيَّد، لكن القول بتعينه وعدم إجزاءِ غيرِه يَرُدُّهُ حديثُ مسح النَّعلِ وفركُ المنيِّ وحتُّه وإماطتُه بإذخرةٍ وأمثال ذلك كثير، ولم يأتِ دليلٌ يقضي بحصر التطهير في الماء ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إِنْ سَلِمَ، فالإنصافُ أن يقالَ: إنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النصُّ، إِنْ كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهرات، لكنه إِنْ كانَ ذلك الفردُ المحالُ عليه هو الماء فلا يجوزُ العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها وعدم مساواة غيره له فيها، وإِنْ كانَ ذلك الفردُ غير الماء جازَ العدول عنه إلى الماء لذلك، وإن وُجِدَ فَرْدٌ من أفراد
[ ٣ / ٤٣٠ ]
النجاسة لم يقعْ مِنَ الشارعِ الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصارُ على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها» (نيل الأوطار ١/ ٥٧ - ٥٨).
[التخريج]:
[د ٣٦٣ «واللفظ له» / ن ٢٩٧، ٤٠٠ «والرواية له ولغيره» / كن ٣٥١/ جه ٦٠٦ «والزيادة له ولغيره» / حم ٢٦٩٩٨، ٢٧٠٠١، ٢٧٠٠٢/ مي ١٠٤٢/ خز ٢٩٥/ حب ١٣٩١/ طب (٢٥/ ١٨٢/ ٤٤٧) / عب ١٢٣٦/ حق ٢١٧٧/ تخ (٧/ ٤٤/ ١٩٥) / عبحم ١٧٤/ لا ١٨٦٤/ منذ ٧٠١/ هق ٤١٦٥/ حل (٧/ ١٢٣) / كما (١٩/ ٥٣٢)].
[السند]:
رواه عبد الرزاق.
ورواه أحمد (٢٦٩٩٨)، وأبو داود: عن مسدد.
والنسائي: عن عبيد الله بن سعيد اليشكري.
وابن ماجه، وابن خزيمة: عن محمد بن بشار.
أربعتهم: عن يحيى القطان.
ورواه أحمد (٢٧٠٠٢)، وابن ماجه: عن محمد بن بشار. كلاهما: عن ابن مهدي.
ثلاثتهم (عبد الرزاق، ويحيى، وابن مهدي): عن سفيان الثوري، حدثني ثابت الحداد، حدثني عدي بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن تقول: فذكره.
[ ٣ / ٤٣١ ]
وتُوبِعَ عليه سفيانُ:
فرواه (أحمد ٢٧٠٠١)، وإسحاق: عن وكيع، عن إسرائيل، عن ثابت، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه ثقاتٌ؛ ثابت الحداد، هو ابن هرمز أبو المقدام الكوفي، وَثَّقَهُ: ابنُ المدينيِّ، وأحمدُ، وابنُ معين، وأبو حاتم، والنسائيُّ، وأبو داود، ويعقوبُ بن سفيان، وغيرُهم. (تهذيب التهذيب ٢/ ١٦)، ومع ذلك قال الحافظُ: «صدوقٌ يهم!» (التقريب ٨٣٢) فلم يصب (^١).
_________________
(١) ولعلَّ الحافظَ اعتمدَ في ذلك على ما ذكره في «تهذيبه» عن الأزديِّ أنه قال: «يتكلمون فيه»، وعن ابن القطان أنه قال عقب هذا الحديث: «ولا أعلم أحدًا ضعَّفه غير الدارقطني». والجواب: أن ثابت هذا اتفقت كلمة النقاد على توثيقه، في المقابل تكلموا كلامًا شديدًا في ابنه عمرو، فلعله هو المراد في كلام الأزديِّ والدارقطنيِّ، فحَدَثَ وَهْمٌ في النقل أو شيء، لا سيَّما ولم نجدْ تضعيفَ الدارقطنيِّ في شيءٍ من كتبه، ولا نَسَبَهُ أحدٌ إليه غير ما ذكره الحافظ، بل إن هذا الاستثناء الذي نقله الحافظ عن ابن القطان، لا وجودَ له في النسخ الخطية لكتاب ابن القطان التي اعتمد عليها محققه انظر: (بيان الوهم ٥/ ٢٨١ / حاشية ٦). وكذا نقله ابنُ دقيق العيد في (الإمام ٣/ ٤٣٧) عن ابن القطان، بدون الاستثناء، والذي في (الضعفاء للدارقطني ٣٩٩) هو عمرو بن ثابت بن هرمز فقط، فاعتبر. وأما الأزديُّ -إن ثبتَ عنه-، فلا يعتمدُ عليه؛ لأنه متكلَّمٌ فيه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه مجازفٌ جدًّا في تضعيف الثقات، كما نبَّه عليه الإمام الذهبُّي في غير ما موضع من كتبه، لا سيما (الميزان)، ولذا فلا يُعتمدُ عليه إذا خالفَ. ثم إن هذا جرحٌ مجملٌ، والواقع يكذبه، فينبغي طرحه، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
وعَدِيُ بنُ دِينار هو مولى أُمِّ قَيْسٍ، وَثَّقَهُ النسائيُّ (التقريب ٤٥٤١)، وذكره ابنُ حبان في (الثقات ٥/ ٢٧٠).
قلنا:
ورواه أبو نعيم في (الحلية) قال: ثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا إسماعيل بن منصور، ثنا سفيان الثوري، عن ثابت بن عبيد، عن عدي بن دينار، عن أم قيس، به.
قال أبو نعيم: «هكذا رواه إسماعيل بن منصور، عن الثوري، عن ثابت بن عبيد، وتفرَّدَ به، ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، فقال: ثابت بن هرمز» (الحلية ٧/ ١٢٣).
قلنا: وإسماعيل بن منصور هذا لم نجدْ له ترجمة، ونخشى أن يكون محرَّفًا عن إسماعيل بنِ عُلية، فهو الذي يروي عن الثوريِّ، ويروي عنه المقدميُّ، وعلى أيةِ حَالٍ فروايةُ القطان، وابن مهدي، وعبد الرزاق، عن سفيان هي الصواب، وتابعهم إسرائيل عن ثابت أبي المقدام، به.
والحديثُ صحَّحَهُ ابنُ القطان فقال: «وهذا غايةٌ في الصحةِ، ولا أَعْلَمُ لهذا الإسناد عِلَّةً» (الوهم والإيهام ٥/ ٢٨١).
وقال ابنُ الملقن: «صحيحٌ من غيرِ شَكٍّ ولا مِرْيَةٍ»، ثم نقلَ كلامَ ابنِ القطان وأقرَّه (البدر المنير ١/ ٥١٦).
وقال ابنُ حجر: «وإسنادُهُ حسنٌ» (الفتح ١/ ٣٣٤). لكنه في (التلخيص ١/ ٣٥ - ٣٦) نقلَ كلامَ ابن القطان ولم يتعقَّبه بشيءٍ، فكأنَّه أقرَّه. قال الألبانيُّ: «وهو الصواب» (الصحيحة ٣٠٠).
وقال الشوكانيُّ: «وهو حديث صحيح» (السيل الجرار صـ ٣٣).
وصحَّحَهُ الألبانيُّ في (الصحيحة ١/ ٦٠٣)، وفي (صحيح أبي داود ٢/
[ ٣ / ٤٣٣ ]
٢٠٥/ رقم ٣٨٩).
هذا وقد غَمَزَهُ عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ بقوله: «الأحاديث الصحاح (^١) ليس فيها ذكر الضلع والسدر» (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٣).
وتعقَّبه ابنُ القطان فقال: «ولا منافاة بينهما؛ لأَنَّ حديثَ أسماءَ حديثُ مُسْتَفْهِمٍ، والحديثُ المذكور حديثُ مُسْتَتْبِتٍ» (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٨١).
[تنبيه]:
الحديثُ رواه ابنُ أَبي شيبةَ، عن أبي خالد الأحمر، عن حجاج، عن ثابت، عن عدي بن دينار: أن أُمَّ حصين سألتْ فذكره.
قلنا: كذا وقعَ في المطبوع من (المصنف): «أم حصين»، وذكر محقق (ط. الفاروق) أنه كذلك في الأصول، وهذا إِنْ لم يكن تحريف قديم من النساخ، فهو من أخطاء حجاج -وهو ابن أرطاة-؛ فإنه كثير الخطأ كما في (التقريب).
وقال محمد عوامة: «كذا في نسخنا، ونسخ شيخنا الأعظمي، ونبَّه ﵀ إلى أن هذا وَهْمٌ، صوابه: أم قيس بنت محصن، كما في مصادر التخريج الآتية، وليس في كتب رواة الستة ولا معرفة الصحابة من يقال لها: أم حصين».
* * *
_________________
(١) يشيرُ إلى حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصديق أنها قالتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رسولَ اللهِ ﷺ فقالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كيفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ». متفق عليه. وسبقَ في باب «دم الحيض يصيب الثَّوب».
[ ٣ / ٤٣٤ ]
٢٨٣ - حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ دِينَارٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عَدِيِّ بْنِ دِينَارٍ: «أَنَّ أُمَّ حُصَيْنٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ في الثَّوْبِ؟ فَقَالَ: «حُكِّيهِ بِضِلَعٍ، وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَصَلِّي فيهِ».
[الحكم]: صحيحٌ من حديث أُمِّ قيس، دون قوله: «وَصَلِّي فِيهِ»، فإسنادُهُ مرسل ضعيف، وذِكْرُ أُمِّ حصين وَهْمٌ.
[التخريج]: [ش ١٠١٦].
[السند]:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن ثابت، عن عدي بن دينار: أن أم حصين سألت فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: الإرسال؛ فعَدي بن دينار من التابعين، وقد تقدَّمت ترجمتُه.
الثانية: حجاج، وهو ابنُ أرطاة، قال فيه الحافظ: «صدوقٌ كثيرُ الخطأ والتدليسِ» (التقريب ١١١٩).
الثالثة: أبو خالد الأحمرُ، قال فيه الحافظ: «صدوقٌ يخطئُ» (التقريب ٢٥٤٧).
وقد سبقَ الحديثُ من رواية الحفاظ من حديث (أم قيس بنت محصن)، ودون زيادة: (وَصَلِّي فِيهِ).
[ ٣ / ٤٣٥ ]
فَذِكْرُ أُمِّ حصين في هذا الحديث وَهْمٌ، لا سيَّما، وأنه لا يُعْرفُ في الصحابة من يُقالَ لها: أم حصين. وقد ذكر محققو (مصنف ابن أبي شيبة): أنه كذلك في الأصول، فإن لم يكن تحريفٌ قديمٌ من النُّسَّاخِ، فهو من أخطاءِ حجاج بنِ أرطاة، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
٢٨٤ - حَديثُ امْرَأَةٍ غِفَارِيَّةٍ:
◼ عَنْ أُمَيَّةَ بِنْتِ أَبِي الصَّلْتِ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَالَتْ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ مَعَكَ إِلَى وَجْهِكَ هَذَا -وَهُوَ يَسِيرُ إِلَى خَيْبَرَ-، فَنُدَاوِيَ الْجَرْحَى وَنُعِينَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَعْنَا، فَقَالَ: «عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ»، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا مَعَهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةً فَأَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصُّبْحِ فَأَنَاخَ وَنَزَلْتُ عَنْ حَقِيبَةِ رَحْلِهِ، وَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي فَكَانَتْ أَوَّلَ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا، قَالَتْ: فَتَقَبَّضْتُ إِلَى النَّاقَةِ وَاسْتَحْيَيْتُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بِي وَرَأَى الدَّمَ قَالَ: «مَا لَكِ، لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، وَخُذِي إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنَ الدَّمِ [وَاغْتَسِلِي]، ثُمَّ عُودِي لِمَرْكَبِكِ»، قَالَتْ: فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ رَضَخَ لَنَا مِنَ الْفَيْءِ، وَأَخَذَ هَذِهِ الْقِلَادَةَ الَّتِي تَرَيْنَ فِي عُنُقِي فَأَعْطَانِيهَا وَجَعَلَهَا بِيَدِهِ فِي عُنُقِي، فَوَاللَّهِ لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا، قَالَ: وَكَانَتْ فِي عُنُقِهَا حَتَّى مَاتَتْ، ثُمَّ أَوْصَتْ أَنْ تُدْفَنَ مَعَهَا، فَكَانَتْ لَا تَطْهُرُ مِنْ حَيْضَةٍ إِلَّا جَعَلَتْ فِي طَهُورِهَا مِلْحًا، وَأَوْصَتْ بِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِي غُسْلِهَا حِينَ مَاتَتْ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفه: المنذريُّ، وابنُ القطان، والنوويُّ، والألبانيُّ.
[الفوائد]:
قال الخطابيُّ: «فيه من الفقه: أنه استعمل الملح في غسل الثياب وتنقيته
[ ٣ / ٤٣٧ ]
من الدم، والملح مطعوم، فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالعسل إذا كان ثوبًا من إبريسم يفسده الصابون، وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه، ويجوز على هذا التدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بدقيق الباقلي والبطيخ ونحو ذلك من الأشياء التي لها قوة الجلاء» (معالم السنن ١/ ٩٦).
[التخريج]:
[د ٣١٣/ حم ٢٧١٣٦ «واللفظ له» / هق ٤١٦٦ «والزيادة له»، ٤١٦٧/ ردف (١/ ٨١ - ٨٢) / أسد (٧/ ٢٩) / مغلطاي (٣/ ١٣٣ - ١٣٤) / متشابه (٢/ ٨٤٧) / هشام (٢/ ٣٤٢)].
[السند]:
قال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت، عن امرأةٍ من بني غِفار، به.
ومداره عند الباقين على محمد بن إسحاق، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: أُمَيَّةُ بِنْتُ أَبِي الصَّلْتِ، وقيل: آمنة، قال البيهقيُّ: «وهو الصواب» اهـ. تفرَّد بالروايةِ عنها سليمانُ بنُ سُحَيْمٍ، ذكرها ابنُ منده وغيرُه في الصحابة، ولا يثبتُ ذلك.
قال ابنُ القطان: «ولو جهدتَ جهدك لم تجدْ فيها إِلَّا ما قُلْنَاهُ من أنها مجهولةٌ» (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢١)، وقال الذهبيُّ: «هي بكلِّ حالٍ لا تُعْرفُ إِلَّا بهذا الحديثِ» (الميزان ١/ ٤٤٣/ ٢٣٦٨)، وقال الحافظُ: «لا يُعْرفُ حالُها» (التقريب ٨٥٣٨)، وقد ذكر في (الإصابة ١١٠٣٧) الخلافَ
[ ٣ / ٤٣٨ ]
في اسمها ونسبها وصحبتها ثم رجَّحَ أنها تابعيةٌ.
قلنا: ومَن ذكرها في الصحابة، خلط بينها وبين آمنة بنت أبي الحكم الغفاري أم سليمان بن سحيم، فجعلهما واحدة، وفرَّقَ بينهما المزيُّ، فجعلهما اثنتين، وهو أصحُّ، والله أعلى وأعلم.
من جانبٍ آخر، اعتمدَ بعضُهم في إثبات صحبتها على روايةٍ منكرةٍ لهذا الحديث -سيأتي الكلام عليها بالتفصيل-، وقد أَبْعَدَ النُجْعَةَ جدًّا الحافظُ مغلطاي إذ يقول -في رَدِّهِ على ابنِ القطان-: «قوله: (إنها مجهولة) مردود بأمرين: الأول: برواية اثنين عنها، سليمان ابنها، وأم عليّ. الثاني: كونها صحابية معروفة بالصحبة » (شرح ابن ماجه ٣/ ١٣٥).
فرواية أم عليّ هذه -التي اعتمد عليها في رفع الجهالة عن أمية- رواية ساقطة، رواها متروكٌ كذَّابٌ عن مثله -كما سيأتي-، فلا عِبرةَ بها. أما ما ذكره من صحبتها، فقد سبقَ الجوابُ عنه، والله أعلم.
ولذا ضعَّفَهُ ابنُ القطان في (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢١)، والنوويُّ في (خلاصة الأحكام ٤٤٠)، والألبانيُّ في (ضعيف أبي داود ١/ ١٣٣).
وباقي رجال الإسناد ثقات، عدا ابن إسحاق، فصدوقٌ مدلِّسٌ، وقد صرَّحَ بالتحديثِ عند أحمدَ، والبيهقيِّ، وغيرِهما.
ومع هذا أشارَ المنذريُّ إلى إعلاله بابنِ إسحاقَ، فقال: «في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدَّم الاختلافُ فيه» (مختصر سنن أبي داود ١/ ١٩٧). وقد ذكر قبل أن محمد بن إسحاق اختَلَفَ الأئمةُ في الاحتجاج به (مختصر سنن ابي داود ١/ ٤٠).
وتعقبه مغلطاي، فقال: «وأما إعراضُ المنذري عن كلِّ من تقدَّم ذكره،
[ ٣ / ٤٣٩ ]
وتضعيفه الحديثَ بمحمد بن إسحاق فغير حسن؛ لأنه ممن لا يضعف به الأحاديث، لا سيَّما هو، فإنه فعل ذلك في غير ما حديث، صححه أو سَكَتَ عنه » (شرح ابن ماجه ٣/ ١٣٧).
[ ٣ / ٤٤٠ ]
٢٨٥ - حَدِيثُ أُمَيَّةَ بِنْتِ قَيْسِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الْغِفَارِيَّةِ:
◼ عَنْ أُمَيَّةَ بِنْتِ قَيْسِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الْغِفَارِيَّةِ، قَالَتْ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَقُلنَا: إِنَّا نُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ نَخْرُجَ مَعَكَ إِلَى وَجْهِكَ هَذَا. -تَعْنِي: خَيْبَرَ- (وَهُوَ يَسِيرُ إِلَى حُنَيْنٍ) فَنُدَاوِيَ الْجَرْحَى، وَنُعِينَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَعْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَلَى بَرَكَةِ اللهِ»، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا مَعَهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثًا سِنِّي، فَأَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَقِيبَةَ رَحْلِهِ، فَنَزَلَ إِلَى الصُّبْحِ، فَأَنَاخَ، وَإِذَا أَنَا بِالْحَقِيبَةِ عَلَيْهَا أَثَرُ دَمٍ مِنِّي، وَكَانَتْ أَوَّلَ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا، فَتَقَبَّضْتُ إِلَى النَّاقَةِ، وَاسْتَحْيَيْتُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، مَا بِي وَرَأَى الدَّمَ، قَالَ: «لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ خُذِي إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ اطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنَ الدَّمِ، ثُمَّ عُودِي». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ لَنَا خَيْبَرَ رَضَخَ لَنَا مِنَ الْفَيْءِ، وَلَم يُسْهِمْ لَنَا، وَأَخَذَ هَذِهِ الْقِلَادَةَ الَّتِي تَرَيْنَ فِي عُنُقِي، فَأَعْطَانِيهَا، وَعَلَّقَهَا بِيَدِهِ فِي عُنُقِي، فَوَاللهِ لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا، قَالَ: وَكَانَتْ فِي عُنُقِهَا حَتَّى مَاتَتْ، وَأَوْصَتْ أَنْ تُدْفَنَ مَعَهَا، وَكَانَتْ لَا تَطْهُرُ إِلَّا جَعَلَتْ فِي طُهْرِهَا مِلْحًا، وَأَوْصَتْ أَنْ يُجْعَلَ فِي غُسْلِهَا مِلْحٌ حِينَ غُسِّلَتْ.
[الحكم]: منكرٌ بهذا الإسناد.
[التخريج]:
[سعد (١٠/ ٢٧٧) «واللفظ له» / متشابه (٢/ ٨٤٨) / ردف (١/ ٨٠ - ٨١) «والزيادة له» / مغلطاي (١/ ٨٦٦ - ٨٦٧) / واقد (٢/ ٦٨٥)].
[ ٣ / ٤٤١ ]
[التحقيق]:
له طريقان:
الأول:
أخرجه (ابن منده) في (معرفة أرداف النبي ﷺ) -ومن طريقه (مغلطاي) - قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحيم، أنا عبد الله بن محمد بن محمد المقري، ثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، ثنا أحمد بن محمد بن [نيزك] (^١)، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن سليمان بن سحيم، عن آمنة بنت أبي الصلت الغفارية ﵂ قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بني غفار الحديث.
وهذا إسنادٌ لينٌ، لأجل أحمد بن محمد بن نيزك، قال فيه الحافظ: «صدوق في حفظه شيء» (التقريب ١٠١)، وقد أخطأَ في هذا الحديثِ، فقد خالفه الإمامُ أحمد بن حنبل -كما تقدَّم-؛ فرواه عن يعقوب بن إبراهيم بسنده إلى أمية بنت أبي الصلت، عن امرأةٍ من بني غفار، به. وأحمد إمام ثبت لا يقارن بابن نيزك هذا.
ورواه غير واحد -كما سبق-، عن محمد بن إسحاق به، كرواية الإمام أحمد، عن يعقوب، عن أبيه، عنه.
الطريق الثاني:
أخرجه الواقديُّ في (المغازي ٢/ ٦٨٥) -وعنه ابنُ سعد ومن طريقه الخطيب- قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن سليمان بن
_________________
(١) تصحف في المطبوع إلى (ينزك).
[ ٣ / ٤٤٢ ]
سحيم، عن أم علي بنت أبي الحكم، عن أمية بنت قيس أبي الصلت الغفارية، به.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ، فيه علتان:
الأولى: الواقديُّ، كذَّبَهُ غيرُ واحدٍ من الأئمة ونسبوه إلى الوضع. وقال فيه الحافظ: «متروك مع سعة علمه» (التقريب ٦١٧٥). وانظر: (التاريخ الكبير ١/ ١٧٨)، و(الجرح والتعديل ٨/ ٢١)، و(ميزان الاعتدال ٦/ ٢٧٣) و(تهذيب التهذيب ٩/ ٣٦٤).
الثانية: أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، حاله كحال الواقديِّ أو أسوأ، فقد رمَاهُ أحمدُ وغيرُه بالكذبِ ووضعِ الحديثِ، ولذا قال الحافظ: «رموه بالوضع» (التقريب ٧٩٧٣).
ولعلَّ هذا السند مما عملتْهُ يدُ أحدِهما، فقد سبقَ الحديثُ من طريق محمد بن إسحاق، عن سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت، عن امرأةٍ من بني غفار، به، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
٢٨٦ - حَدِيثُ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِذَا غَسَلَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فَلَمْ يَذْهَبْ فَلْتُغَيِّرْهُ بِصُفْرَةِ وَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ».
[الحكم]: موقوفٌ إسنادُهُ صحيحٌ على شرطهما، وكذا صحَّحَه الألبانيُّ.
[التخريج]: [مي ١٠٣٤ «واللفظ له»].
[السند]:
قال الدارميُّ: أخبرنا أبو النعمان، ثنا ثابت بن يزيد، ثنا عاصم، عن معاذةَ العدويَّةِ، عن عائشةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، وكذا قال الألبانيُّ في (الصحيحة ١/ ٥٩٩)، و(صحيح أبي داود ٢/ ١٩٨).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
روايةُ: «فَلَطِّخِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الزَّعْفَرَانِ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ مُعَاذَةَ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ، يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ قَالَتْ: «اغْسِلِيهِ». قُلْتُ: إِنَّهُ لَا يَذْهَبُ. قَالَتْ: «فَلَطِّخِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الزَّعْفَرَانِ».
[الحكم]: موقوفٌ إسنادُهُ صحيحٌ.
[التخريج]: [منذ ٧٠٤].
[السند]:
قال ابنُ المنذر: حدثنا يحيى بن محمد، نا أبو الربيع، نا حماد، نا عاصم، عن معاذة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجالُه كلُّهم ثقاتٌ، فعاصم هو الأحول، وحماد هو ابن زيد.
وأبو الربيع هو سليمان بن داود الزهرانيُّ، قال فيه الحافظ: «ثقة لم يتكلَّم فيه أحدٌ بحجة» (التقريب ٢٥٥٦).
ويحيى بن محمد هو ابن الحافظ محمد بن يحيى الذهلي، قال فيه ابنُ حجر: «ثقة حافظ» (التقريب ٧٦٤١).
[ ٣ / ٤٤٥ ]