٦٩ - حَدِيثُ جَابِرٍ:
◼ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁، يَقُولُ: «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي، وَأَنَا مَرِيضٌ لا أَعْقِلُ، [فَدَعَا بِوَضُوءٍ] فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ (نَضَحَ) عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ [أَوْ قَالَ: «صُبُّوا عَلَيْهِ»] (فَصَبُّوا عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ)، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ المِيرَاثُ؟ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلالَةٌ (إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ)، فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ (آيَةُ الْمِيرَاثِ»)، [فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، قَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»].
[الحكم]: متفق عليه (خ، م) دون الزيادة الأخيرة، فلمسلم.
[الفوائد]:
قال ابن حبان بإثره: «في صَبِّ المصطفى ﷺ وضوءَه على جابر بيان واضح بأن الماء المتوضَّأ به طاهر ليس له أن يتيمم؛ لأنه واجد الماء الطاهر وإنما أباح الله ﷿ التيمم عند عدم الماء الطاهر وكيف التيمم لواجد الماء الطاهر» (الصحيح بإثر حديث ١٢٦٦).
[التخريج]:
[خ ١٩٤ «واللفظ له»، ٥٦٧٦ «والزيادة الثانية له»، ٦٧٤٣ «والزيادة
[ ١ / ٢٨١ ]
الأولى والرواية الأولى والثالثة له» / م ١٦١٦ «والرواية الثانية والرابعة والزيادة الأخيرة له» / كن ٦٤٩٥، ٧٦٦٩/ حم ١٤١٨٦/ مي ٧٥١ مختصرًا/ حب ١٢٦١/ عه ٦٠٤٢، ٦٠٤٣/ طي ١٨١٥ مختصرًا/ طبر (٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠) / سعد (٤/ ٣٨٥) / مشكل ٥٢٣٠/ منذ ٦٧٧٩/ جعد ١٦٦٧/ حل (٧/ ١٥٧) / منذس ١٤٤٤ مختصرًا/ هق ١١٣٤، ١٢٣٢٩/ هقغ ٢٢٦٧/ تمهيد (٥/ ١٨٩) / بغ ٢٢١٩/ بغت (٢/ ١٧٦) / نبغ ٦٥٩/ شخل (٣/ ٨٣٥) / كما (٤/ ٤٥١) / مس ١٦/ شجاعة ٢٢١].
[السند]:
رواه البخاري (١٩٤)، والدارمي (٧٥١) - وغيرهما -، عن أبي الوليد الطيالسي.
ورواه البخاري (٦٧٤٣) - وغيره - من طريق ابن المبارك.
ورواه أحمد (٣/ ٢٩٨)، والبخاري (٥٦٧٦) - وغيره -، عن محمد بن بشار بندار، كلاهما (أحمد وبندار)، عن محمد بن جعفر غندر.
ورواه مسلم (١٦١٦)، وابن الجعد (١٦٦٧) من طريق النضر بن شميل، وأبي عامر العقدي.
ورواه مسلم (١٦١٦)، وابن الجعد (١٦٦٧)، والطبري (٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠) وغيرهم من طريق وهب بن جرير - قرَنه مسلم وابن الجعد بالنضر ومن معه -.
ورواه مسلم (١٦١٦) من طريق بهز وهو ابن أسد العمي.
ورواه أحمد (٣/ ٢٩٨)، وأبو عوانة (٥٦٠٥)، عن يوسف بن سعيد
[ ١ / ٢٨٢ ]
المصيصي، كلاهما (أحمد ويوسف)، عن حجاج بن محمد - قرَنه أحمد بغندر -.
ورواه الدارمي (٧٥١)، عن سعيد بن الربيع الهروي - قرَنه بأبي الوليد -.
ورواه ابن المنذر في (الأوسط ٦٧٧٩) من طريق عفان.
ورواه ابن الجعد (١٦٦٧) من طريق قُرَاد أبي نوح - قرَنه بالنضر وغيره -.
ورواه النسائي في (الكبرى ٦٤٩٥، ٧٦٦٩) من طريق خالد بن الحارث.
ورواه ابن سعد في (الطبقات ٤/ ٣٨٥)، عن عمرو بن الهيثم أبي قطن.
ورواه الطحاوي في (المشكل ٥٢٣٠) من طريق بشر بن عمر - قرَنه بوهب -.
كلهم، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا يقول: » الحديث، غير أن لفظ سعيد وعفان مختصر، ليس فيه التعرض لمسألة الميراث.
ولفظ ابن المبارك وأبي الوليد ووهب (^١) وبشر: «فنزلت آية الفرائض»، وهكذا لفظ غندر عند البخاري وابن عبد البر في (التمهيد).
وفي حديث النضر، والعقدي وحجاج وخالد وأبي قطن: «فنزلت آية الفرض»، وهكذا لفظ غندر عند أحمد وأبي عوانة وابن المنذر في (التفسير).
_________________
(١) حديثه عند البيهقي في (الكبرى ١٢٣٢٩)، وفي (الصغرى) بلفظ: «الفرض». كما أن رواية أبي الوليد عند أبي عوانة بلفظ «الفرض»، ورواية النضر عند ابن عساكر بلفظ «الفرائض».
[ ١ / ٢٨٣ ]
فأما بهز بن أسد فقال فيه: «فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ»، وزاد فيه بهز، عن شعبة: «فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، قال: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ».
وأشار مسلم إلى تفرد بهز بهذه الزيادة، فقال بعد أن رواه من طريق النضر والعقدي ووهب: «وليس في رواية أحد منهم قول شعبة لابن المنكدر».
وكذا لم نجده في رواية غيرهم عن شعبة، وبهز ثقة ثبت (التقريب ٧٧١)، ووقع في رواية حجَّاج عند أبي عوانة الجزم بتعيين آية الميراث هذه، وفيها وهم غريب:
فرواه أبو عوانة (٦٠٤٢) عن يوسف بن سعيد المصيصي، عن حجَّاج بن محمد، عن شعبة به، وقال فيه: «فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرْضِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَ: آيَةُ الْفَرْضِ».
هكذا وقع في المطبوع، فإِنْ كان المراد هو الآية (١٢٧) من سورة النساء: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾، فهذه الآية ليس لها علاقة بالميراث، والظاهر أنه أراد الآية المذكورة في رواية بهز، فوهم أو سبقه القلم كما حصل له ذلك في رواية ابن عُيَينَة المخرجة عنده قبل هذه الرواية بحديث، وقد تنبَّه هناك المحقق وأثبت الآية على الصواب مشيرًا لما في المخطوط من وهم، لكنه غفل هنا لأنَّ الآية لم تكتمل! .
ويوسف المصيصي هذا ثقة حافظ (التقريب ٧٨٦٦)، غير أنَّ الإمام أحمد قد رواه عن حجَّاج به إلى قوله: «آية الفرض»، ولم يعين الآية كما سبق، وهذا هو الموافق لما رواه جماهير أصحاب شعبة، ومنهم: غندر، وابن المبارك، وأبو الوليد، وخالد بن الحارث، والنضر بن شميل،
[ ١ / ٢٨٤ ]
وأبو عامر العقدي، ووهب بن جرير، وغيرهم ممن سبق ذكرهم.
ولكن رواه أبو داود الطيالسي (١٨١٥) عن شعبة عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا، يقول: «دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض، فنفخ في وجهي، فأفقت، ونزلت آية الْفَرِيضَةِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾».
وأبو داود وإِنْ كان ثقة حافظًا، إلَّا أنَّه كان يخطئ كثيرًا كما قاله أبو حاتم وغيره، وانظر كلام الباجي في (التعديل والتجريح ١٣١٦)، وغُندر، وأبو الوليد، وخالد بن الحارث، والنضر بن شميل، كل منهم بمفرده أتقن وأثبت من أبي داود، فكيف وقد اجتمعوا؟ !، وكيف وقد تابعهم عدد آخر من الثقات؟ ! .
وقد جاء ما يوهم المتابعة لأبي داود:
فقد رواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١٥٧) من طريق أبي داود وهو الطيالسي، وأبي النضر وهو هاشم بن القاسم، وأبي الوليد وهو الطيالسي، وسليمان بن حرب، قالوا: ثنا شعبة، قال: أخبرني محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا، يقول: الحديث، وفيه: «إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً، فَأُنْزِلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾».
هكذا رواه بالجزم بتعيين الآية التي نزلت في هذه الواقعة، من رواية هؤلاء الأربعة الثقات جميعًا، دون أن يعزو اللفظ لواحد منهم! وصنيعه هذا فيه نظر؛ فقد سبق أنَّ البخاري (١٩٤) رواه عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، به إلى قوله: «آية الفرائض»، ولم يعين الآية كما سبق، وتوبع عليه البخاري:
[ ١ / ٢٨٥ ]
فرواه أبو عوانة، عن سليمان بن سيف الطائي، وهو ثقة حافظ (التقريب ٢٥٧١).
ورواه ابن حبان، عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، وهو ثقة (السير ١٤/ ٨).
ورواه البيهقي في (الكبرى ١١٣٤) من وجهين، عن محمد بن أيوب الرازي - وهو ثقة حافظ (السير ١٣/ ٤٤٩) -، ثلاثتهم، عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، به مثل رواية البخاري، وكذلك رواه الدارمي (٧٥١) عن أبي الوليد، لكنه اختصر متنه كما سبق.
فكل هذا يدلُّ على أنَّ أبا نعيم قد حمل لفظ أبي الوليد على لفظ أحد أولئك الأربعة المقرونين معه، لاسيّما وحديث أبي الوليد عند أبي نعيم من طريق محمد بن أيوب الرازي الحافظ، وقد رواه البيهقي من وجهين عنه، عن أبي الوليد موافقًا لرواية الجماعة! .
وإذا ثبت أنَّ رواية أبي الوليد الطيالسي عند أبي نعيم محمولة على رواية غيره، وأنَّ المحفوظ عنه إبهام الآية، فمن الجائز أن تكون رواية سليمان بن حرب محمولة كذلك، لاسيّما وهي عنده أيضًا من طريق محمد بن أيوب عنه مقرونًا بأبي الوليد، فالظاهر أنَّ سياقتيهما للحديث عند محمد بن أيوب سياقة واحدة، وإلَّا لميَّز ذلك ابن أيوب، فإنه إمام عارف حافظ، ولم نجد رواية سليمان هذه عند غير أبي نعيم، فالظاهر أنه حملها أيضًا على رواية غيره.
فأما رواية أبي النضر، فإن لم تكن محمولة هي الأخرى، فهي عند أبي نعيم من رواية محمد بن أحمد بن علي بن مخلد، عن الحارث، عن
[ ١ / ٢٨٦ ]
أبي النضر، وابن مخلد هذا يعرف بابن المحرم، روى الدارقطني عنه في غرائب مالك حديثًا منكرًا في عائد المريض ثم قال: «هذا باطل لا يصحُّ، وشيخنُا ضعيف» (اللسان ٦٤١٧ - ٥/ ٥١)، وقال عنه ابن أبي الفوارس: «كان يقال: في كتبه أحاديث مناكير، ولم يكن عندهم بذاك»، وقال مرة: «ضعيف»، وقال البرقاني: «لا بأس به» (تاريخ بغداد ٢/ ١٦٥)، وقول البرقاني هذا نسبه الذهبي في (السير ١٦/ ٦٠) للدارقطني، وهو وهم، فإنَّ الدارقطني قد ضعَّفه كما قاله الذهبي نفسه في (الميزان ٣/ ٤٦٢)، وبيَّنه ابن حجر في (اللسان)، ولذا قال ابن كثير في ابن المحرم هذا: «كان يضعف في الحديث» (البداية والنهاية ١١/ ٢٦٦)، هذا ولو كان الحديث عند أبي النضر لما فات أحمد ومسلم وغيرهما من المشاهير.
فسواء كان اللفظ الذي ذكره أبو نعيم إنما هو لأبي داود الطيالسي، أو كان لأبي النضر، أو لفق من سياقتيهما، وحمل عليه لفظ الآخرين، فلا يعتدُّ به، لضعف الطريق إلى أبي النضر، ولما في حفظ أبي داود من كلام، فهو لا يقوى على مخالفة هذا الجمع الغفير من أصحاب شعبة، فتبيَّن من ذلك أنَّ المحفوظ عن شعبة إبهام الآية، وهو ما يدل عليه زيادة بهز - إِنْ كانت محفوظة -، فإنَّ مقتضاها أنَّ الحديث عند شعبة خاليًا من تعيين الآية، ولذا سأل عنها ابن المنكدر، فتأمل.
فإن قيل: أليس جواب ابن المنكدر على سؤال شعبة يدل على التعيين؟ .
قلنا -كما قال الحافظ ابن حجر-: بل إِنَّ جوابه «ليس صريحًا في المراد، فإنَّه يحتمل أنه أراد بقوله: «هكذا أنزلت» أي: كما حدثتك بغير تعيين، ويحتمل أنه أشار إلى الآية بعينها» (العجاب في بيان الأسباب ٢/ ٨٤٤).
والاحتمال الأول هو الأولى أن يتمسك به؛ لعدم ذكر هذا التعيين في
[ ١ / ٢٨٧ ]
روايات عامة أصحاب شعبة، فلو كان الاحتمال الثاني هو المراد، لاعتمده شعبة، وحدث به أصحابه، ثم إِنَّ الاحتمال الثاني - إِنْ صحَّ - ليس فيه التصريح بأن هذا التعيين من قبل جابر، فيكون مرفوعًا، بل يحتمل أنه من اجتهاد ابن المنكدر، والله أعلم.
واعلم أن حديث جابر هذا يرويه عنه كل من: ابن المنكدر، وأبي الزبير، ويرويه عن ابن المنكدر كلٌّ من: شعبةَ، والثوريِّ، وابنِ عُيَينَة، وابنِ جُرَيجٍ، وعمرو بن أبي قيس.
فأما شعبة فالمحفوظ عنه إبهام الآية كما سبق، وكذلك الثوري كما سيأتي، وأما ابنُ جُرَيجٍ فعينها بآية الميراث الأولى من سورة النساء، وكذلك في رواية ابن أبي قيس، وخالفهما ابن عُيَينَةَ، فعينها بآية الميراث المذكورة في آخر النساء، وكذلك في رواية أبي الزبير عن جابر، ورجَّح البيهقي، وابن كثير، وغيرُهما روايةَ ابنِ عُيَينَة، ورجَّح ابن حجر روايةَ ابنِ جُرَيجٍ، وسيأتي تفصيل ذلك مع بيان الراجح بعد الانتهاء من ذكر بقية الروايات وطرقها، والله المستعان.
[ ١ / ٢٨٨ ]
رِوَايةُ: فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «مَرِضْتُ مَرَضًا، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي، وَ[مَعَهُ] أَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي [قَدْ] أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ (صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ)، فَأَفَقْتُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ: [﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]]».
[الحكم]: متفق عليه (خ، م)، دون الزيادة الأخيرة فلمسلم وغيره.
[التخريج]:
[خ ٥٦٥١ «واللفظ له»، ٦٧٢٣، ٧٣٠٩/ م ١٦١٦ «والزيادات والرواية له ولغيره» / د ٢٨٧٣/ ت ٢٢٢٩، ٣٢٥٨، ٣٢٥٩/ ن ١٤٣ «مختصرًا» / جه ١٤١٨ «مختصرًا»، ٢٧٣٧/ كن ٨٢ مختصرًا، ٦٤٩٦، ٧٦٥٥، ١١٢٤٤/ حم ١٤٢٩٨/ خز ١١٣/ عه ٦٠٤٠/ حمد ١٢٦٤/ عل ٢٠١٨/ بخ ٥١١/ حا ٤٨٨٦، ٦٣٢٨/ جا ٩٧٤/ مشكل ٥٢٢٩/ سعد (٤/ ٣٨٥) / طبر (٧/ ٧١٥ - ٧١٦) / هق ١٢٣٩٨ مختصرا، ١٢٣٩٩/ طوسي ١٥٩٧، ١٥٩٨/ وسيط (٢/ ١٤٥) / تمهيد (٥/ ١٨٩) / كر (١١/ ٢٣٣) / دمياط (الثالث ١٩) / زاهر (سباعيات) ١٤٢].
[السند]:
رواه بهذه السياقة عن ابن المنكدر كلٌّ من ابنِ عُيَينَةَ والثوري:
١ - رواية ابن عُيَينَة:
اختلف على ابن عُيَينَة في تعيين الآية المذكورة في هذا الحديث:
[ ١ / ٢٨٩ ]
فرواه البخاري في الصحيح (٥٦٥١)، وفي (الأدب المفرد ٥١١) عن عبد الله بن محمد، وهو الجعفي المسندي.
ورواه البخاري في صحيحه أيضًا (٧٣٠٩) عن علي بن عبد الله، وهو المديني.
ورواه ابن ماجه (١٤١٨) عن محمد بن عبد الله الصنعاني.
ورواه ابن الجارود في (المنتقي ٩٧٤)، وابن أبي حاتم في (التفسير ٤٨٨٦، ٦٣٢٨)، والطوسي في (المستخرج ١٥٩٧) عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ.
ورواه الطوسي في (المستخرج ١٥٩٨) عن عبد الله بن محمد الزُّهري.
ورواه ابن عبد البر في (التمهيد ٥/ ١٨٩) من طريق ابن أبي شيبة.
ورواه الحميدي في (مسنده ١٢٦٤).
سبعتهم، عن ابن عُيَينَة، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، به إلى قوله: «آية الميراث» (^١)،
وقال ابن أبي شيبة: «آية الكلالة» غير أنَّ رواية محمد بن عبد الله الصنعاني جاءت مختصرة جدًّا بلفظ: «عَادَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَاشِيًا وَأَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا فِي بَنِي سَلِمَةَ»، ولم يذكر الميراث.
وكذلك رواه النسائي في (الصغرى ١٤٣)، و(الكبرى ٨٢) عن محمد بن منصور، عن ابن عُيَينَة به مختصرًا إلى قوله: « فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ»، ولكن قد طولَّه عنه النسائي في مواضع أخرى من (الكبرى) وفيها تعيين الآية كما
_________________
(١) في رواية المقرئ في الموضع الأول من تفسير ابن أبي حاتم: «الموارِيث» بالجمع، وفي الموضع الثاني بالإفراد.
[ ١ / ٢٩٠ ]
سيأتي.
فأما بقية السبعة، - وهم المسندي، وابن المديني، ومحمد ابن المقرئ، وعبد الله بن محمد الزُّهرِيّ، وابن أبي شيبة، والحميدي - فلم يعين واحد منهم في روايته هذه الآية التي نزلت، غير أنَّ ابن المقرئ قد زاد في حديثه عن سفيان أنه قال: «وقال أبو الزبير: قال - يعني: جابرًا -: «أُنْزِلَتْ فِيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]».
وهذا يعني أن تعيين الآية لم يتحمله ابن عُيَينَة عن ابن المنكدر، وإنما أخذه من حديث أبي الزبير، وإنما قلنا: من حديثه؛ لأنه لم يسمعه من أبي الزبير! .
فقد روى الحميدي (١٢٦٥) عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «نَزَلَتْ فِيَّ آيَةُ الْمِيرَاثِ». قال الحميدي: «ولم يسمعه سفيان عن أبي الزبير».
واختلف عن قتيبة بن سعيد:
فرواه البخاري (٦٧٢٣) عن قتيبة عن ابن عُيَينَة، عن ابن المنكدر، عن جابر، به إلى قوله: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ».
ورواه النسائي في (الكبرى ٧٦٥٥) عن قتيبة، عن ابن عُيَينَة بنحوه، وفيه تعيين الآية، حيث قال: «فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم﴾» قال ابن المنكدر: «قَالَ جَابِرٌ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ».
ونخشى أن يكون ذِكْر ابن المنكدر في آخر الحديث وهمًا، فإنه تحصيل حاصل، ولعل أصله هو ما ذكره ابن المقرئ والحميدي، عن سفيان: قال أبو الزبير: ! .
وقد رواه جماعة عن ابن عُيَينَة بتعيين الآية أيضًا كرواية قتيبة عند
[ ١ / ٢٩١ ]
النسائي:
فرواه مسلم (١٦١٦) عن عمرو بن محمد بن بكير الناقد.
ورواه أحمد (١٤٢٩٨) - وعنه أبو داود (٢٨٧٣)، وهذا من طريقه البيهقي في الكبرى (١٢٣٩٩) -، وابن سعد في (الطبقات ٤/ ٣٨٥).
ورواه الترمذي (٢٢٢٩، ٣٢٥٩) عن الفضل بن الصباح البغدادي.
ورواه النسائي في (الكبرى ٦٤٩٦، ١١٢٤٤) عن محمد بن منصور المكي.
ورواه أبو عوانة (٦٠٤٠) عن أبي يحيى بن أبي مسرة، عن الحميدي! .
ورواه ابن خزيمة (١١٣) عن عبد الجبار بن العلاء.
ورواه الطبري (٧/ ٧١٥ - ٧١٦) عن شيخه المثنى بن إبراهيم.
رواه البيهقي في الكبرى (١٢٣٩٨) - مختصرًا - من طريق أبي بكر بن خلاد.
كلّهم من طرق، عن ابن عُيَينَة، عن ابن المنكدر، عن جابرٍ به مع تعيين الآية، قالوا: « حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]».
وزاد الترمذي والطبري قبل ذكر الآية: «وَكَانَ لَهُ تِسْعُ أَخَوَاتٍ»، زاد الطبري: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَالِدٌ وَلَا وَلَدٌ»، وزاد الترمذي بعد الآية: «قَالَ جَابِرٌ: فِيَّ نَزَلَتْ»، وعند الطبري: «قَالَ ابنُ الْمُنْكَدِرِ: قَالَ جَابِرٌ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ فِيَّ»، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
ولفظ ابن خزيمة: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ
[ ١ / ٢٩٢ ]
أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] الْآيَةَ» وقال مرة: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ».
وهذا يعني أنه كان يتردد في تعيينها، فمرّة يعينها، ومرّة يبهمها.
ووقع في رواية أحمد زيادة استَدلَّ بها ابن حجر على أنَّ التعيين كلّه مدرجٌ من كلام ابن عُيَينَة، ولفظه: « فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ -كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أَخَوَاتٌ- ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت﴾».
فقوله: «كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أَخَوَاتٌ»، جملة اعتراضية ذُكِرَتْ لتفسير لفظة الكلالة، وفي رواية أبي داود عن أحمد وقف بالمتن عند قوله: « ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾»، ولم يذكر هذا التفسير، وهو اختصار لا ندري ممن؟، فقد رواه البيهقي في (الكبرى ٦/ ٢٢٤) من طريق أبي داود به وفيه: «فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ مَنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أَخَوَاتٌ».
فذكر تفسير الكلالة ولم يُتمَّ الآية، فهذا التفسير ثابت في رواية المسند، ومع ذلك حذَفه محققوا المسند (١٤٢٩٨ / ط. الرسالة)، وقالوا في الحاشية: «أُقحم في منتصف الآية في (م) و(س) و(ق): «كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أَخَوَاتٌ»، ولم تردْ في (ظ ٤) فحذفناها» اهـ! . كذا قالوا، رغم ثبوته في الميمنية (٣/ ٣٠٧)، و(طبعة المكنز ١٤٥١٩)، و(طبعة دار الحديث ١٤٢٣٢)، و(طبعة عالم الكتب ١٤٣٤٩).
وهذه الزيادة التي حذفوها وقف عليها الحافظ ابن حجر، واستَدلَّ بها على أنَّ تعيين الآية كلّه مدرجٌ من كلام ابن عُيَينَة، فقال ابن حجر: «ورواية
[ ١ / ٢٩٣ ]
أحمد بن حنبل عن ابن عُيَينَة تشير إلى أنَّ تعيين الآية من جهة ابن عُيَينَة، وأن آخر الحديث عنده كما عند الثوري وشعبة. قال أحمد عن ابن عُيَينَة: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وَكَانَ لَهُ أَخَوَاتٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ». والذي يظهر أن من قوله: ﴿يستفتونك﴾ إلى آخره من كلام ابن عُيَينَة، أدرج في الخبر، لخلو رواية الباقين عن قوله: وكان له أخوات إلى آخره» (العجاب ٢/ ٨٤٢، ٨٤٣).
قلنا: بل خلوه من رواية الباقين - وهم كبير جدًّا - يعطي احتمالًا بأن يكون التفسير من قبل أحمد، لا سيّما ولم يصرِّح في الرواية بكونه من قول ابن عُيَينَة أو غيره، ومع هذا الاحتمال يضعف الاستدلال بهذه الزيادة على الإدراج، بل وعلى القول بأنَّ التفسير من كلام ابن عُيَينَة، فالصحيح في مثل هذا أن يحكم بالإدراج على الجملة الاعتراضية فقط، وليس الآية كما هو بيّن، وله نظائر كثيرة.
نعم، يترجَّحُ الإدراج بأدلة أخرى، منها:
١ - رواية الحميدي والمقرئ، حيث أُبهمت فيها الآية من حديث ابن المنكدر، وعُيِّنت من حديث أبي الزبير، فلو كان التعيين عنده من حديث ابن المنكدر لما احتاج أنْ يأتي به من حديث أبي الزبير، لاسيّما وحديث ابن المنكدر عنده مسموع، بخلاف حديث أبي الزبير على ما قاله الحميدي.
٢ - ما رواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق ١١/ ٢٣٣) بسند صحيح، عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، عن ابن المنكدر به، وفيه: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ»، يَرَوْنَهَا: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، يَقُولُ: «فَهَذِهِ نَزَلَتْ فِيهِ».
[ ١ / ٢٩٤ ]
فهذه الرواية ظاهرة الدلالة على أنَّ تعيين الآية ليس من قول جابر.
وإسحاق بن إبراهيم المذكور في الإسناد هو ابن أبي إسرائيل، وهو ثقة حافظ، وإنما تُكلِّمَ فيه لوقفه في القرآن، وكان ذلك منه تورعًا كما قاله الذهبي في (السير ١١/ ٤٧٦، ٤٧٧).
فأما ما رواه الطحاوي في (المشكل ٥٢٢٩) عن أحمد بن الحسن الكوفي، عن سفيان به، وفيه: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ» قال: «فَكَانَ لَهُ سَبْعُ أَخَوَاتٍ، ولم يَكُنْ لَهُ وَالِدٌ، وَلَا وَلَدٌ»، فقالوا: «أَيُّهَا هَذِه الْآيَةُ؟»، فقال: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ إلى آخر الآية، وقال محمد بن المنكدر: قال جابر: «فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ».
فأحمد بن الحسن الكوفي قال فيه الدارقطني وغيره: «متروك»، وقال ابن حبان: «كذَّاب» (الميزان ١/ ٩٠)، ولذا قال الذهبي: «متروك، متهم» (ديوان الضعفاء ١٩).
هذا وقد رُوِيَ عن ابن عُيَينَة تعيين الآية بآية أخرى:
فرواه أبو يعلى (٢٠١٨) عن إسحاق - هو ابن أبي إسرائيل -، عن سفيان، به، وفيه: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]».
وقوله: «يعني» يدل على أنَّ التعيين ليس من قبل جابر أيضًا، ولعلَّه هنا من أبي يعلى نفسه، فقد سبقت رواية إسحاق بن أبي إسرائيل، وفيها: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ»، يَرَوْنَهَا: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾» وهذا هو الموافق لما ذكره عامة الرواة عن سفيان سواء بالإدراج أو بدونه، ولكن ذكر ابن حجر أنَّ الإسماعيلي أخرجه من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عنه
[ ١ / ٢٩٥ ]
فقال في آخره: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾» (الفتح ٨/ ٢٤٤)، فإِنْ كان الإسماعيلي رواه من طريق أبي يعلى، فالأمر كما قلنا، وإلا فهو اختلاف على إسحاق.
وقد رواه الترمذي (٣٢٥٨) عن عبد بن حميد، عن يحيى بن آدم، عن ابن عُيَينَة، عن ابن المنكدر، عن جابر: «مَرِضْتُ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي، وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَلَمَّا أَفَقْتُ، قُلْتُ: كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]».
هكذا بدون ذكر قصة الوضوء، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وكذلك قال عقب رواية الفضل بن الصباح، عن ابن عُيَينَة، رغم اختلافهما في تعيين الآية! .
وابن حميد، ويحيى بن آدم ثقتان حافظان، ولكن هذا التعيين غريب عن ابن عُيَينَة، وسنبين فيما بعد أنه أيضًا غير مناسب لقصة جابر بالمرة.
وقد رُوِيَ عن ابن عُيَينَة بالجمع بين الآيتين!:
فرواه ابن ماجه (٢٧٣٧) عن هشام بن عمار، عن سفيان به، وفيه: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ فِي آخِرِ النِّسَاءِ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢] الْآيَةَ، و﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] الْآيَةَ».
كذا بالجمع بين الآيتين، وهو غريب أيضًا، لم يأت به سوى ابن عمار، وفي متنه إشكال، فإنه قال فيه: «آيَةُ المِيرَاثِ فِي آخِرِ النِّسَاءِ » ثم ذكر الآيتين، التي في أول السورة، والتي في آخرها، فذكر الأولى لا يستقيم مع قوله: «آخر»، وذكر الآيتين لا يستقيم مع قوله: «آية»، ولذا قال السندي:
[ ١ / ٢٩٦ ]
«وفي نسخة الدميري: «حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ فِي النِّسَاءِ ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ أَوْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾» بسقوط لفظ الأخرى بالعطف بالواو، وهذا لا إشكال فيه» (سنن ابن ماجه بشرح السندي ٣/ ٣٢١ - ط. المعرفة).
هكذا جاء النقل عن هذه النسخة بـ «أو» التي هي للشك، مع توضيح السندي لما فيها بقوله: «بسقوط لفظ الأخرى بالعطف بالواو»، وهذه عبارة غير مستقيمة أيضًا، فإما أن يكون صوابها: «بسقوط لفظ الأخرى والعطف بالواو»، وإما أن يكون صوابها: «بسقوط لفظ الأخرى وبالعطف بالواو».
فالأولى تعني أنه بسقوط كلمة «آخر»، وسقوط العطف بالواو زال الإشكال، ولكن كيف يخفى عليه معرفة الآية التي في آخر السورة حتى يذكر الآيتين بالشك؟ ! .
والثانية: تعني أنه بسقوط كلمة «آخر» وحدها زال الإشكال، مع بقاء العطف بالواو، أي والمعنى: حتى نزلت آية كذا وآية كذا، بالجمع بين الآيتين، وعلى هذا فلفظة «أو»، محرَّفة من الواو، لا سيّما ولم يأتِ في كلامه ذكر لـ «أو» التي للشك، والله أعلم.
٢ - رواية الثوري:
رواه مسلم (١٦١٦) قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي -، حدثنا سفيان، قال: سمعت محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: «عَادَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ ..» الحديث إلى قوله: « فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ»، هكذا دون تعيين الآية.
[ ١ / ٢٩٧ ]
ولم يروه عن ابن مهدي بهذه السياقة المطولة سوى القواريري، وهو ثقة ثبت (التقريب ٤٣٢٥)، وقد رواه جمع من الأئمة الثقات عن ابن مهدي به مختصرًا بلفظ: «جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلًا، وَلَا بِرْذَوْنًا» (^١).
وكذلك رواه ابن سعد (٤/ ٣٨٥)، وأبو عوانة (٥٦٠٤) عن أبي العباس الغزي، كلاهما (ابن سعد والغزي)، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن جابر، قال: «جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي فَنَزَلَتْ فِيَّ آيَةُ الْمِيرَاثِ»، هكذا مختصرًا، ودون تعيين الآية أيضًا.
ورواه أبو عوانة (٦٠٤١) عن الحسن بن عفان، عن معاوية بن هشام، عن سفيان بمثل رواية قبيصة، غير أنه زاد فيه تعيين الآية، فقال: « آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]».
ومعاوية بن هشام؛ قال فيه أحمد بن حنبل: «هو كثير الخطأ»، وسُئل ابن معين عن حاله في الثوري؟ فقال: «صالح، وليس بذاك»، وقال الساجي: «صدوق يهم»، وذكر ابن عدي له بعض أحاديث أخطأ فيها على الثوري وغيره، ثم قال: «وقد أغرب عن الثوري بأشياء، وأرجو أنه لا بأس به» (الكامل ٩/ ٦٨٣)، (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٨)، ولذا قال ابن حجر: «صدوق له أوهام» (التقريب ٦٧٧١).
_________________
(١) رواه أحمد في (المسند ١٥٠١١) - وعنه أبو داود (٣٠٨٤)، والحاكم (١٢٨١)، والبيهقي في (الشعب ٨٧٥٤) -، وعمرو بن عباس - عند البخاري (٥٦٦٤) -، وبندار - عند الترمذي (٤١٥٦)، وفي (شمائله ٣٣٩) -، والفلاس - عند النسائي في (الكبرى ٧٦٥٨) -، وأبو خيثمة - عند أبي يعلى (٢١٤٠) -، كلهم عن ابن مهدي به مختصرًا، ولم نخرجه هنا لعدم ارتباطه بالباب، وسيخرج في بابه من الموسوعة إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٢٩٨ ]
فالذي يظهر لنا أن تعيينه للآية في هذا الحديث من أوهامه على الثوري، والله أعلم.
• وَفِي رِوَايةٍ عَنْ جَابِر، قال: «عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لا أَعْقِلُ شَيْئًا، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ [مِنْهُ] فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ]﴾ [النساء: ١١]».
[الحكم]: متفق عليه (خ، م).
[التخريج]:
[خ ٤٥٧٧ «واللفظ له» / م ١٦١٦ «والزيادتان له ولغيره» / كن ٦٤٩٥، ١١٢٠١/ عه ٦٠٣٨/ جا ٩٧٢/ طبر (٦/ ٤٦٠) / هق ١٢٣٣٠/ هقغ ٢٢٤٨/ هقل (٦/ ١٦٢) / حد (ص ١٤٤، ١٤٥) / كر (١١/ ٢٣٢) / منذس ١٤٣٢].
[السند]:
رواه البخاري (٤٥٧٧) قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، أن ابن جُرَيجٍ أخبرهم، قال: أخبرني ابن المنكدر، عن جابر، به.
وإبراهيم بن موسى هو الفراء الصغير، ثقة حافظ، روى له الجماعة،
[ ١ / ٢٩٩ ]
(التقريب ٢٥٩)، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني، ثقة روى له الجماعة سوى مسلم، (التقريب ٧٣٠٩)، وقد توبع عليه هشام:
فرواه مسلم (١٦١٦)، والنسائي في (الكبرى ٦٤٩٥، ١١٢٠١)، وأبو عوانة (٥٦٠١)، والطبري في (التفسير ٦/ ٤٦٠)، والواحدي في (أسباب النزول / ص ١٤٤) من طريق حجَّاج بن محمد الأعور.
ورواه ابن الجارود (٩٧٢)، وأبو عوانة (٦٠٣٩)، والبيهقي في (الكبرى ١٢٣٣٠)، و(الصغرى ٢٢٤٨)، و(الدلائل ٦/ ١٦٢)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق ١١/ ٢٣٢) من طريق ابن وهب (^١).
ورواه ابن المنذر في (التفسير ١٤٣٢) من طريق محمد بن ثور الصنعاني.
ثلاثتهم (حجَّاج، وابن وهب، وابن ثور)، عن ابن جُرَيجٍ، به.
وابن جُرَيجٍ أحد الأئمة الثقات، ولكن قد انتُقِد عليه تعيين الآية في روايته هذه، قال ابن حجر: «هكذا وقع في رواية ابن جُرَيجٍ وقيل: إنَّه وهم في ذلك، وأنَّ الصواب أنَّ الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء وهي: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]، لأنَّ جابرًا يومئذٍ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم، عن عمرو الناقد والنسائي، عن محمد بن منصور، كلاهما، عن ابن عُيَينَة، عن ابن المنكدر فقال في هذا الحديث: حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾» (الفتح ٨/ ٢٤٣).
_________________
(١) تحرف في الدلائل إلى: «وهيب».
[ ١ / ٣٠٠ ]
وممن صرَّح بذلك:
١ - البيهقي، حيث خرَّج حديث ابن جُرَيجٍ في (الصغرى ٢٢٤٨)، ثم قال «ورواه ابن عُيَينَة، عن ابن المنكدر، وقال: نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]، وكذلك رواه أبو الزبير، عن جابر ﵁، وأما آية الوصية فإنها نزلت في ابنتي سعد بن الربيع ﵁».
ثم خرَّجه البيهقي في (الصغرى ٢٢٦٧) من حديث شعبة، بلفظ: «فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرْضِ» كما سبق، ثم قال البيهقي: «وأراد بآية الفرض: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]، وذلك بينٌ في رواية ابن عُيَينَة عن ابن المنكدر عن جابر، وفي رواية هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر، وفي حديثهم أنه قال: وَلِي أَخَوَاتٌ، وجابر بن عبد الله قُتل أبوه يوم أُحدٍ، وآية الكلالة نزلت بعده، فقد قال البراء بن عازب: آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]، فحين مرض جابر لم يكن له ولد ولا والد، وإنما كانت له اخوات، فأنزل الله تعالى في أخواته آية الكلالة التي في آخر سورة النساء، فلذلك قلنا: الكلالة من لا ولد له ولا والد».
٢ - القرطبي، حيث قال: «وأما إِنْ كان الذي نزل في جوابه: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، فيكون هذا السؤال بعد نزول ﴿يوصيكم الله﴾، وقبل نزول آية الكلالة، وهذا هو الأقرب والأنسب لقوله: «إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ» (المفهم ٤/ ٥٧٠)
٣ - ابن كثير، فبعد أن ذكر سببين لنزول آية الوصية،
الأول: هو حديث جابر الذي رواه ابن جُرَيجٍ،
[ ١ / ٣٠١ ]
والثاني: حديثه في قصة ابنتي سعد بن الربيع، فقال ابن كثير: «والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فإنَّه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعًا للبخاري ﵀ فإنه ذكره هاهنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم» (التفسير ٢/ ٢٢٥).
وخالف في ذلك ابن العربي المالكي عند شرحه لرواية عمرو بن أبي قيس عند الترمذي وفيها تعيين الآية بآية ﴿يوصيكم﴾، فذكر الرواية المبهمة، ورواية من عيَّنَ الآية بـ ﴿يستفتونك﴾، ثم قال: «هذا تعارض لم يتفق بيانه إلى الآن، اللهم إلَّا أنَّ يكون معنى قوله: «نَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ» صحيحًا، وقوله: «﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾» وهم من الراوي، فإنها آخر آية نزلت» (عارضة الأحوذي ٨/ ٢٤٨).
وقد تعرَّض ابن حجر لهذا الخلاف ورجَّح روايةَ ابن جُرَيجٍ، وله في ذلك كلام كثير، ألخصه هنا في نقاط:
١ - «اختلف الرواة عن ابن المنكدر، فالأكثر أبهموا الآية، فممن أبهمها سفيان الثوري، وشعبة، وكشفها ابنُ جُرَيجٍ وابنُ عُيَينَةَ، فأما ابن عُيَينَة فقال: حتى نزلت ﴿يستفتونك﴾ الآية، وكلها في الصحيح، ورواية أحمد بن حنبل عن ابن عُيَينَة تشير إلى أنَّ تعيين الآية من جهة ابن عُيَينَة، وأنَّ آخر الحديث عنده كما عند الثوري وشعبة» (العجاب في بيان الأسباب ٢/ ٨٤٢).
«ولمسلم من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال في آخر هذا الحديث: «فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ»، فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم
[ ١ / ٣٠٢ ]
في الكلالة﴾؟ قال: هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، وقد تفطن البخاري بذلك فترجم في أول الفرائض قوله ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ إلى قوله ﴿والله عليم حليم﴾ ثم ساق حديث جابر المذكور عن قتيبة عن ابن عُيَينَة وفي آخره: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ، ولم يذكر ما زاده الناقد فأشعر بأنَّ الزيادة عنده مدرجة من كلام ابن عُيَينَة» (فتح الباري ٨/ ٢٤٣).
«وقد أخرجه البخاري أيضًا عن ابن المديني وعن الجعفي وعن قتيبة، كلهم عن ابن عُيَينَة بدون تعيين، وهو المحفوظ، فالحاصل أنَّ المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث أو آية الفرائض، والظاهر أنها يوصيكم الله كما صرح به في رواية بن جُرَيجٍ ومن تابعه» (فتح الباري ٨/ ٢٤٤).
٢ - «وقد اضطرب فيه ابن عُيَينَة أيضًا، فأخرجه ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء عنه بلفظ: «حتى نزلت آية الميراث: ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾»، وقال مرة: «حتى نزلت آية الكلالة»، وأخرجه عبد بن حميد - والترمذي عنه - عن يحيى بن آدم عن ابن عُيَينَة بلفظ: «حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾»، وأخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عنه، فقال في آخره: «حتى نزلت آية الميراث: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾»، فمراد البخاري بقوله في الترجمة: «إلى قوله: ﴿والله عليم حليم﴾» الإشارة إلى أن مراد جابر من آية الميراث قوله: «﴿وَإِنْ كَانَ رجل يورث كلالة﴾» (الفتح ٨/ ٢٤٣، ٢٤٤).
٣ - «لم ينفرد ابن جُرَيجٍ بتعيين الآية المذكورة، فقد ذكرها ابن عُيَينَة أيضًا على الاختلاف عنه، وكذا أخرجه الترمذي والحاكم من طريق عمرو بن أبي قيس، عن ابن المنكدر، وفيه: «نزلت ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾»، «فلذلك رأى البخاري أنَّ تعيين ابن جُرَيجٍ أولى بالقبول من
[ ١ / ٣٠٣ ]
تعيين ابن عُيَينَة»، «وهذا من المواضع التي تواردوا بها على استغراب ما وقع عند البخاري، ولم يقفوا على دقة نظره في ذلك» (العجاب في بيان الأسباب ٢/ ٨٤٣)، و(الفتح ٨/ ٢٤٤).
٤ - «وأما الآية الأخرى وهي قوله: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ فهي من آخر ما نزل، ومن قال: إنها هي التي نزلت في قصة جابر؛ فعمدته أنَّ جابرًا لم يكن له حينئذٍ ولدٌ وإنما كان يورث كلالة، فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة، لكن ليس ذلك بلازم لأنَّ الكلالة مختلف في تفسيرها، فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميت، وقيل: اسم الإرث، وقيل: ما تقدَّم، فلما لم يعين تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد؛ لم يصحَّ الاستدلال، لما قدَّمته أنها نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة؛ كما أخرج أحمد وأصحاب السنن - وصحَّحه الحاكم - من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابرٍ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بنِ الرَّبيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي أُحُدٍ، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا؟ قَالَ: «يَقْضِي اللهُ فِي ذَلِكَ» فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِمَا (^١) فَقَالَ: أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ وَأُمَّهُمَا الثُّمْنَ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ. وهذا ظاهر في تقدُّم نزولها، نعم وبه احتجَّ من قال: إنها لم تنزل في قصة جابر إنما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم؛ إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين وآخرها وهي قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رجل يورث كلالة﴾ في قصة جابر، ويكون مراد جابر: فنزلت: ﴿يوصيكم الله
_________________
(١) تصحَّفت في (فتح الباري) إلى: (عمها)، والمثبت من (مسند أحمد ١٤٧٩٨)، و(سنن الترمذي ٢٠٩٢)، و(مستدرك الحاكم ٤/ ٣٣٣، ٣٤٢).
[ ١ / ٣٠٤ ]
في أولادكم﴾ أي: ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية، والله أعلم. وإذا تقرَّر جميع ذلك ظهر أنَّ ابن جُرَيجٍ لم يهم كما جزم به الدمياطي ومن تبعه، وأنَّ من وهمه هو الواهم، والله أعلم» (الفتح ٨/ ٢٤٤).
٥ - وأما حديث أبي الزبير، عن جابر «فهذه قصة أخرى لجابر غير التي تقدمت فيما يظهر لي» (الفتح ٨/ ٢٦٨).
٦ - «ويظهر أن يقال: إنَّ كُلًّا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في ذلك، لكن الآية الأولى لما كانت الكلالة فيها خاصة بميراث الإخوة من الأم استفتوا عن ميراث غيرهم من الإخوة فنزلت الأخيرة، فيصحُّ أنَّ كُلًّا من الآيتين نزل في قصة جابر؛ لكن المتعلق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة، وأما سبب نزول أولها فوَرَدَ من حديث جابر أيضًا في قصة ابنتي سعد بن الربيع» (الفتح ١٢/ ٤).
هكذا دافع الحافظ عن رِوَايةِ ابن جُرَيجٍ وحكم على رواية ابن عُيَينَة بالإدراج ثم بالاضطراب، وكلامه عليه مؤاخذات، منها:
١ - قوله بأن «المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث أو آية الفرائض»، أي: ولم يعين، فيلزم منه أن التعيين في رواية ابن جُرَيجٍ وعمرو بن أبي قيس مدرج أيضًا، مثله في رواية ابن عُيَينَة، ويكون البحث بعد ذلك في بيان من أصاب منهم في اجتهاده في تعيين الآية، وحينئذٍ يستشهد لتعيين ابن عُيَينَة برواية أبي الزبير عن جابر.
٢ - استدلاله على صحة رواية ابن جُرَيجٍ بمتابعة عمرو بن أبي قيس فيه نظر، فعمرو هذا في حديثه خطأ كما قال أبو داود، ولذا قال ابن حجر: «صدوق له أوهام» (التقريب ٥١٠١)، وقد جاء في روايته ما يدلُّ على أنه
[ ١ / ٣٠٥ ]
أخطأ في الحديث ولم يحفظه، فذكر - كما عند الترمذي وغيره - أن جابرًا قال في الحديث: «كَيْفَ أَقْسِمُ مَالِي بَيْنَ وَلَدِي؟»، والذي ذكره الثقات في هذا الحديث أنَّ جابرا قال: «إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ»، ومن المشهور أن جابرًا لم يكن له حينئذٍ أولاد، بل مات وليس له عقب كما ذكره ابن سعد في ترجمته، فتبين بذلك أن عَمْرًا قد غلط غلطًا فاحشًا، ولذا فلا يعتدُّ بروايته، ومن أخطأ في أمر مشهور، يخطئ فيما سواه.
وكذلك استدلاله برواية يحيى بن آدم، وإسحاق بن أبي إسرائيل عن ابن عُيَينَة؛ فيه نظر أشد؛ لأنَّه قد حكم على رواية ابن عُيَينَة بالإدراج وبالاضطراب، ثم راحَ يستشهد برواية اثنين من أصحابه، مع أنه قد خالفهم من أصحاب ابن عُيَينَة من هم أوثق وأكثر عددًا، فضلًا عمَّا ذكرناه آنفا بشأن رواية ابن أبي إسرائيل عن ابن عُيَينَةَ.
٣ - اعتراضه على ترجيح تعيين ابن عُيَينَة بأن آية ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ من آخر ما نزل، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة كما دلت عليه رواية ابن عقيل عن جابر في قصة ابنتي سعد بن الربيع، فهذا الاعتراض لا ندري كيف استساغه الحافظ، فآية المواريث التي ذكر الحافظ أنها نزلت قبل ذلك بمدة هي غير الآية التي عينها ابن عُيَينَة، ورجَّحها المخالف له!، فهذا اعتراض في غير محله.
ومع ذلك، فرواية ابن عقيل - على ما فيه - ليست صريحةً في تقدم نزول الآية الأخرى، إذ يمكن أن يجاب بما قاله الشيخ مقبل: «فعلى فرض صحة حديث جابر في بنات سعد بن الربيع، لا يلزم أنها قسمت تركته بعد موته، على أنه لا ينبغي أن تعارض الأحاديث الصحيحة بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل فهو سيئ الحفظ كما هو معروف من ترجمته» (الصحيح المسند
[ ١ / ٣٠٦ ]
من أسباب النزول ص ٨٢).
٤ - اعتراضه على ترجيح تعيين ابن عُيَينَة بأنَّ الكلالة مختلف في تفسيرها، ولم يعين تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد، فهذا اعتراض في غير محله أيضًا، إذ ليس الشأن في معنى الكلالة، وإنما الشأن في أي الآيتين تناسب قصة جابر، وتصلح جوابًا عن سؤاله، وهذا وحدَه كافيًا للبت في المسألة، فمن المتفق عليه أنَّ الكلالة المذكورة في أول السورة خاصة بميراث الإخوة من الأم، والكلالة المذكورة في آخر السورة خاصة بميراث غيرهم من الإخوة كما ذكره الحافظ نفسه، فكيف تكون الآية الأولى هي التي نزلت في قصة جابر وهو يسأل عن ميراث إخوته من أبيه؟ ! فأخوات جابر هم أولاد أبيه قطعًا، وانظر في ذلك (صحيح البخاري ٢٧٨١، ٤٠٥٣/ صحيح مسلم ٧١٥/ مسند أحمد ١٥٢٨١)، فآية الكلالة الأولى من سورة النساء لا تناسبهم البتة، إذ الميراث المذكور فيها ليس ميراثهم بالإجماع، وإنما ميراثهم هو المذكور في آية الكلالة المذكورة في آخر السورة، فهذه هي التي تناسب سؤال جابر، وهو ما قرَّره البيهقي، وابن كثير، ونصَّ عليه واضحًا في رواية أبي الزبير الآتي تخريجها قريبًا، وقول الحافظ بأنها قصة أخرى لجابر - على فرض صحته - لا يغير من الأمر شيئًا، إذ عدم مناسبة الآية الأولى لحالة جابر لا يزال قائمًا، ولذا فلا يستقيم أيضًا ما ذكره الحافظ وغيره من احتمال كون الآيتين قد نزلتا في قصة جابر، لما قررناه، والله أعلم.
[تنبيه]:
علق ابن حجر على رواية شعبة عند البخاري (١٩٤) في الطهارة، والتي فيها: «فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ»، فقال ابن حجر: «والمراد بآية الفرائض هنا
[ ١ / ٣٠٧ ]
قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] كما سيأتي مُبينًا في التفسير» (الفتح ١/ ٣٠١).
هكذا قال الحافظ، ولما جاء في التفسير خالف ما جزم به هنا!، ورجَّح رواية ابن جُرَيجٍ التي فيها أنَّ الآية التي نزلت هي آية: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]، فلا ندري أوهم الحافظ في الموضع الأول؟ أم تغيّر اجتهاده قبل وصوله إلى كتاب التفسير؟.
رِوَايةُ: اشْتَكَيْتُ وَعِنْدِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: اشْتَكَيْتُ وَعِنْدِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ] ١، فَنَفَخَ (فَنَضَحَ) ١ فِي وَجْهِي [مَاءً] ٢، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُوصِي لِأَخَوَاتِي بِالثُّلُثَيْنِ (^١)؟ قَالَ: «أَحْسِنْ (احْبِسْ) ٢»، قُلْتُ: الشَّطْرُ؟ قَالَ:
_________________
(١) تحرَّفت في المطبوع من (الأوسط لابن المنذر ٦٧٨٢) إلى: «بالثلث»، وهو عنده من رواية محمد بن نصر عن ابن راهويه، وقد رواه البيهقي من هذا الطريق بلفظ: «بالثلثين»، وهذا هو الصواب، لموافقته لما في عامة المراجع، فقد رواه حوالي خمسة عشر مصنفًا وعندهم جميعًا: «بالثلثين»، نعم تحرَّفت - أيضًا - في طبعة المكتبة العصرية من (سنن أبي داود ٢٨٧٧) إلى: «بالثلث»، وقد جاء الحديث على الصواب في طبعة التأصيل وغيرها، ونقله الخطابي في (معالم السنن ٤/ ٩٢) عن أبي داود بسنده ومتنه، على الصواب، بلفظ: «بالثلثين». وكذلك الحديث عند أحمد وابن حميد وغيرهما من طريق كثير بن هشام، وهو شيخ شيخ أبي داود في هذا الحديث.
[ ١ / ٣٠٨ ]
«أَحْسِنْ (احْبِسْ) ٣»، ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَنِي، فَقَالَ: «يَا جَابِرَ، لَا أُرَاكَ مَيِّتًا مِنْ وَجَعِكَ هَذَا، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فَبَيَّنَ الَّذِي لِأَخَوَاتِكَ فَجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ»، قَالَ: فَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]».
[الحكم]: رجاله ثقات، وصحَّحه الألباني.
[التخريج]:
[د ٢٨٧٤ «واللفظ له» / كن ٦٤٩٨، ٦٤٩٩، ٧٦٧٠ «والرواية الأولى والزيادة الثانية له ولغيره» / حم ١٤٩٩٨/ عه ٦٠٤٥ «والزيادة الأولى له» / عل ٢١٨٠ مختصرًا/ حميد ١٠٦٤ «والرواية الثانية والثالثة له» ولغيره/ طبر (٧/ ٧١٤، ٧١٥) / سعد (٤/ ٣٨٥) / منذ ٦٧٨٢/ حد (ص ١٨٧، ١٨٨) / مشكل ٥٢٣١/ ميمي ١٣/ هق ١٢٤٥٦/ تمهيد (٥/ ١٨٩) معلقا/ محلى (٨/ ٢٦٦)].
[السند]:
رواه أبو داود (٢٨٧٤) قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا هشام يعني الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
ورواه أحمد: عن كثير بن هشام وأزهر بن القاسم، عن هشام، به.
ومداره عندهم على هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، إلَّا أنَّ أبا الزبير المكي، مُتكلَّمٌ في عنعنته عن جابر خاصة، وقد عنعنه.
ومع هذا صحَّحه الألباني في (تعليقه المختصر على سنن أبي داود) المسمَّى
[ ١ / ٣٠٩ ]
(صحيح وضعيف أبي داود ٢٨٨٧). ولعله لما له من شواهد.
[تنبيه]:
هذا الحديث رواه الطيالسي (١٨٤٨) - ومن طريقه ابن أبي حاتم في (التفسير ٦٣٣٥)، وأبو نعيم في (الحلية ٦/ ٢٨٤)، والبيهقي في (الكبرى ١٢٤٥٦) - عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ، فَقَالَ لِي: «يَا جَابِرَ، إِنِّي لَأَرَاكَ مَيِّتًا مِنْ مَرَضِكَ هَذَا، فَبَيِّنِ الَّذِي لِأَخَوَاتِكَ»، فَأَوْصَى لَهُنَّ بِالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: فَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ هَذِهِ الْآيَةَ فِيَّ نَزَلَتْ: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء: ١٧٦]».
هكذا رواه الطيالسي، ليس فيه نضح الماء في وجه جابر، ولا طلب جابر الوصية، بل ظاهره أنه طلب منه ذلك!، وفيها أنَّ النبي ﷺ قال: «يَا جَابِرَ، إِنِّي لَأَرَاكَ مَيِّتًا مِنْ مَرَضِكَ هَذَا»، والذي في سائر المراجع الأخرى من رواية غير واحد من الثقات أنه ﷺ قال له: «يَا جَابِرَ، [إِنِّي] لَا أَرَاكَ مَيِّتًا مِنْ وَجَعِكَ هَذَا»، هكذا بالنفي عندهم جميعًا، غير أنَّ رواية وهب بن جرير عند ابن المنذر (٦٧٨٢)، والبيهقي (الكبرى ١٢٤٥٦) قد جاء فيها أنه قال: «يَا جَابِرَ، مَا أُرَاكَ إِلَّا مَيِّتًا»، زاد البيهقي: «أو قال: «مَا أُرَاكَ مَيِّتًا»» هكذا بالشك عنده، والموافق لعامة ما ذكره أصحاب هشام هو الصواب، والله أعلم.
[ ١ / ٣١٠ ]
رِوَايةٌ: زَادَ فِي آخِرِهَا: (صَلِّ مَا اسْتَطَعْتَ وَلَوْ أَنْ تُومِئَ):
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ ﵄ وقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فِي مَرَضِي وحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَتَوَضَّأَ رسُولُ اللهِ ﷺ وَصَبَّ عَلَى وَجْهِي مِنْ وَضُوئِهِ؛ فَأَفَقْتُ، فَقَالَ: «كَيْفَ أَنْتَ يَا جَابِرَ؟» ثُمَّ قَالَ: «صَلِّ مَا اسْتَطَعْتَ وَلَوْ أَنْ تُومِئَ».
[الحكم]: ضعيف جدًّا بهذا السياق.
[التخريج]: [حنف (حارثي ٢٣٩)، (خوارزم ١/ ٤٢٧)].
[السند]:
قال الحارثي في «مسند أبي حنيفة». حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن خالد القاضي الحبال الرازي، ثنا محمد بن المهدي القومسي، ثنا محمد بن بكير بن محمد بن بكير بن شهاب، ثنا أبي، عن جدي محمد بن بكير قاضي الدامغان، قال: كتبت إلى أبي حنيفة في المريض إذا ذهب عقله في مرضه كيف يعمل به في وقت الصلاة؟ فكتب إليَّ يخبرني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد مظلم مسلسل بالمجاهيل؛ فمِن شيخِ الحارثي إلى أبي حنيفة: لم نجد لهم ترجمة، وأبو حنيفة وإِنْ كان إمامًا في الفقه إلَّا أنه ضعيف في الحديث جدًّا، حتى قال فيه أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري: «سكتوا عنه، وعن رأيه، وعن حديثه» (التاريخ الكبير/ الكنى ٢٢٥٣).
[ ١ / ٣١١ ]