٣٥٧ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ (اسْتَمْتَعْتُم) ١ بِجِلْدِهَا؟ (بِإِهَابِهَا؟) ٢»، قَالُوا: إنهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ (^١) أَكْلُهَا».
[الحكم]: متفقٌ عليه (خ، م).
[التخريج]:
[خ ١٤٩٢ «واللفظ له»، ٢٢٢١، ٥٥٣١ «والرواية الأولى له ولمسلم أيضًا لكن من حديث ميمونة، كما سيأتي» / م (٣٦٣/ ١٠١)، (٣٦٥/ ١٠٤) «والرواية الثانية له، وللبخاري أيضًا لكن بسياق آخر كما في الرواية التالية» / د ٤٠٧٣/ ن ٤٢٧٣، ٤٢٧٤، ٤٢٧٧/ كن ٤٧٥٧، ٤٧٥٨، ٤٧٦١/ طا ١٤٣٦/ حم ٢٣٦٩، ٣٠٥١/ مي ٢٠١٣، ٢٠١٤/ حب
_________________
(١) قال النووي: «رويناه على وجهين (حَرُمَ) بفتح الحاء وضم الراء، و(حُرِّمَ) بضم الحاء وكسر الراء المشددة» (شرح مسلم ٤/ ٥٥). قلنا: وكذا ضبطت في أصل (صحيح البخاري) و(موطأ مالك) وغيرهما على الوجهين، ولهذا قال ابن الملقن: «يجوز أن تقرأ: «حُرِّم» بضم الحاء، وكسر الراء المشددة، و«حَرُم» بفتح الحاء، وضم الراء المخففة، وهما روايتان» (البدر المنير ١/ ٦٠١).
[ ٤ / ٢١٣ ]
١٢٧٧، ١٢٧٩/ عه ٦١٨ - ٦٢٥، ٦٣٠/ عب ١٨٥/ ش ٢٥٢٧٣ / عل ٢٤١٩/ طب (٢٣/ ٤٢٨/ ١٠٣٨، ١٠٣٩) / شف ٥٩/ أم ٢٩، ٣٠/ منذ ٨٢٩/ طح (١/ ٤٧٢) / قط ٩٨، ٩٩/ فقط (أطراف ٢٤٧٤) / مسن ٧٩٩، ٨٠٠ (^١) / هقع ٥٢٩/ هق ٦٣، ٧٩/ مشكل ١٥٧٤ - ١٥٧٦/ عتب (صـ ٥٤) / معر ٢٢٦٥/ زهر ٧٥، ٧٦/ محلى (١/ ١١٩) / تطبر (مسند ابن عباس ١١٨١) / تحقيق ٧٠، ٧١/ مبهم (٦/ ٤١٣) / كر (١٤/ ٤٤٧) / مزني ١/ جوزي (ناسخ ١٥) / طراد ٣٠ / حلب (٦/ ٢٨٥١ - ٢٨٥٢) / إمام (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦)].
[السند]:
رواه البخاري (١٤٩٢) قال: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.
ورواه أيضًا (٢٢٢١، ٥٥٣١): عن زهير بن حرب، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، قال: حدثني ابن شهاب، به.
ورواه مسلم (٣٦٣/ ١٠١)، قال: حدثني أبو الطاهر، وحرملة قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، به.
_________________
(١) سقط «ابن عباس» من إسناد أبي نعيم في مطبوع (المستخرج) (٨٠٠)؛ وقد رواه من طريق عباس بن محمد الدوري، عن يعقوب بن إبراهيم، به. والصحيح إثباته في هذا الإسناد؛ فقد رواه أبو عوانة في (مستخرجه ٥٥١) من طريق عباس الدوري، عن يعقوب بن إبراهيم به، بإثبات (ابن عباس) فيه. وكذا رواه البخاري (٢٢٢١)، ومسلم (٣٦٣) من طريق يعقوب به. وقد عزاه أبو نعيم لمسلم دون إشارة لأيِّ فرق بينهما، فدل على أن السند عنده، كما عند مسلم.
[ ٤ / ٢١٤ ]
ورواه مالك -ومن طريقه النسائي-، عن ابن شهاب، به.
وقال مسلم (٣٦٥): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
[تنبيهان]:
الأول: أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث من رواية ابن عباس، عن النبي ﷺ، وأخرجه مسلم وغيره من حديث ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ، ورواه البخاري عن ابن عباس، عن سودة، بنحوه.
قال البخاري: «هذا كلُّه صحيحٌ؛ يحتمل أن يكون روى عن ميمونة، وعن سودة، ثم روى هو عن النبي ﷺ» (العلل الكبير للترمذي صـ ٢٨٢). وسيأتي مزيد تفصيل لذلك في حديث ميمونة -الآتي عقب الانتهاء من روايات حديث ابن عباس-.
الثاني: نسبت الشاة في الحديث مرة لمولاة ميمونة، كما في هذه الرواية، ومرة لميمونة -كما سيأتي-، وكلتا الروايتين صحيحتان، وليس في هذا تعارضًا؛ لأَنَّ مولاتها كانت عندها ومن خدمها، فتارة نسبت الشاة إليها، وتارة إلى سيدتها ميمونة، وانظر مزيد تفصيل لذلك مع أقوال أهل العلم، عقب رواية من نسب الشاة لإحدى نساء النبي ﷺ، الآتية قريبًا.
[ ٤ / ٢١٥ ]
روايةُ: «مَا عَلَى أَهْلِهَا»:
• وَفِي رِوَايَةٍ، مُختصرًا: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بعَنْزٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا؟!».
[الحكم]: صحيح (خ).
[التخريج]:
[خ ٥٥٣٢ «واللفظ له» / ن ٤٢٩٩/ كن ٤٧٨٣/ طب (٢٣/ ٤٢٨/ ١٠٤١) / طش ٢٢٦٨/ تخ (١/ ٦٨) / رفا ١٩٢/ خط (٢/ ١٦٣)].
[السند]:
قال البخاري: حدثنا خطاب بن عثمان، حدثنا محمد بن حمير، عن ثابت بن عجلان، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس يقول: ، فذكره.
[ ٤ / ٢١٦ ]
روايةُ: «فَدَبَغْتُمُوهُ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟! (مَا عَلَى أَهْلِ هَذِهِ لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ وَانْتَفَعُوا به؟!) ».
[الحكم]: صحيح (م)، دون الرواية، وهي صحيحةٌ.
[التخريج]:
[م ٣٦٣ «واللفظ له» / د ٤٠٧٢/ ت ١٨٢٥/ ن ٤٢٧٦/ كن ٤٧٦٠/ حم ٢٠٠٣/ عه ٦١٨، ٦٢٠، ٦٢٦، ٦٢٨/ حمد ٤٩٨ «والرواية له، ولغيره» / بز ٥١٨٨، و(نخب ٧/ ١٨٠) / طب (١١/ ١٦٧/ ١١٣٨٣)، (١١/ ٢٠٣/ ١١٥٠١)، (٢٣/ ٤٢٦/ ١٠٣٥) / شف ٦٠/ حرملة (هقع ١/ ٢٤٥) / طح (١/ ٤٦٩) / مسن ٨٠١/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٧٦، ١١٧٧، ١١٨٣، ١١٨٤) / قط ١٠٠، ١٠٤/ هق ٤٥، ٤٧، ٤٨/ هقغ ٢٠٦/ هقع ٥٣٠، ٥٣٥، ٥٣٦/ محلى (١/ ١١٩) / بغ ٣٠٤/ سراج (نخب ٧/ ١٧٩) / علائي (الفوائد ٢٣١) / شجاعة (صـ ٣٣٨ - ٣٣٩) / عساكر (مساواة صـ ١٩٧، ١٩٨) / مشب ٦٥/ صمند (صـ ٩٦٩) / صدف (صـ ٤٧) / حداد ٣٨٢، ٣٨٣/ خبر (١/ ٤٨٩ - ٤٩١)].
[السند]:
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وابن أبي عمر، جميعًا: عن ابن عُيَينَةَ، قال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به، قال أبو بكر، وابن أبي عمر، في حديثهما: عن ميمونة ﵂. وقال أيضًا: حدثنا ابن أبي عمر، وعبد الله بن محمد الزُّهري، قالا:
[ ٤ / ٢١٧ ]
حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
تحقيق الرواية:
أخرجها الشافعي في (مسنده ٦٠) - ومن طريقه: أبو عوانة في (المستخرج ٥٤٧)، والبيهقي في (المعرفة ٥٣٠) - عن سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين.
وأخرجها الحميدي في (مسنده ٤٩٨) -ومن طريقه الطبراني في (الكبير ١١٣٨٣) -: عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ أيضًا على شرط الشيخين.
[تنبيه]:
اختلف أهل العلم في ثبوت الدباغ في حديث الزُّهري؛ وذلك لقول معمر: وكان الزُّهري ينكر (الدباغ)، ويقول: «يُستَمتَعُ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ». أخرجه عبد الرزاق في (المصنف ١٨٥) -ومن طريقه أحمد (٣٤٥٢)، وأبو داود (٤٠٧٤) - عن مَعْمَرٍ، به.
فكيف يكون عنده الحديث في (الدباغ) وينكره، ويفتي بضده؟ !
ولهذا قال الإمام أحمد عن رواية ابن عيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة بذكر (الدباغ): «هو خطأٌ يخالف الناس، ليس فيه دباغه. يونس، ومعمر، ومالك، لا يذكرون دباغه، وليس عندي في دباغ الميتة حديثٌ صحيحٌ، وحديث ابن عكيم هو أصحهما» (مسائل أحمد
[ ٤ / ٢١٨ ]
رواية ابنه صالح ١٤١٦). وقال أيضًا: «الله قد حرم الميتة، فالجلد هو من الميتة، وأذهب إلى حديث ابن عكيم أرجو أن يكون صحيحًا: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» (مسائل صالح ١٤١٧).
وفي (مسائل عبد الله ٣٩) قال: «وذَكَرَ ابنُ عيينة الدباغَ، ولم يذكره معمر ولا مالك، وأراه وَهْمٌ، قال معمر، وقال الزُّهري: ينتفع بالجلد وإن لم يدبغ، لقوله: «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا»».
قلنا: قد اختلف عن الزُّهري في ذكر الدباغ من عدمه.
فأما الذين لم يذكروا الدباغ: فيونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، ومالك، ومعمر، وحفص بن الوليد، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة -في إحدى الروايات عنه-.
كما أخرجه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣) من طريق يونس بن يزيد.
وأخرجه البخاري (٢٢٢١)، وأحمد (٢٣٦٩) من طريق صالح بن كيسان.
وأخرجه أحمد (٣٠١٦)، والنسائي في (المجتبى ٤٢٧٣) من طريق مالك.
وأخرجه أحمد (٣٤٥٢)، وأبو داود (٤٠٧٣) من طريق معمر.
وأخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٣٦) من طريق حفص بن الوليد.
وأخرجه أحمد (٣٠٥١)، وابن حبان (١٢٨٢)، وأبو يعلى في (المسند ٢٤١٩)، والطبري في (تهذيب الآثار ١١٨١)، وغيرهم من طرقٍ: عن الأوزاعي.
[ ٤ / ٢١٩ ]
وأخرجه الدارمي (٢٠١٣) عن يحيى بن حسان، وأخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٧٢) عن قتيبة - ولكن جعله من مسند ميمونة- كلاهما: عن ابن عيينة.
جميعهم: عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، بدون ذكر: (الدباغ).
وأما الذين ذكروا (الدباغ): فسفيان بن عيينة -في أكثر الرويات عنه- ومحمد بن الوليد الزبيدي، وسليمان بن كثير العبدي، والأوزاعي -في إحدى الروايات عنه-، وغيرهم، وإليك بيانها:
الطريق الأول: طريق سفيان بن عيينة.
أخرجه مسلم (٣٦٣) عن يحيى بن يحيى، وعمرو الناقد.
وأبو داود (٤٠٧٢) عن عثمان بن أبي شيبة، وابن أبي خلف.
وأبو عوانة في (مستخرجه ٦٢٠) عن علي بن المديني.
والطبري في (تهذيب الآثار ١١٧٦، ١١٧٧) من طرق: عن يحيى بن آدم، وسفيان بن وكيع.
والدارقطني في (سننه ١٠٠) من طريق عبد الجبار بن العلاء، ومحمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ.
وأخرجه الشافعي في (مسنده ٦٠) -ومن طريقه أبو عوانة في (المستخرج ٥٤٧) -.
جميعهم: عن سفيان، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس به، بذكر: (الدباغ).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
وتابعهم أيضًا عن سفيان جماعة، ولكن جعلوه من مسند ميمونة.
كما أخرجه مسلم (٣٦٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن أبي عمر.
والحميدي في (مسنده ٣١٧).
وأحمد في (المسند ٢٦٧٩٥).
وأبو داود (٤٠٧٢) من طريق مسدد، ووهب بن بيان.
وأبو يعلى في (مسنده ٧٠٧٩، ٧١٠٠) عن أبي خيثمة، وإسحاق.
والطبراني في (الكبير ٢٣/ ٤٢٧/ ١٠٣٧) من طريق القعنبي.
جميعهم: عن سفيان، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، بذكر: (الدباغ).
وقد وَهَّمَ الإمام أحمد رواية سفيان بذكر: (الدباغ)، فقال: «حديث ابن عباس قد اختلف فيه: قال الزُّهري: عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، ولم يذكر فيه (الدباغ)، وذكر ابن عيينة (الدباغ)، ولم يذكره معمر ولا مالك، وأراه وَهْمٌ» (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله صـ ١٢).
قلنا: لم يتفرد سفيان بذكر: (الدباغ) في حديث الزُّهري، بل تابعه عليه جماعة، كما أشرنا إلى ذلك -وستأتي بالتفصيل-، ورُوِي عن ابن عباس من طرقٍ كثيرة غير طريق الزُّهري، وأيضًا له شواهد أخرى كثيرة عن غير ابن عباس، كما سيأتي تخريجها والكلام عليها.
قال ابن بطال: «قال ابن القصار: وإنما اعتمد الزهري في ذلك -أي: في فتواه- على روايته فى حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَانْتَفَعُوا بِهِ»، ولم يذكر: «فَدَبَغُوهُ»، قال: فدل أنه يجوز الانتفاع
[ ٤ / ٢٢١ ]
به قبل الدباغ.
فيُقال: قد روى عنه ابن عيينة، والأوزاعى، وغيرهما الحديثَ، وقالوا فيه: «فَدَبَغُوهُ وَانْتَفَعُوا بِهِ»، فإذا كان الزهري الراوي للحديثين؛ أخذنا بالزائد منهما، ومن أثبت شيئًا حجة على من قصَّر عنه ولم يحفظه. وأيضًا فإن (الدباغ) قد جاء من طرق متواترة عن ابن عباس» (شرح صحيح البخارى ٥/ ٤٤٢).
وقال ابن عبد البر: «روى هذا الحديث معمر، ويونس، ومالك، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس في قصة شاة ميمونة لم يذكروا: الدباغ أيضًا، والدباغ موجود في حديث ابن عيينة، والأوزاعي، وعقيل، والزبيدي، وسليمان بن كثير، وزيادة مَنْ حَفِظَ مقبولة، وذكر (الدباغ) أيضًا موجود في هذه القصة من حديث عطاء، عن ابن عباس، روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، فجاء ذكر: (الدباغ) في هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه صحاح ثابتة والآثار بهذا أيضًا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة جدًّا، فلا وجه لمن قصر عن ذكر (الدباغ») (التمهيد ٤/ ١٥٥، ١٥٦، ١٦١).
وقد أعلَّ محمد بن يحيى الذهلي رواية سفيان بالاضطراب؛ وذلك لأَنَّ سفيان رواه تارة بدون ذكر (الدباغ)، وتارة ذكر فيه (الدباغ)، كما تقدم، وسيأتي قوله مع الجواب عليه قريبًا.
وعلى كلِّ حال، لم يتفرد ابن عيينة بذكر (الدباغ) كما ذكرنا؛ فقد تابعه الزبيدي، كما في:
الطريق الثاني: طريق محمد بن الوليد الزبيدي:
أخرجه أبو الفضل الزُّهري في (حديثه ٧٤) عن جعفر بن محمد الفريابي،
[ ٤ / ٢٢٢ ]
عن إسحاق بن راهويه.
وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١١٨٠)، والدارقطني في (سننه ١٠١)، من طريق أبي عتبة أحمد بن الفرج الحمصي.
كلاهما (ابن راهويه، وابن الفرج): عن بقية بن الوليد (^١)، عن الزبيدي (^٢)، عن الزُّهري، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله كلُّهم ثقاتٌ، عدا أبا عتبة الحمصي؛ فقد ضعَّفه جماعة، ووثَّقه آخرون، ورمَاه بعضُهم بالكذب، وانظر: (لسان الميزان ١/ ٥٩). ولكنه متابع من ابن راهويه.
وبقية بن الوليد، وإن كان يدلس ويسوي، فقد صرَّح بالتحديث بينه وبين شيخه، كما في رواية أبي الفضل الزُّهري، والدارقطني.
وكذا صرَّح بالتحديث بين شيخه وشيخ شيخه، كما أخرجه ابن جوصاء في (حديثه ٤٠) -ومن طريقه ابن البخاري في (مشيخته ٦٣)، وابن جماعة في (مشيخته ١٠٦) - عن عمرو بن عثمان، وكثير بن عبيد، قالا: ثنا بقية بن الوليد، قال: حدثني الزبيدي، قال: أخبرني الزُّهري، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى بقية؛ فعمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، صدوقٌ، كما قال الحافظ في (التقريب ٥٠٧٣)، وقد تابعه كثير بن عبيد بن
_________________
(١) سقط «بقية بن الوليد» من مطبوع (تهذيب الآثار)، وتم استدراكه من (سنن الدارقطني)، فالراوي عنه عندهما أبو عتبة الحمصي، وأيضًا طريق الزبيدي لا يعرف إِلَّا من رواية بقية بن الوليد عنه، كما أشار إلى ذلك محمد بن يحيى الذهلي، كما سيأتي.
(٢) وقع في مطبوع (تهذيب الآثار): «الزبيري»، وهو تصحيف واضح.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
نمير، وهو ثقةٌ، كما في (التقريب ٥٦١٨). فانتفت شبهة التدليس والتسوية، ولذا ذكر الدارقطني هذا الإسناد مع جملة من أسانيد هذا الحديث، ثم قال: «هذه أسانيد صحاح» (السنن عقب رقم ١٠٣). وأقرَّه ابن الجوزي في (التحقيق ١/ ٨٦)، والقرطبي في (تفسيره ١٠/ ١٥٦)، وابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١٠٨ - ١٠٩).
وقد ضَعَّفَ هذه الرواية ببقية: محمد بن يحيى الذهلي، فقال: «وأما ذكر (الدباغ) فيه، فلا يوجد إِلَّا من رواية يحيى بن أيوب عن عقيل، ومن رواية بقية عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين» (التمهيد ٩/ ٥٠).
فنقول: أما رواية يحيى بن أيوب، عن عقيل، فالأمر كما قال ﵀، وكذا ليَّنَها الذهبي، وسيأتي الكلام عليها مفردة، فقد زاد فيها أيضًا: (المَاءُ والقَرَظُ)، وهي زيادة شاذة.
أما بقية بن الوليد، فهو في نفسه ثقة -على الراجح-، وإنما تكلَّم مَن تكلَّم فيه من أجل التدليس، وكثرة رواية المناكير عن المجاهيل، فإذا صرَّح بالتحديث فهو ثقةٌ حجةٌ.
سئل يحيى بن معين عنه، فقال: «إذا حدَّث عن الثقات مثل: صفوان بن عمرو، وغيره، وأما إذا حدَّث عن أولئك المجهولين فلا، وإذا كنى الرجل، ولم يسم اسم الرجل، فليس يساوى شيئًا»، وقال ابن معين أيضًا: «كان يحدِّث عن الضعفاء بمئة حديث، قبل أن يحدث عن أحد من الثقات». وقال يعقوب بن شيبة: «هو ثقةٌ حسن الحديث إذا حدَّث عن المعروفين، ويحدِّث عن قوم متروكي الحديث، وعن الضعفاء، ويحيد عن أسمائهم إلى كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم»، وقال محمد بن سعد: «كان ثقةً فى روايته عن الثقات، ضعيفًا فى روايته عن غير الثقات)، وقال العجلي: «ثقةٌ فيما روى
[ ٤ / ٢٢٤ ]
عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء»، وقال أبو زُرْعَةَ: «بقية عجب إذا روى عن الثقات، فهو ثقة، فأما فى المجهولين فيحدث عن قوم لا يُعرفون ولا يَضْبِطُون»، وقال فى موضع آخر: «ما له عيب إِلَّا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يؤتى من الصدق، إذا حدَّث عن الثقات فهو ثقة»، وقال النسائي: «إذا قال: (حدثنا، وأخبرنا) فهو ثقة، وإذا قال: (عن فلان) فلا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يُدرى عمَّن أخذه»، وقال ابن خزيمة: «لا أحتجُّ ببقية، حدثني أحمد بن الحسن الترمذي سمعت أحمد بن حنبل يقول: (توهمت أن بقية لا يحدث المناكير إِلَّا عن المجاهيل، فإذا هو يحدِّث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أتى). قلت: أتى من التدليس»، وقال ابن حبان: «لم يسبر أبو عبد الله شأن بقية، وإنما نظر إلى أحاديث موضوعة رويت عنه عن أقوام ثقات، فأنكرها،
ولقد دخلت حمص وأكبر همي شأن بقية، فتتبعت أحاديثه، وكتبت النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أجد بعلو -يعني: بنزول-، فرأيته ثقة مأمونًا، ولكنه كان مدلسًا، دلَّس عن عبيد الله بن عمر، ومالك، وشعبة ما أخذه عن مثل: المجاشع بن عمرو، والسَّري بن عبد الحميد، وعمر بن موسى، وأشباههم، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم ما سمع من هؤلاء الضعفاء عنهم، فكان يقول: (قال عبيد الله، وقال مالك)، فحملوا عن بقية، عن عبيد الله، وعن بقية، عن مالك، وأسقط الواهِي بينهما، فأُلزقَ الوضعُ ببقية، وتخلص الواضع من الوسط، وامُتحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء من حديثه، ويسوونه، فالتزق ذلك كله به». انظر: (تهذيب التهذيب ١/ ٤٧٤ - ٤٧٧).
وقال ابن خلفون في كتاب (الثقات): «لم يُتكلم فيه من قبل حفظه ولا
[ ٤ / ٢٢٥ ]
مذهبه، إنما تُكلم فيه من قبل تدليسه، وروايته عن المجهولين» (إكمال تهذيب الكمال ٣/ ٧).
ولذا قال الذهبي: «وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات» (الكاشف ١/ ٢٧٣)، وقال في (ديوان الضعفاء ٦١٩): «ثقة في نفسه، لكنه يُدلس عن الكذابين».
وقال السيوطي: «والذي استقر عليه الأمر من قول الأئمة: أن بقية ثقة في نفسه، لكنه مكثر من التدليس عن الضعفاء والمتروكين، يسقطهم، ويعنعن الحديث عن شيوخهم، وهو قد سمع من أولئك الشيوخ: كالأوزاعي، وابن جُرَيجٍ، ومالك، وغيره، فلا يحتجُّ بحديثه إِلَّا بما قال فيه: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، وجماعة من أئمة أهل الحديث مَشَّوْا حال بقية، وقبلوا ما قال فيه (عن)، لكن الراجح ما تقدم» (اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٣٨).
وعلى هذا يُحمل قول من أطلق القول في عدم الاحتجاج به، لا سيّما الإجماع الذي نقله البيهقي؛ حيث قال: «أجمعوا على أن بقية ليس بحجة» (الخلافيات ٣/ ١٤١)، أي: إذا عنعن، وإلا فهذه أقوال أئمة الحديث وجهابذته مصرِّحة بتوثيقه إذا صرَّح بالتحديث عن الثقات.
قلنا: وقد صرَّح هنا بالتحديث بينه وبين شيخه، وبين شيخه وشيخ شيخه.
ولكن لقائل أن يقول: إن في روايته عن الزبيدي خاصة، نحتاج منه -فوق التصريح بالتحديث- التصريح باسم الزبيدي، فقد ذكر الحافظ ابن رجب في (شرح العلل ٢/ ٨٢٤) -وكذا أشار لذلك ابن حبان في (الثقات ٦/ ٣٤٤) -: «أن بقية كان ربما روى عن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، أو عن زُرْعَةَ الزبيدي -وكلاهما ضعيف- فيقول: «حدثنا
[ ٤ / ٢٢٦ ]
الزبيدي»، فيُظن أنه محمد بن الوليد الزبيدي الثقة صاحب الزُّهري. فيُخشى أن يكون صنع هنا ما ذكره ابن رجب، لا سيَّما ولم يصرح في كل الروايات عنه باسم الزبيدي.
والجواب: أن هذا صحيحٌ، ولكن في غير حديث الزُّهري، فإنه لا يعرف لأحد منهما رواية عن الزُّهري، فتعين أنه محمد بن الوليد الزبيدي صاحب الزُّهري لا غير، والله أعلم.
الطريق الثالث: طريق سليمان بن كثير العبدي.
أخرجه الدارقطني في (السنن ١٠٢) عن يحيى بن محمد بن صاعد، نا أحمد بن أبي بكر المقدمي، نا محمد بن كثير العبدي، وأبو سلمة المنقري، قالا: نا سليمان بن كثير، نا الزُّهري، به.
وهذا إسنادٌ رجاله لا بأس بهم، إِلَّا أَنَّ سليمان بن كثير العبدي، متكلم في روايته عن الزُّهري خاصة، قال الحافظ: «لا بأس به فى غير الزهري» (التقريب ٢٦٠٢). وهذا من روايته عن الزُّهري، لكن مثله لا بأس به في المتابعات، كما هنا.
ولعل لذلك صحح إسناده الدارقطني، مع جملة أسانيد هذا الحديث، وأقرَّه ابن الجوزي، والقرطبي، وابن عبد الهادي، كما تقدم نقله.
الطريق الرابع: طريق الأوزاعي.
أخرجه ابن المنذر في (الأوسط ٢/ ٣٩٩) معلقًا عن الوليد بن الوليد الدمشقي، عن الأوزاعي، عن الزُّهري، به، بلفظ: «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا».
وهذا إسنادٌ -مع تعليقه- ضعيفٌ؛ من أجل الوليد بن الوليد الدمشقي، وقد اختلف فيه جرحًا وتعديلًا:
[ ٤ / ٢٢٧ ]
فقال أبو حاتم: «صدوقٌ»، وقال الدارقطني، وغيره: «متروكٌ» وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: «يروي عن الأوزاعي مسائل مستقيمة»، وذهل عن ذلك، فذكره في (المجروحين) وقال: «روى عن ابن ثوبان نسخة أكثرها مقلوب»، انظر: (لسان الميزان ٨/ ٣٩٤).
وعلى كلِّ حَالٍ فقد خالف أصحاب الأوزاعي الثقات الأثبات في ذكر: (الدباغ) في حديثه:
فقد رواه: الهقل بن زياد، وشعيب بن إسحاق، والوليد بن مزيد، والوليد بن مسلم، وغيرهم بدون ذكر (الدباغ)، أخرجه أبو يعلى في (مسنده ٢٤١٩) من طريق هقل بن زياد.
وأخرجه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٤٢٨/ ١٠٣٩) من طريق شعيب بن إسحاق.
وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١١٨١) من طريق الوليد بن مزيد.
وأخرجه ابن حبان (١٢٨٢) من طريق الوليد بن مسلم.
جميعهم: عن الأوزاعي، عن الزُّهري، به، بدون ذكر: (الدباغ).
الطريق الخامس: طريق سعيد بن عبد العزيز، حكاه عنه أبو داود (عقب رقم ٤٠٧٤)، ولم نقف عليه مسندًا.
وذكر أيضًا من الذين ذكروا (الدباغ) عن الزُّهري: حفص بن الوليد، ولم نقف عليه مسندًا أيضًا، ولكن الذي وقفنا عليه له مسندًا ليس فيه (الدباغ)، أخرجه النسائي في (الصغرى ٤٢٣٦)، فالله أعلم.
وقد أعلَّ محمد بن يحيى الذهلي رواية سفيان بن عيينة بالاضطراب؛
[ ٤ / ٢٢٨ ]
لاختلاف الرواة عنه في ذكر: (الدباغ)، وضَعَّفَ أيضًا رواية الزبيدي، وعقيل؛ فقال: «لست أعتمد في هذا الحديث على ابنِ عُيَينَةَ لاضطرابه فيه ، وأما ذكر (الدباغ) فيه فلا يوجد إِلَّا من رواية يحيى بن أيوب، عن عقيل، ومن رواية بقية، عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا معمر ولا يونس (الدباغ)، وهو الصحيح في حديث الزُّهري، وبه كان يفتي» (التمهيد ٩/ ٥٠).
قلنا: وفي قوله نظر؛ فأما كلامه على اضطراب سفيان: فجل الروايات عنه بذكر: (الدباغ)، خلا روايتين كما تقدم، فلعله لم ينشط فيهما فلم يذكره.
ومما يدل على أن ذكر: (الدباغ) محفوظ في رواية سفيان؛ ما رواه الحميدي (عقب حديثه الذي فيه الدباغ)، قال: «قيل لسفيان: فإن معمرًا لا يقول فيه: «فَدَبَغُوهُ»، ويقول: كان الزُّهري ينكر الدباغ، فقال سفيان: لكني قد حفظته» (مسند الحميدي ١/ ٣١٩).
وروى أبو يعلى عن إسحاق، قال: «سمعت سفيان بمنى يقول: حفظته مِن فِيِ الزُّهري يحدِّث، عن عبيد الله »؛ فذكر حديثه في الدباغ، (مسند أبي يعلى ١٣/ ١٦).
وقد قبل كثير من أهل العلم زيادة سفيان في الدباغ، واعتبروها زيادة من ثقة.
قال ابن المنذر: «فإن قالوا: ليس في رواية مَعْمَرٍ، عن الزُّهري ذكر (الدباغ)، قيل له: قد رَوَى هذا الحديثَ ابنُ عُيَينَةَ، وعقيل، والزبيدي، وهؤلاء من ثقات أصحاب الزُّهري، وقد ذكروا (الدباغ) في حديثهم،
[ ٤ / ٢٢٩ ]
والحافظ إذا زاد في الحديث شيئًا فزيادته مقبولة» (الأوسط ٢/ ٤٠٠).
وقال البيهقي: «رواه جماعة، عن الزُّهري؛ مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان وغيرهم، فلم يذكروا فيه: «فَدَبَغُوهُ»، وقد حفظه سفيان بن عيينة، والزيادة من مثله مقبولة إذا كانت لها شواهد، وقد تابعه على ذلك عقيل بن خالد، وسليمان بن كثير، والزبيدي فيما رُوِيَ عنهم» (السنن الكبرى ١/ ٢٤)، وأقرَّه ابن دقيق العيد في (الإمام ١/ ٢٩٧).
وقد قبلها أيضًا ابن بطال، وابن عبد البر، وقد ذكرنا قولهما في الكلام على طريق سفيان.
وقد تعقب ابن عبد البر قول الذهلي باضطراب سفيان، وجعل الاضطراب من الزُّهري، فقال: «والقول الذي قاله النيسابوري عن ابن عيينة من اضطرابه عن الزُّهري في هذا الحديث = قد قاله غيره عن ابن شهاب، واضطراب ابن شهاب في هذا الحديث، وفي حديث ذي اليدين؛ كثير جدًّا، وهذا الحديث من غير رواية ابن شهاب أصح، وثبوت (الدباغ) في جلود الميتة عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة صحاح ثابتة» (التمهيد ٩/ ٥١).
وبعيدًا عن الاختلافات الموجودة في طريق الزُّهري، فقد ثبت ذكر الدباغ من غير طريقه؛
فقد أخرجه مسلم (٣٦٣/ ١٠٢) عن ابن أبي عمر، وعبد الله بن محمد الزُّهري.
وأخرجه الحميدي في (مسنده ٤٩٨).
وأخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٧٦) عن محمد بن منصور.
وأخرجه أبو عوانة في (المستخرج ٦٢٨) من طريق علي بن المديني.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
خمستهم: عن سفيان بن عُيَينَة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا عبد الله بن محمد الزُّهري، وهو صدوقٌ من رجال مسلم (التقريب ٣٥٨٩)، وكذا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني.
وأما محمد بن منصور: فهو ابن ثابت الجواز، وهو ثقةٌ، كما في (التقريب ٦٣٢٥).
وقد تُوبع سفيان من محمد بن مسلم الطائفي، وابنِ جُرَيجٍ -وإن جعله من مسند ميمونة-.
فأما طريق محمد بن مسلم:
فأخرجه الطبراني في (الكبير ١١٣٨٤)، والخطيب في (الأسماء المبهمة ٦/ ٤١٢) عن موسى بن هارون، عن داود بن عمرو الضبي، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا محمد بن مسلم، قال فيه الحافظ: «صدوقٌ يخطئ من حفظه» (التقريب ٦٢٩٣).
وأما طريق ابن جُرَيجٍ:
فأخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٧٥)، والطحاوي في (معاني الآثار ١/ ٤٦٩)، وابن حبان (١٢٨٣)، والطبراني في (الكبير ٢٤/ ١٦/ ٣٠) من طرق، عن حجاج بن محمد المصيصي.
وأخرجه ابن الجارود (٨٧٣) من طريق أبي عاصم النبيل.
[ ٤ / ٢٣١ ]
كلاهما: عن ابنِ جُرَيجٍ، أخبرني عمرو بن دينار، قال: أخبرني عطاء، عن ابن عباس، قال: أخبرتني ميمونة، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، وصححه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
ورواه ابنُ جُرَيجٍ مرة أخرى -بإسقاط عمرو بن دينار-، عن عطاء، به، كذا رواه عبد الرزاق (١٨٨)، عن ابنِ جُرَيجٍ، به. وتابعه جماعة:
فأخرجه ابن راهويه في (مسنده ٢٠٢٨) عن محمد بن بكر.
وأخرجه أحمد (٢٠٠٣)، والدارقطني في (السنن ١٠٥) من طريق يحيى بن سعيد القطان.
وأخرجه الدارقطني أيضًا (١٠٥) من طريق عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى بن سعيد الأموي (^١).
أربعتهم (عبد الرزاق، وابن بكر، والقطان، والأموي): عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، به - غير أن القطان، والأُموي جعلاه من مسند ابن عباس -.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، وابنُ جُرَيجٍ وإن كان مدلسًا، فقد صرَّح بالسماع عند أحمد.
_________________
(١) هكذا جاء مصرَّحًا به في السند، وهو ما اعتمده الحافظ في (الإتحاف ٧/ ٤٠١) حيث ذكر رواية الأموي، ثم أتبعها برواية مسدد عن يحيى، وأفصح قائلًا: «هو القطان، كلاهما عن ابنِ جُرَيْجٍ» اهـ. ولكن نخشى أن تكون كلمة «الأموي» مقحمة من النساخ؛ فإن عبد الرحمن بن بشر -وهو أبو محمد النيسابوري- إنما يروي عن القطان لا عن الأموي، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
وكذا رواه يزيد بن أبي حبيب، وأسامة بن زيد الليثي، ويعقوب بن عطاء، وحجاج بن أرطاة، عن عطاء:
فأما طريق يزيد بن أبي حبيب: فأخرجه الترمذي (١٨٢٥)، والسراج في (مسنده) - كما في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩) -، والطبري في (تهذيب الآثار ١١٨٣، ١١٨٤)، وأبو عوانة في (المستخرج ٦٢٦)، والطحاوي في (المعاني ١/ ٤٦٩) من طرق: عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، وصححه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
وأما طريق أسامة بن زيد: فأخرجه الطحاوي في (المعاني ١/ ٤٦٩)، والدارقطني في (السنن ١٠٤)، والبيهقي في (الكبرى ٤٨) من طرق، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد، عن عطاء، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال مسلم، عدا أسامة بن زيد الليثي، قال فيه الحافظ: «صدوقٌ يَهِمْ» (التقريب ٣١٧).
وصححه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
وأما طريق يعقوب بن عطاء: فأخرجه أحمد (٣٥٢١)، والبزار في (مسنده) - كما في (نخب الأفكار ٧/ ١٨٠) -، والطبري في (تهذيبه ١١٨٦)، والطحاوي في (المعاني ١/ ٤٦٩)، وغيرهم من طرق: عن شعبة، عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، عن أبيه، به.
ولكن يعقوب بن عطاء: «ضعيفٌ» كما قال الحافظ في (التقريب
[ ٤ / ٢٣٣ ]
٧٨٩٢)، وبه أعلَّه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
وأما طريق حجاج بن أرطاة: فأخرجه البزار (٤٧٨٨) من طريق حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطاء، به.
ولكن حجاج بن أرطاة أيضًا ضعيفٌ، قال الحافظ: «صدوقٌ كثير الخطأ والتدليس» (التقريب ١١١٩).
وقد تُوبع عطاء على ذكر (الدباغ) من عكرمة مولى ابن عباس، لكنه جعله من مسند سودة، ومن عبد الرحمن بن وعلة، لكن بسياق مختلف، وستأتي رواياتهم قريبًا.
وكل هذا مما يؤكد حفظ سفيان لهذه اللفظة، قال البيهقي: «وحديث عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس شاهد لصحة حفظ سفيان بن عيينة ومن تابعه» (السنن الكبرى ١/ ٢٥).
ولو سلمنا بخطأ ذكر (الدباغ) في حديث الزُّهري، ونَحَّيْنا طريقه بالكلية، فتكفي هذه الطرق في إثبات الدباغ، مع شواهده الكثيرة.
ولذا قال الذهلي -بعد أن ضعَّف رواية (الدباغ) في حديث الزُّهري-: «وأما من غير رواية الزُّهري فذلك محفوظ صحيحٌ، عن ابن عباس» (التمهيد ٤/ ٥٠)
وقال ابن المنذر: «ولو لم يرو عن الزُّهري هذا الحديث، لكان في رواية عمرو بن دينار، وابن جُرَيجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، عن ميمونة، وحديثه عن عكرمة، عن ابن عباس؛ كفاية، ومقنع» (الأوسط ٢/ ٤٠١).
وقال ابن بطال: «وذكر (الدباغ) في حديث ابن عباس من رواية ابن وعلة، وعطاء، عن ابن عباس ثابت محفوظ». وقال أيضًا: «فإن (الدباغ) قد جاء من
[ ٤ / ٢٣٤ ]
طرق متواترة عن ابن عباس» (شرح صحيح البخاري ٥/ ٤٤٠ - ٤٤٢).
وقال ابن عبد البر: «وذكر (الدباغ) أيضًا موجود في هذه القصة من حديث عطاء، عن ابن عباس، روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس؛ فجاء ذكر (الدباغ) في هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه صحاح ثابتة والآثار بهذا أيضًا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة جدًّا فلا وجه لمن قصر عن ذكر (الدباغ») (التمهيد ٤/ ١٥٥ - ١٥٦، ١٦١).
وقال ابن حجر: «وقد ثبت ذكر (الدباغ) في غير حديث الزُّهري، فأخرجه مسلم، والنسائي من رواية ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: أن ميمونة أخبرته ، فذكر الحديث بمعناه، وليس فيه ذكر (الدباغ)، وأخرجه مسلم أيضًا من رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار، فذكر فيه (الدباغ») (موافقة الخبر ١/ ٤٩٠ - ٤٩١).
وقال أيضًا -بعد حديث الزُّهري غير المقيد بالدباغ-: «واستدل به الزُّهري بجواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا سواء أدبغ أم لم يدبغ، لكن صحَّ التقييد من طرق أخرى (بالدباغ) وهي حجة الجمهور» (فتح الباري ٩/ ٦٥٨).
وقال العيني: «قد جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله ﵇ صحيحة الأسانيد، ظاهرة المعاني، تخبر أن جلد الميتة يطهر (بالدباغ») (نخب الأفكار ٧/ ١٧٨).
[ ٤ / ٢٣٥ ]
روايةُ: «شَاةٍ لِإحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَتْ شَاةٌ -أَوْ دَاجِنَةٌ- لِإحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَاتَتْ، فَقَالَ: الحديث.
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ على شرط الشيخين.
[اللغة]:
الداجنة: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد تقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها، وفي حديث الإفك: «تَدْخُلُ الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُ عَجِينَهَا»، انظر: (النهاية لابن الأثير ٢/ ٢٢٠)، و(لسان العرب ١٣/ ١٤٨).
[التخريج]:
[حم ٢٥٠٤، ٣٤٦١ «واللفظ له» / عب ١٨٧/ بز ٥١٩٠/ طب ١١٣٨٤/ طس ٢١٢٣/ منذ ٨٣٠/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٨٠، ١١٨٢) / قط ١٠١/ شجاعة (ص ٣٣٧ - ٣٣٨) / مشب (ص ١/ ٢٧٠ - ٢٧١)].
[السند]:
رواه عبد الرزاق -ومن طريقه أحمد (٣٤٦١)، وابن المنذر-: عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، على شرط الشيخين، وابن جريج وإِن كان مدلسًا إِلَّا أنه صرَّح بالسماع.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
وقد تُوبع من عمرو بن دينار، بلفظ: «مَاتَتْ شَاةٌ فِي بَعْضِ بُيُوتِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ».
أخرجه أحمد (٢٥٠٤) عن يحيى بن أبي بكير، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن عمرو بن دينار، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، رجال الشيخين.
[تنبيه]:
نُسبت (الشاة) في هذه الرواية لإحدى نساء النبي ﷺ، وهي أم المؤمنين (ميمونة) - كما قال الخطيب بعد إخراجه لهذه الرواية في (الأسماء المبهمة ٦/ ٤١٢ - ٤١٣) - وسيأتي التصريح بذلك في الرواية التالية.
وقد نُسبت (الشاة) مرة أخرى لمولاة ميمونة كما تقدم، وهذا ليس فيه تعارضًا؛ فقد جمع الإمام الرافعي بين هاتين الروايتين بأحسن جمع، فقال: «ويمكن أن تكون القصة واحدة، لكن مولاتها كانت عندها، ومن خدمها، فتارة نسبت الشاة إليها، وتارة إلى ميمونة» (شرح مسند الشافعي ١/ ١٠١). قال ابن الملقن: «وهذا جمع متين» (البدر المنير ١/ ٥٨٢)، وانظر أيضًا (التمهيد ٤/ ١٦٧، ١٦٨).
وسيأتي حديث (سودة) ﵂ عند البخاري أنها قالت: «مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ الحديث»، فإن لم تكن الواقعة تعددت، فهو محمول على أنها أرادت «لَنَا» أي: نحن أزواج النبي ﷺ، ومنهن (ميمونة) ﵅ جميعًا، ويكون مَنْ نسب الشاة (لسودة) بناء منه على ظاهر قولها: «لَنَا»، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
روايةُ: «شَاةٍ لِمَيْمُونَةَ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ لِمَيْمُونَةَ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «أَلَا اسْتَمْتَعْتُم بِإِهَابِهَا؟» قَالُوا: وَكَيْفَ وَهِيَ مَيْتَةٌ؟! فَقَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا».
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ، وصححه: الطحاوي، وابن الملقن، والعيني.
[التخريج]:
[ن ٤٢٧٦/ كن ٤٧٦٠/ حم ٢٠٠٣، ٣٠١٦، ٣٤٥٢ «واللفظ له»، ٣٥٢١/ عه ٦١٨، ٦٢١، ٦٢٧، ٦٢١، ٦٣٠/ بز ٥١٨٩/ حميد ٦٥١/ طب (١١/ ١٧٦/ ١١٤١١)، (٢٣/ ٤٢٦/ ١٠٣٥) / حق (ط الكتاب العربي ٩١٨) / طح (١/ ٤٦٩) / تطبر (مسند ابن عباس ١١٧٦، ١١٨٥، ١١٨٦) / قط ١٠٥/ مسن ٨٠٣/ صمند (صـ ٩٦٩) / مطغ ١٨٨/ هق ٤٧/ ذهبي (١/ ١٢٢ - ١٢٣)].
[التحقيق]:
لهذه الرواية طريقان عن ابن عباس:
الطريق الأول:
أخرجه أحمد (٣٤٥٢)، وعبد بن حميد (٦٥١)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، إِلَّا أن معمرًا خالف أصحاب الزُّهري فقال: «إِنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا»، ورواه الجماعة بلفظ: «إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا»، لكن قال ابن عبد البر: «وذلك سواء» (التمهيد ٩/ ٥٠).
وقد تابع معمرًا على نسبة الشاة لميمونة جماعة؛
[ ٤ / ٢٣٨ ]
فأخرجه أحمد (٣٠١٦)، عن حماد بن خالد، عن مالك، عن الزُّهري، به.
ورواه الطبري، وأبو عوانة: من طريقين، عن سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجال الشيخين، عدا حماد بن خالد الخياط، وهو ثقة من رجال مسلم، كما في (التقريب ١٤٩٦).
وقد تُوبع عبيد الله بن عبد الله، من عطاء بن أبي رباح، كما في:
الطريق الثاني:
أخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٣٨) من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه أبو عوانة في (المستخرج ٥٥٦) من طريق ابنِ جُرَيجٍ.
كلاهما: عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه ثقاتٌ، رجال الشيخين.
وقد رواه ابنُ جُرَيجٍ، تارة أخرى، فقال: حدثنا عطاء، به، كما أخرجه أحمد في (المسند ٢٠٠٣). وهذا إسنادُهُ صحيحٌ على شرط الشيخين.
وقد صحح هذه الرواية؛ الطحاوي فقال: «وقد جاءت عن رسول الله ﷺ آثار متواترة صحيحة المجيئ، مفسرة المعنى، تخبر عن طهارة ذلك الدباغ، فمما رُوِيَ في ذلك » وذكر منها هذا الحديث (شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩).
وقال ابن الملقن، وبدر الدين العيني: «إسناده صحيحٌ» (البدر المنير ١/ ٥٨٠)، و(نخب الأفكار ٧/ ١٧٨).
[ ٤ / ٢٣٩ ]
روايةُ: إِبْهَامِ صَاحِبِ الشَّاةِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «مَاتَتْ شَاةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِهَا (لِأَهْلِ الشَّاةِ) » الحديث.
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ، وصححه الطحاوي، والعيني.
[التخريج]:
[ت ١٨٢٥ «واللفظ له ولغيره» / عه ٦٢٦ «والرواية له» / بز ٥١٨٨/ طب (١١/ ٢٠٣/ ١١٥٠١) / تطبر (مسند ابن عباس ١١٨٤) / طح (١/ ٤٦٩/ ٢٦٩٧) / قط ١٠٤/ هق ٤٨/ سراج (نخب ٧/ ١٧٩)].
[السند]:
قال الترمذي: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث -وهو ابن سعد-، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، على شرط الشيخين. وصححه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
وقد رواه غير يزيد عن عطاء كذلك:
فأخرجه الطحاوي، عن يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا أسامة -وهو ابن زيد الليثي-، عن عطاء بن أبي رباح، به.
وقد صحح الطحاوي إسناد هذه الرواية في (شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩)، والعيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
[ ٤ / ٢٤٠ ]
روايةُ: شَاةٍ لِسَوْدَةَ، بِسِيَاقٍ مُطَوَّلٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَاتَتْ فُلَانَةُ -تَعْنِي الشَّاةَ- فَقَالَ: «فَلَوْلَا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا (إِهَابَهَا) ١ [فَدَبَغْتُمُوهُ، ثُمَّ صَنَعْتُمُوهُ سِقَاءً] ١». فَقَالَتْ: [سُبْحَانَ اللهِ!] ٢ نَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ [فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ] ٣﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ، [لَا بَأْسَ] ٤ أَنْ تَدْبُغُوهُ فَتَنْتَفِعُوا بِهِ»، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا، فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا، فَدَبَغَتْهُ، فَأَخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً، حَتَّى تَخَرقَتْ عِنْدَهَا (ثُمَّ رَأَيْتُهَا بَعْدُ شَنَّةً (^١» ٢.
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا السياق.
[اللغة]:
«الْمَسْكُ، بسُكُون السين: الجلد». (النهاية ٤/ ٣٣١).
[التخريج]:
[حم ٣٠٢٦ «واللفظ له» / حب ١٢٧٥، ١٢٧٦ «والزيادة الرابعة له ولغيره»، ٥٤١٥/ مش (إصا ١٤/ ٢٨٥) / عل ٢٣٣٤، ٢٣٦٤/ طب
_________________
(١) وقع في المطبوع من (صحيح ابن حبان)، و(المعجم الكبير): «بَعْدَ سَنَةٍ» بالسين المهملة والنون المخففة، والصواب: «بَعْدُ شَنَّةٍ» بالمعجمة والنون المشددة، أي: رأيتها بعد فترة بالية، كما في رواية أحمد (حَتَّى تَخَرَّقَتْ)، ووقع على الصواب في (تهذيب الطبري ٣٩)، و(تفسير ابن أبي حاتم ٨٠٠٣)، و(ناسخ الحديث) لابن شاهين (١٦١).
[ ٤ / ٢٤١ ]
(١١/ ٢٨٨ - ٢٨٩/ ١١٧٦٥، ١١٧٦٦) / مث ٣٠٦٤ «مختصرًا» / تطبر (مسند ابن عباس (٢/ ٧٩٨/ ٣٩) «والرواية الثانية والزيادة الثالثة له ولغيره»، (٢/ ٧٩٩/ ٤٠) «والرواية الأولى والزيادة الأولى والثانية له» / طح (١/ ٤٧١) / مشكل ٣٢٤٢/ ناسخ ١٦١/ منذ ٨٣٣/ غحر (٢/ ٥٦٣) «مختصرًا» / حا ٨٠٠٣/ هق ٥٦، ٥٧/ مبهم (٦/ ٤١٣ - ٤١٤) / عتب (صـ ٥٥) / حنف (حارثي ٤١٠) / مصفار (إمام ١/ ٣١٩) / مردويه (در ٦/ ٢٣٤) / ضيا (١٢/ ٩٤ - ٩٦/ ١١١، ١١٢، ١١٣)].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه عقب الرواية التالية.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
رواية: "إِنَّمَا نَهَيْتُ أَنْ تَطْعَمُوهَا":
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ شَاةً لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا فَعَلَتْ فُلَانَةُ؟ -لِلشَّاةِ-»، قَالَتْ: مَاتَتْ، قَالَ: «فَمَا صَنَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟» قُلْنَا: أَلقَينَاهَا، قَالَ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ جِلْدَهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ»، قَالَتْ: يَارَسُولَ الله، أَوَ لَسْتَ قَدْ نَهَيْتَ عَنِ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُ أَنْ تَطْعَمُوهَا»، فَبَعَثْنَا فَأَخَذْنَا جِلْدَهَا، فَدَبَغْنَاهُ وَاتَّخَذْنَا مِنْهُ قِرْبَةً، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَنَا حَتَّى تَخَرَّقَ».
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا السياق.
[التخريج]: [ناسخ ١٦٠].
[السند]:
أخرجه أحمد (٣٠٢٦)، قال: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، به بالسياق الأول.
وأخرجه أبو يعلى -وعنه ابن حبان-، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا أبو عوانة، به.
وأخرجه ابن شاهين في (ناسخ الحديث ١٦٠) من طريق خلف بن هشام البزار، قال: حدثنا أبو عوانة، به. بسياق الرواية الثانية.
وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ٣٩) عن هناد بن السري، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، به.
وأخرجه ابن حبان من طريق قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو الأحوص،
[ ٤ / ٢٤٣ ]
به.
وأخرجه الطبري أيضًا (٤٠) عن أبي كريب، قال: حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن سماك، به.
ومداره عند الجميع على سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: سماك بن حرب، وهو وإِن كان صدوقًا، إِلَّا أن روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغيَّر بأخرة فكان ربما تلقن. (التقريب ٢٦٢٤).
وهذا الحديث خير شاهد على ذلك؛ فقد اضطرب في سنده على عدة أوجه:
الوجه الأول: عن عكرمة، عن ابن عباس:
كذا رواه أبو عوانة، وأبو الأحوص، وزائدة، وغيرهم، عن سماك، به، كما تقدم في السند.
الوجه الثاني: عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة بنت زمعة:
أخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١١٦٩) عن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل.
وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢٤/ ٣٧/ ١٠٠) عن أبي مسلم الكشي، عن أبي عمر الضرير، عن أبي عوانة.
كلاهما (إسرائيل، وأبوعوانة): عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس،
[ ٤ / ٢٤٤ ]
عن سودة، به. فجعله من مسند سودة بنت زمعة.
وهذا الإسناد إلى سماك رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا أبي عمر الضرير حفص بن عمر وهو صدوقٌ عالم، كما قال الحافظ في (التقريب ١٤٢١)، وقد تُوبع كما تقدم.
وأبو مسلم الكشي إبراهيم بن عبد الله، وهو ثقة ثبت، وثقه الدارقطني، والخليلي، وغيرهما، انظر: (الثقات لقطلوبغا ٢/ ٢٠٦).
الوجه الثالث: عن عكرمة، عن سودة (بإسقاط ابن عباس):
أخرجه أحمد (٣٠٢٧)، قال: حدثنا أسود -وهو ابن عامر-.
وأخرجه العقيلي (١/ ٥٤٧) من طريق خلاد بن يحيى.
وأخرجه الطبري في (تهذيبه ١١٧٣)، وابن أبي حاتم في (التفسير ٨٠٠٥) من طريق مؤمل (^١) بن إسماعيل.
ثلاثتهم (أسود، ومؤمل، وخلاد): عن إسرائيل.
وأخرجه ابن أبي خيثمة في (تاريخه/ السفر الثاني ٣٣٣٣).
وأخرجه العقيلي في (الضعفاء ١/ ٥٤٧)، والطبراني في (المعجم الكبير ٢٤/ ٣٦/ ٩٩) عن علي بن عبد العزيز البغوي.
كلاهما (ابن أبي خيثمة، والبغوي): عن عمرو بن حماد بن طلحة، عن أسباط بن نصر.
_________________
(١) وقع في مطبوع (تهذيب الآثار للطبري): «يوسف» بدلًا من «مؤمل»؛ وهو تحريف ظاهر؛ فلم نقف على ترجمة بهذا الاسم في هذه الطبقة، وأيضًا قد رواه ابن أبي حاتم من نفس طريق الطبري على الصحيح، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
كلاهما (إسرائيل، وأسباط): عن سماك، عن عكرمة، عن سودة بنت زمعة، به.
وقد تُوبع سماك على هذا الوجه من يزيد بن أبي زياد، كما أخرجه إسحاق بن راهويه (٢٠٩٠) عن جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، به.
وهذه متابعةٌ واهيةٌ من أجل يزيد؛ فإنه ضعيفٌ كبر فتغيَّر، وصار يتلقن، كما قال الحافظ في (التقريب ٧٧١٧)، وأيضًا كان مدلسًا؛ كما في (طبقات المدلسين ١١٢).
فيحتمل أنه أسقط سماكًا من إسناده، فرجع الحديث إلى سماك؛ ويكون إسناد الحديث من هذا الوجه ضعيفٌ؛ ففيه -بالإضافة إلى ما تقدم من الكلام في سماك، واضطرابه- انقطاع بين عكرمة وسودة؛ فإنه لم يسمع منها، قال ابن المديني: «لا أعلمه سمع من أحد من أزواج النبي ﷺ شيئًا» (جامع التحصيل صـ ٢٣٩).
قلنا: ومع اضطراب سماك؛ فقد خُولف من جماعةٍ ثقاتٍ حُفَّاظٍ رووا هذا الحديث عن عكرمة مرسلًا، ورواه بعضُهم عن عكرمة موقوفًا على سودة، وهذه هي:
العلة الثانية: المخالفة.
فقد أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف ٢٥٢٧٠) عن هُشَيْمٍ، عن أبي بِشر جعفر بن أبي إياس.
وأخرجه الطبري في (تهذيبه ١١٧٤) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، عن عاصم بن سليمان الأحول.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
وأخرجه الطبري أيضًا (١١٧٥) عن محمد بن بشار، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة.
ثلاثتهم (أبو بشر، وعاصم، وقتادة): عن عكرمة -مرسلًا-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَقَالَ: «أَلَا انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا، فَإِنَّ دَبْغَهَا طَهُورُهَا»، هذا لفظ ابن أبي شيبة، وفي رواية الطبري: «أَنَّ شَاةً لِسَوْدَةَ مَاتَتْ، «فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْلُخُوهَا فَيَنْتَفِعُوا بِإِهَابِهَا».
وهؤلاء جميعًا ثقات أثبات من رجال الشيخين، لو انفرد أحدهم لرجح على سماك، فكيف بهم مجتمعين؟ !
ورواه الشعبي عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة -من قولها- قالت: «مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَازِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا». أخرجه البخاري في (الصحيح ٦٦٨٦)، والنسائي في (المجتبى ٤٢٧٨)، وأحمد (٢٧٤١٨)، وغيرهم من طرق، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، به.
وهذا الوجه رجَّحه الدارقطني في (العلل ١٥/ ٢٨٧).
فالحديث بالسياق المطول ضعيفٌ لاضطراب سماك في سنده، ومخالفته لرواية الثقات في وصله.
ولكن يشهد لمعناه ما تقدم في (الصحيحين)، وغيرهما، والفقرة الأخيرة -وهي صنيع سودة-، يشهد لها ما أخرجه البخاري من حديث سودة، الذي ذكرناه آنفًا، وسيأتي تخريجه قريبًا.
فلعلَّ من أجل ذلك، ونظرًا لظاهر إسناده، صحح هذا الحديث بعض أهل العلم؛ كالطبري في (تهذيبه ٢/ ٧٩٩)، والنووي في (المجموع ١/
[ ٤ / ٢٤٧ ]
٢٧٥)، والذهبي في (المهذب ١/ ٢٠)، وابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٥٨٣)، والعيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٩١)، والسيوطي في (الحاوي ١/ ١٤)، والشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٧٧)، وأحمد شاكر في (تحقيق المسند ٣/ ٣٢٠)، والله أعلم.
[تنبيهان]:
الأول: قد صحح النووي هذا الحديث كما تقدم، لكن قال في (تهذيب الأسماء ٤/ ٧٥): «إسناده صحيحٌ على شرط مسلم». وفيه نظر؛ لأَنَّ مسلمًا لم يخرج لسماك بن حرب، عن عكرمة، وإِن كان أخرج لسماك من غير رواية عكرمة، وأخرج لعكرمة مقرونًا بغيره من غير رواية سماك.
قال الذهبي: «سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: نسخة عدة أحاديث، فلا هي على شرط مسلم؛ لإعراضه عن عكرمة، ولا هي على شرط البخاري؛ لإعراضه عن سماك، ولا ينبغي أن تعدَّ صحيحة؛ لأَنَّ سِماكًا إنما تُكلِّم فيه من أجلها» (سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٤٨).
الثاني: جاء عند الطبراني في (المعجم الكبير ١١٧٦٦): «مَاتَتْ شَاةٌ لِأُمِّ الْأَسْودِ»، فقال الطبراني (عقب الحديث): «قال أبو الأحوص: (أم الأسود)؛ وإنما الصواب سودة» اهـ، فاعتبر الطبراني ذلك وَهْمًا من أبي الأحوص، وليس كذلك؛ وإنما (أم الأسود) كنية سودة ﵂، وقد ذكرها بهذه الكنية ابن شاهين في (ناسخه ١٦١)، وابن أبي حاتم في (تفسيره ٨٠٠٣)، وأخرج ابن أبي عاصم الحديث في ترجمتها، وذكرها بكنيتها في رأس الترجمة، وفي الحديث.
وقد أفرد ابن حجر في (الإصابة) ترجمة باسم (أم الأسود)، فقال:
[ ٤ / ٢٤٨ ]
«أم الأسود: أخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، قال: «مَاتَتْ شَاةٌ لِأُمِّ الْأَسْوَدِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ » الحديث. وفيه: «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِمَسْكِهَا»، وهو في البخاري في كتاب الأيمان والنذور، عن ابن عباس، عن سودة زوج النبي ﷺ نحوه باختصار. وسودة بنت زمعة تقدمت ولا يعرف في أزواج النبي ﷺ أم الأسود فيحمل على أنها كنية سودة» (الإصابة ١٤/ ٢٨٥).
روايةُ بالتردد: «بِشَاةٍ لِأُمِّ سَلَمَةَ أَوْ لِسَوْدَة»:
• وَفِي رِوَايَةٍ -بِالشَّكِ- قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ لِأُمِّ سَلَمَةَ أَوْ لِسَوْدَة » فَذَكَرَ الحَديثَ.
[الحكم]: خطأٌ، والصوابُ أن الشاةَ لمولاةٍ لميمونة، كما تقدم.
[التخريج]: [كت (حبير ١/ ٧٥)].
[السند]:
أخرجه الحاكم في (تاريخ نيسابور) -كما في (التلخيص الحبير) -: من طريق مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، على ما أبرزه الحافظ من سنده، فمغيرة هو ابن مقسم الضبي: «ثقة متقن من رجال الشيخين» (التقريب ٦٨٥١).
ولكن أخرجه النسائي (٤٢٧٧) عن محمد بن قدامة، عن جرير بن
[ ٤ / ٢٤٩ ]
عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: قال ابن عباس: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا». ولم ينسبها لأحد. وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى المغيرة.
ورواه البخاري وغيره من طرق، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة من قولها، كما مرَّ الإشارة إليه، وسيأتي تخريجه قريبًا.
والمحفوظ من حديث ابن عباس كما تقدم من طرق عنه: أن الشاة (لمولاةٍ لميمونة)، وبعضُهم يقول: (لميمونة)، أو (لبعض نساء النبي ﷺ)، وتقدم الجمع بينهم.
فلا بُدَّ من النظر في سند هذه الرواية من الحاكم إلى المغيرة، لنعرف من يتحمل هذا الخطأ.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
روايةُ الْمَاءِ وَالْقَرَظِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ فِي آخِرِهِ: «أَوَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا؟». وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالدِّبَاغِ مَا يُطَهِّرُهَا؟». وَفِي أُخْرَى: «أَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا، وَالدِّبَاغِ؟».
[الحكم]: شاذٌ بذكر: (الْمَاءِ وَالقَرَظِ)، وليَّنَ سنده محمد بن يحيى الذهلي، والذهبي، وأما «التطهير بالدباغ» فثابتٌ صحيحٌ كما تقدم، وكما سيأتي من حديث ميمونة وسودة وغيرهما.
[اللغة]:
(القَرَظُ): شجر يُدبَغُ به، وقيل: هو ورَقُ السِّلَم يُدبَغُ به الأَدَمُ ومنه أَديمٌ مَقروظ، قال أَبو حنيفة: القَرَظُ أَجودُ ما تُدبَغُ به الأُهُبُ في أَرض العرب وهي تُدبَغُ بورقه، وثمره، وقال مَرةً: القَرَظُ شجرٌ عظام لها سُوق غلاظ أمثال شجر الجَوز وورقه أصغر من ورق التفاح وله حَب يوضع في المَوازين وهو يَنبُتُ في القيعان واحدَتُه قَرَظةٌ، وبها سُمِّي الرجلُ قَرَظةَ وقُرَيظةَ، وقَرَظَ السِّقاءَ يَقرظُه قَرظًا دَبَغَهُ بالقَرَظ أَوْ صبَغه به، انظر: (لسان العرب ٧/ ٤٥٤)، و(المصباح المنير ٢/ ٤٩٩). وقال الخطابي: «القرظ شجر تدبغ به الأهب، وهو لما فيه من القبض والعفوصة، ينشف البلة، ويذهب الرخاوة، ويحصف الجلد، ويصلحه، ويطيبه؛ فكل شيء عَمِلَ عَمَلَ القرظ؛ كان حكمه في التطهير حكم القرظ» (معالم السنن ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢)، وانظر أيضًا (البدر المنير ١/ ٦٠٦).
[التخريج]:
[مزني ١ «واللفظ له» / قط ٩٨ «والرواية الأولى له»، ٩٩ «والرواية
[ ٤ / ٢٥١ ]
الثانية له» / هق ٦٤، ٦٥/ تحقيق ٧١].
[السند]:
أخرجه أبو بكر النيسابوري في (الزيادات على كتاب المزني) (١) -وعنه الدارقطني (٩٨)، ومن طريقه البيهقي (٦٤)، وابن الجوزي في (التحقيق ٧١) - قال: نا إبراهيم بن هانئ، نا عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن يونس وعقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، به، بلفظ رواية (الصحيحين)، وزاد عقيل في حديثه: «قال رسول الله ﷺ: » فذكره.
وأخرجه الدارقطني (٩٨) أيضًا: من طريق محمد بن سهل بن عسكر، عن عمرو بن الربيع بن طارق، به. بلفظ الرواية الأولى.
ثم أخرجه الدارقطني (٩٩) -ومن طريقه البيهقي (٦٥) -: عن يحيى بن صاعد، ثنا محمد بن إسحاق (الصغاني)، نا عمرو بن الربيع بن طارق بهذا الإسناد مثله، وقال: زاد عقيل في حديثه: فذكره بلفظ الرواية الثانية.
فمداره عند الجميع على عمرو بن الربيع بن طارق، عن يحيى بن أيوب، عن عقيل بن خالد، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا يحيى بن أيوب، وهو الغافقي المصري، فقد اختلف فيه، فوثقه البخاري وابن معين -في رواية- والفسوي، ورماه أحمد، وغيره بسوء الحفظ، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وفي رواية قال: «ليس به بأس»، وقال أبو حاتم، والإسماعيلي: «لا يحتج به»، وقال ابن سعد: «منكر الحديث»، وقال الدارقطني: «في بعض حديثه
[ ٤ / ٢٥٢ ]
اضطراب»، واستشهد به البخاري، واحتج به مسلم، انظر: (تهذيب التهذيب ١١/ ١٨٧) و(مقدمة الفتح ١/ ٤٥١)، ولخص حاله الحافظ فقال: «صدوق ربما أخطأ» (التقريب ٧٥١١).
وقد صحح حديثه هذا جماعة من العلماء، منهم:
الدارقطني، فقد ذكر في الباب عدة أحاديث منها حديث يحيى هذا ثم قال: «هذه أسانيد صحاح».
وحسَّنه النووي في (المجموع ١/ ٢٢٢)، وتبعه ابن نجيم الحنفي في (البحر الرائق ١/ ١١١)، وكذلك حسَّنه ابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٦٠٣)، ونقل عن المنذري أنه قال في «كلامه على أحاديث المهذب»: «حديث حسن، ورجالُه ثقاتٌ»، ثم نقل تصحيح الدارقطني وأقرَّه، ثم أخذ يتكلم على رجاله واحدًا تلو الآخر (البدر المنير ١/ ٦٠٤).
وكذلك حسَّنه ابن حجر في (التلخيص ١/ ٧٩)، والسيوطي في (الحاوي للفتاوي ١/ ١٥)، وقال الألباني: «إسناده صحيحٌ على شرط الشيخين!» (الصحيحة ٢١٦٣).
قلنا: ولكن لهذا الحديث علة -بغض النظر عما قيل في يحيى-:
فقد تفرَّد يحيى بزيادة: (الماء والقرظ) في هذا الحديث، وقد رواه مالك، ويونس بن يزيد، ومعمر، وغيرهم من الثقات الحفاظ من أصحاب الزُّهري، عن الزُّهري، عن عبيد الله، به، ولم يذكروا هذه الزيادة مطلقًا، بل وجزم أبو داود في (السنن عقب رقم ٤٠٧٤) أن عقيلًا لم يذكر (الدباغ) في روايته عن الزُّهري (^١).
_________________
(١) ووجدناه كذلك في (حديث أبي الفضل الزُّهْرِيّ ٧٦) من رواية محمد بن عزيز الأيلي، قال: حدثني سلامة بن روح، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: ، فذكره بإسناد مثله. فأحاله على الرواية التي قبله، وليس فيها ذكر (الدباغ). لكن هذا السند ضعيف جدًّا، وهو نسخة مشهورة يغلب عليها المناكير، وقد تقدم الكلام عليه بتوسع أثناء الكلام على حديث عامر بن ربيعة في باب: «حكم الماء المستعمل»، فانظره هناك.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
قلنا: وكذا لم يذكرها سفيان بن عيينة، والزبيدي، وسليمان بن كثير، وإِن كان في حديثهم ذكر (الدباغ)، كما تقدم.
وعليه فرواية يحيى هذه شاذة؛ وقال الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: «وأما ذكر (الدباغ) فيه، فلا يوجد إِلَّا من رواية يحيى بن أيوب، عن عقيل، ومن رواية بقية، عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، » (التمهيد ٩/ ٥٠).
قلنا: وفي كلامه عن رواية ابن عيينة، وبقية، بشأن ذكر (الدباغ) نظر، وقد تقدم بيانه، أما عن هذا اللفظ الذي ذكره الغافقي عن عقيل، فلم يذكره أحد ممن روى الحديث عن ابن عباس؛ كعطاء، وسعيد بن جبير، وابن وعلة، ولذا أعله به الذهبي فقال: «هذا مما انفرد به يحيى وقد لُيِّنَ» (التنقيح ١/ ٢٩ - ٣٠).
نعم، لهذا اللفظ شاهد من حديث العالية بنت سبيع، عن ميمونة، ولكن إسنادُهُ ضعيفٌ، وآخر من مرسل الزُّهري، وهو ضعيفٌ جدًّا، وسيأتي الكلام عليهما.
[تنبيه]:
الحديث ذكره ابن الأثير في (النهاية ٢/ ٤٤٤) بلفظ: «أَلَيْسَ فِي الشَّثِّ
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وَالقَرَظِ مَا يُطَهَّرُهُ؟». وقال: «الشث: شجر طيب الريح مُرُّ الطعم، ينبت في جبال الغور ونجد. والقرظ: ورق السِّلَم، وهما نبتان يدبغ بهما. هكذا يروى هذا الحديث بالثاء المثلثة، وكذا يتداوله الفقهاء في كتبهم وألفاظهم. وقال الأزهري في كتاب (لغة الفقه): إِنَّ الشب -يعني: بالباء الموحدة- هو من الجواهر التي أنبتها الله في الأرض يدبغ به، شبه الزاج. قال: والسماع الشب بالباء، وقد صحفه بعضهم فقال الشث» اهـ.
قلنا: كذا قال!، ولم نقف على رواية بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث، وقد سبق ابن الأثير في ذكر الحديث بهذا اللفظ: الرافعي في (الشرح الكبير ١/ ٢٩٣)، والماوردي في (الحاوي ١/ ٦٢) وغيرهم من الفقهاء.
قال النووي: «واعلم أنه ليس للشب ولا الشث ذكر في حديث (الدباغ)، وإنما هو من كلام الإمام الشافعي -﵀- فإنه قال: والدباغ بما كانت العرب تدبغ به وهو الشث والقرظ هذا هو الصواب. وقد قال صاحب (الحاوي) وغيره: «جاء في الحديث النص على الشث والقرظ»، كذا نقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب؛ فإنه قال في تعليقه: الذي وردت به السنة ثم ذكر حديث ميمونة الذي قدمته، وقال: هذا هو الذي أعرفه مرويًّا، قال: وأصحابنا يروون: «يُطَهِّرُهُ الشَّثُّ وَالْقَرَظُ»، وهذا ليس بشيء» (المجموع ١/ ٢٢٣).
وقال النووي في (الخُلَاصَة): «وقولهم في كتب الفقه: (الشَّثُّ وَالْقَرَظُ)، باطلٌ لا أصل له» (خلاصة الأحكام ١/ ٧٧).
وقال ابن الملقن: «هذا الحديث غريب بذكر (الشب) فيه، لا أعلم من خرَّجه به، » (البدر المنير ١/ ٦٠٣ - ٦٠٤). وكذا استغربه الحافظ في (التلخيص ١/ ٧٩).
* * *
[ ٤ / ٢٥٥ ]
روايةُ: «فَإِنَّهُ ذَكَاتُهُ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟!، أَلَا دَبَغْتُمُوهُ فَإِنَّهُ ذَكَاتُهُ؟!».
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ.
[التخريج]: [حم ٢٠٠٣ «واللفظ له» / قط ١٠٥].
[السند]:
رواه أحمد قال: حدثنا يحيى، حدثنا ابنُ جُرَيجٍ، حدثنا عطاء، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، يحيى هو ابن سعيد القطان الإمام، وابنُ جُرَيجٍ ثقة إمام وكان يدلس، وقد صرَّح هنا بالتحديث، وعطاء هو ابن أبي رباح.
ورواه الدارقطني في (السنن) من طريق عبد الرحمن بن بشر، نا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابنِ جُرَيجٍ به، ثم رواه من طريق مسدد، ثنا يحيى، عن ابنِ جُرَيجٍ، به.
وظاهر هذا الإسناد أن يحيى بن سعيد الأموي -وهو ثقة يغرب- قد تابع القطان في روايته عن ابنِ جُرَيجٍ، وهو ما اعتمده الحافظ في (الإتحاف ٧/ ٤٠١) حيث ذكر رواية الأموي، ثم أتبعها برواية مسدد عن يحيى، وأفصح قائلًا: «هو القطان، كلاهما: عن ابنِ جُرَيجٍ» اهـ.
ولكن نخشى أن تكون كلمة (الأموي) مقحمة من النساخ؛ فإن
[ ٤ / ٢٥٦ ]
عبد الرحمن بن بشر -وهو أبو محمد النيسابوري- إنما يروي عن القطان لا عن الأموي، وكذلك مسدد، والله أعلم.
روايةُ دِبَاغِهِ ذَكَاتُهُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّ دِبَاغَهُ ذَكَاتُهُ».
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ، وصححه الدارقطني، وأقرَّه ابن الجوزي، والقرطبي، وابن عبد الهادي.
[التخريج]:
[تطبر (مسند ابن عباس ١١٨٠) «واللفظ له» / قط ١٠١/ زهر ٧٤/ مشب ٦٣، ٦٤/ تحقيق تحت رقم ٧١/ جوصا ٤٠/ جماعة (٣٣٧ - ٣٣٨)].
[السند]:
أخرجه الطبري في (تهذيب الآثار) قال: حدثني أحمد بن الفرج الحمصي، قال: [نا بقية بن الوليد] (^١) حدثني (الزبيدي) (^٢)، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.
وأخرجه الدارقطني في (السنن) -ومن طريقه ابن الجوزي في
_________________
(١) سقط من المطبوع، واستدركناه من (سنن الدارقطني).
(٢) وقع في المطبوع: «الزبيري»، وهو تحريف واضح.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
(التحقيق) -: من طريق أبي عتبة الحمصي، نا بقية بن الوليد، نا الزبيدي، به.
وأخرجه أبو الفضل الزُّهري في (حديثه ٧٤): عن جعفر بن محمد الفريابي، عن إسحاق بن راهويه، عن بقية، به.
ورواه ابن جوصاء في (حديثه ٤٠) -ومن طريقه ابن البخاري في (مشيخته ٦٣)، وابن جماعة في (مشيخته ١٠٦) -: عن عمرو بن عثمان، وكثير بن عبيد، قالا: ثنا بقية بن الوليد، به.
فمداره عند الجميع على بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه ثقاتٌ، غير أن بقية بن الوليد يدلس ويسوي، وقد صرَّح بقية بالسماع بينه وبين شيخه، وكذا بين شيخه وشيخ شيخه، فانتفت شبهة التدليس والتسوية، ولذا صححه الدارقطني، وأقرَّه ابن الجوزي، والقرطبي، وابن عبد الهادي. وقد تقدم الكلام على هذه الرواية بتوسع، مع الجواب عن إعلال الذهلي لها، عند الكلام على رواية ابن عيينة في (الدباغ)، فانظره هناك.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
رواية: «دِبَاغُ إِهَابِهَا طَهُورُهَا»:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا، وَدِبَاغُ إِهَابِهَا طَهُورُهَا».
[الحكم]: صحيح المتن بما سبق، وهذا إسنادٌ صححه الدارقطني، وأقرَّه ابن الجوزي، والقرطبي، وابن عبد الهادي.
[التخريج]: [قط ١٠٢ «واللفظ له» / تحقيق تحت رقم ٧١].
[السند]:
أخرجه الدارقطني -ومن طريقه ابن الجوزي- قال: نا ابن صاعد، نا أحمد بن أبي بكر المقدمي، نا محمد بن كثير العبدي، وأبو سلمة المنقري، قالا: نا سليمان بن كثير، نا الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله لا بأس بهم، إلا أن سليمان بن كثير، قال عنه الحافظ: «لا بأس به في غير الزُّهري» (التقريب ٢٦٠٢). ولكنه متابع، كما تقدم، ولعل لذلك صححه الدارقطني، وأقرَّه ابن الجوزي، والقرطبي، وابن عبد الهادي، وقد تقدم الكلام على هذه الرواية أيضًا، عند الكلام على رواية ابن عيينة في (الدباغ)، فانظره هناك.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
روايةُ: «دِبَاغِ الْأَدِيمِ طَهُورُهُ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّ دِبَاغَ الْأَدِيمِ طَهُورُهُ».
[الحكم]: صحيح المتن بما تقدم، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفه: الزيلعي، وابن الملقن، وابن حجر، والعيني.
[التخريج]:
[حم ٣٥٢١ «واللفظ له» / بز ٥٢٠٣/ طب (١١/ ١٧٦/ ١١٤١١)، (٢٣/ ٤٢٦/ ١٠٣٥) / طح (١/ ٤٦٩) / شعبة ٦٤/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٨٦) / هقخ (بدر ١/ ٦١٤)].
[السند]:
أخرجه أحمد -ومن طريقه الطبراني-، قال: حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، به.
ومداره عندهم على شعبة، عن يعقوب بن عطاء، به.
قال البزار -عقب الحديث-: «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يعقوب بن عطاء عن أبيه؛ إِلَّا شعبة، وقد رُوِيَ عن عطاء عن ابن عباس، من وجوه».
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، رجال الصحيح، عدا يعقوب بن عطاء، وهو ضعيفٌ، كما في (التقريب ٧٨٢٦).
وبه أعلَّه الزيلعي في (نصب الراية ١/ ١١٩)، وابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٦١٤)، وفي (تذكرة المحتاج صـ ٣٥)، والحافظ في (التلخيص ١/
[ ٤ / ٢٦٠ ]
٨١)، والعيني في (البناية شرح الهداية ١/ ٤١٢).
ويشهد له حديث ابن وعلة، عن ابن عباس؛ الذي خرجه مسلم بلفظ: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ»، وسيأتي تخريجه في الباب التالي.
روايةُ: «وَلَمْ يُحَرِّمْ إِهَابُهَا»:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا، وَلَمْ يُحَرِّمْ إهَابُهَا».
[الحكم]: صحيحٌ، دون قوله: «وَلَمْ يُحَرِّمْ إهَابُهَا»، فسنده ضعيفٌ، وإِنْ كَانَ معناه صحيحًا.
[التخريج]: [تطبر (مسند ابن عباس ١١٧٨)].
[السند]:
قال الطبري: حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، قال: حدثني سفيان، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، عدا الدامغاني، قال عنه أبو حاتم: «يكتب حديثه» (الجرح والتعديل ٨/ ٣٩). وقال الحافظ: «مقبول» (التقريب ٦٢٠٥)، أي: حيث يتابع وإلا فلين، ولم يُتابع، بل خُولف؛ فقد تفرد بزيادة: «وَلَمْ يُحَرِّمْ إهَابُهَا»، مخالفًا الثقات الحفاظ من أصحاب سفيان بن عيينة، كالشافعي، وعلي بن المديني، والحميدي، وأحمد بن حنبل،
[ ٤ / ٢٦١ ]
وغيرهم، حيث رووه عن ابن عيينة بدونها.
روايةُ حُرِّمَ .. وَرُخِّصَ ..:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُهَا، وَرُخِّصَ لَكُمْ فِي مَسْكِهَا».
[الحكم]: صحيحٌ، دون قوله: «وَرُخِّصَ لَكُمْ فِي مَسْكِهَا» فشاذٌ، وصحح سنده الدارقطني.
[التخريج]:
[طب (٢٣/ ٤٢٨/ ١٠٤٠) «واللفظ له» / قط ١٠٣/ تحقيق تحت رقم ٧١].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا أحمد بن إسحاق الخشاب الرقي، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن راشد، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.
وأخرجه الدارقطني -ومن طريقه ابن الجوزي-، قال: حدثنا ابن صاعد، نا هلال بن العلاء، نا عبد الله بن جعفر الرقي، به.
فمداره عندهم على عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن راشد، عن الزُّهري، به.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا إسحاق بن راشد الجزري؛ فمن رجال البخاري، إِلَّا أن في روايته عن الزُّهري بعض الضعف، كما قال الذهلي، وابن معين، والدارقطني، ولخص الحافظ حاله؛ فقال: «ثقة، فى حديثه عن الزهري بعض الوْهَمِ» (التقريب ٣٥٠)، وانظر: (تهذيب التهذيب ١/ ٢٣١).
وقد صحح سنده الدارقطني مع غيره من أسانيد هذا الحديث، كما تقدم نقله.
قلنا: لكن تفرد إسحاق بزيادة: «وَرُخِّصَ لَكُمْ فِي مَسْكِهَا» عن الزُّهري، مخالفًا الثقات الحفاظ من أصحابه، فلم يذكرها أحد منهم، فهي زيادة شاذة.
هذا وإِن كان معناها صحيحًا موافقًا لرواية الثقات في إباحة الانتفاع بجلود الميتة، وإنما كلامنا في ثبوت هذا اللفظ عن النبي ﷺ.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
روايةُ: «اتَّخَذْتُمُوهُ شَنًّا»:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «مَاتَتْ شَاةٌ عِنْدَ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا دَبَغْتُمْ إِهَابَهَا فَاتَّخَذْتُمُوهُ شَنًّا (سِقَاءً»).
[الحكم]: صحيحٌ، دون قوله: «اتَّخَذْتُمُوهُ شَنًّا» فشاذٌ.
[التخريج]:
[طب (١١/ ١٦٧/ ١١٣٨٤) «واللفظ له» / مبهم (٦/ ٤١٢) «والرواية له»].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا موسى بن هارون، ثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وأخرجه الخطيب في (الأسماء المبهمة)، من طريق موسى بن هارون، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله كلهم ثقات، عدا محمد بن مسلم وهو الطائفي، فمختلف فيه: روى له مسلم حديثًا واحدًا متابعة، ووثقه جماعة، وضعَّفه آخرون، وقال عنه الحافظ: «صدوق يخطئ من حفظه» (التقريب ٦٢٩٣).
وقد تفرد بلفظة: «اتَّخَذْتُمُوهُ شَنًّا»، وخالفه الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار، كسفيان بن عيينة، وابنِ جُرَيجٍ، حيث رويَاه عنه، ولم يذكروا هذه الزيادة، كما تقدم.
وعليه فهذه الزيادة شاذَّة من هذا الوجه، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
روايةُ «فَانْتَفِعُوا بِمَسْكِهَا»:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُ الْمَيْتَةِ، فَانْتَفِعُوا بِمَسْكِهَا»، أَوْ قَالَ: «بِجِلْدِهَا».
[الحكم]: صحيح المتن بلفظ: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ» ونحوه، أما بلفظ الأمر، فإسناده ضعيف.
[التخريج]: [تطبر ١١٧٩].
[السند]:
قال الطبري: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، عدا سفيان شيخ ابن جرير، وهو سفيان بن وكيع، قال عنه الحافظ: «كان صدوقًا، إِلَّا أنه ابتُليَ بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنُصِحَ فلم يقبل؛ فسقط حديثه» (التقريب ٢٤٥٦).
وقد رواه بلفظ: «فَانْتَفِعُوا بِمَسْكِهَا»، والمحفوظ في هذا الحديث بلفظ: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ» ونحوه، من غير أمر، كذا رواه معمر، ومالك، ويونس، وغيرهم من أصحاب الزُّهري، كما تقدم في (الصحيحين)، وغيرهما.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
روايةُ: «فَدَبَغَتْهُ سَوْدَةُ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبْصَرَ شَاةً مَيْتَةً شَاغِرَةً بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا؟» فَدَبَغَتْهُ سَوْدَةُ، وَانْتَبَذَتْ فِيهِ.
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا السياق، والمرفوع منه صحيحٌ بما سبق، وأما صنيع سودة فله شاهد عند البخاري سيأتي قريبًا.
[التخريج]: [بز ٤٧٨٨، ٥١٦٨].
[السند]:
قال البزار في (الموضعين): حدثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا حفص بن غياث، قال: حدثنا الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، عدا حجاج وهو ابن أرطاة، قال عنه الحافظ: «صدوق كثير الخطأ والتدليس» (التقريب ١١١٩).
وقال البزار بإثره: «وإنما ذكرنا هذا الحديث؛ لأنه زاد فيه ما نحب أن نخرجه لعلة الزيادة فيه» (المسند ٥١٦٨).
قلنا: وهذه الزيادة التي أشار إليه البزار هي قوله: «فَدَبَغَتْهُ سَوْدَةُ، وَانْتَبَذَتْ فِيهِ»، وإلا فأصل الحديث محفوظ من غير طريق الحجاج، فقد أخرجه الحميدي في (مسنده ٤٩٨)، وغيره، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو به، ولكن بدون الزيادة الأخيرة.
وكذا أخرجه البخاري (٥٥٣٢) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بلفظ: «مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا».
[ ٤ / ٢٦٦ ]
وأما الزيادة الأخيرة وهي: صنيع سودة؛ فلها شاهد عند البخاري (٦٦٨٦)، من حديث سودة، وسيأتي قريبًا.
روايةُ «فَسَلَخَتْهُ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ مَرَّ عَلَى شَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «لِمَنْ هَذِهِ؟» فَقَالُوا: لِسَوْدَةَ، قَالَ: «أَفَلَا انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا؟»؛ فَسَلَخَتْهُ، فَدُبِغَتْ، وَجُعِلَتْ قِرْبَةً يُسْتَقَى بِهَا.
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا السياق.
[التخريج]:
[تطبر (مسند ابن عباس ١١٨٧)].
[السند]:
قال الطبري في (تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس): حدثني علي بن داود الأدمي، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز (الرملي) (^١) قال: حدثنا هاشم بن سليمان، عن العرزمي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ فيه: محمد بن عبد العزيز الرملي، قال عنه أبو حاتم:
_________________
(١) تصحف في المطبوع إلى: (الأدمي) والصواب (الرملي)، كما في كتب التراجم، فالظاهر أن نظر الناسخ انتقل منه إلى الراوي عنه (علي بن داود الأدمي).
[ ٤ / ٢٦٧ ]
«أدركته، ولم يقض لي السماع منه، كان عنده غرائب، ولم يكن عندهم بالمحمود، هو إلى الضعف ما هو»، وقال أبو زُرْعَةَ: «ليس بالقوي» (الجرح والتعديل ٨/ ٨)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٩/ ٨١)، وقال: «ربما خالف»، ووثقه العجلي، وقال يعقوب بن سفيان: «كان حافظًا» (تهذيب التهذيب ٩/ ٣١٤). وروى له البخاري في (الصحيح) متابعة، كما في (مقدمة الفتح ص ٤٤١). ولخص الحافظ حاله، فقال: «صدوقٌ يَهِمْ وكانت له معرفة» (التقريب ٦٠٩٣).
* وهاشم بن سليمان، ذكره المزي في شيوخ محمد بن عبد العزيز (تهذيب الكمال ٢٦/ ١١)، ولم نقف له على ترجمة.
* والعرزمي، في هذه الطبقة اثنان:
أحدهما: عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، قال فيه الحافظ: «صدوقٌ له أوهام» (التقريب ٤١٨٤)، وقد أخرجه مسلم من طريقه، عن عطاء، عن ابن عباس أن الشاةَ لمولاةٍ لميمونةَ، كما تقدم.
والثاني: ابن أخيه محمد بن عبيد بن أبي سليمان العرزمي، وهو متروكٌ، كما في (التقريب ٦١٠٨). وهو بهذه الرواية أشبه، فهي منكرةٌ لمخالفتها رواية الثقات عن عمرو بن دينار؛ كسفيان بن عيينة، وابنِ جُرَيجٍ، وإبراهيم بن نافع المخزومي؛ حيث رووه جميعًا عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس به، وفيه أن الشاة لميمونة أو لمولاتها، وليس فيه الفقرة الأخيرة (فَسَلَخَتْهُ، إلخ).
وأما نسبة الشاة لسودة، وسلخها لإهابها، ثم دبغه وجعله قربة؛ فهو ثابت من حديث ابن عباس، عن سودة، كما عند البخاري (٦٦٨٦)، وسيأتي قريبًا.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
٣٥٨ - حَدِيثُ مَيْمُونَةَ:
◼ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂، قَالَتْ: «أُهْدِيَ لِمَوْلاةٍ لَنَا شَاةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «أَلا دَبَغْتُمْ إِهَابَهَا وَاسْتَنْفَعْتُمْ بِهِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا».
[الحكم]: إسنادهُ صحيحٌ، وهو عند مسلم -ولكن لم يذكر لفظه-، وصححه ابن حبان، والألباني.
[التخريج]:
[م ٣٦٣/ د ٤٠٧٢ «واللفظ له» / ن ٤٢٧٥ (^١)
/ جه ٣٦٣٥/ حم
_________________
(١) جاء في المطبوع من (سنن النسائي) «ط. مكتب المطبوعات الإسلامية» (٤٢٣٧) بلفظ: «أَلَا دَفَعْتُمْ إِهَابَهَا »، وجاء في «ط. التأصيل»، بلفظ: «أَلَا دَبَغْتُمْ إِهَابَهَا»، وهو الصحيح؛ فقد رواه النسائي عن عبد الرحمن بن خالد القطان، عن حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، عن ميمونة. وقد تُوبع عبد الرحمن بن خالد، من يحيى بن معين -كما عند الطبراني في (الكبير ٢٤/ ١٦ - ٣٠) -، وأبي بشر الرقي -كما عند الطحاوي في (معاني الآثار ١/ ٤٦٩) -، ويوسف بن سعيد بن مسلم -كما عند ابن حبان (١٢٧٨) -؛ جميعهم بلفظ: «الدباغ». وأيضًا تُوبع حجاج المصيصي على ذلك -ولكن بإسقاط عمرو بن دينار- من أبي عاصم النبيل -كما عند ابن الجارود (٨٥٠) -، وعبد الرزاق، ويزيد بن هارون-كما عند أحمد (٢٦٨٥٢) -، ومحمد بن بكر -كما عند ابن راهويه (٢٠٢٨) -. ولذا قال السندي: «قوله: «أَلَا دَفَعْتُمْ إِهَابَهَا»، هكذا في نسختنا؛ من الدفع بالفاء والعين المهملة، أي: أخذتموه وبعدتموه من اللحم بالنزع عنه، والأقرب: (دَبَغْتُمْ») (حاشية سنن النسائي ٧/ ١٧٢ - ١٧٣).
[ ٤ / ٢٦٩ ]
٢٦٧٩٥، ٢٦٨٥٢/ حب ١٢٧٨، ١٢٨٠، ١٢٨٤/ عه ٦١٩/ عب ١٨٨/ ش ٢٥٢٦٨/ عل ٧٠٧٩، ٧١٠٠/ حمد ٣١٧/ طب (٢٣/ ٤٢٦، ٤٢٧/ ١٠٣٤، ١٠٣٦، ١٠٣٧)، (٢٤/ ١٦/ ٢٩، ٣٠) / حق ٢٠٢٨/ منذ ٨٣١، ٨٣٢/ قناع ١٨١/ مسن ٧٩٨، ٨٠٢/ طح (١/ ٤٦٩) / جا ٨٧٣/ صمند (صـ ٩٦٩) / صحا ٧٤٥٠/ هق ٤٦/ محلى (١/ ١١٩) / كر (٢٣/ ١١٢) / عساكر (مساواة صـ ١٩٣، ١٩٤) / مشب ٦٦/ خبر (١/ ٤٨٩)].
[السند]:
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وابن أبي عمر، جميعًا: عن ابن عيينة -قال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة-، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، بنحوه. ثم قال: قال أبو بكر، وابن أبي عمر، في حديثهما: عن ميمونة ﵂.
وقال أبو داود: حدثنا مسدد، ووهب بن بيان، وعثمان بن أبي شيبة، وابن أبي خلف، قالوا: حدثنا سفيان، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -قال مسدد، ووهب: عن ميمونة-، به.
وأخرجه أحمد، والحميدي: عن سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، به.
وأخرجه النسائي، قال: أخبرني عبد الرحمن بن خالد القطان الرقي، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، قال: أخبرني عطاء منذ حين، عن ابن عباس، أخبرتني ميمونة، به.
ورواه الطبراني، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا يحيى بن
[ ٤ / ٢٧٠ ]
معين، ثنا حجاج، أخبرني ابن جُرَيجٍ، أخبرني عمرو بن دينار، به.
ورواه إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل من طرق، عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: أخبرتني ميمونة، به.
[تنبيهان]:
الأول: روى مسلم هذا الحديث من طريق ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ، وتقدم في (الصحيحين) من رواية ابن عباس، عن النبي ﷺ، وأخرجه البخاري من طريق عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة -كما سيأتي قريبًا-، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، وسيأتي تخريجه في الباب التالي.
وهذا الاختلاف لا يضرُّ، فكل هذه الأوجه صحيحة ثابتة عن ابن عباس، مع اتساع المخرج عنه.
وقد سئل البخاري عن هذا الخلاف؛ فقال: «هذا كلُّه صحيحٌ، يحتمل أن يكون روى عن ميمونة، وعن سودة، ثم روى هو عن النبي ﷺ» (العلل الكبير للترمذي صـ ٢٨٢).
وقال الترمذي -عقب حديث ابن وعلة، عن ابن عباس «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» -: «وقد رُوِيَ من غير وجه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نحو هذا، وروي عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ، وروي عنه عن سودة؛ وسمعت محمدًا يصحح حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ، وحديث ابن عباس، عن ميمونة، وقال: أحتمل أن يكون روى ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ، وروى ابن عباس، عن النبي ﷺ، ولم يذكر فيه:
[ ٤ / ٢٧١ ]
عن ميمونة» (جامع الترمذي ٣/ ١٢٣).
وقال ابن المنذر: «فإن قيل: قد اختلفوا فيه، قيل: ليس الاختلاف مما يوهن الخبر، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين: إما أن يكون ابن عباس سمع ذلك من ميمونة وسودة جميعًا؛ لأَنَّ كل من روى ما ذكرناه عن ابن عباس عن ميمونة أو سودة؛ ثقة يجب قبول حديثه، فيحتمل أن يكون ابن عباس سمع الحديث منهما، فإِن كان ذلك فهو ثابت لا يدفع له أن يكون ذلك ثابتًا عن أحدهما، فأيهما كان فهو مقبول لا معنى لرده، وأيهما كان يخبره يجب قبوله ، فأما خبر ابن وعلة عن ابن عباس؛ فليس مما يجوز أن يقابل به خبر عبيد الله بن عبد الله، ولا عطاء، ولا عكرمة إذا خالفوه؛ لأَنَّ هؤلاء حفاظ، أصحاب ابن عباس، مع أن رواية ابن وعلة ليست بخلاف لرواية هؤلاء، قد يجوز أن يكون ابن عباس قد سمع النبي ﷺ يقول: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» مختصرًا، ويكون قد سمع من ميمونة وسودة أو إحداهما قصة الشاة، وليس في رواية ابن وعلة قصة الشاة، ولا في حديث هؤلاء اللفظ الذي في رواية ابن وعلة، فيجوز أن يكونا حديثين محفوظين، كل واحد منهما غير صاحبه» (الأوسط ٢/ ٤٠٠).
وقال ابن عبد البر -حاكيًا عن أحمد بن حنبل، وبعضِ من ذهب مذهبه في تضعيف أحاديث دباغ جلود الميتة-: «قال: إِنَّ حديث ابن عباس مختلف فيه؛ لأَنَّ قومًا يقولون: عن ابن عباس، عن ميمونة، وقومًا يقولون: عن ابن عباس، عن سودة، ومرة جعلوها لميمونة، ومرة يجعلون الشاة لسودة، ومرة جعلوها لمولاة ميمونة، ومرة قالوا: عن ابن عباس سمعت رسول الله ﷺ. -قال ابن عبد البر-: هذا كلُّه ليس باختلاف يضرُّ؛ لأَنَّ الغرض صحيحٌ والمقصد واضح ثابت، وهو أن الدباغ يطهر إهاب الميتة، سواء
[ ٤ / ٢٧٢ ]
كانت الشاة لميمونة أو لسودة أو لمن شاء الله، وممكن أن يكون ذلك كله أو بعضه، وممكن أن يسمع ابن عباس بعد ذلك من رسول الله ﷺ ما حكاه عنه ابن وعلة قوله: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، وذلك ثابت عنه ﷺ» (التمهيد ٤/ ١٦٧ - ١٦٨).
وقال ضياء الدين المقدسي: «قد رُوِيَ في (الصحيح) هذا الحديث عن ابن عباس، عن ميمونة، وعن ابن عباس لم يذكر ميمونة، فالذي ذكرناه؛ هكذا رواه ابن عباس، عن سودة، وفي روايتنا هذه لم يذكر سودة، ولهذا الحديث أمثال في (الصحيح») (الأحاديث المختارة ١٢/ ٩٧).
وقال ابن دقيق العيد: «وأراد الأثرم تعليل هذا الحديث -حديث ابن عباس- بالاختلاف؛ فذكر حديث عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، سمعت النبي ﷺ يقول: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، وروى الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ فقال: «هَلَّا انْتَفَعْتُم بِإِهَابِهَا؟»، وروى إسماعيل، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة بنت زمعة، عن النبي ﷺ. قال: فهذا حديث ابن عباس قد اضطربوا فيه: مرة يجعلونه سماعًا لابن عباس من النبي ﷺ، ومرة عن ميمونة، ومرة عن سودة، فاضطرب الحديث لاختلافه.
قلت (القائل ابن دقيق): أما حديث ابن وعلة، عن ابن عباس، فمختلف اللفظ والسند مع حديث عبيد الله عنه، فلا يجعل مع حديثه الآخر واحدًا حتى يعلل به. وأيضًا ففي حديث ابن وعلة، عن ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ، وحديث عبيد الله عنه لم يذكر السماع، والذي يثبت فيه: أنه سمعه من ميمونة، فليسا بواحد. وأما الاختلاف في حديث عبيد الله في
[ ٤ / ٢٧٣ ]
كونه تارة: عن ابن عباس، وتارة: عنه عن ميمونة؛ فليس في رواية من اقتصر على ابن عباس ذكر سماعه له من النبي ﷺ، وفيما ذكرناه عن يعقوب بن سفيان ما يقوِّي كونه عن ميمونة، وإن أرسل من جهة ابن عباس لم يناف ذلك سماعه له من ميمونة، والرواية التي ذكر فيها روايته إيَّاه عن ميمونة زيادة فتقبل. وأما رواية إسماعيل عن الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس عن سودة، فإما أن يرجح عليها رواية الزُّهري فلا تعارض بها، وإما أن تجعل حديثًا آخر» (الإمام ١/ ٣٠٠ - ٣٠١).
وقال ابن عساكر: «وهذا الاختلاف الذي ذكرناه، لا يؤثر في صحة الحديث، فقد أخرجه الأئمة في كتبهم من وجوه» (الأربعون حديثًا من المساواة صـ ١٩٩).
التنبيه الثاني:
اختُلف على سفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن الزُّهري، عن عبيد الله؛ فرواه تارة: فجعله من مسند ابن عباس، وتارة: من مسند ميمونة.
رواه عنه على هذا الوجه جمع من ثقات أصحابه، وعلى الوجه الآخر جمع أيضًا من ثقات أصحابه، وقد سبق في حديث ابن عباس الإشارة إلى ذلك.
ولهذا قال ابن عساكر: «والاضطراب فيه من سفيان، فإنه كان يرويه تارة هكذا، وتارة هكذا، بَيَّن ذلك علي بن المديني» (الأربعون حديثًا من المساواة صـ ١٩٦)
قلنا: وكذا بيَّنَهُ الحميدي -عقب الحديث- فقال: «وكان سفيان ربما لم
[ ٤ / ٢٧٤ ]
يذكر فيه ميمونة، فإذا وقف عليه قال فيه ميمونة».
ولهذا رجَّح بعضُهم -في حديث الزُّهري خاصة- رواية ابن عباس، عن النبي ﷺ، ليس فيه ميمونة، لاتفاق أصحاب الزُّهري على روايته عنه كذلك؛ كمالك، ويونس، ومعمر، والأوزاعي، وغيرهم، قال ابن حجر: «الراجح عند الحفاظ في حديث الزُّهري ليس فيه ميمونة» (فتح الباري ٩/ ٦٥٨).
روايةٌ مُخْتَصَرَةٌ لَيْسَ فِيهَا الدَّبَاغُ، وَفِيهَا: لِبَعْضِ نِسَاءِ النَّبِيِّ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ دَاجِنَةً كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَمَاتَتْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَاسْتَمْتَعتُمْ بِهِ؟».
[الحكم]: صحيح (م).
[التخريج]: [م ٣٦٤ «واللفظ له» / كن ٤٧٥٩/ ش ٢٥٢٧٤/ هق ٧٩].
[السند]:
قال مسلم: حدثنا أحمد بن عثمان النوفلي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ابنُ جُرَيجٍ، أخبرني عمرو بن دينار، أخبرني عطاء منذ حين، قال: أخبرني ابن عباس، أن ميمونة، أخبرته الحديث.
وأخرجه النسائي، قال: أخبرني عبد الرحمن بن خالد، قال: حدثني حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، به.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
وأخرجه ابن أبي شيبة: عن عبيد الله العمري، عن ابن جريج، عن عطاء، به. بإسقاط عمرو بن دينار.
وقد سبق في حديث ابن عباس أنه محفوظ عن ابن جريج على الوجهين.
روايةُ: «شَاةٍ لِمَيْمُونَةَ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى شَاةٍ مَيْتَةٍ مُلْقَاةٍ، فَقَالَ: «لِمَنْ هَذِهِ؟»، فَقَالُوا: لِمَيْمُونَةَ، فَقَالَ: «مَا عَلَيْهَا لَوِ انْتَفَعَتْ بِإِهَابِهَا» الحديث.
[الحكم]: صحيحٌ.
[التخريج]:
[ن ٤٢٧٢ «واللفظ له» / كن ٤٧٥٦، ٤٧٦٠/ عه ٦١٨/ محلى (١/ ١١٩) / عساكر (مساواة صـ ١٩٤)].
[السند]:
أخرجه النسائي -ومن طريقه ابن حزم- قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، به.
ورواه أبو عوانة -ومن طريقه ابن عساكر في (المساواة) -، قال: حدثنا شعيب بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا سفيان بن عيينة، به.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله كلهم ثقات.
ولهذه الرواية طرق أخرى عن الزُّهري، ولكن من مسند ابن عباس، وقد تقدم الكلام عليها هناك.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
٣٥٩ - حَدِيثُ الْعَالِيَةِ بِنْتِ سُبَيْعٍ:
◼ عَنِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ سُبَيْعٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِي غَنَمٌ بِأُحُدٍ، فَوَقَعَ فِيهَا الْمَوْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ لِي مَيْمُونَةُ: لَوَ أَخَذْتِ جُلُودَهَا فَانْتَفَعْتِ بِهَا، فَقَالَتْ: أَوَ يَحِلُّ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ (الْحِصَانِ)، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا»، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا السياق، والانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ؛ ثابت صحيحٌ، كما تقدم.
[التخريج]:
[د ٤٠٧٨ «واللفظ له» / ن ٤٢٨٦ «والرواية له» / كن ٤٧٧٠/ حم ٢٦٨٣٣/ حب ١٢٨٦/ عل ٧٠٨٦ «والرواية له» / طب (٢٤/ ١٤/ ٢٤) / طس ٨٦٩٦/ تطبر (مسند ابن عباس ١٢٠٤) / منذ ٨٣٦/ طح (١/ ٤٧٠/ ٢٧٠٩، ٢٧١٠) / صمند (صـ ٩٧٠) / قط ١٠٨/ هق ٦٢، ٦٣/ كما (١٥/ ٥٠٧)، (٣٥/ ٢٢٦ - ٢٢٧) / سكن (بدر ١/ ٦٠٥ - ٦٠٦)].
[السند]:
أخرجه أبو داود -ومن طريقه البيهقي (٦٣) - قال: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب أخبرني عمرو -يعني: ابن الحارث-، عن كثير بن فرقد، عن عبد الله بن مالك بن حذافة، حدَّثه عن أمه العالية بنت سبيع، أنها قالت: ، فذكره.
وأخرجه أبو يعلى: من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن
[ ٤ / ٢٧٨ ]
سعد، عن كثير بن فرقد، به.
وأخرجه النسائي: عن سليمان بن داود.
وأخرجه الطبري، والطحاوي، والدارقطني: من طريق يونس بن عبد الأعلى، كلاهما: عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، عن كثير بن فرقد، به.
ومداره عند الجميع على كثير بن فرقد، عن عبد الله بن مالك بن حذافة، عن أمه العالية بنت سبيع، عن ميمونة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: جهالة عبد الله بن مالك بن حذافة؛ فقد ترجم له البخاري في (التاريخ ٥/ ٢٠٣)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٥/ ١٧١)، برواية كثير بن فرقد عنه، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ١٧) على قاعدته في توثيق المجاهيل؛ لذلك قال الذهبي: «ما رَوَى عنه سوى كثير بن فرقد؛ ففيه جهالة» (الميزان ٢/ ٤٩٩).
قلنا: ذكر ابن حبان في ترجمته أنه روى عنه ابنه معقل بن عبد الله.
وقال الحافظ: «مقبول» (التقريب ٣٥٦٦)؛ أي: عند المتابعة، وإلا فليِّنٌ.
العلة الثانية: جهالة العالية بنت سبيع؛ فلم يَرْوِ عنها غير ابنها عبد الله بن مالك؛ ولم يوثقها إِلَّا العجلي، كما في (تهذيب الكمال ٣٥/ ٢٢٦) (^١)،
_________________
(١) وعلى فروعه اعتمد محقق كتاب العجلي في ذكرها في الكتاب برقم (٢٣٤٠)، وأما الموجود في الأصول لديه ما أثبته برقم (٢٣٦٢) في الكنى: «أم العالية بنت سبيع»، والصواب أنها العالية، كما في كل المصادر عدا البيهقي (٦٢)، فقد أشار إلى أنه وقع في رواية ابن وهب (أم العالية)، والحديث في جل المصادر من طريق ابن وهب على الصواب، فلعل الهاء من قوله (عن أمه العالية) طمست في الأصل الذي نقل منه، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
وذكرها ابن حبان في (الثقات ٥/ ٢٨٩)، وهما معروفان بالتساهل في توثيق المجاهيل، ولذا ليَّنَ الذهبي توثيقها، بقوله: «وثقت» (الكاشف ٢/ ٥١٣). وذكرها في فصل المجهولات من (الميزان ٤/ ٦٠٨)، وأما الحافظ فاقتصر في (التقريب ٨٦٣٢) على قوله: «وثقها العجلي».
وصرَّح الألباني بضعف إسناده؛ لأجل حال العالية وابنها، لكنه صححه بشاهد ابن عباس السابق ذكره من رواية الغافقي، عن عقيل، عن الزُّهري، فقال: «لكن للحديث شاهد قوي من حديث ابن عباس نحوه، » (الصحيحة ٥/ ١٩٥/ ح ٢١٦٣).
قلنا: وفيه نظر، فقد سبق أن هذه اللفظة شاذة من حديث ابن عباس، والشاذ لا يُقوِّي ولا يتقَوَّى - كما هو مقرر في هذا العلم الشريف-؛ لأنه محضُ خطأ من أحد رواته.
ورويت هذه اللفظة أيضًا من مرسل الزُّهري، ومراسيل الزُّهري واهِيةٌ، كما تقدم بيانه في باب: «الدم يصيب الثَّوب».
هذا بخصوص ثبوت هذه اللفظة عن رسول الله ﷺ، وإلا فمضمونه وهو الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ، فثابت لا ريب في ذلك، كما تقدم.
ولعل من أجل ذلك - نعني: صحة معناه - صحح حديث العالية بعض أهل
[ ٤ / ٢٨٠ ]
العلم؛ كابن حبان، وابن السكن، والحاكم، وحسَّنه المنذري كما في (البدر المنير ١/ ٦٠٦)، والنووي في (الخلاصة ١/ ٧٧)، والزركشي في (شرحه على مختصر الخرقي ١/ ١٥٤)، وابن الملقن في (تحفة المحتاج ١/ ٢٢٠)، والعيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٨٦).
[تنبيه]:
عزاه ابن حجر في (التلخيص الحبير ١/ ٧٩ - ٨٠)، وتبعه الشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٨٢) لمالك، ولم نقف على رواية مالك هذه لا في (الموطأ)، ولا في غيره. والذي في (الموطأ) في هذا الباب حديث ابن عباس بنحو رواية (الصحيحين)، ورواية ابن وعلة عنه، وحديث آخر لعائشة. فالذي يظهر أنه سَبْقُ قلمٍ من الحافظ، لا سيَّما وهذا العزو غير موجود في أصله كتابه -أعني: (البدر المنير ١/ ٦٠٥) -، وليس مالك مما يقصر في العزو إليه، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٨١ ]
٣٦٠ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، أَوْ غَيْرِهَا:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَوْ زَيْنَبَ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ مَيْمُونَةَ مَاتَتْ لَهَا شَاةٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَسْتَمْتِعُ بِهَا، وَهِيَ مَيْتَةٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «[إِنَّ] طَهُورَ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وهذا إسناده حسن.
[التخريج]: [طس ٢٦٥٢ «واللفظ له» / معر ٢٢١٠ «والزيادة له» / قط ١١٩].
[السند]:
رواه الطبراني في (الأوسط)، قال: حدثنا إبراهيم -وهو ابن أحمد الوكيعي-، قال: نا يحيى بن أيوب المقابري، قال: نا عباد بن عباد المهلبي، عن شعبة، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن أم سلمة، أو زينب، أو غيرهما من أزواج النبي ﷺ، به.
ورواه ابن الأعرابي في (معجمه): عن علي بن سهل (وهو ابن المغيرة).
ورواه الدارقطني: عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز (وهو البغوي الحافظ).
ثلاثتهم: عن يحيى بن أيوب، قال: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن شعبة، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن أم سلمة، أو زينب، أو غيرهما، به.
قال الطبراني (عقب الحديث): «لم يَرْوِ هذا الحديث عن شعبة إِلَّا عباد
[ ٤ / ٢٨٢ ]
تفرَّد به يحيى».
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ حسنٌ، رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، غير أبي قيس الأودي، وهو عبد الرحمن بن ثروان مشهور بكنيته، أخرج له البخاري، ووثقه ابن معين، وابن نمير، والعجلي -وزاد: «ثبتٌ» - والدارقطني، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وكذا قال أحمد، وقال في موضع آخر: «يخالف في أحاديث» (العلل رواية عبد الله ٨٧٠)، وقال مرة: «له أشياء مناكير» (سؤالات الميموني ٤١٧)، وقال مرة أخرى: «لا يحتجُّ بحديثه» (سنن الدارقطني ١/ ٢٧٤ ط. الرسالة)، وقال أبو حاتم: «ليس بقوي، هو قليل الحديث، وليس بحافظ»، قيل له: كيف حديثه؟ قال: «صالح، هو لين الحديث» (الجرح والتعديل ٥/ ٢١٨)، وانظر: (الميزان ٢/ ٥٥٣)، و(تهذيب التهذيب ٦/ ١٥٢ - ١٥٣). ولخص حاله الحافظ؛ فقال: «صدوقٌ ربما خالف» (التقريب ٣٨٢٣).
وعلى هذا فهو حسن الحديث ما لم يخالف، وحديثه هذا يشهد له ما تقدم من حديث ابن عباس، عن ميمونة.
وقد أشار الدارقطني عقب الحديث إلى أن عبادًا المهلبي قد خولف في بعض سياقه، فقال: «وقال غيره -يعني: غير عباد-: عن شعبة، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن بعض أزواج النبي ﷺ: كَانَتْ لَنَا شَاةٌ فَمَاتَتْ» اهـ.
وهذا الغير الذي أشار إليه الدارقطني هو: بقية بن الوليد؛ فقد أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢٤/ ٣٥/ ٩٤) عن واثلة بن الحسن العرقي، ثنا كثير بن عبيد، ثنا بقية، ثنا شعبة، عن أبي قيس قال: سمعت هذيل بن
[ ٤ / ٢٨٣ ]
شرحبيل يحدث، عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه: «كَانَ لَهَا شَاةٌ مَيْتَةٌ » الحديث.
ورجالُه ثقاتٌ عدا واثلة، روى عنه الطبراني وابن عدي، ولم نجد من وثقه، انظر ترجمته في (الإكمال ٧/ ٢٩٧)، و(توضيح المشتبه ٦/ ٢٣٥) و(معجم البلدان ٤/ ١٠٩) و(تاريخ دمشق ٧٩٤٦).
روايةُ: «لَمْ يُدْرِكُوا ذَكَاتَهَا»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّ شَاةً لَهُمْ مَاتَتْ، فَلَمْ يُدْرِكُوا ذَكَاتَهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «لَوِ [مَا إِذْ فَاتَتْكُمْ ذَكَاتُهَا] انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا السياق، والانتفاع بإهاب الميتة صحيحٌ ثابتٌ من حديث ابن عباس وغيره، كما سبق.
[التخريج]:
[طب (٢٣/ ٣١٦/ ٧١٦) «واللفظ له»، (٢٣/ ٣٢٩/ ٧٥٧) «مختصرًا» / تطبر (مسند ابن عباس ١٢٠٣) «والزيادة له»].
[التحقيق]:
هذا الحديث بهذا السياق له طريقان عن أم سلمة:
الأول:
أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢٣/ ٣١٦/ ٧١٦) قال: حدثنا
[ ٤ / ٢٨٤ ]
أحمد بن رشدين، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن إسحاق بن أبي فروة، أن مسلم بن سليم (^١) حَدَّثه عن أم سلمة، به.
وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١٢٠٣): عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ إسحاق بن أبي فروة متروك، كما في (التقريب ٣٦٨).
ومسلم بن سليم ذكره البخاري في (التاريخ ٧/ ٢٦٢)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٨/ ١٨٥)، ولم يذكرا فيه جرجًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ٤٤٥) على قاعدته.
الطريق الثاني:
أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢٣/ ٣٢٩/ ٧٥٧) قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا ابن الأصبهاني، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب -أو عن أخيه-، عن أم سلمة، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: شَريك، وهو ابن عبد الله النخعي، متكلم في حفظه، وقال الحافظ: «صدوق يخطئ كثيرًا» (التقريب ٢٧٨٧).
قلنا: وقد أخطأ على أبي إسحاق السبيعي في سنده، وبيان ذلك في:
_________________
(١) - وقع في المطبوع من تهذيب الآثار: «مسلم بن سليمان»، وهو خطأ والصواب المثبت.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
العلة الثانية: مخالفة سفيان الثوري لشريك في إسناده:
فقد أخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١٢١٧) عن محمد بن بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ »، فذكره مرسلًا مختصرًا.
وسفيان أثبت الناس في أبي إسحاق، لا يقارن بشريك.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
روايةُ: «فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا، يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَتْ لَنَا شَاةٌ نَحْلُبُهَا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا فَعَلَتْ شَاتُكُمْ؟»، قَالُوا: مَاتَتْ، قَالَ: «مَا فَعَلْتُمْ بِإِهَابِهَا؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلْقَيْنَاهُ، قَالَ: «أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِهِ؟»، [قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ] فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا، يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ (إِنَّ دِبَاغَهَا أَحَلَّهَا، كَمَا أَحَلَّ الْخَمْرَ الْخَلُّ»).
[الحكم]: منكرٌ بذكر تحليل الخل للخمر، وضعَّفه ابن عدي، والدارقطني -وأقرَّه: الغساني، وابن دقيق العيد، والذهبي، والزيلعي، وابن الملقن، والعيني-، والحاكم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي - وأقرَّه ابن القطان-، وابن الجوزي -وأقرَّه ابن عبد الهادي-، وابن القيم، والهيثمي، وابن حجر، والشوكاني، والألباني.
وأما الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ؛ فصحيحٌ، كما تقدم.
[التخريج]:
[عل (مط ٢٥)، (خيرة ٤٩١) «والرواية له» / طب (٢٣/ ٣٦٠/ ٨٤٧) «واللفظ له» / طس ٤١٧ «والزيادة له»، ٩٣٩٠/ تطبر (مسند ابن عباس ١٢٠٢) / عد (٨/ ٦٠٠) / قط ١٢٥، ٤٧٠٧/ هق ١١٣١٣/ خط (١٦/ ٩٤) / تحقيق ٩٩].
[السند]:
قال أبو يعلى: حدثنا محمد بن بكار، ثنا فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم سلمة، به.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
وقال الطبري في (تهذيب الآثار): حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا فرج بن فضالة، به.
ورواه الطبراني في (الكبير): عن طالب بن قُرَّة الأذني، ثنا محمد بن عيسى الطباع، (ح) وحدثنا عبدان بن أحمد، ومحمود بن محمد الواسطي، قالا: ثنا زكريا بن يحيى زحمويه، قالا: ثنا فرج بن فضالة، به.
ومداره عند الجميع على فرج بن فضالة، به.
قال الطبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إِلَّا فرج بن فضالة، ولا يُرْوَى عن أم سلمة إِلَّا بهذا الإسنادٌ» (الأوسط عقب رقم ٩٣٩٠).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: فرج بن فضالة؛ وهو ضعيفٌ، كما في (التقريب ٥٣٨٣)، لا سيَّما في روايته عن يحيى بن سعيد، فقد حدَّث عنه بمناكير لا يتابع عليها، كما قال أحمد، والبخاري، والساجي، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم، وانظر: (تهذيب التهذيب ٨/ ٢٦٢).
وهذا منها؛ فقد تقدم حديث (الدباغ) من حديث ابن عباس، وميمونة، وسودة، وغيرهم، وليس عند أحد منهم هذه الزيادة، وفي (صحيح مسلم) (١٩٨٣): «عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ فَقَالَ: «لَا».
ولذا ضعَّف الحديثَ كثيرٌ من أهل العلم:
فقال ابن عدي -بعد إخراجه للحديث-: «وحديث يحيى بن سعيد عن عمرة، لا يرويه عن يحيى غير فرج، وله عن يحيى غيره مناكير» (الكامل ٦/ ٢٩).
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وقال الدارقطني: «تفرَّد به فرج بن فضالة عن يحيى وهو ضعيف، يروي عن يحيى بن سعيد أحاديث لا يتابع عليها» (السنن عقب رقم ٤٧٠٧). وأقرَّه الغساني في (تخريج الأحاديث الضعاف في سنن الدارقطني صـ ٨، ٣١٤)، وابن دقيق العيد في (الإمام ١/ ٣٠٢)، والذهبي في (التنقيح ١/ ٣٨)، والزيلعي في (نصب الراية ١/ ١١٩، ٤/ ٣١١)، وابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٦١٩)، وبدر الدين العيني في (عمدة القاري ١/ ٨٩)، وفي (شرح الهداية ١٢/ ٣٩٤).
وقال الحاكم: «تفرَّد به الفرج بن فضالة عن يحيى، والفرج ممن لا يحتج بحديثه، ولم يصح تحليل خل الخمر من وجه» (مختصر خلافيات البيهقي ٣/ ٣٧٢).
وقال البيهقي: «تفرَّد به الفرج بن فضالة، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث عنه، ويقول: حدَّث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث منكرة مقلوبة، وضعَّفه أيضًا سائر أهل العلم بالحديث» (معرفة السنن والآثار ٨/ ٢٢٦).
وذكر البيهقي عقبه في (السنن ١١٣١٣): «قال فرج: يعني: أن الخمر إذا تغيَّرت فصارت خلًّا حَلَّتْ»، ثم نقل عن الدارقطني تضعيفه للحديث بفرج، ثم قال: «وعلى هذا التفسير يرتفع الخلاف، إِلَّا أن الحديث ضعيفٌ».
وضعَّفه أيضًا بفرج: عبدُ الحق الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطي ٤/ ١٧٣) - وأقرَّه ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام ٢/ ٢٠١) -، وابن الجوزي في (التحقيق ١/ ١١١) - وأقرَّه ابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١٤١ - ١٤٢) -، وابن القيم في (إعلام الموقعين ٢/ ٢٩٢)، والهيثمي في (المجمع ١٠٩٥)، وابن حجر في (التلخيص الحبير ١/ ٧٥، ٨٢)، والشوكاني في (نيل الأوطار
[ ٤ / ٢٨٩ ]
١/ ٨٢)، والألباني في (السلسلة الضعيفة ٦/ ٥٧٢).
ورغم كل هذا، قال البوصيري: «هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ»! (الإتحاف ١/ ٢٩٥). فلم يصب.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
٣٦١ - حَدِيثُ سَوْدَةَ:
◼ عَنْ سَوْدَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: «مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا».
[الحكم]: صحيح (خ).
[اللغة]:
الشَّنُّ والشَّنَّةُ: الخَلَقُ (أي: القديم البالي) مِنْ كُلِّ آنِيَةٍ صُنِعَتْ مِنْ جِلْدٍ، وَجَمْعُهَا شِنَانٌ، ويقال للسقاء شَنٌّ، وللقربة شَنٌّ، والشنَان أَشَد تبريدًا للماء من الجُدُد، وفي حديث قيام الليل: «فَقَامَ إِلى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ» أَي: قِرْبَة. انظر: (لسان العرب ١٣/ ٢٤١).
[التخريج]:
[خ ٦٦٨٦ «واللفظ له» / ن ٤٢٧٨/ كن ٤٧٦٢/ حم ٢٧٤١٨/ ش ٢٥٢٦٩/ طب (٢٤/ ٣٦/ ٩٦، ٩٧) / حق ٢٠٩١/ علت ٥١٤/ عق (١/ ٥٤٧) / تطبر ١١٧١، ١١٧٢/ طح (١/ ٤٧٠) / لا ٧٥٣/ صحا ٧٤٣٥/ هق ٥٤/ حداد ٣٨٤/ بغ ٣٠٦/ نبغ ١٠٢٨/ كما (٣٥/ ٢٠٢)].
[السند]:
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، به.
عبد الله هو ابن المبارك، وقد تابعه جماعة:
فأخرجه أحمد: عن ابن نمير.
[ ٤ / ٢٩١ ]
وأخرجه ابن أبي شيبة: عن هُشَيْمٍ.
وأخرجه ابن راهويه: عن وكيع.
وأخرجه الترمذي: من طريق عَبْدَةَ بن سليمان.
وأخرجه النسائي: من طريق الفضل بن موسى.
وأخرجه الطبري: من طريق أبي أسامة.
كلهم: عن إسماعيل بن أبي خالد، به.
[تنبيهات]:
الأول: تقدم هذا الحديث من رواية ابن عباس عن النبي ﷺ، وعن ابن عباس عن ميمونة، وهنا ابن عباس عن سودة، وهذا كله صحيحٌ عن ابن عباس، كما تقدم نقله عن الإمام البخاري، وغيره.
الثاني: نسبت الشاة هنا لسودة، وفي الروايات السابقة نسبت الشاة فيها لميمونة، وفي أخرى نسبت لمولاتها، وقد تقدم الكلام على ذلك مفصلًا والجمع بينهم في حديث ابن عباس.
الثالث: هذا الحديث وإِن كان ظاهره أنه موقوفٌ على سودة، ونصَّ على ذلك بدر الدين العيني في (عمدة القاري ٩/ ٨٨). إلا أن معناه قد يفيد الرفع؛ فقولها: «حَتَّى صَارَ شَنًّا» أي: حتى صار باليًا، والجلد لا يصير باليًا إِلَّا بطول الزمان؛ فيكون دبغ الإهاب وقع في حياة النبي ﷺ، وصار شنًّا بعد موت النبي ﷺ. وانظر: (الإمام لابن دقيق العيد ١/ ٣١٨).
ويدل على الرفع أيضًا الأحاديث المتقدمة، وأن القصة وقعت مع بعض أزواج النبي ﷺ وفي بيته؛ بدليل قولها: «مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ» أي: نحن أزواج
[ ٤ / ٢٩٢ ]
النبي ﷺ، ومنهن ميمونة، التي نسبت الشاة لها تارة، ولمولاتها تارة.
الرابع: قال الحافظ ابن حجر -بعد ذكره لحديث سودة-: «وقد أخرج النسائي من طريق مغيرة بن مقسم، عن الشعبي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ حديثًا في (دباغ جلد الشاة الميتة) غير هذا، وأشار المزي في (الأطراف) إلى أن ذلك علة لرواية إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي التي في الباب، وليس كذلك؛ بل هما حديثان متغايران في السياق، وإِن كان كل منهما من رواية الشعبي، عن ابن عباس، ورواية مغيرة هذه توافق لفظ رواية عطاء، عن ابن عباس، عن ميمونة، وهي عند مسلم» (فتح الباري ١١/ ٥٦٩).
وعبارة المزي التي فهم منها الحافظ أنه يشير إلى إعلاله، قوله -عقب ذكر حديث سودة-: «رواه مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس، وقد مضى» (تحفة الأشراف ١١/ ٣٣٤). وكذا فعل في حديث مغيرة، قال عقبه: «رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة بنت زمعة، وسيأتي» (تحفة الأشراف ٥/ ٣٥). فجعلها حديثًا واحدًا.
مع الخلاف على الشعبي في سنده ومتنه؛ فقد أخرجه النسائي في (السنن الكبرى ٤٧٦١) من طريق مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: «مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى شَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟».
فخالفه إسماعيل في إسناده (فلم يذكر عكرمة)، وفي متنه كما هو ظاهر، والصواب أنهما حديثان، لا يعارض أحدهما بالآخر، كما قال الحافظ في «الفتح»، وقال في (النكت الظراف ٥/ ٣٥): «قلت: لفظه وسياقه متغاير للفظ هذا وسياقه، فيشبه أن يكونا حديثين، وقد جاء عن عطاء، عن
[ ٤ / ٢٩٣ ]
ابن عباس، عن ميمونة باللفظ الذي هنا». اهـ.
الخامس: أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة في (المصنف ٢٥٢٦٩)، وابن حبان (٥٤٤٨)، والطبراني في (المعجم الكبير ٢٤/ ٣٦/ ٩٦)، وغيرهم من طرق، عن هُشَيْمٍ، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أَنَّ شَاةً لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مَاتَتْ، قَالَتْ: «فَدَبَغْنَا جِلْدَهَا، فَكُّنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا».
قال الطبراني -عقب الحديث-: «لم يَرْوِ هذا الحديث عن إسماعيل إِلَّا هُشَيْمٌ».
قلنا: ولعله يعني بتفرد هُشَيْمٍ به، جعله أول الحديث من مسند ابن عباس، وقد رواه الجماعة -كما تقدم- عن إسماعيل بن أبي خالد، به، عن ابن عباس، عن سودة قالت: «مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ » الحديث.
السادس: ذكر ابن الملقن أن في بعض نسخ البخاري «عن ميمونة» بدل «سودة» (البدر المنير ١/ ٥٨١)، وقال البيهقي: «ورواه عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل، فقال: عن ميمونة بدل سودة». ثم أخرجه في (السنن الكبرى ٥٥) من طريق عباس الدوري، عن عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل به، بذكر ميمونة، بدل سودة.
ولكن أخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٠) عن إسماعيل بن إسحاق بن سهل، والعقيلي في (الضعفاء ١/ ٣١١) عن محمد بن موسى البلخي، كلاهما: عن عبيد الله بن موسى، به، عن سودة على الصواب مثل رواية الجماعة (ابن المبارك، ووكيع، وابن مسهر، وابن نمير، وعَبْدَة، وغيرهم)، عن إسماعيل، كما تقدم في السند.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
روايةٌ مُطَوَّلَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: «كَانَتْ لَنَا شَاةٌ فَمَاتَتْ فَطَرَحْنَاهَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا فَعَلَتْ شَاتُكُمْ؟» فَأَخْبَرْنَاهُ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ ثُمَّ قَالَ: «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا، فَسَلَخْنَاهَا، ثُمَّ دَبَغْنَاهُ، فَاتخَذْنَاهُ سِقَاءً، فَشَرِبْنَا فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا.
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا السياق.
[التخريج]:
[حم ٣٠٢٧ ولم يذكر متنه/ طب (٢٤/ ٣٥/ ٩٥)، (٢٤/ ٣٦/ ٩٩) «واللفظ له» / حق ٢٠٩٠/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٦٩ «واللفظ له»، ١١٧٠ «مختصرًا»، ١١٧٣) / عق (١/ ٥٤٧) / حا ٨٠٠٥/ تخث (السفر الثاني ٣٣٣٣) «مختصرًا»].
[السند]:
أخرجه أحمد: عن أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن سودة، به.
رواه الطبري في (تهذيب الآثار ١١٦٩) قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، به.
[التحقيق]:
هذا الإسنادُ معلولٌ بعلتين؛ الأولى: اضطراب سماك فيه. والثانية: معلولٌ بالإرسال والوقف، وقد تقدم بيان تلك العلتين في رواية: (مَاتَتْ شَاةٌ
[ ٤ / ٢٩٥ ]
لِسَوْدَةَ ) من حديث ابن عباس في أول الباب، وهي إحدى أوجه اضطراب سماك فيه، فانظر الكلام عليه هناك.
روايةُ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا مُخْتَصَرَةٍ: «أَنَّ شَاةً لَهُمْ مَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ جِلْدَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ وَانْتَفَعْتُمْ بِهِ».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما تقدم، وإسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [طب (٢٤/ ٣٧/ ١٠٠)].
[السند]:
أخرجه الطبراني في (الكبير) قال: حدثنا أبو مسلم الكشي، ثنا أبو عمر الضريرُ، ثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، به.
[التحقيق]:
هذا الإسنادُ معلولٌ؛ لاضطراب سماك فيه، ومخالفته الثقات في وصله، كما تقدم الكلام عليه بالتفصيل.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
روايةٌ مُخْتَصَرَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: «هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وإسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [طب (٢٤/ ٣٦/ ٩٨)].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، ثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ منكرٌ؛ فالحسين بن أبي السري، قال عنه الحافظ: «ضعيف» (التقريب ١٣٤٣).
وقد أخطأ في قوله: «عن مجالد»؛ فقد رواه جمع من الثقات من أصحاب إسماعيل بن أبي خالد منهم: (ابن المبارك، ووكيع، وابن مسهر، وابن نمير، وعَبْدَة، والفضل بن موسى، وغيرهم): عن إسماعيل، عن الشعبي به، بغير هذا اللفظ -كما سبق-، ولم يذكروا بينهما مجالدًا، ومجالد ليس بالقوي.
وأما متن الحديث فيشهد له حديث ميمونة السابق.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
٣٦٢ - حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَولًى لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مَيْتَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ! قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا».
[الحكم]: صحيحُ المتن، وإسناده مرسلٌ، وقد صحَّ موصولًا كما تقدم.
[التخريج]:
[طا (رواية الشيباني ٩٨٧) «واللفظ له»، (رواية أبي مصعب الزُّهري ١٦٤٦)، (رواية سويد الحدثاني ٤١٥) / تمهيد (٩/ ٤٩) معلقًا].
[السند]:
رواه محمد بن الحسن الشيباني، وأبو مصعب الزُّهري، وسويد الحدثاني، ثلاثتهم: عن مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، به.
وكذا رواه القعنبي، وابن بكير، وجويرية، عن مالك، به، كما في (التمهيد).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، إِلَّا أنه مرسل؛ فعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو تابعي لم يدرك النبي ﷺ، والصحيح عنه في هذا الحديث موصولًا عن ابن عباس؛ كما رواه جماعة عن مالك، منهم:
يحيى بن يحيى، كما في (الموطأ/ كتاب الصيد ١٦).
[ ٤ / ٢٩٨ ]
والشافعي، كما في مسنده ٥٩).
وعبد الله بن وهب، كما أخرجه الطحاوي في (المشكل ١٥٧٤).
وعبد الرحمن بن القاسم، كما أخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٧٣).
وحماد بن خالد، كما أخرجه أحمد في (مسنده ٣٠١٦).
جميعهم: عن مالك، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، به.
وكذا رواه يونس، ومعمر، وسفيان، وصالح بن كيسان، وغيرهم، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، به. كما تقدم في أول الباب.
ولهذا قال ابن عبد البر: «روى يحيى هذا الحديث فجوَّد إسنادَه أيضًا وأتقنه، وتابعه على ذلك ابن وهب، وابن القاسم، والشافعي. ورواه القعنبي، وابن بكير، وجويرية، ومحمد بن الحسن، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن النبي ﷺ مرسلًا.
والصحيح فيه اتصاله وإسناده، وكذلك رواه مَعْمَرٌ، ويونس، والزبيدي، وعقيل، كلُّهم، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، مثل رواية يحيى ومن تابعه عن مالك سواء» (التمهيد ٩/ ٤٩)، وأقرَّه العيني في (عمدة القاري ٩/ ٨٨).
[ ٤ / ٢٩٩ ]
٣٦٣ - حَدِيثُ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ لِسَوْدَةَ (لِآلِ سَوْدَةَ) بِنْتِ زَمْعَةَ، [مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا فَعَلَتْ شَاتُكُمْ؟» قَالُوا: مَاتَتْ،] فَقَالَ: «أَلَا انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا، فَإِنَّ دَبْغَهَا طَهُورُهَا».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله.
[التخريج]:
[ش ٢٥٢٧٠ «واللفظ له» / تطبر (مسند ابن عباس ١١٧٥) «والزيادة والرواية له»].
[السند]:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن عكرمة، به.
وأخرجه الطبري: من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عكرمة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، رجال الصحيح، إِلَّا أنه مرسل، ولكن متنه يشهد له ما سبق من حديث ابن عباس، وميمونة، وسودة.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
روايةٌ بِلَفْظِ الْأَمْرِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أَنَّ شَاةً لِسَوْدَةَ مَاتَتْ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْلُخُوهَا فَيَنْتَفِعُوا بِإِهَابِهَا».
[الحكم]: إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإرساله.
[التخريج]: [تطبر (مسند ابن عباس ١١٧٤].
[السند]:
أخرجه الطبري (١١٧٤): عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن إسماعيل ابن علية، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن عكرمة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإرساله، كما تقدم. والمحفوظ من حديث سودة، وميمونة، وابن عباس، بغير لفظ الأمر، كالرواية السابقة.
[ ٤ / ٣٠١ ]
٣٦٤ - حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَاةٍ مَيْتَةٍ لِسَوْدَةَ قَدْ نَبَذُوهَا، فَقَالَ: «مَا كَانَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا!»، فَأَخَذُوهَا فَدَبَغُوهَا، ثُمَّ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا حَتَّى صَارَ شَنًّا».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وإسناده مرسلٌ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [تطبر (مسند ابن عباس ١٢١٨ «واللفظ له»، ١٢١٩ «مختصرًا»].
[السند]:
أخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١٢١٨)، قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن الشعبي، به، مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ وَاهٍ؛ فمع -إرساله- فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وثقه ابن معين وغيره، وكذَّبه بلديُّه أبو زُرْعَةَ الرازيُّ وغيرُه، ولذا قال الذهبي: «وثقه جماعة والأولى تركه» (الكاشف ٤٨١٠)، وقال ابن حجر: «حافظ ضعيف، وكان ابن معين حَسَنَ الرأي فيه» (التقريب ٥٨٣٤).
وقد رواه على وجه آخر: أخرجه الطبري أيضًا (١٢١٩) عنه: عن جرير، عن عطاء -بدلًا من منصور-، عن عامر الشعبي، بنحوه مختصرًا.
وقد خُولِف فيه: فرواه إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي -موصولًا-، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، مقتصرًا على الموقوف، وقد
[ ٤ / ٣٠٢ ]
تقدم.
وقد نصَّ الدارقطني في (العلل) على أن منصورًا، ومعرف بن واصل، روياه عن الشعبي أيضًا مرسلًا. ومع هذا قال: «وحديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، أشبهها بالصواب» (العلل ١٥/ ٢٨٧).
[ ٤ / ٣٠٣ ]
٣٦٥ - حَدِيثُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ لِسَوْدَةَ، فَقَالَ: «لَوْ كَانَ أَهْلُهَا انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله.
[التخريج]: [تطبر (مسند ابن عباس ١٢١٢)].
[السند]:
قال الطبري: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح إِلَّا أنه مرسل؛ الحسن البصري من أئمة التابعين.
وقد صحَّ الحديث عن ابن عباس وغيره، كما سبق.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
٣٦٦ - حَدِيثُ سَلْمَانَ:
◼ عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ ﵁، قَالَ: «كَانَ لِبَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شَاةٌ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ، لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا؟ !» [فَقِيلَ: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا»].
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وإسنادُهُ ضعيفٌ، وضعفه البوصيري.
[التخريج]:
[جه ٣٦٣٦ «واللفظ له» / ش ٢٥٢٦٧/ مش ٤٥٩/ تطبر (مسند ابن عباس ١٢١٥ «والزيادة له»، ١٢١٦)].
[السند]:
أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف)، و(المسند) -وعنه ابن ماجه- قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن سلمان، به.
وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١٢١٦): من طريق عبد الرحيم بن سليمان، به.
وأخرجه الطبري أيضًا (١٢١٥): من طريق ابن فضيل، عن ليث، به. وذكر الزيادة.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ مداره على ليث، وهو ابن أبي سليم، ضعَّفه أحمد، وابن معين، وغيرُهما، وقال الحافظ: «صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فَتُرِكَ» (التقريب ٥٦٨٥).
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وبه ضعَّفه البوصيري فقال: «هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف ليث، وهو ابن أبي سليم، وله شاهد من حديث ميمونة رواه مسلم في (صحيحه») (مصباح الزجاجة ٤/ ٩٠).
وشهر مختلف فيه، أثنى عليه أحمد ووثقه هو وابن معين، والبخاري، وأبو زُرْعَةَ، وابن نُمير، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، وابن القطان الفاسي، وغيرهم، وتكلم فيه آخرون، وستأتي ترجمته موسعة.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
٣٦٧ - حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ:
◼ عَنْ (أَبِي) (^١) مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وهذا إسناده معلولٌ؛ وقد أعلَّه العقيلي، واستغربه الدارقطني.
[التخريج]:
[طب (١٧/ ٢١٢/ ٥٧٦) «واللفظ له» / عق (١/ ٥٤٦) / فقط (أطراف ٤٩٤٧)].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا محمد بن يوسف التركي، ثنا محمد بن سعيد الخزاعي، (ح)
وحدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا محمد بن يزيد (الرواس) (^٢)، (ح)
_________________
(١) هكذا في (معجم الطبراني) في مسند أبي مسعود البدري، وكذا وضعه ابن طاهر في مسند أبي مسعود البدري، وتحرف اسمه في (المجمع) إلى: «ابن مسعود»، وكذلك تحرف عند العقيلي في (الضعفاء)، وهكذا نقله عنه الذهبي في (الميزان ٢/ ٣٦٠) وتبعه ابن حجر في (اللسان ٢/ ٣٤٧)، وغيرهما، فالله أعلم.
(٢) وقع في مطبوع (المعجم الكبير): «الرواسي»، والصواب المثبت، كما في النسخة الخطية (٩/ ق ٤٨/ أ)، وكذا جاء على الصواب في (الضعفاء) للعقيلي: «شيخ للبزار يعرف بابن الرواس».
[ ٤ / ٣٠٧ ]
وحدثنا أحمد بن زهير التستري، ثنا أحمد بن بكار الباهلي، قالوا: ثنا حماد بن سعيد البراء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، به.
ورواه العقيلي: من طريق محمد بن يزيد الرواس، به.
فمداره عندهم على حماد بن سعيد البراء، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا حماد بن سعيد البراء؛ فمختلف فيه، فنقل البخاري في (التاريخ الكبير ٣/ ١٩)، عن نصر بن علي الجهضمي أنه قال فيه: «كان من عباد البصرة، ثقة في القول»، وكذا نقله عنه ابن نقطة في (التكملة ١/ ٢٨٠)، وذكره ابن حبان في (الثقات) كما في (الثقات لابن قطلوبغا ٣١٨٨) (^١)، وقال الذهبي: «صدوق» (تاريخ الإسلام ٤/ ٨٤٠) (^٢).
ولكن ذكره العقيلي في (الضعفاء) وقال: «في حديثه وَهْمٌ»، ثم ذكر له هذا الحديث، وقال: «هكذا حدَّث به حماد بن سعيد، وهو خطأ، والصواب فيه ما حدثنا به: محمد بن موسى البلخي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة زوج النبي ﷺ قَالَتْ: «مَاتَتْ شَاةٌ لَنَا فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا فَمَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا»».
_________________
(١) وسقطت ترجمته من المطبوع.
(٢) وتصحف لقبه في ط. بشار إلى «البزاز»، وسقطت ترجمته برمتها من ط. تدمري، وحدث خلل كبير في هذا الموضع، فلينتبه له.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
وكذلك استغرب الدارقطني إسناده فقال: «غريب من حديث إسماعيل بن أبي خالد، تفرَّد به حماد بن سعيد البراء عنه» (أطراف الأفراد ٤٩٤٧).
قلنا: المشهور عن إسماعيل ما رواه عنه الثقات من أصحابه (كابن المبارك، ووكيع، وابن نمير، وعَبْدَةَ، وغيرهم) عنه، عن عامر الشعبي، به، كما ذكره العقيلي، ولذا خَطَّأَ العقيلي حمادًا في سنده، وحكم عليه الدارقطني بالغرابة.
ولكن رواية إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، لها أصل؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف ٢٥٢٧٥) عن هُشَيْمٍ، قال: «أخبرنا إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ، » الحديث مثله.
وهشيم ثقةٌ ثبتٌ، وقد رواه عن إسماعيل، عن قيس؛ كما رواه حماد غير أن هُشيمًا أرسله، ووصله حماد بذكر أبي مسعود، فرواية هُشَيْمٍ أولى أن تعلَّ بها رواية حماد، والله أعلم.
[تنبيه]:
نقل الذهبي في ترجمة حماد بن سعيد هذا، عن البخاري أنه قال: «منكر الحديث» (الميزان ١/ ٥٩٠)، وتبعه على ذلك ابن ناصر الدين في (توضيح المشتبه ١/ ٣٩٩)، وابن حجر في (اللسان ٣/ ٢٦٨)، والهيثمي في (المجمع ١٠٩١).
وكلُّ ذلك وَهْمٌ؛ فقد نقل البخاري في ترجمته توثيق نصر بن علي الجهضمي له، ولم يتعقبه، فهو مقرٌّ به، وإنما قال البخاري هذه العبارة التي نقلها الذهبي في رَاوٍ آخر يُسمَّى حماد بن سعيد البصري يروي عن حنظلة بن
[ ٤ / ٣٠٩ ]
أبي سفيان الجمحي، وترجمته قبل ترجمة صاحبنا هذا مباشرة، انظر: (التاريخ ٣/ ١٩/ ٧٨) (^١).
_________________
(١) بل وأخطأ البخاري في اسمه، فقيل: إن الصواب «حماد بن عيسى»، انظر: (بيان خطأ البخاري في تاريخه لابن أبي حاتم ١/ ٢٤).
[ ٤ / ٣١٠ ]
٣٦٨ - حَدِيثُ جَابِرٍ:
◼ عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ [بِشَاةٍ مَيْتَةٍ] (^١)، فَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَهْلَهَا لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [تجر (صـ ١٧٣)].
[السند]:
قال حمزة السهمي في (تاريخ جرجان): حدثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا ثابت بن إبراهيم بن عمرو أبو محمد بجرجان، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا ثابت بن إبراهيم بن عمرو، فلم نجد له ترجمة إِلَّا في (تاريخ جرجان)، حيث ترجم له حمزة السهمي، وذكر له هذا الحديث، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
_________________
(١) مكانها بياض بالأصل، كما قال محقق (تاريخ جرجان)، وقال أيضًا: «ولعله «بِشَاةٍ مَيْتَةٍ» كما في حديث ابن عباس». اهـ. قلنا: وهو كما قال، وأثبتناها لحاجة السياق إليها، والله المستعان.
[ ٤ / ٣١١ ]
٣٦٩ - حَدِيثُ عَطَاءٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عَطَاءٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ فَحَسْبُهُ، فَليُنْتَفَعْ بِهِ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ لإرساله، والانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ صحيحٌ، كما تقدم.
[التخريج]: [عب ١٨٦].
[السند]:
رواه عبد الرزاق: عن ابن جريج، عن عطاء، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، غير أنه مرسل؛ فعطاء، هو ابن أبي رباح، وهو تابعي مشهور.
[ ٤ / ٣١٢ ]
٣٧٠ - حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: «حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَهْلَهَا لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وإسناده مرسلٌ.
[التخريج]: [ش ٢٥٢٧٥].
[السند]:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، غير أنه مرسل، فقيس بن أبي حازم، تابعي مخضرم، لم يسمع من النبي ﷺ، وانظر: (التقريب ٥٥٦٦).
[ ٤ / ٣١٣ ]
٣٧١ - حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وإسناده مرسلٌ.
[التخريج]: [تطبر (مسند ابن عباس ١٢١٧)].
[السند]:
قال الطبري: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، رجال الصحيح؛ إِلَّا أنه مرسلٌ؛ فسعيد بن وهب الهمداني، من كبار التابعين، كما في (التقريب ٢٤١١).
[ ٤ / ٣١٤ ]
٣٧٢ - حَدِيثُ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ مُرْسَلًا:
• عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى جَذَعَةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِمَسْكِهَا».
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وهذا مرسل ضعيفٌ.
[التخريج]: [طب (٧/ ١٠١/ ٦٤٩٥)].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي الفسوي، ثنا محمد بن عباد بن آدمَ، ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران يحدِّث، عن خالد (الأثبج) (^١) عن سنان بن سلمة، به.
عمران هو ابن حدير السدوسي.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: الإرسال؛ فسنان بن سلمة، مختلف في صحبته، فذكره ابن حبان في الصحابة، كما في (الثقات ٣/ ١٧٨)، وكذا ذكره في الصحابة ابن قانع، والبغوي، وأبو نعيم، وابن عبد البر، وغيرهم؛ وذلك لما يروى عنه أنه قال: «وُلِدتُ فِي يَومِ حَربٍ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَذَهَبَ بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَنَّكَنِي، وتَفَلَ فِي فِيَّ، ودَعَا لِي، وَسَمَّاني سِنَانًا». انظر: (الجرح
_________________
(١) في المطبوع: «الأشج»، وهو تحريف، والصواب المثبت كما في النسخة الخطية (٢/ ق ١٥١/ ب)، وانظر: (تهذيب الكمال ١٦٢٦).
[ ٤ / ٣١٥ ]
والتعديل ٤/ ٢٥٠).
ولكن هذا -إِنْ ثبت- إنما يثبت له به شرف الصحبة عند الجمهور، أما الرواية فمرسلة عند المحققين منهم؛ لأنه لم يسمع من النبي ﷺ شيئًا، ولا يأخذ عندهم حكم مرسل الصحابي، كما سبق تقريره.
ولذا قال أبو حاتم -أو ابنه- عقب قول سنان هذا: «روى عن النبي ﷺ مرسلٌ» (الجرح والتعديل ٤/ ٢٥٠)، وسئل أبو زرعة: هل له صحبة؟ فقال: «لا، ولكنه ولد في عهد النبي ﷺ» (المراسيل لابن أبي حاتم صـ ٦٧)، وجزم العجلي في (كتابه ١/ ٤٣٨) بأنه تابعي، وقال الذهبي: «روى له النسائي، عن النبي ﷺ حديثًا، فهو مرسل» (تاريخ الإسلام ٢/ ٩٣٨). وقال الحافظ: «ولد يوم حنين؛ فله رؤية، وقد أرسل أحاديث» (التقريب ٢٦٤٠).
الثانية: محمد بن عباد بن آدم، ذكره ابن حبان في (الثقات ٩/ ١١٤)، وقال: «يغرب»، وقال الحافظ: «مقبول» (التقريب ٥٩٩١)، يعني: إذا تُوبع، وإلا فلين، ولم يتابع على إسناده، وإِن كان متنه محفوظًا كما سبق.
وبقية رجال الإسنادٌ ثقات رجال الصحيح، عدا الحسن بن علي الفسوي، قال الدارقطني: «لا بأس به»، وانظر: (تاريخ بغداد ٨/ ٣٦٣).
وخالد هو ابن عبد الله بن محرز، من رجال مسلم، وهو صدوقٌ (التقريب ١٦٤٨).
ومع هذا قال الهيثمي: «رواه الطبراني في (الكبير) ورجالُه ثقاتٌ» (المجمع ١٠٩٢)، وليس كذلك؛ إذ فيهم الصدوق والضعيف، كما تقدم.
[ ٤ / ٣١٦ ]
٣٧٣ - حَديثُ عَائِشَةَ أَمَرَ أَنْ يُنْتَفَعَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ (رَخَّصَ) أَنْ يُسْتَمْتَعَ (يُنْتَفَعَ) بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا اللفظ، وضعَّفه الإمام أحمد -وأقرَّه ابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، وابن التركماني-، والأثرم، وابن المنذر، والألباني.
وأما معناه وهو الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ؛ فصحيحٌ كما تقدم. ولعلَّ لذلك صححه ابن حبان، وابن عبد البر، وحسَّنه النووي، والسيوطي، وصححه الألباني في موضع آخر.
[فائدة]:
قال الرافعي: «وقوله: «أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ» يعني: أمر إرشاد وإباحة، لا إيجاب وانتداب» (شرح مسند الشافعي ١/ ١٠٢).
[التخريج]:
[د ٤٠٧٦/ ن ٤٢٩٠/ كن ٤٧٧٤/ جه ٣٦٣٧/ طا ١٤٣٨ «واللفظ له» / حم ٢٤٤٤٧ «والرواية الثانية له»، ٢٤٧٣٠، ٢٥١٥٧ «والرواية الأولى له ولغيره»، ٢٥١٩٦/ مي ٢٠١٢/ حب ١٢٨١/ عب ١٩١/ ش ٢٥٢٧٢/ طي ١٦٧٣/ شف ٦١/ أم ٣٣/ حق ١٠٣١، ١٧١٠/ مب ١٩٣/ عبص ١٠٧/ منذ ٨٣٤/ هقع ٥٣٤/ هق ٥١/ أصبهان (١/ ٢٣٧) / حل (٦/ ٣٥٥) / عط (حاكم ٢١٦) / تحقيق ٧٧/ بغ ٣٠٥/ مطغ ٨٣٧/ تذ (٣/ ١٨٧) / نبلا (١٧/ ١٦١)].
[ ٤ / ٣١٧ ]
[السند]:
أخرجه مالك في (الموطأ) -وعنه (الشافعي، وابن المبارك، وعبد الرزاق، والطيالسي) -: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه، عن عائشة، به.
وأخرجه الباقون جميعًا من طريق مالك به (^١).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا أُمِّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان؛ فلم يَرْوِ عنها غير ابنها محمد، هذا الحديث الواحد، كما قال الأثرم -وسيأتي نصُّ كلامه-، ولم يوثقها معتبر، إنما ذكرها ابن حبان في (الثقات) كما في (تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٨٤) على قاعدته في توثيق المجاهيل، ولذا ذكرها الذهبي في فصل النسوة المجهولات من (الميزان ٤/ ٦١٥)، وقال الحافظ: «مقبولة» (التقريب ٨٧٦٧).
وبها أعل الإمام أحمد هذا الحديث، فقد سأله ابنه عبد الله: عن هذا الحديث؟ فقال له: ما ترى في هذا الحديث؟ فقال: «فيه أمه؛ مَنْ أمه؟ كأنه يكرهها في الحديث» (العلل ومعرفة الرجال ٤١٠٨)، وفي موضع آخر، قال عبد الله: «كأنه أنكره من أجل أمه» (العلل ٤٨٢٧). وأقرَّه ابن دقيق العيد في (الإمام ١/ ٣٠٢)، وابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١١٦)، وابن التركماني في (الجوهر النقي ١/ ١٧).
وعلله الأثرم بها أيضًا، فقال: «وأما حديث محمد بن عبد الرحمن بن
_________________
(١) وذكر الدارقطني في (العلل ٣٧٩٦) متابعًا لمالك، ولم نقف على روايته.
[ ٤ / ٣١٨ ]
ثوبان، عن أمه، فإن أمه غير معروفة، ولم نسمع أنه رَوَى عنها غير هذا الحديث». اهـ. نقله عن الأثرم، وأقرَّه ابن دقيق العيد في (الإمام ١/ ٣٠٢)، وابن التركماني في (الجوهر النقي ١/ ١٧).
وقال ابن المنذر: «وأم محمد لا نعلم أحدًا روى عنها غير ابنها، ويزيد بن قسيط طعن فيه الذي روى عنه، قال مالك: (صاحبنا -يعني: يزيد بن عبد الله بن قسيط- ليس بذاك») (الأوسط ٢/ ٤٤٦).
قلنا: وابن قسيط ثقة من رجال الشيخين، بل واحتجَّ به مالك في غير ما حديث، وذهب ابن عبد البر إلى أن مقصود مالك بهذا الكلام رجل آخر غير ابن قسيط، انظر: (تهذيب التهذيب ١١/ ٣٤٢).
والحديث ضعَّفه الألباني في (ضعيف سنن أبي داود/ النسخة المختصرة ٤١٢٤ ط. المعارف)، و(ضعيف سنن ابن ماجه ٣٦٧٩)، و(ضعيف سنن النسائي ٤٢٦٣).
قلنا: وإِن كان سند هذا الحديث ضعيفًا لجهالة أم محمد بن عبد الرحمن؛ فإن المتن يشهد لمعناه الأحاديث الصحاح المتقدمة في الباب، الدالة على مشروعية الانتفاع بجلود الميتة إذا دبغت.
ولفظ الأمر هنا محمول على الرخصة والإذن؛ لأنه جاء بعد الحظر، وكذا رواه ابن مهدي وغيره عن مالك به، بلفظ الرخصة، فتأكد ما ذكرنا، والله أعلم (^١).
ولعل لذلك أخرج ابن حبان هذا الحديث في (صحيحه) على قاعدة: أن
_________________
(١) وانظر: (ذخيرة العقبى في شرح المجتبى ٣٣/ ٤٦).
[ ٤ / ٣١٩ ]
المجهول إذا لم يجرح ولم يأتِ بحديث منكر فحديثه صحيحٌ أو حسنٌ.
وكأن ابن عبد البر مشى على هذه القاعدة أيضًا، فقال: «هذا حديث ثابت من جهة الإسناد» (التمهيد ٢٣/ ٧٦).
وحسَّنه النووي في (المجموع ١/ ٢١٨، ٢٢٠)، و(خلاصة الأحكام ١/ ٧٣ - ٧٤)، والسيوطي في (الحاوي للفتاوي ١/ ١٥).
وقال الألباني في (التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ٣/ ١٠): «صحيحٌ» وأحال على (غاية المرام ٢٦)، والحديث هناك ذكره من حديث ابن عباس وغيره، ومن حديث عائشة بلفظ: «ذَكَاةُ الْمَيْتَةِ دِبَاغُهَا» -وسيأتي تخريجه في الباب التالي-. فكأن الشيخ أراد في التعليقات الحسان أنه صحيحٌ لشواهده هذه -كما أشرنا آنفا-، وإِن كان سنده ضعيفًا كما سبق نقله عن الشيخ من (ضعيف أبي داود) وغيره، وليس في ذلك تعارض، والله أعلم.
[تنبيه]:
تحرفت كلمة «أمه» في (سنن النسائي الصغرى) (في طبعتي: المطبوعات، والتأصيل، تبعًا للأصول كما أشار محققو طبعة التأصيل ٤٢٩٠)، وكذا في (الكبرى) (في طبعتي: دار الكتب العلمية، والتأصيل)، إلى «أبيه»؛ وكذلك وقع في (التمهيد ٢٣/ ٧٥ ط. المغربية)، وهو خطأ، وقد جاء على الصواب في (تحفة الأشراف ١٢/ ٤٤٤)، وط. هجر للتمهيد (ضمن موسوعة شروح الموطأ ١٣/ ٢٨٩)، وبقية المصادر.
ولذا صوبها محققو (السنن الكبرى ط. الرسالة ٤٥٦٤) من (التحفة)، وجاءت على الصواب أيضًا في (الصغرى ط. المكنز ٤٢٥٢) ولعلهم
[ ٤ / ٣٢٠ ]
صوبوها أيضًا من (التحفة)، فقد أشاروا في مقدمة تحقيقهم إلى أنها ستكون المرجع لديهم عند الاختلاف في السند، وإلا فهم لم يعتمدوا في عملهم على نسخ خطية، إنما اعتمدوا على المطبوعات السابقة عليهم، وعلى إجازة لهم بإسنادِ الكتاب!، وهي كما لا يخفى ﴿لا تسمن ولا تغني من جوع﴾ في ضبط الكتاب.
روايةُ: افتَقَدَ عَنَاقًا:
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ افْتَقَدَ عَنَاقًا كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: «أَلَا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ».
[الحكم]: صحيحُ المتن بشواهده، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ معلولٌ.
[التخريج]:
[مب ١٩٢ «واللفظ له» / تطبر (مسند ابن عباس ١١٩٨) / حق ١١٦٨/ علقط (٨/ ٤٤٦)].
[السند]:
أخرجه ابن المبارك في (المسند) قال: أنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة، به.
وأخرجه إسحاق في (المسند) عن عثمان بن عمر، وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار) (^١) من طريق ابن أبي فديك، كلاهما: عن ابن أبي ذئب،
_________________
(١) أثبت الشيخ محمود شاكر ﵀ في سند الطبري عبارة: «عن أمه» بين محمد بن عبد الرحمن وعائشة، مع أنه ذكر أنها ليست في الأصل (٢/ ٨٣)، ولكنه ظنَّ أنها ساقطة من الإسناد معتمدًا في ذلك على رواية ابن قسيط السابقة، وما في الأصل هو الصواب، كما في بقية المصادر، ونصَّ عليه الدارقطني، ورواية ابن قسيط إنما هي علة لرواية الحارث، وانظر ما سطرناه في التحقيق.
[ ٤ / ٣٢١ ]
به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، عدا الحارث بن عبد الرحمن، وهو القرشي العامري خال ابن أبي ذئب، قال فيه الحافظ: «صدوق» (التقريب ١٠٣١).
وقد خُولِفَ فيه:
فرواه مالك -كما تقدم- عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه، عن عائشة، به.
فزاد فيه ابن قسيط أُمَّ محمد بن عبد الرحمن بين محمد وعائشة، وأُمُّ محمد هذه مجهولة، كما تقدم بيانه.
ورجَّح الدارقطني رواية ابن قسيط فقال: «وقول ابن قسيط أشبه بالصواب»، فقيل له:
«(إِنَّ) (^١) حديث ابن أبي ذئب غير حديث مالك؛ فإن حديث ابن أبي ذئب، عن عائشة، عن النبي ﷺ: «افْتَقَدَ عَنَاقًا كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: «أَلَا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ»»، فهذا حكم في
_________________
(١) في المطبوع: (من) وما أثبتناه هو الملائم للسياق، وقد استظهر محققه ما أثبتناه، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
عين، وذلك حكم مطلق»، فقال: «إلا أنه في الدباغ، وقد فسَّره» (العلل ٨/ ٤٤٧).
قلنا: وعلى أية وجه فالإسناد ضعيفٌ؛ إِذ إِنَّ طريق ابن قسيط معلولٌ بجهالة أُمِّ محمد بن عبد الرحمن، وطريق الحارث معلولٌ بالانقطاع؛ فإن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان لا يُعلم له سماع من عائشة ﵂، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
روايةُ: «اسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا هِيَ دُبِغَتْ تُرَابًا كَانَ، أَوْ رَمَادًا، أَوْ مِلْحًا، أَوْ مَا كَانَ، بَعدَ أَنْ يُرَدْ صَلَاحُهُ (^١»).
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياق، واستنكره ابن عدي -وأقرَّه البيهقي، وابن القيسراني، والنووي، وابن الملقن-، وضعَّفه الضياء المقدسي، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وابن حجر، والعيني، وابن الهمام.
_________________
(١) اضطربت المصادر في ضبط هذا الكلمة، والمثبت هو الذي اتفقت عليه كل طبعات (الكامل) لابن عدي، وكذا نسخه الخطية كما أفاده محقق ط. الرشد (٩/ ٤٩٧)، وكذا في (ذخيرة الحفاظ ٥٠٢)، وكذا في (سنن البيهقي) ط. هجر (٦٧)، وقد رواه البيهقي من طريق ابن عدي، إِلَّا أَنَّ البيهقي شكَّ فيه فقال: «أو «يُرِيدُ» الشك مني». وقال محقق ط. هجر: «كُتِبَ في حاشية الأصل: هكذا بخط ابن الصلاح» اهـ. ووقع في ط. الهندية والعلمية: «بَعْدَ أَنْ يُزِيدَ صَلَاحُهُ أَوْ يُزِيلَ الشَّكَّ عَنْهُ». وفي (اختصار الذهبي ١/ ٢١): «بَعْدَ أَنْ يُرِدْ صَلَاحُهُ أَوْ يُزِيدَ»، وأما في (سنن الدارقطني) ط. الرسالة: «بَعْدَ أَنْ يُزِيدَ صَلَاحُهُ»، وكذا عزاه للدارقطني غير واحد، وفي ط. المعرفة: «بَعْدَ أَنْ يُرِيدَ صَلَاحُهُ»، وكذا نقله من (سنن الدارقطني): الضياء في (السنن والأحكام ٩٠)، وابن دقيق العيد في (الإمام ١/ ٣١٥). وعزاه ابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١١٧) للدارقطني بلفظ: «بَعْدَ أَنْ تُرِيدَ ..». وفي (مرقاة المفاتيح لعلي القاري ٢/ ٤٦٥) بلفظ: «بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ صَلَاحُهُ»، وقال: «يعني: إذا جفَّ وخرج منه النتن والفساد». ولا ريب بعد هذا العرض أن رواية ابن عدي، هي أولاهم بالصواب، لعدم الاختلاف في ضبطها، وكذا هي عند البيهقي في أصح نسخه، وهي الملائمة للسياق، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
وأما الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ؛ فصحيحٌ كما تقدم.
[التخريج]: [عد (٩/ ٤٩٦) «واللفظ له» / قط ١٢٦/ هق ٦٥].
[السند]:
رواه الدارقطني، وابن عدي -ومن طريقه البيهقي-، قالا -والسياق للدارقطني-: حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس قال: حدثنا أحمد بن الأزهر البلخي، قال: حدثنا معروف بن حسان، قال: حدثنا عمر بن ذر، عن معاذة، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ وَاهٍ؛ فيه: معروف بن حسان؛ قال عنه أبو حاتم: «مجهول» (الجرح والتعديل ٨/ ٣٢٢). وقال ابن عدي: «منكر الحديث» (الكامل ٦/ ٣٢٥). وأنكر حديثه هذا، فقال: «وهذا منكرٌ بهذا الإسنادٌ، ومعروف هذا؛ قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة، وكلها غير محفوظة» (الكامل ٦/ ٣٢٥). وأقرَّه البيهقي في (السنن)، وابن طاهر المقدسي في (ذخيرة الحفاظ ١/ ٣٩٩)، والنووي في (خلاصة الأحكام ١/ ٧٩)، وابن الملقن كما سيأتي.
وقال عنه الذهبي: «وَاهٍ»، وقال عن الحديث: «لم يصحَّ هذا» (المهذب ١/ ٢١).
وأعلَّه بمعروف أيضًا: الضياء المقدسي في (السنن والأحكام ٩٠)، والزيلعي في (نصب الراية ١/ ١١٨)، وابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١١٧)، والعيني في (البناية ١/ ٤٢١)، وابن الهمام في (فتح القدير ١/ ٩٥).
[ ٤ / ٣٢٥ ]
وقال ابن الملقن: «رواه الدارقطني وغيره، وضعَّفه ابن عدي، وآخرون، وإن ذكره ابن السكن في (صحاحه)!» (البدر المنير ١/ ٦٠٦).
وقال ابن حجر: «وإسناد هذه ضعيف» (الدراية ١/ ٥٨).
قلنا: وفي إسناده أيضًا: أحمد بن الأزهر البلخي؛ ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٤٤)، وقال: «يخطئ ويخالف»، ولذا ذكره الحافظ في (لسان الميزان ١/ ٤٠٤).
[تنبيه]:
نقل العيني في (عمدة القاري ٩/ ٨٨) عن الدارقطني أنه قال: «في إسناده معروف بن حسان منكر الحديث» اهـ.
كذا قال، والمشهور بهذا القول هو ابن عدي -كما تقدم-، والحديث خرَّجه الدارقطني في (السنن) ولم يعلق عليه بشيء، ولا نقل عنه ذلك أحد سوى العيني، فلعله سَبْقُ قَلَمٍ، ثم وجدناه ذكر الحديث في (البناية ١/ ٤٢١) ونقل قول ابن عدي فحسب، فتأكد ما ذكرنا، والحمد لله.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
٣٧٤ - حَديثُ جَابِرٍ:
◼ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِجُلُودِ السِّبَاعِ إِذَا دُبِغَتْ، وَيَقُولُ: «قَدْ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وأما الانتفاع بجلود الميتة فصحيحٌ كما تقدم.
[التخريج]: [عب ٢٣٢].
[السند]:
رواه عبد الرزاق: عن حميد، عن الحجاج بن أرطاة، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، به.
قال عبد الرزاق: وسمعت أنا إبراهيم وغيره، يذكر، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: حميد، شيخ عبد الرزاق، وهو ابن رويمان، وهو مجهولٌ؛ فقد ترجم له ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٣/ ٢٢٢) برواية عبد الرزاق عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
الثانية: حجاج بن أرطاة، قال فيه الحافظ: «صدوقٌ كثير الخطأ والتدليس» (التقريب ١١١٩).
وقد تُوبِع من إبراهيم، وهو اثنان في هذه الطبقة ممن روى عنه عبد الرزاق، وروى عن أبي الزبير:
[ ٤ / ٣٢٧ ]
الأول: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو الأشهر في رواية عبد الرزاق عنه في (المصنف)، وهو متروك، كما في (التقريب ٢٤١)، بل كذَّبه غير واحد كما سبق مرارًا.
الثاني: إبراهيم بن يزيد الخوزى، وهو متروك الحديث أيضًا، كما في (التقريب ٢٧٢).
[ ٤ / ٣٢٨ ]
٣٧٥ - حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ فِي مَسْكٍ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِهِ وَهِيَ مَيْتَةٌ، وَقَالَ: «أَلَيْسَ فِي الدِّبَاغِ وَالْقَرَظِ وَالْمَاءِ طَهُورٌ؟ !»
[الحكم]: مرسلٌ ضعيفٌ جدًّا بهذا السياق، وأما الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ فصحيحٌ، كما تقدم.
[التخريج]: [تطبر (مسند ابن عباس ١٢٤٥)].
[السند]:
قال الطبري في (تهذيب الآثار): حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمرو، عن سعيد: عن الميتة يستنفع بجلدها؟، قال: قال الزُّهري: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ فِي مَسْكٍ الحديث.
وعمرو هو ابن أبي سلمة التنيسي، وسعيد هو ابن عبد العزيز التنوخي.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لإرساله، بل -على التحقيق- لإعضاله؛ فالزهري تابعي صغير.
ومراسيله وَاهِيَةٌ كما قال يحيى القطان، وابن معين، وغيرهما، وقد تقدم تقرير ذلك في باب: «الدم يصيب الثَّوب».
وفيه أيضًا: عمرو بن أبي سلمة التنيسي، وهو مختلف فيه؛ فقد ضعَّفه: ابن معين، وأبو حاتم، والعقيلي، والساجي، ووثقه ابن يونس، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وأخرج له الشيخان، انظر: (تهذيب التهذيب ٨/
[ ٤ / ٣٢٩ ]
٤٤)، ولخص الحافظ حاله؛ فقال: «صدوقٌ له أوهام» (التقريب ٥٠٤٣).
والمحفوظ عن الزُّهري في هذا الحديث كما رواه مالك، ويونس، ومعمر، وابن عيينة، وغيرهم، عنه، عن عبيد الله، عن ابن عباس، بدون ذكر: (الماء والقرظ)، وقد رُويت هذه اللفظة عن الزُّهري بالإسناد المتصل، كما تقدم في حديث ابن عباس، لكنها شاذة كما بينَّاه هناك، ورويت أيضًا من حديث ميمونة، ولكن سندها ضعيف، كما تقدم بيانه، والله أعلم.
* * *
روايةُ الزُّهْرِيِّ فِي جُلُودِ النُّمُورِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ مَعْمَرٍ، سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ؟ فَرَخَّصَ فِيهَا (فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ)، وَقَالَ: «قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ».
[الحكم]: المرفوع صحيحُ المتن بما تقدم، وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله.
[التخريج]: [عب ٢٣١ «واللفظ له» / عبص ١١٠ «والرواية له»].
[السند]:
رواه عبد الرزاق في (المصنف)، و(الأمالي): عن مَعْمَرٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، إِلَّا أنه مرسل، وتقدم أن مراسيل
[ ٤ / ٣٣٠ ]
الزُّهري من أَوْهَى المراسيل.
وفي الباب أحاديث أخرى، انظرها في الأبواب التالية.
[ ٤ / ٣٣١ ]