١٤٤٥ - حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ
◼ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ [وَنَحْنُ فِي مَسْجِدِ المَدِينَةِ] فَقَالَ: «[أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالعَجَبِ؟] إِنِّي رَأَيْتُ البَارِحَةَ عَجَبًا؛ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدِ احْتَوَشَتْهُ مَلَائِكَهٌ (قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِ عَذَابُ القَبْرِ)، فَجَاءَهُ وُضُوءُهُ، فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ » الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي النَّبِيِّينَ وَهُمْ حِلَقٌ حِلَقٌ، كُلَّمَا مَرَّ عَلَى حَلْقَةٍ طَرَدُوهُ، فَجَاءَهُ اغْتِسَالُهُ مِنَ الجَنَابَةِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِي »، الحَدِيَثَ مُطَوَّلًا فِي فَضَائِلِ كَثِيرٍ مِنَ الأَعْمَالِ وَنَجَاةِ العَبْدِ بِهَا.
[الحكم]: منكرٌ، وحَكَمَ بنكارتِهِ العقيليُّ -وأقرَّه الذهبيُّ وابنُ حَجرٍ والألبانيُّ-، وابنُ حِبَّانَ -وأقرَّهُ ابنُ طَاهرٍ وابنُ الجوزيِّ-، وقال ابن منده وابن عساكر: "غريبٌ"، وضَعَّفَهُ العراقيُّ والهيثميُّ والزبيديُّ.
[التخريج]:
[طب (جامع ٦٩٣٧ (واللفظ له)، ٦٩٣٨) / طط ٣٦/ حكيم ١٣٢٤ (والرواية له ولغيره) / سط (صـ ١٦٩ - ١٧١) (والزيادتان له ولغيره) / مجر (٢/ ٣٨٥) مختصرًا/ عق (٤/ ١٧٧) (معلقًا مختصرًا) / جرح (٧/ ٢٣٨) (معلقًا مختصرًا) / فضش ٥٢٦/ بشن ٢٥٠/ باغبان (القول
[ ١١ / ٥٢٣ ]
البديع صـ ١٣١) / مديني (ترغيب - الروح صـ ٨٢) / جليس (صـ ٧٠١) / علج ١١٦٥، ١١٦٦/ جوزي (مشيخة صـ ١٨٧، ١٨٨) / بحير (ق ٤٧/ أ) / غيب ٥٠٢ (دون ذكر الغسل)، ١٠٤٩ (دون ذكر الغسل)، ١٦٨٢، ٢٤٤٠ (دون ذكر الغسل)، ٢٥١٨/ كر (٣٤/ ٤٠٦، ٤٠٧) / طبش (١/ ١٦١ - ١٦٥) / سلفي (بلدان صـ ١١١) مختصرًا/ الأربعين لنصر بن عبد الرزاق (تسلية أهل المصائب صـ ٧٠) / شذا (القول البديع صـ ١٣٠) / بحر ١١٤٣/ أبو المحاسن الرُّوياني في كتابه: الأَلْف حديث عن مائة شيخ (عجالة الإملاء صـ ٣١٨ - ٣١٩) / مخلق ٧٢/ إعلام ٢٧٦].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ يُروى مُطوّلًا ومُختصرًا من طرقٍ واهيةٍ عنِ ابنِ المسيبِ عن عبد الرحمن بن سمرة، وجعله بعضُهم من روايةِ مجاهدٍ بدل ابن المسيب، فليستْ روايتُهُ متابعة لسعيدٍ، وإنما هي اختلافٌ على بعضِ رُواتِهِ، وسنسرد هنا جميع وجوهه مع تفصيلٍ زائدٍ حتَّى لا يغتر أحدٌ بكثرةِ طُرُقِهِ.
الطريق الأول: رواه عليُّ بنُ زيدِ بنِ جدعان، ورُوي عنه من وُجوهٍ:
الوجه الأول:
رواه الطبرانيُّ في (الكبير) كما في (جامع المسانيد ٦٩٣٧)، و(الدعاء ١٤٨٨، ١٨٦١ مختصرًا)، و(الأحاديث الطوال ٣٦) قال: حدثنا عليّ بن عبد العزيز، حدثنا سليمان بن أحمد الواسطي، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا الوزير (^١) بن عبد الرحمن، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن
_________________
(١) وقع في (جامع المسانيد/ ط الدهيش): "خالد بن عبد الرحمن"، بدل "الوزير بن عبد الرحمن" وهو خطأٌ، وهذه الطبعة مليئةٌ بالأخطاءِ والتصحيفاتِ. وجاءَ في (ط. قلعجي ٨/ ٣٣١): "الروي بن عبد الرحمن"، وذكر محققه أن الكلمةَ غيرُ واضحةٍ. والصوابُ في ذلك ما أثبتناه لموافقته لما في (الدعاء)، و(الأحاديث الطوال) للطبراني، ويدلُّ عليه صنيعُ الهيثميِّ في (مجمع الزوائد) كما هو مبينٌ في التحقيق، والله أعلم.
[ ١١ / ٥٢٤ ]
المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة به.
ورواه محمد بن عبد الرحمن النميري في (الإعلام بفضل الصلاة على النبي ﷺ والسلام ٢٧٦) من طريق علي بن عبد العزيز، به مختصرًا (^١).
وهذا سند تالف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: علي بن زيد بن جدعان، فهو ضعيفٌ كما سبقَ مِرارًا.
الثانية: الوزير بن عبد الرحمن، إن كان هو الجزريُّ، فقد اتَّهمه أبو زرعة، وقال ابنُ مَعينٍ: "ليس بشيءٍ"، وقال أبو حاتم: "مجهولٌ" (اللسان ٨٣٤٠). وإن كان غيرُهُ فلم نجدْ له ترجمةً، ولعلَّه أحدُ المجاهيلِ الذين روى عنهم مروانُ الفَزاريُّ، فقد قال فيه ابنُ المدينيِّ: "ثقةٌ فيما رَوى عنِ المعروفين"، وضَعَّفَهُ فيما رَوى عنِ المجهولين، وقال ابنُ نُميرٍ: "كان يلتقطُ الشيوخَ من السككِ"، وقال العجليُّ: "ثقةٌ ثبتٌ، ما حَدَّثَ عنِ المعروفين
_________________
(١) مقتصرًا على قوله: «إِنِّي رَأَيْتُ البَارِحَةَ عَجَبًا، رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَزْحَفُ عَلَى الصِّرَاطِ مَرَّةً وَيَحْبُو مَرَّةً وَيَتَعَلَّقُ مَرَّةً؛ فَجَاءَتْهُ صَلَاتُهُ عَلَيَّ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ؛ فَأَقَامَتْهُ عَلَى الصِّرَاطِ حَتَّى جَاوَزَهُ»، وكتب بإثره: "مختصر"، كما اقتصر الطبرانيُّ في الموضع الأول من (الدعاء) على قوله: «رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي انْتَهَى إِلَى أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَغُلِّقَتِ الأبْوَابُ دُونَهُ، فَجَاءَتْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهُ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَتْهُ الجَنَّةَ»، وفي الموضع الثاني على قوله: «رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدِ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ، فَجَاءَهُ ذِكْرُ اللهِ ﷿ فَخَلَّصَهُ مِنْهُمْ».
[ ١١ / ٥٢٥ ]
فصحيحٌ، وما حَدَّثَ عن المجهولين ففيه ما فيه وليس بشيءٍ"، وقال أبو حاتم: "صدوقٌ لا يدفع عن صدق، وتكثر روايته عن الشيوخِ المجهولين" (تهذيب الكمال ٢٧/ ٤٠٣ - ٤٠٩).
الثالثة: سليمانُ بنُ أحمدَ الواسطيُّ؛ كَذَّبَهُ ابنُ مَعينٍ وغيرُهُ، وقال ابنُ أبي حَاتمٍ: "كتبَ عنه أَبي وأحمدُ ويحيى، ثم تَغيَّرَ وأخذَ في الشرب والمعازف فتُرِكَ"، وقال البخاريُّ: "فيه نظر"، وقال ابنُ عَديٍّ: "أنبأنا عنه عبدانُ بعجائب، ووَثَّقَهُ عبدانُ"، ثم قال ابنُ عَديٍّ: "هو عندي ممن يسرقُ الحديثَ" (اللسان ٣٥٧٧)، فأما ابنُ حِبانَ فذكره في الثقات (٨/ ٢٧٦)! !
واقتصرَ الهيثميُّ على تضعيفِهِ، فقصَّرَ، كما أوهمَ أنه عِلَّته الوحيدة، فقال: "رواه الطبرانيُّ بإسنادين، في أحدهما سليمانُ بنُ أحمدَ الواسطيُّ، وفي الآخر خالدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المخزوميُّ، وكلاهما ضعيفٌ" (المجمع ٧/ ١٨٠).
وتبعه المُناويُّ في (الفيض ٣/ ٢٥)، و(التيسير ١/ ٣٧٠)، والزبيديُّ في (الإتحاف ٨/ ١١٩)، وأنت ترى أن الواسطيَّ والمخزوميَّ قدِ اجتمعا في هذا السندِ!
هذا، وقد خُولِفَ فيه سليمان أيضًا:
فرواه أبو طاهر السلفيُّ في (الأربعين صـ ١١١) من طريق ابن أبي حاتم عن أبيه قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا مروان بن معاوية الفَزاريُّ، قال: قرأتُ في كتاب أبي عبد الرحمن، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد به.
ولا يُعرفُ مَن يكونُ أبو عبد الرحمن صاحب هذا الكتاب الذي يروي عنه مروان؟ ! ومروان كثير الرواية عن المجاهيل كما مَرَّ، وهو هنا يروي من
[ ١١ / ٥٢٦ ]
كتاب أحدهم! ! ولعلَّه هو نفسه الوزير المتقدم.
وابنُ جدعانَ ضعيفٌ كما سبقَ، وقد رُوي عنه من طُرُقٍ أُخرى واهيةٌ، لا يُفرحُ بها، منها:
الوجه الثاني:
أخرجه ابنُ شاهينَ في (الترغيب ٥٢٦)، وقوامُ السنةِ في (الترغيب ٢٥١٨) من طريقِ حمادة بنت شهاب الأسدية أم بدر الجوهرية، قالت: حدَّثني أبو عبد الله المدنيُّ، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، به.
وهذا إسنادٌ وَاهٍ مظلمٌ؛ فعليٌّ هو ابنُ جدعان، وحمادة وشيخها لم نجدْ مَن تَرجَمَ لأي منهما، وجزمَ الألبانيُّ بأن شيخها هو المترجمُ في (المغني ٧٥٨٠)، والقائل فيه الذهبي: "مجهولٌ".
الوجه الثالث:
رواه ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين ٢/ ٣٨٥) -ومن طريقه ابنُ الجوزيِّ في (العلل ١١٦٦) -، وبَحْشَلٌ في (تاريخ واسط، صـ ١٦٩، ١٧٠)، وابنُ بِشْرَانَ في (الأمالي ٢٥٠)، والكَلَابَاذِيُّ في (بحر الفوائد ١١٤٣) من طريق أبي الهذيل مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ قال ابنُ حِبَّانَ: "مخلد بن عبد الواحد .. منكرُ الحديثِ جدًّا، ينفردُ بأشياءَ مناكير لا تشبه حديث الثقات، فبطَل الاحتجاج به فيما وافقهم منَ الرواياتِ، وهو الذي روى عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة وذكر حديثًا طويلًا مشهورًا تركتُ ذِكْرَهُ لشُهْرَتِهِ" (المجروحين ٢/ ٣٨٥).
[ ١١ / ٥٢٧ ]
وأقرَّه ابن طاهر في (التذكرة ٦٧٢)، وابن الجوزي في (العلل ٢/ ٦٩٩، ٧٠٠)، وقال: "هذا حديثٌ لا يصحُّ"، ثم أعلَّهُ بابنِ جدعان، ومخلد.
الوجه الرابع:
رواه الخرائطيُّ في (مكارم الأخلاق رقم ٥٤)، من طريق محمد بن كثير (^١) الحضرمي، حدثنا عباد بن عباد المهلبي، حدثنا سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة، به مختصرًا (^٢).
هكذا قال عن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن، وهذا إن لم يكن خطأ من الناسخ فهو من أخطاء الحضرمي هذا.
فقد رواه ابن شاذان في مشيخته كما في (القول البديع صـ ١٣٠)، ومن طريقه السبكيُّ في (الطبقات ١/ ١٦٢) من طريق الفضل بن زياد عن عباد المهلبي عن سعيد بن عبد الله، عن هلال بن عبد الرحمن عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب به مطولًا.
وعلَّقه العقيليُّ عن هلال، فترجمَ له في (الضعفاء ٤/ ١٧٧)، وقال فيه: "منكرُ الحديثِ"، ثم قال: "ويروي عن علي بن زيد عن سعيد المسيب، عن عبد الرحمن بن (سمرة)، قال: قال النبيُّ ﷺ: «رَأَيْتُ البَارِحَةَ عَجَبًا » الحديث بطوله. ثم قال: "كلُّ (هذه) مناكيرُ، لا أصولَ لها، ولا يُتابعُ عليها" (الضعفاء ٤/ ١٧٨).
_________________
(١) كذا، ولعلها محرفة من "بكير".
(٢) - مقتصرًا على قوله: «إِنِّي رَأَيْتُ البَارِحَةَ عَجَبًا، رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿ حِجَابٌ، فَجَاءَ حُسْنُ الخُلُقِ خَلْفَهُ فَأَدْخَلَهُ عَلَى اللَّهِ».
[ ١١ / ٥٢٨ ]
وأقرَّه الذهبيُّ في (الميزان ٤/ ٣١٥)، وابنُ حَجَرٍ في (اللسان ٨٢٨٦).
وسعيد بن عبد الله لم نعرفه، وعلي هو ابن جدعان.
وقد صَرَّحَ العراقيُّ بضعفِ هذا الطريق في (المغني ٢٧٠٧)، وأقرَّه المُناوي في (الفيض ٣/ ٢٥)، والزبيديُّ في (الإتحاف ٧/ ٣٢٤).
فالطرقُ كلُّها إلى ابن جدعان واهيةٌ، ومنكرةٌ، حتى لو سَلِمتْ إلى ابن جدعان، فتبقى النكارةُ لضعفه، والطرقُ الأُخرى لا تَنْهَضُ لأن يتقوَّى الحديثُ بها كما سترى.
الطريق الثاني:
رواه الطبرانيُّ في (الكبير) كما في (جامع المسانيد ٦٩٣٨) قال: حدثنا محمد بن جعفر بن سفيان الرَّقي، حدثنا علي بن شعيب الحراني، حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزومي، عن عمر بن ذر، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة به.
وهذا سندٌ وَاه جدًّا؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
الأُولى: محمد بن جعفر بن سفيان الرقيُّ، روى عن جمعٍ، وروى عنه جمعٌ، ومع ذلك فلم نجدْ مَن ذَكَرَهُ سوى أبي علي القشيري في (تاريخ الرقة ١١٧)، ولم يذكرْ فيه شيئًا سوى سنة وفاتِهِ! وقال السليمانيُّ: "مجهولُ الحالِ" (إرشاد القاصي ٨٤٢).
الثانيةُ: عليُّ بنُ شُعيبٍ الحرانيُّ، لم نجدْ مَن ترجمَ له، وقال فيه الألبانيُّ: " نَكِرَةٌ، ليسَ له ذكرٌ في شيءٍ من كُتبِ الرجالِ" (الضعيفة ١٤/ ١٢٣٠).
الثالثة: خالدٌ المخزوميُّ، "متروكٌ" كما في (التقريب ١٦٥٢)، بل رُمِيَ
[ ١١ / ٥٢٩ ]
بالوضعِ كما في (تهذيب التهذيب ٣/ ١٠٤).
وبه أعلَّه العراقيُّ فقال: "فيه خالد بن عبد الرحمن المخزوميُّ ضَعَّفَهُ البخاريُّ وأبو حاتم" (المغني عن حمل الأسفار- رقم ٣٢٣١).
وتعقبه الزبيديُّ في (الإتحاف ٨/ ١١٩)، فقال: "رواه الطبرانيُّ بإسنادين، في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي، قال الذهبيُّ: "ضَعَّفُوه"، وفي الآخرِ: خالد بن عبد الرحمن المخزومي، وهو الذي أشارَ إليه العراقيُّ".
وهذا أخذَهُ الزبيديُّ من قولِ الهيثميِّ: "رواه الطبرانيُّ بإسنادين، في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطيُّ، وفي الآخرِ خالد بن عبد الرحمن المخزوميُّ، وكلاهما ضعيفٌ" (المجمع ٧/ ١٨٠).
وهذا فيه قصورٌ من ثلاثِ جهاتٍ:
الأُولى: قُصورٌ في بيانِهِ حالتي الواسطي والمخزومي.
الثانية: قُصورٌ من جهةِ إيهامه أن لكلِّ سندٍ علةً واحدةً!
ومثله في هذا اقتصار السخاوي على تضعيف هذا الطريق (القول البديع/ صـ ١٣٠).
الثالثة: قُصورٌ من جهةِ إيهامه أن سندَ الواسطيِّ خَالٍ منَ المخزوميِّ، وقد سبقَ أن المخزوميَّ مذكورٌ في سندِ الواسطيِّ أيضًا!
غايةُ ما في الأمرِ أن الواسطيَّ رواه عن خالد عن ابن جدعان عن ابن المسيب، ورواه علي بن شعيب عن خالد عن عمر بن ذر عن ابن المسيب.
فاختلفَ الواسطيُّ الكذَّابُ وعليُّ بنُ شُعيبٍ المجهولُ في شيخِ المخزوميِّ؛ فجعله الأول: (علي بن زيد بن جدعان) وجعله الآخر (عمر بن ذر)، وبنحو هذا
[ ١١ / ٥٣٠ ]
تعقب الألبانيُّ الهيثميَّ في (الضعيفة ١٤/ ١٢٣٠).
قلنا: وقد رواه غيرهما عن خالدٍ على وجهٍ آخر! وهو:
الطريقُ الثالثُ:
أخرجه أَبُو الخَيْرِ البَاغْبَانُ في (فوائده) كما في (القول البديع/ صـ ١٣١) -ومن طريقه السبكيُّ في (الطبقات ١/ ١٦٤) - وقوام السنة في (الترغيب ٥٠٢، ١٠٤٩، ١٢٠٥، ٢٤٤٠) من طريق ابن منده عن أبي عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا أحمد بن معاذ السلمي، ثنا خالد بن عبد الرحمن، ثنا عمر بن ذر (^١) أُرَاه عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بن سمرة به مُطوَّلًا (^٢) دون الغسل منَ الجنابةِ.
كذا رواه بالشك، وجعله عن مجاهدٍ بدلًا من سعيدٍ! وقد خُولِفَ فيه ابن منده:
فرواه الواحديُّ في (الوسيط ٣/ ٤٨٢) من طريق حمزة بن شبيب المعمري، أنا عمرو بن عبد الله البصري، أنا أحمد بن معاذ السلمي، نا خالد بن عبد الرحمن المخزومي، نا عمر بن ذر، عن عبد الرحمن بن سمرة، به مختصرًا جدًّا.
فأَسقطَ منه مجاهدًا! وحمزة بن شبيب لم نجدْهُ. وكيفما كان، فمداره على خالدٍ وهو "متروكٌ متهمٌ" كما سبقَ، وقد تفرَّدَ به، قال ابن منده: "هذا
_________________
(١) تحرَّفَ في المطبوع من (الطبقات إلى: "عمر بن ذراراة"! وفي بعض المواضع من (الترغيب) إلى: "عمر بن ذرارة"!
(٢) ومختصرًا في بعض مواضع الترغيب. وفي الموضع (١٢٠٥) اقتصرَ على ذكرِ حُسْنِ الخُلقِ كرواية عباد المهلبي عند الخرائطي. وفي مطبوعة السبكي سَقْط يُنظر له التنبيهات.
[ ١١ / ٥٣١ ]
حديثٌ غريبٌ بهذا الإسنادِ، تفرَّدَ به خالدُ بنُ عبدِ الرحمنِ عن عمرَ بنِ ذَرٍّ" (الطبقات ١/ ١٦٥).
الطريق الرابع:
رواه الحكيمُ في (النوادر ١٣٢٤)، والمعافى بنُ زكريا في (الجليس الصالح- صـ ٧٠١)، وأبو عثمان البحيري في (الفوائد ١٨٢)، والأصبهاني في (الترغيب ١٦٨٢)، -ومن طريقه السبكيُّ في (الطبقات ١/ ١٦٢) - من طريق عبد الله بن نافع بن ثابت، قال: حدَّثني ابن أبي فديك عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة، به.
وهذا سندٌ وَاهٍ؛ فيه: عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وهو في عدادِ المجهولينَ عينًا وحالًا، ذَكَرَهُ الخطيبُ في (غنية الملتمس ٣١٤)، وقال: "حجازيٌّ، حَدَّثَ عن سعيد بن المسيب، روى عنه محمد بن إسماعيل بن أبي فديك".
ولم نجدْ مَن ذكره غيره، وقال الألبانيُّ: "غيرُ معروفٍ" (الضعيفة ١٤/ ١٢٣٦).
فأما الغماريُّ، فقال في (المُداوي ٣/ ٤٢): "وعبد الرحمن بن أبي عبد الله هو: ابن حرملة فيما أرى. والله أعلم".
ولعلَّه اعتمدَ في هذا على قولِ ابنِ منده: "ورُوي من حديثِ يحيى بن سعيد الأنصاري وعبد الرحمن بن حرملة وعلي بن زيد وغيرهم عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁" (طبقات الشافعية الكبرى ١/ ١٦٥).
وقد تَعَقَّبَ الألبانيُّ كلامَ الغماريِّ بقولِهِ: "هذه مجردُ دعوى؛ لأنه ليس في
[ ١١ / ٥٣٢ ]
الرواة عن سعيد بن المسيب مَن يُسمَّى (عبد الرحمن بن أبي عبد الله)، ولا له ذكر في شيءٍ مِن كتب الرجال، وإنما ادَّعى ذلك ليوهم القراء أن الحديثَ قويٌّ" (الضعيفة ١٤/ ١٢٣١).
وفاتهما جميعًا كلام الخطيب! ومما يُبطل دعوى الغماري أيضًا أن حرملةَ هذا يكنى بأبي عبد الرحمن، كذا كنَّاه ابنُ سعدٍ في (الطبقات ٤/ ٣١٧)، والبغويُّ في (المعجم ٢/ ٢١٨)، وابن منده في (المعرفة ١/ ٣٨٥)، وأبو نعيم في (المعرفة ٢/ ٨٦٢)، ولم نجدْهُ كُني بأبي عبد الله قط! وابن منده لم يقلْ بأن صاحبَ هذا الطريقِ هو ابنُ حرملةَ، فإن كان يعني ذلك، فجوابُهُ ما ذُكرَ، وإن كان يعني طريقًا آخر، فلم نجدْهُ، ولعلَّ حالَهُ كحالِ طريقِ يحيى بن سعيد المذكور معه، وسيأتي بيانُ ما فيه.
وممن صَرَّحَ بضعفِ هذا الطريقِ الزبيديُّ في (الإتحاف ٨/ ١١٩).
الطريق الخامس:
رواه ابنُ عساكر في (التاريخ ٣٤/ ٤٠٦)، وأبو موسى المدينيُّ في (الترغيب) كما في (الروح لابن القيم- صـ ٨٢)، و(الوابل الصيب- صـ ٨٣ = صـ ١١٣)، وابنُ الجوزيِّ في (المشيخة صـ ١٨٧)، وفي (البر ٧٣، ٢٥٥) -مختصرًا (^١) - وفي (العلل ١١٦٥)، من طريقِ بشر بن الوليد عن فرجِ بنِ فَضَالةَ، حدثنا هلال أبو جبلة عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة به.
ورواه الخرائطيُّ في (المكارم ٥٥) عن أبي سهل الدقاق عن بشر به
_________________
(١) مقتصرًا في الموضع الأول على (بر الوالدين)، وفي الثاني على (صلة الرحم).
[ ١١ / ٥٣٣ ]
مختصرًا (^١)، إلا أنه وقعَ فيه: "المفضل بن فضالة"! ! والصوابُ الأولُ، لكثرة مراجعه، ولأن راويه عن بشر هو عمر بن أيوب السَّقَطِيُّ، الإمامُ المتقنُ كما في (السير ١٤/ ٢٤٥)، فهو أوثقُ من أبي سهل الصدوق.
وعليه، فالسندُ ضعيفٌ جدًّا، فيه علتان:
الأُولى: فرج بن فضالة، ضعيفٌ كما في (التقريب ٥٣٨٣).
الثانيةُ: هلال أبو جبلة، ذكره ابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٩/ ٧٧) ومسلمٌ في (الكنى ٦١١)، وأبو أحمدَ في (الكنى ١٢٣٦) (^٢)، ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ ولذا قال ابنُ الجوزيِّ: "مجهولٌ"، وقال ابنُ القيمِ: "مدنيٌّ لا يُعرفُ بغيرِ هذا الحديثِ" (الروح صـ ٨٣).
وقال الألبانيُّ: "ويحتملُ عندي أنه (هلال بن عبد الرحمن) المتقدم، والذي استنكرَ حديثَهُ العقيليُّ، والله أعلم" (الضعيفة ١٤/ ١٢٣٧).
قلنا: ويؤيده أن العقيليَّ ذكر له رواية عن عطاء بن أبي ميمونة، وهو مذكورٌ في شيوخِ أبي جبلة.
وبهاتين العلتين أعلَّه ابنُ الجوزيِّ فقال: "هذا حديثٌ لا يصحُّ ..؛ فيه هلال أبو جبلة وهو مجهولٌ. وفيه الفرجُ بنُ فضالةَ، قال ابن حبان: "يقلبُ الأسانيدِ ويلزقُ المتونَ الواهيةَ بالأسانيدِ الصحيحةِ، لا يحلُّ الاحتجاجُ به" (العلل ٢/ ٦٩٩).
_________________
(١) بمثل رواية عباد المهلبي عنده، وهي في (حسن الخلق) كما سبق.
(٢) ووقع عنده وعند مسلم: "أبو جيل" -بالمثناة-، وهو محرف من "جبل" -بالموحدة- كما يدلُّ عليه كلام ابن القيم في (الروح/ صـ ٨٣).
[ ١١ / ٥٣٤ ]
وأقرَّه الذهبيُّ في (التلخيص ٧٢٦).
ومع ذلك قال الرشيدُ العطارُ: "هذا أحسنُ طُرُقِهِ"! (القول البديع- صـ ١٣٠).
والحديثُ عدَّه ابنُ عساكر من غرائبِ حديثِ سمرةَ كما في (التاريخ ٣٤/ ٤٠٦).
وقال ابنُ القيمِ: "رواه أبو موسى المدينيُّ وبَيَّن عِلَّتَهُ". وهذا يعني أنه معلولُ السندِ عنده، لكنه قال بعد ذلك: "قال الحافظُ أبو موسى: هذا حديثٌ حسنٌ جدًّا، رواه عن سعيد بن المسيب: عمر (^١) بن ذر، وعليّ بن زيد بن جدعان" (الروح- صـ ٨٢).
قال الألبانيُّ: "هو لا يعني أنه حسنٌ بمجموعِ طرقه -كما هو المعلومُ اصطلاحًا-، وإنما يعني أنه حسن لغة، وهذا استعمالٌ معروفٌ عند بعضِ الحفاظِ ..، ويؤيده أن هلالًا أبا جبلة نكرة لا يُعرفُ على أن الراوي عنه فرج بن فضالة: ضعيفٌ، وبهما أعلَّه ابنُ الجوزيِّ" (الضعيفة ١٤/ ١٢٣٧).
قلنا: ويحتملُ أنه أرادَ حُسْنَ معنَاهُ لوجودِ ما يشهدُ لأصلِهِ، فقد نقلَ ابنُ القيمِ عنِ ابنِ تيميةَ أنه كان يُعظِّمُ أمرَ هذا الحديثِ ويقولُ: "أصولُ السُّنَّةِ تشهدُ له، وهو من أحسنِ الأحاديثِ" (الروح- صـ ٨٣)، و(الوابل الصيب- صـ ٨٣).
زادَ المُناويُّ: "وإذا تتبعت متفرقات شواهده رأيت منها كثيرًا" (الفيض ٣/ ٢٦).
_________________
(١) في المطبوع: "وعمرو"! بإقحام الواو، وليست في (الوابل الصيب، صـ ٨٣ وصـ ١١٣).
[ ١١ / ٥٣٥ ]
قلنا: نعم، لبعض فقراته شواهد في الجملة؛ كحديث أسماء الذي ذكره العراقيُّ مصححًا له عند كلامه عن طريق المخزوميِّ، وهو عند أحمد في (المسند ٢٦٩٧٦) بلفظ: "إِذَا دَخَلَ الإِنْسَانُ قَبْرَهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا أَحَفَّ بِهِ عَمَلُهُ، الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ إلخ".
وبغَضِّ النظر عن الاختلاف بين سياقة حديثنا وسياقة هذا الشاهد وغيره، فإن كثيرًا من فقرات الحديث لا شواهدَ لها، كفقرتي الوضوء والغسل من الجنابة، وبنحو هذا أجابَ الألبانيُّ في (الضعيفة ١٤/ ١٢٣٩).
الطريق السادس:
علَّقه ابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٧/ ٢٣٨) عن محمد بن عبد الله بن نُمير أنه قيلَ له: بالريِّ رجلٌ كوفيٌّ يقالُ له: محمد بن حسان، يَروي عن أبيك. قال: وأيُّ شيءٍ رَوى عن أَبي؟ قالوا: روى عن أبيك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبيِّ ﷺ قال: «رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى بِهْمُ » الحديث الطويل. فقال ابنُ نُميرٍ: "تركَ النَّاسَ كلَّهم وجاءَ يكذبُ على أَبي؟ ! ".
ومحمد بن حسان هذا هو ابن حسان بن مصعب، قال أبو حاتم: "صَنَّفَ كتابَ المعراج وكان كذَّابًا" (الجرح والتعديل ٧/ ٢٣٨).
فالإسنادُ تالفٌ، وقد جاءَ عن يحيى بن سعيد من طريقٍ آخر ليسَ بأفضل من هذا:
فرواه أبو الشيخ في (الطبقات ٢/ ٣٠٣) -وعنه أبو نُعيمٍ في (تاريخ أصبهان ٢/ ٣٠٧)، والشجريُّ في (الأمالي ١٣٦٧) - قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا، قال: ثنا علي بن بشر، قال: ثنا نوح بن يعقوب بن عبد الله الأشعري، [قال: ثنا أبي]، قال: ثنا يحيى بن سعيد عن
[ ١١ / ٥٣٦ ]
سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة مقتصرًا على فضيلة الصوم (^١).
وإسنادُهُ تالفٌ؛ فيه علتان:
الأُولى: علي بن بشر الأصبهاني؛ كذَّبَهُ الحافظُ أبو الحجاجِ الفِرْسانيُّ. وضَعَّفه أبو الشيخِ. وقال أبو نعيم: "في حديثِهِ نكارةٌ" (اللسان ٥٣٣٧). وقال الذهبيُّ: "كان متروكًا، فإنه رَوى عن يزيد بن حميد عن أنسٍ رفعه: «رَأَيْتُ فِي الجَنَّةِ ذِئْبًا » الحديث" (التاريخ ٥/ ٨٨٦). وحديثُ الذِّئبِ هذا من بلاياه كما قال ابنُ حَجرٍ في (اللسان ٥٣٣٧).
الثانيةُ: نوحُ بنُ يعقوبَ الأشعريُّ، في عدادِ المجهولينَ، ترجَمَ له أبو الشيخِ في (الطبقات ٢/ ٣٠٣)، وأبو نُعَيمٍ في (تاريخ أصبهان ٢/ ٣٠٧)، ولم يذكرا فيه جَرحًا ولا تَعديلًا، ولا ذكرا فيمن روى عنه سوى ابن بشر! وساقا له هذا الحديث.
ولذا قالَ الألبانيُّ: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ منكرٌ؛ نوحُ بنُ يعقوبَ لا يُعرفُ؛ لم يزدْ أبو نعيمٍ في ترجمته على أنه ساقَ له هذا الحديث، والآفةُ من علي بن بشر؛ فقدِ اتُّهِمَ بالكذبِ" (الضعيفة ١٤/ ١٢٣٣).
فهذه هي طرقُ الحديثِ، عامَّتُهَا شديدةُ الوهَاءِ، مع تفاوت متعدد في سياقاتها؛ ولذا قال الألبانيُّ عنه: "منكرٌ جدًّا، اضطربَ فيه الرواةُ سندًا ومتنًا، واتفقَ الحفاظُ المتقدمونَ ومَن سارَ سيرهم من المتأخرين- على استنكاره وتضعيفه، وخالفهم بعضُ المتأخرين ضاربين بذلك القواعد العلمية، التي منها أن الحديثَ لا يتقوَّى بالطرقِ الواهيةِ، ولا بالمضطربِ إسنادًا ومتنًا،
_________________
(١) ولفظه: «رَأَيْتُ البَارِحَةَ عَجَبًا، رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَلْهَثُ عَطَشًا، كُلَّمَا وَرَدَ حَوْضًا مُنِعَ، فَجَاءَهُ صِيَامُ رَمَضَانَ فَسَقَاهُ وَأَرْوَاهُ».
[ ١١ / ٥٣٧ ]
مع أوهامٍ متنوعةٍ كثيرةٍ وقعتْ لبعضِهِم؛ يستقلُ بعضُهم بها، ويقلدهم آخرون في بعضها" (الضعيفة ٧١٢٩).
قلنا: بل قال ابنُ حَجرٍ الهيتميُّ: "أخرجه جمعٌ من طُرُقٍ، بعضُها حسنٌ"! ! (الدر المنضود-صـ ١٧٣).
وأعجبُ مِن هذا ما نقله السخاويُّ عن العارفِ أبي ثابت محمد بن عبد الملك الديلمي، أنه ذكر في كتابه (أصول مذاهب العرفان بالله) ما معناه: أن هذا الحديثَ وإن كان غريبًا عند أهلِ الحديثِ، فهو صحيحٌ لا شك فيه ولا ريب! حصل له العلم القطعي بصحته من طريق الكشف! في كثير من وقائعه وأحواله! !
قال السخاويُّ: "كذا قال، والعلمُ عند اللهِ تعالى" (القول البديع- صـ ١٣١).
قال الألبانيُّ: "ومن الغرائب " فذكرَ كلامَ أبي ثابت هذا، ثم قال: "ووجهه الاعتراف بأن الخلافَ بينَ أهلِ الحديثِ -فَضَعَّفُوه-، وبين أهل التصوف -فصححوه بطريق الكشف-، وهذا هو الذي حملَ الغُماريَّ على أن يُسَوِّدَ تسعَ صفحاتٍ كبارٍ في تخريجِ الحديثِ، ويحشرُ فيه ما هَبَّ ودَبَّ؛ موهمًا بذلك تقوية الحديث على طريقة حفاظ الحديث، حتى وصلَ به الأمرُ أن يستقوي بعلي بن بشر الذي كَذَبَ على النبيِّ ﷺ" (الضعيفة ١٤/ ١٢٣٨).
[تنبيهان]:
الأول: وقعَ الحديثُ عندَ السبكيِّ في (الطبقات ١/ ١٦٤) من روايةِ أَبِي الخَيْرِ البَاغْبَانِ عن عبد الوهاب بن أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن
[ ١١ / ٥٣٨ ]
منده، أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري به.
وقد رواه أبو القاسم الأصبهاني في عدة مواضع من (الترغيب) عن عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده، أخبرنا والدي، أخبرنا أبو عثمان: عمرو بن عبد الله البصري، به.
فسقطَ قولُهُ: "أخبرنا والدي" من سندِ السبكيِّ، والظاهرُ -والله أعلم- أن هذا من قِبلِ النَّاسخِ؛ ولذا اعتمدنا في التحقيق على روايةِ الأصبهانيِّ.
الثاني: هناك عددٌ منَ المراجعِ لم نذكرْهَا في قالبِ التخريجِ؛ كـ (الدعاء) للطبراني، و(المكارم) للخرائطي، و(الطبقات) لأبي الشيخ، و(البر) لابن الجوزي؛ وذلك لعدمِ اشتمالها على موضعِ الشاهدِ، وهو ذكرُ الوضوءِ أو الغُسلِ، وإنما ذكرناها في التحقيقِ لحاجتِهِ إلى ذلك.
[ ١١ / ٥٣٩ ]