١٥٤١ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ».
[الحكم]: مختلفٌ فيه:
فَصَحَّحَهُ: الترمذيُّ، والبيهقيُّ -في أحد قوليه-، وابنُ الصَّلاحِ، والنوويُّ، وابنُ التركمانيِّ، وابنُ الملقنِ، والسيوطيُّ، والمُناويُّ، والشوكانيُّ، والألبانيُّ.
وأعلَّه أبو حاتم بأنه مختصرٌ من حديثِ أبي هريرة الذي أخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والترمذيُّ، وغيرُهُم فيمن شَكَّ وهو في الصلاة هل أحدثَ أم لا، «فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، وبذلك جَزَمَ ابنُ خُزيمةَ، والبيهقيُّ -في قوله الآخر-، وتبعهم: ابنُ دَقيقِ العيدِ، وابنُ عبدِ الهادي، وابنُ حَجرٍ، والألبانيُّ.
والراجح: أنه معلولٌ بهذا اللفظِ.
[التخريج]:
[ت ٧٥ (واللفظ له) / جه ٥١٩/ حم ١٠٠٩٣/ خز ٢٩/ طي ٢٥٤٤
[ ١٢ / ٤٥٠ ]
/ ش ٨٠٨١/ طس ٦٩٢٩/ طهور ٤٠٤/ طهور (زوائد المروزي ٤٠٥) / جا ٢/ جعد ١٥٨٣/ هق ٥٧٤، ١٠٦٥/ هقخ ٣٨٧، ٦٠٢، ٦٠٣، ٦٧٣/ تمام ١٤٨٧/ نجار (١٨/ ١٧٣) / تحقيق ٢٢٨/ غلق (٢/ ١١١ - ١١٢) / طوسي ٦٤/ أصبهان (٢/ ٢٥٣) / وزير ٤٧/ آجر (فوائدق ١٠٠/ ب)].
[التحقيق]: انظره عقب الرواية الآتية:
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ رِيحٍ».
[الحكم]: معلولٌ بهذا اللفظِ.
[التخريج]:[حم ٩٣١٣، ٩٦١٤].
[التحقيق]:
رواه أبو داودَ الطيالسيُّ وعليُّ بنُ الجعدِ، قالا: حدثنا شعبة عن سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، به.
وأخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والباقون من طرق عن شعبة به.
وعند أحمد (٩٣١٣) من رواية غندر، وأيضًا (٩٦١٤) من رواية يحيى القطان، كلاهما عن شعبة به، بلفظ السياقة الثانية: «إِلَّا مِنْ حَدَثٍ».
[ ١٢ / ٤٥١ ]
وقد أخطأَ بعضُهم على شعبةَ فأدخلَ بينه وبين سهيل واسطة:
فرواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٦٩٢٩)، وأبو نُعيمٍ في (تاريخ أصبهان ١٦١٠) من طريق أبي يوسف الصيدلاني، ثنا يحيى بن السكن، ثنا شعبة، عن إدريس الكوفي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.
قال الطبراني: "لم يُدخِلْ أحدٌ ممن رَوى هذا الحديث عن شعبة بين شعبة وسهيل: إدريس، إلا يحيى بن السكن".
قلنا: ويحيى بن السكن ليس بالقويِّ، ضَعَّفَهُ صالح جزرة، بينما ذكره ابن حبان في (الثقات)! (لسان الميزان ٨/ ٤٤٧).
والصوابُ ما رواه أصحابُ شعبةَ الثقات الأثبات، وعلى رأسهم: غندر، والقطان، وابن مهدي، وابن الجعد، وغيرهم، عن شعبة عن سهيل به، بغير واسطة كما سبقَ.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ غير سهيل بن أبي صالح فمن رجال مسلم.
ولذا قال الترمذيُّ: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
وقال البيهقيُّ: "هذا حديثٌ ثابتٌ، قدِ اتفقَ البخاريُّ، ومسلمٌ على إخراجِ معناه من حديث عبد الله بن زيد، وأخرجه مسلمٌ أيضًا من حديثِ سُهيلٍ كما سبقَ ذِكْري له في مسألة خروج الريح من القُبلِ وإيجاب الوضوء منه" (الخلافيات ٢/ ٣١٤).
وقال في موضع آخر: "وهو صحيحٌ ثابتٌ" (الخلافيات ٢/ ٣٦٢).
[ ١٢ / ٤٥٢ ]
وقال ابنُ الصلاحِ: "إسنادٌ حسنٌ ثابتٌ" (البدر المنير ٢/ ٤١٩).
وقال النوويُّ: "رواه الترمذيُّ وغيرُهُ، بأسانيدَ صحيحةٍ" (الخلاصة ٢٥٨، والمجموع ٢/ ٣).
وقال ابنُ دَقيقِ العِيدِ: "إسنادُهُ على شرطِ مسلمٍ" (الإمام ٢/ ٢٦٧)، غير أنه سيذهب إلى القول باختصاره كما سيأتي.
وَصَحَّحَهُ ابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٢/ ٤١٩)، و(خلاصة البدر المنير ١٥٢)،
ورمز السيوطيُّ لصحته، كما في (فيض القدير ٦/ ٤٤٠)، و(التنوير شرح الجامع الصغير ١١/ ١٦٩) (^١). وتبعه المُناوي فَصَحَّحَهُ في (التيسير ٢/ ٩٧٠).
ولكن الحديث بهذا اللفظِ معلولٌ، اختصره شعبةُ اختصارًا مُخِلًّا، وخالفه بقيةُ أصحاب سهيل؛
قال أبو حاتم الرازيُّ: "هذا وهمٌ، واختصرَ شعبةُ متنَ هذا الحديثِ فقال: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ». ورواه أصحاب سهيل، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ رِيحًا مِنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَخْرُجَنَّ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» " (العلل ١٠٧).
وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ وقال: "وهو -والله ﷿ أعلم- حديثٌ مختصرٌ بالمعنى من حديثٍ أطول منه أخرجه مسلمٌ " (الإمام ٢/ ٢٦٧)،
_________________
(١) والذي في مطبوع (الجامع الصغير ٩٩٣٤): (ض). وهذا إشارة إلى الضعف، فلعلَّه تحريفٌ من الناسخِ أو الطابعِ.
[ ١٢ / ٤٥٣ ]
وكذا أقرَّه ابنُ عبدِ الهادي في (تنقيح التحقيق ١/ ٣١٦)، وابنُ حَجرٍ في (تغليق التعليق ٢/ ١١١).
وبوَّب عليه ابنُ خُزيمةَ في (صحيحه) بقوله: "باب ذكر خبر رُوي مختصرًا عن رسول الله ﷺ- أوهم عالمًا ممن لم يميز بين الخبر المختصر والخبر المتقصى أن الوضوء لا يجب إلا من الحدث الذي له صوت أو رائحة"، ثم ذكر هذا الحديث، ثم أردفه بباب "ذكر الخبر المتقصى للفظة المختصرة التي ذكرتها والدليل على أن النبي ﷺ إنما أعلم أن لا وضوء إلا من صوت أو ريح عند مسألة سئل عنها في الرجل يخيل إليه أنه قد خرجت منه ريح فيشك في خروج الريح. وكانت هذه المقالة عنه ﷺ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» جوابًا عما عنه سُئِلَ فقط لا ابتداء كلام، مسقطًا بهذه المسألة إيجاب الوضوء من غير الريح التي لها صوت أو رائحة؛ إذ لو كان هذا القول منه ﷺ ابتداء من غير أن تقدمته مسألة كانت المقالة تنفي إيجاب الوضوء من البول والنوم والمذي؛ إذ قد يكون البول لا صوت له ولا ريح، وكذلك النوم والمذي لا صوت لهما ولا ريح، وكذلك الودي"، ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ؛ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ، فَلَا يَخْرُجَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» " (الصحيح ١/ ١٨ - ١٩).
وقال البيهقيُّ أيضًا: "وهذا مختصرٌ، وتمامه فيما أخبرَنا أبو عبد الله الحافظ فذكر أصل الحديث" (السنن الكبير ١/ ٣٥٤).
لكن تعقبه ابن التركماني؛ فقال: "وفي كلام البيهقيِّ نظر؛ إذ لو كان الحديثُ الأولُ مختصرًا من الثاني لكان موجودًا في الثاني مع زيادة، وعموم الحصر المذكور في الأول ليس في الثاني، بل هما حديثان مختلفان" (الجوهر النقي
[ ١٢ / ٤٥٤ ]
١/ ١١٧).
وبنحوه ذكر ابن الملقن في (البدر المنير ٢/ ٤٢٠).
وزاد الشوكانيُّ قائلًا: "وشعبةُ إمامٌ حافظٌ واسعُ الروايةِ، وقد رَوى هذا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة على الحصر، ودينُهُ وإمامتُهُ ومعرفتُهُ بلسانِ العربِ يَرُدُّ ما ذكره أبو حاتم" (نيل الأوطار ١/ ٢٣٩).
ولكن يجابُ عن ذلك بأمورٍ:
الأول: أن شعبةَ وإن كان إمامًا حافظًا وله مزيدُ اعتناءٍ بالمتونِ كما أشارَ إلى ذلك الدارقطنيُّ فقال: "وكان شعبةُ ﵀ يغلطُ في أسماءِ الرجالِ لاشتغالِهِ بحفظِ المتنِ" (العلل ٥/ ٤٦٨).
فليسَ من شأنِ الحافظِ أن لا يُخطئ، فقد نقلَ الأثرمُ عن أحمدَ أنه قال: "كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئًا قليلًا، وربما وهم في الشيء" (تاريخ بغداد ١٠/ ٣٥٩)، وهذا الوهم لا ينزله من مرتبته في الإتقان والحفظ. وقال أبو داود: "سمعتُ أحمدَ يقولُ: أخافُ أن شعبة لم يكن يقوم على الألفاظ، هو ذا يُختلفُ عليه" (سؤالات أبي داود لأحمد ٥٤٨).
وقد روى شعبة حديثنا هذا مرة بلفظ: «إِلَّا مِنْ صَوْتٍ»، ومرة: «إِلَّا مِنْ حَدَثٍ»، مما يقوي ما خشيه أحمد ﵀.
كما أن لشعبةَ غير ما حديث أخطأَ في متنه ولم يتوانَ العلماءُ في تخطئته، من ذلك أن الخطيبَ ذكرَ في (الكفاية) حديثًا رواه إسماعيل بن عُلية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ».
فرواه شعبة عن إسماعيل بسنده: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ» -أي: مطلقًا-، فأنكر إسماعيل بن عُلَيَّةَ شيخ شعبة عليه ذلك، وَوَهَّمه فيه، وتابعه
[ ١٢ / ٤٥٥ ]
عليه الخطيب، فرَوى بسنده إلى الرامهرمزي عن أبي يحيى العطار، قال: سمعتُ إسماعيلَ بنَ عُلَيَّةَ، يقول: "روى عني شعبةُ حديثًا واحدًا فأوهم فيه، حَدَّثْتُهُ عَنْ عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ»، فقال شعبةُ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ».
قال الخطيبُ: "أفلا ترى إنكار إسماعيل على شعبة روايته هذا الحديث عنه على لفظ العموم في النهي عن التزعفر؟ وإنما نهى عن ذلك للرجالِ خاصة، وكأنَّ شعبة قصد المعنى، ولم يفطن لما فطن له إسماعيل؛ فلهذا قلنا: إن روايةَ الحديثِ على اللفظِ أَسْلمُ من روايتِهِ على المعنى" (الكفاية ١/ ١٦٧ - ١٦٨).
وهذا الكلامُ ذكره الرامهرمزيُّ في (المحدث الفاصل صـ ٣٨٩) فقال عقبه: "وكان شعبة حفظ عن إسماعيل، فأنكر إسماعيل لفظ التزعفر؛ لأنه لفظ العموم، وإنما المنهي عنه الرجال، وأحسب شعبة قصد المعنى، ولم يفطن لما فطن له إسماعيل، وشعبة شعبة".
فانظر إلى قوله: "وشعبة شعبة"، كأنه يشيرُ إلى جلالتِهِ في هذا العلم، ومَن ذا الذي يَسْلَمُ من الخطأ.
ثانيًا: أن شعبة قد خولف من أصحاب سهيل، وعلى هذا اعتمد أبو حاتم في توهيم شعبة، فقد رواه عن سهيل جماعة، وهم:
١ - جرير بن عبد الحميد كما عند مسلم (٣٦٢)، وغيره.
٢ - حماد بن سلمة عند أبي داود (١٧٧)، وأحمد (٩٣٥٥)، وغيرهما.
٣ - عبد العزيز بن محمد الدراوردي كما عند الترمذي (٧٥)، وابن خزيمة في (صحيحه ٢٤)، والبزار في (مسنده ٩٠٦٤)، وغيرهم.
[ ١٢ / ٤٥٦ ]
٤ - زهير بن معاوية عند أبي عَوانةَ في (المستخرج ٨١٣).
٥ - خالد بن عبد الله الواسطي كما عند ابن خزيمة في (صحيحه ٢٤)، وغيره.
٦ - محمد بن جعفر بن أبي كثير كما عند البيهقي في (الكبير ٧٦٥).
٧ - علي بن عاصم كما في (السنن الكبير للبيهقي ٣٤٢١)، و(الجزء الأول من حديث ابن شاذان انتقاء أبي القاسم الأزجي (ق ١١٦/ أ).
٨ - أبو كُدَيْنة يحيى بن المهلب عند الطبراني في (الأوسط ١٥٦٥).
ثمانيتهم (جرير، وحماد، وزهير، وعبد العزيز، وعلي، وخالد، ومحمد، وأبو كدينة) عن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة مطولًا، واللفظ لمسلم: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
ورواية الجماعة لا شَكَّ أَوْلى بالقبولِ لعدمِ اجتماعهم على الخطأ، بخلافِ الواحدِ، فإن العددَ الكثيرَ أَوْلى بالحفظِ منه.
ثالثًا: قد مَرَّ أن أبا حاتم وابن خزيمة وغيرهما قد ذهبوا إلى توهيم شعبة فيه، ولا شَكَّ أنهم أعلم بمخارج الأسانيد وضبط المتون ومعرفة الخطأ؛ ولذلك لم يتوانَوا في بيانِ الخطأ مع مكانةِ شعبةَ عندهم؛ فأبو حاتم هو القائل: " كان شعبةُ بصيرًا بالحديثِ جدًّا، فهمًا له كأنه خُلِقَ لهذا الشأن" (الجرح والتعديل ١/ ٢٢٩).
رابعًا: في الحديث المختصر معنى الحديث المطول حيثُ إن كليهما وَرَدَ في نقضِ الطهارة بالصوتِ والريحِ، غير أن المختصرَ حَصَرَ الحُكْمَ في ذلك فأخلَّ، فخرجَ من النواقضِ ما هو مجمعٌ عليه كالبولِ والمذي وغيرهما،
[ ١٢ / ٤٥٧ ]
وكذا المختلف فيه كالنوم وغيره، وليس من شرط المختصر أن يوجد في الأول بلفظه كما ذهبَ إليه ابن التركماني، وإنما كون معناه موجودًا -وإن أخطأ الراوي فيه- دليل على اختصاره، والله أعلم.
والحديثُ ذكره الشيخ الألباني في تحقيقه للمشكاة فقال: "سندُهُ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، لكن أعلَّه البيهقيُّ وغيرُهُ بأنه مختصر .. وقال، وأما هذا اللفظ فتفرَّدَ به شعبةُ ووَهِم فيه، وكأنَّ الترمذيَّ أشارَ إلى ذلك حيثُ عَقَّبَ هذا اللفظ باللفظِ المتقدمِ وبنى الحُكْمَ عليه لا على هذا، ولم يُعْجِبْ هذا ابن التركماني ورجَّحَ أنهما حديثان مختلفان، والأقربُ الأول" (مشكاة المصابيح ١/ ١٠٢، حاشية رقم ١).
وذكر نحوه في (الإرواء ١/ ١٥٣) ثم قال: "لكن له شاهد من حديث السائب كما تقدم، برقم (١٠٧)، والله أعلم".
قلنا: وحديثُ السائبِ الذي أشارَ إليه الشيخُ، ضعيفٌ لا يصحُّ، كما سيأتي بيانُهُ قريبًا.
[تنبيه]:
وقع في المطبوع من (الطهور ٤٠٤) لأبي عبيد: ثنا يزيد بن هارون عن سعيد عن سهيل بن أبي صالح به.
فقال محققه: "لم يتابع سعيدًا إلا شعبة"! !
قلنا: لو دقق المحقق أكثر؛ لعلم أن هناك تحريفًا، فالمذكور في السند هو شعبة وليس سعيدًا، ولقد رجعنا إلى النسخة المخطوطة (ق ٤٤/ أ) فوجدناه شعبة كما توقعنا، ويدلُّ على ذلك -أيضًا- أمور:
١) أن الذي يَروي عن سهيل ويسمَّى سعيدًا هو: سعيد بن عبد الرحمن
[ ١٢ / ٤٥٨ ]
الجُمَحي.
وسعيدٌ هذا ليس له في هذا الحديث ناقة ولا جمل.
٢) أن هذا اللفظ المختصر إنما يُعرفُ من روايةِ شعبةَ كما ذكره أبو حاتم، وابن خزيمة، والبيهقي. ومن طريقه خرَّجه جلُّ من أخرجَ الحديثَ ممن ذكرناهم في التخريج.
٣) أن يزيد بن هارون لا يُعرفُ بالروايةِ عن سعيدٍ الجُمَحيِّ هذا، وإنما هو مشهورٌ بالروايةِ عن شعبةَ؛ ولذا لم يحتج إلى أن ينسبه في الإسنادِ، بخلاف روايته عن سعيد؛ فإن يزيدَ روى عن جماعةٍ كلهم يسمَّى سعيدًا، فإذا روى عن أحدهم احتاج لأن يبينه وينسبه.
٤) أن أبا بكر المروزيَّ راوي كتاب الطهور لأبي عبيد- أتبع هذا الحديث بطريق من زياداته على الكتاب، فقال: "حدثنا عاصم بن علي عن شعبة، بهذا الإسناد".
فهذا يؤكِّدُ أن المذكورَ في طريقِ أبي عبيد إنما هو شعبةُ، وليسَ سعيدًا؛ لأن المروزيَّ وقف بالإسناد عند أولِ شيخٍ من شيوخِ أبي عبيدٍ وقال: "بهذا الإسناد" أي: بنفسِ إسنادِ المصنف، وهذه عادة من يزيد على كتاب شيخه الذي يرويه عنه، والله أعلم.
وانظر روايات هذا الحديث، وباقي أحاديث هذا الباب في باب "لا وضوء من الشك حتى يستيقن".
[ ١٢ / ٤٥٩ ]
١٥٤٢ - حَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ خَبَّابٍ
(عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ السَّائِبَ بنَ خَبَّابٍ يَشُمُّ ثَوْبَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: مِمَّ ذَلِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ رِيحٍ أَوْ سَمَاعٍ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وَضَعَّفَهُ: مغلطايُ، والهيثميُّ، والبوصيريُّ، والعينيُّ، والسنديُّ.
[التخريج]:
[جه ٥١٦/ حم ١٥٥٠٦/ طهور ٤٠٦/ ش ٨٠٨٢ "واللفظ له"/ مش (خيرة ٥٩٤/ ١) / تخث (السفر الثاني ٩٦٠) / حث ٨٦/ طب (٧/ ١٤٠/ ٦٦٢٢) / طش ١٣٥٤/ صبغ ١٥٢١/ قا (١/ ٢٩٨) / صحا ٣٤٦٠/ صمند (١/ ٧٤٩، ٧٥٠) / كك (٢/ ق ٨/ ب) / كما (١٠/ ١٨٥ - ١٨٦)].
[التحقيق]:
الحديثُ له طريقان:
الأول:
أخرجه ابن أبي شيبة -وعنه ابن ماجه- قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، به.
ورواه الحارثُ، والبغويُّ، وابنُ أبي خيثمة، والطبرانيُّ، وأبو أحمد الحاكمُ، وابنُ منده، وابنُ قَانعٍ، وأبو نُعَيمٍ، والمزيُّ، من طريقِ ابنِ عياشٍ به.
[ ١٢ / ٤٦٠ ]
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة؛ "واهٍ" كما قال الذهبيُّ في (الكاشف ٣٤٠٢)، قال أبو زرعة: "مضطربُ الحديثِ، واهي الحديث"، وقال أبو حاتم: "هو عندي عجيبٌ، ضعيفٌ، منكرُ الحديثِ، يُكتبُ حديثُهُ"، وقال الجوزجانيُّ: "غيرُ محمودٍ في الحديثِ"، وقال أبو داود: "ليس بشيءٍ"، وقال النسائيُّ: "ليس بثقةٍ، ولا يُكتبُ حديثُهُ". وقال الدارقطنيُّ: "حمصيُّ متروكٌ" (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٤٩). وقال الحافظُ: "ضعيفٌ، ولم يَرْوِ عنه غير إسماعيل بن عياش" (التقريب ٤١١١).
ومن هذا الوجه ضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ:
فقال مغلطايُ: "إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لضعفِ رواته"، ثم أعلَّه بابن عياش وعبد العزيز. (شرح ابن ماجه ٢/ ١٢٧ - ١٢٩).
قلنا: إسماعيل بن عياش إنما ضُعِّفَ في غير أهل بلده، وهو ثقةٌ في الشاميين، وعبد العزيز شاميٌّ.
وقال الهيثميُّ: "رواه الطبرانيُّ في (الكبير)، وفيه: عبد العزيز بن عبيد الله، وهو ضعيفُ الحديثِ، ولم أرَ أحدًا وَثَّقَهُ، والله أعلم" (المجمع ١٢٥٠).
وكذلك ضَعَّفَهُ: البوصيريُّ في (الإتحاف ١/ ٣٧٤)، و(مصباح الزجاجة ١/ ٧٤) -وأقرَّه السنديُّ في (الحاشية ١/ ١٨٥) -، والعينيُّ في (العمدة ٢/ ٢٥٢).
وسيأتي عقب الطريق الثاني أن السائب بن خباب مختَلفٌ في صحبته.
الطريق الثاني:
أخرجه أحمد قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن
[ ١٢ / ٤٦١ ]
محمد بن عبد الله بن مالك أن محمد بن عمرو بن عطاء به.
وأخرجه أبو عبيد قال: ثنا يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة، به.
وذكر مغلطايُ في (شرحه ٢/ ١٢٩) أن أبا عبيد أخرجه من طريق ابن أبي مريم وأبي الأسود عن ابن لهيعة به.
ورواه ابن منده في (المعرفة ١/ ٧٥٠) من طريق مروان بن محمد، عن ابن لهيعة، به نحوه. ثم قال: "ورواه ابن وهب".
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ أيضًا؛ فيه:
* عبد الله بن لهيعة، وهو سيئُ الحفظِ، والكلامُ فيه معروفٌ، وقد سبقَ مرارًا.
* ومحمد بن عبد الله بن مالك، روى عن أم سلمة وسهل بن سعد ومحمد بن عمرو بن عطاء، وعنه ابن لهيعة وعطاف بن خالد وغيرهما (التعجيل ٩٤٧)، وترجم له البخاريُّ في (التاريخ ١/ ١٢٧)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٤)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ٣٦١).
وبقية رجاله ثقات، وفي صحبة السائب بن خباب اختلاف، وتحريره يطول، فانظر له: (التاريخ الكبير ٤/ ١٥١)، و(الأوسط للبخاري ٢/ ٩٠٥، ط. مكتبة الرشد)، و(الكنى لمسلم ٣١٩١)، و(الطبقات لابن سعد ٥/ ٨٨)، و(الكنى لأبي أحمد الحاكم ٢/ ق ٨/ ب)، و(الثقات لابن حبان ٤/ ٣٢٧، ٤/ ٣٠٦) -وقابله بما في (الثقات لابن قطلوبغا ٤٢٣٣) و(الإكمال لمغلطاي ٥/ ١٩٨، ١٩٩) -، و(المؤتلف والمختلف للدارقطني ١/ ٤٧٠)، و(الإكمال لابن ماكولا ٢/ ١٤٩)، و(الاستيعاب
[ ١٢ / ٤٦٢ ]
٢/ ٥٧١)، و(التهذيب ١٠/ ١٨٥)، و(الكاشف ١٧٨٩)، و(المقتنى ٣٧٦٤)، و(التقريب ٢١٩٥)، و(الإصابة ٤/ ١٩٩).
والحديثُ صَحَّحَهُ الألبانيُّ بحديثِ أبي هريرةَ السابق، فقال: "صحيحٌ بما قبله" (صحيح ابن ماجه ٤١٦).
وحديثُ أبي هريرةَ السابق تَبَيَّنَ أن راويه أخطأَ في متنه، والخطأُ لا يقوي غيره لأنه كالعدم.
[تنبيهان]:
الأول: وقعَ اختلافٌ في نسخ (سنن ابن ماجه) في اسم صحابي الحديث: فجاء في بعضِها (السائب) غير منسوب، وجاء في بعضها (السائب بن يزيد)، وهو وهم. والصوابُ أنه من حديث (السائب بن خباب) كما رواه أصحابُ المصادر الأخرى، وقد ذكره المزيُّ في (التهذيب) تحت ترجمة السائب بن خباب، وذكر أنه وقع عند ابن ماجه غير منسوب، ثم قال: "ذكر صاحب الأطراف -يعني ابنَ عساكر- هذا الحديث في مسند السائب بن يزيد، وذلك وهم منه، والله أعلم".
وَتَعَقَّبَهُ الحافظُ ابنُ حَجرٍ فقال: "لم يَهِمْ صاحب الأطراف؛ فإنه وقعَ في نسخٍ صحيحةٍ من ابن ماجه السائب بن يزيد، لكن الصواب: ابن خباب" (تهذيب التهذيب ٣/ ٤٤٧).
وقد صنعَ المزيُّ نفسه ما صنعه صاحب الأطراف؛ حيثُ ذكرَ هذا الحديث في (التحفة) في مسند السائب بن يزيد، ثم نقلَ عن أبي حاتم وغيرِ واحدٍ أنه: السائب بن خباب. (التحفة ٣/ ٢٦٠).
ومالَ الحافظُ مغلطايُ، وابنُ حَجرٍ إلى أن الوهم فيه من ابن ماجه،
[ ١٢ / ٤٦٣ ]
وليس من صاحب الأطراف. انظر (شرح مغلطاي ٢/ ١٣٠)، و(النكت الظراف ٣/ ٢٦١).
ووقع في رواية عند أبي عبيد في (الطهور ٤٠٦): "السائب بن خلاد"، وهو وهم أيضًا.
الثاني: وقع في المطبوع من كتاب (الطهور ٤٠٦) لأبي عبيد: عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الله عن محمد بن عمرو بن عطاء حَدَّثَهُ، قال: رأيتُ السائبَ، قال أحدهما: ابن خباب وقال الآخر: ابن خلاد".
هكذا قال: "محمد بن عمر وابن عطاء"، وهو تحريفٌ، وإنما هو: محمد بن عمرو بن عطاء، هكذا رواه أحمد وابن منده من طريق ابن لهيعة. ويدل على هذا التحريف قوله في السند: "حَدَّثَهُ، قال: فلو كان عن رجلين، لقال: "حَدَّثَاهُ، قالا".
وذكر مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ١٢٩) أن أبا عبيد أخرجه من طريق ابن أبي مريم وأبي الأسود عن ابن لهيعة به.
وهذا الإسنادُ سقطَ من مطبوع (الطهور). ومنه يتضح أن الخلافَ في تسمية الصحابي من الرواة عن ابن لهيعة.
[ ١٢ / ٤٦٤ ]
١٥٤٣ - حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ
◼ عَنْ أَبِي أَيُّوَبَ الأنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّما الوُضُوءُ مِمَّا وَجَدْتَ رِيحَهُ أَو سَمِعْتَ صَوْتَهُ، [وَذَرُوا الشُّبُهَاتِ]».
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ، وعَدَّهُ ابنُ عَدِيٍّ في مناكير راويه، وتبعه ابنُ القيسرانيِّ.
[التخريج]: [عد (٢/ ٣١٦) "واللفظ له"/ فيل ١١٤ "والزيادة له"].
[السند]:
رواه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٢/ ٣١٦) قال: حدثنا زيد بن عبد العزيز بن حيان الموصلي، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أصرم بن حوشب، حدثنا زياد بن سعد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، به.
ورواه ابنُ فِيل في (جزء له): من طريق إبراهيم الجوهري، به (^١).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ فيه أصرم بن حوشب؛ قال عنه يحيى بن معين: " كذابٌ خبيثٌ"، وقال البخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ وجماعةٌ: "متروكٌ"، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان يضعُ الحديثَ على الثقاتِ"، وقال الحاكمُ والنقاشُ: "يروي الموضوعات". انظر (لسان الميزان ١٣٠٥).
_________________
(١) إلا أنه وقع في المطبوع: (عن زياد بن سعيد الزهري) وهو خطأٌ، والصواب: (عن زياد بن سعد عن الزهري).
[ ١٢ / ٤٦٥ ]
وذكره ابنُ عَدِيٍّ في مناكيره مع جملةٍ من حديثِهِ ثم قال: "وأصرم بن حوشب عامة رواياته غير محفوظة، وهو بَيِّنُ الضعفِ" (الكامل ٢/ ١٠١).
وتبعه ابنُ القيسرانيِّ فأعلَّه به فقال: "وأصرم كذَّابٌ" (ذخيرة الحفاظ ٢٠٧٧).
* * *
[ ١٢ / ٤٦٦ ]