٢٥٦٦ - حَدِيثُ عَلِيٍّ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلِمَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ أَنَا وَرَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَّا، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ -أَحْسَبُ-، فَبَعَثَهُمَا عَلِيٌّ ﵁ وَجْهًا، وَقَالَ: «إِنَّكُمَا عِلْجَانِ، فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا»، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ المَخْرَجَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةً، فَتَمَسَّحَ بِهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا القُرْآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ -أَوْ قَالَ: يَحْجِزُهُ- عَنِ القُرْآنِ شَيْءٌ؛ لَيْسَ الجَنَابَةَ».
[الحكم]: مختلَفٌ فيه: قال الشافعيُّ: "أهلُ الحديثِ لا يُثبِتونه" -وأقرَّهُ البَيْهَقيُّ.
وضَعَّفَهُ: أحمدُ -وأقرَّهُ الخَطَّابيُّ-، وابنُ المُنْذِرِ، والمُنْذِريُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ رَجَبٍ، والألبانيُّ.
بينما صَحَّحَهُ: التِّرْمِذيُّ -وتبِعه البَغَويُّ-، وابنُ خُزَيمةَ، وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ، وابنُ السَّكَنِ، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ، والشَّوْكانيُّ، وأحمد شاكر. وجوَّدَهُ: ابنُ المُلَقِّنِ. وحَسَّنَهُ: ابنُ حَجَرٍ.
والراجحُ: أنه ضعيفٌ.
[ ٢١ / ٦٧ ]
[اللغة]:
«المَخْرَج»: -بفتح الميم- هو الخَلَاءُ. (الفائق ٢/ ٧١)، سُمِّيَ به؛ لأنه موضعُ خروجِ البولِ والغائطِ (شرح سنن أبي داود للعَيْنيِّ ١/ ٥٠٩).
«عِلْجَانِ»: العِلْجُ: الرجلُ الشديدُ الغليظُ، وقيل: هو كلُّ ذِي لِحْيةٍ، والجمعُ: أَعْلاج، وعُلُوج. انظر: (لسان العرب ٢/ ٣٢٦).
«فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا»: قال الخَطَّابي: "جاهِدا عن دينكما، ودافِعا عنه" (غريب الحديث ٢/ ١٤٤). وقال الزَّبِيديُّ: "أي: مارِسا العملَ الذي نَدَبتُكما إليه، واعمَلا به" (تاج العروس ١/ ١٤٦١).
[الفوائد]:
لو صحَّ الحديثُ فلا يَعْدو أن يكون النبيُّ ﷺ كان يتركُ قراءةَ القرآنِ حالَ الجنابةِ، والتَّرْكُ لا يلزمُ منه التحريمُ؛ فقد يتركُ النبيُّ ﷺ أُمورًا تنزُّهًا ولا يمنعُ أُمَّتَهُ من فعلِهَا، فقد تركَ ﷺ رَدَّ السلامِ بغيرِ وُضوءٍ، ولم يمنعْ أُمَّتَهُ من ذلكَ. فعلى فرضِ صحةِ هذا الحديثِ، ليس فيه حُجَّةٌ على منعِ الجُنُبِ من قراءةِ القرآنِ. قال ابنُ حَزْمٍ: "ليسَ فيه نهيٌ عن أن يقرأَ الجُنُبُ القرآنَ، وإنما هو فِعلٌ منه ﵇ لا يُلزم، ولا بَيَّنَ ﵇ أنه إنما يمتنعُ من قراءةِ القرآنِ من أجْل الجنابةِ" (المحلَّى ١/ ٧٨)، وانظر: (الأوسط ٢/ ١٠٠).
ولم يثبتْ حديثٌ صحيحٌ صريحٌ في منعِ الجُنُبِ من قراءةِ القرآنِ، ولكن ثبتَ ذلك عن بعضِ الصحابةِ كعُمرَ وعليٍّ ﵄، والأخْذُ به أحوطُ.
[التخريج]:
[د ٢٢٨ (واللفظ له) / ن ٢٦٥/ كن ٣٢٣/ جه ٥٧٨/ حم ٨٤٠، ٦٣٩، ١٠١١/ خز ٢٢٠/ ك ٥٤٩، ٧٢٧٩/ عل ٢٨٧، ٤٠٦ - ٤٠٨/
[ ٢١ / ٦٨ ]
بز ٧٠٨/ طي ١٠٣/ جا ٩٤/ طح (١/ ٨٧) / ضيا (٢/ ٢١٤ - ٢١٧/ ٥٩٦ - ٥٩٩) / هق ٤١٧/ جعفر ١٩٣/ هقع ٧٧٤ - ٧٨٢/ هقخ ٣١١ - ٣١٣، ٣١٥/ شعب ١٩٣٣/ منذ ٦٢٣/ جعد ٥٩/ كما (١٥/ ٥٤) / بغ ٢٧٣/ بغت (٢/ ٢٢٠) / عبد (ص ١٩٢) / كر (٧/ ٤/ ٤٢٥) / مستغفض ٢١٥/ حرب (طهارة ٢٤٦، ٢٤٧) / مج ٢٥٩٥/ مزكي ٥٢/ خطف ٤٧/ سمرقندي (حديث - ق ٣٠٧/ أ) / ضياء (مرو ٦٧٨) / نبغ ٤٩٩].
[التحقيق]: انظرْ تفصيلَ الكلامِ فيه عَقِبَ الروايةِ الرابعةِ.
رِوَايَةٌ مُخْتَصَرَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٍ، بِلَفْظ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُبًا».
[الحكم]: مختلَفٌ فيه، والراجحُ: أنه ضعيفٌ.
[التخريج]:
[حب ٧٩٢، ٧٩٣ (واللفظ له) / عل ٣٤٨، ٥٢٤، ٥٧٩/ طس ٦٦٩٧، ٧٠٣٩/ حمد ٥٧/ قط ٤٢٩/ حمل ٧٧/ فشن ٧١١/ هقخ ٣١٤/ خطج ١٣٦٣/ تحقيق ١٦٢/ ضح (٢/ ٤٨٦/ ٤٧٩) / كر (٧/ ٣) / صلاة ١٣٤، ١٦٦/ فيل ١٢/ خلال (واحد ١٤) / جيه ٩/ جعفر ٨٨/ نقاش (رواية أبي طالب ١٧) / سلفي (٢١/ ٤١) / سمأ (ص ٦٥) / جريه ٩].
[ ٢١ / ٦٩ ]
[التحقيق]: انظرْ تفصيلَ الكلامِ فيه عَقِبَ الروايةِ الرابعةِ.
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقْرِئُنَا القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا».
[الحكم]: مختلَفٌ فيه، والراجحُ: أنه ضعيفٌ.
[التخريج]:
[ت ١٤٧ (واللفظ له) / ن ٢٧١/ كن ٣٢٤/ حم ٦٢٧، ١١٢٣/ عل ٦٢٣/ بز ٧٠٦، ٧٠٧/ طش ١٦٢١/ ش ١٠٨٤، ١٠٨٥، ١١١٣/ طح (١/ ٨٧) / علقط (٣/ ٢٥١) / ضيا (٢/ ٢١٦/ ٦٠٠) / استذ (٢/ ١٠٤)، (٢/ ٤٧٤) / عد (٦/ ٤٧١)، (٤/ ٣٥٧)، (٥/ ٧٠) / عبد (ص ١٩٣) / فقط (أطراف ٤٣١) / حما ١٥١/ سمأ (١/ ٦٥) / طوسي ١٣٠/ خلع ١١٣٩ / نظيف (ص ١٧) / مصيصي (ص ٥٠)].
[التحقيق]: انظرْ تفصيلَ الكلام فيه عَقِبَ الرواية الرابعة.
[ ٢١ / ٧٠ ]
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ وَهُوَ يَأْكُلُ، وَيَقْرَأُ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا».
[الحكم]: مختلَفٌ فيه، والراجحُ: أنه ضعيفٌ.
[التخريج]: [قشيخ ٢٨٦/ سلفي (٢١/ ٤٠)].
[السند]:
قال أبو داود: حدَّثنا حفص بن عمر، ثنا شُعبةُ، عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلِمة، قال: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ أَنَا وَرَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَّا، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وذكر الحديثَ.
ورواه الطَّيالسيُّ، وابنُ الجَعْدِ، عن شُعبةَ، به.
ورواه البَزَّارُ، وأبو يَعْلَى، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجهْ، وابنُ خُزَيمةَ، وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ، وغيرُهم، من طرقٍ، عن شُعبةَ، به.
وتُوبِعَ عليه شُعبةُ:
فرواه التِّرْمِذيُّ، والنَّسائيُّ، من طريقِ الأعمشِ -قرَنه التِّرْمِذيُّ بابنِ أبي ليلى- عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلِمة، عن عليٍّ، به، بلفظ الرواية الثالثة.
ورواه الحُمَيديُّ عن سفيانَ، عن مِسْعَرٍ وابنِ أبي ليلى وشُعبةَ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، به، بلفظ الرواية الثانية.
ومدارُه عندهم على عَمرِو بنِ مُرَّةَ، به.
[ ٢١ / ٧١ ]
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: تَفَرُّدُ عبد اللهِ بنُ سلِمةَ المُرَاديّ شيخ عَمرِو بنِ مُرَّةَ بهذا الحديثِ، ولم يتابَعْ عليه، وهو ممن لا يُحتمَل تفردُّهُ، وإليك بيانَ حالِه:
أولًا: عبدُ الله بنُ سلِمةَ هذا لم يَروِ عنه غيرُ عَمرِو بنِ مُرَّةَ، وقيل: روَى عنه غيرُهُ، ولا يصحُّ ذلك. انظر: (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٤٢).
ثانيًا: أقوالُ النُّقَّادِ فيه: وَثَّقَهُ يعقوبُ بنُ شَيْبةَ، والعِجْليُّ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "أرجو أنه لا بأسَ به" (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٤٢). وقال الحاكمُ: "عبدُ اللهِ بنُ سلِمةَ غيرُ مطعونٍ فيه".
وفي مُقَابلِ كلامِ هؤلاءِ قال عنه تلميذُهُ وراوي حديثِهِ عَمرُو بنُ مُرَّةَ: "كان عبد الله بن سلِمةَ يحدِّثنا، فنَعرِفُ ونُنكِرُ، كان قد كَبِرَ". وقال أبو حاتم: "تعرِفُ وتُنكِرُ". (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٤٢). وقال البخاريُّ: "لا يتابَعُ في حديثِهِ" (التاريخ الكبير ٥/ ٩٩). ونقلَ الخَطَّابيُّ عن أحمدَ "أنه كان يُضَعِّفُ أمْرَ عبدِ اللهِ بنِ سلِمةَ" (معالم السنن ١/ ٧٦). وقال أبو أحمدَ الحاكمُ: "حديثُهُ ليسَ بالقائمِ". وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ١٢)، وقال: "يُخطئُ". وقال الساجيُّ: "كان يَهِمُ" (شرح مُغْلَطاي ٢/ ٣٩١). وقال ابنُ حَجَرٍ: "صدوقٌ، تغيَّرَ حفظُهُ" (التقريب ٣٣٦٤).
فمِثْلُ هذا يُنظَرُ في تحسينِ حديثِهِ، فضلًا عن تصحيحِهِ.
وقال مُغْلَطاي: "ولقائلٍ أن يقولَ: في هذا الكلامِ ردٌّ على الحاكمِ؛ لزعمه ألا طعْنَ فيه، ويجابُ بأن الحاكمَ أرادَ طعنًا موجِبًا لردِّ حديثِهِ، وأمّا الخَرَفُ فذا لا طَعْنَ! " (شرحه على سنن ابن ماجه ٢/ ٣٩١).
[ ٢١ / ٧٢ ]
قلنا: مما هو معلومٌ في مصطلحِ هذا الفنِّ أن اختلاطَ الراوي وتغيُّرَهُ سببٌ في رَدِّ حديثِهِ عندَ جماهيرِ أهلِ العلمِ، ثم إن الحافظَ مُغْلَطاي نفْسَه توقَّفَ عن تصحيحِ الحديثِ؛ لأجلِ هذه العلةِ ذاتِها! ! وانظرْ كلامَه فيما يأتي.
وقد حَدَّثَ به عبدُ اللهِ بنُ سلِمةَ بعدما كَبِرَ وتغيَّرَ؛ قال شُعبةُ: "روَى هذا الحديثَ عبدُ اللهِ بنُ سلِمةَ بعدما كَبِرَ" (الكامل ٤/ ١٧٠).
وأسندَ ابنُ الجارُودِ عن يحيى القَطَّانِ أنه قال: "وكان شُعبةُ يقولُ في هذا الحديثِ: «نعرِفُ ونُنكِرُ»؛ يعني: أن عبدَ اللهِ بنَ سلِمةَ كان كبِر حيثُ أدركه عَمرٌو" (المنتقى ٩٤).
قال الألبانيُّ: "ففي هذا النصِّ إشارةٌ إلى أن ابنَ سلِمةَ كان تغيَّرَ حفْظُهُ في آخرِ عمرِهِ، وأن عَمرَو بنَ مُرَّةَ إنما روَى عنه في هذه الحالةِ، فهذا مما يوهِنُ الحديثَ ويضعِّفُهُ، وقد صرَّحَ بذلك جماعةٌ من الأئمةِ "، ثم ذَكَرَ أقوالَهم، ثم قال: "وما قاله هؤلاء المحققون هو الراجحُ عندنا؛ لتفرُّدِ عبدِ اللهِ بنِ سلِمةَ به، وروايتِهِ إيَّاه في حالةِ تغيُّره" (الإرواء ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
قلنا: بل إن شُعبةَ كان يقولُ عن هذا الحديثِ: "واللهِ، لأُخْرِجنَّهُ من عُنقِي، ولأُلْقِينَّه في أعناقكم" (الضعفاء الكبير للعقيلي ٢/ ٢٦١).
وعليه؛ فالتمسُّكُ بتوثيقِ يعقوبَ بنِ شَيْبةَ والعِجْليِّ لا يُجْدِي ههنا.
ولكنْ صحَّ عن شُعبةَ أنه قالَ: "ليسَ أُحدِّثُ بحديثٍ أجودَ من ذَا! " (العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية عبد الله ١٥٥٦).
ويمكنُ تأويلُ قولِهِ ذلك بأن هذا الحديثَ هو أجودُ ما رواه شُعبةُ في هذا البابِ، ولا يلزمُ من ذلك أن يكونَ صحيحًا، فكم من حديثٍ جيِّدٍ قد رواه
[ ٢١ / ٧٣ ]
شُعبةُ أفضلُ من هذا بكثيرٍ!
ولعلَّه كان لشُعبةَ مع هذا الحديثِ قصةٌ أو رحلةٌ ما، ولذا قال ما قال، ويؤيِّدُ ذلك ما روَى ابنُ خُزَيمةَ بإسنادِهِ عن شُعبةَ أنه قال: "هذا الحديثُ ثُلُثُ رأسِ مالي" (صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٤).
وقد كانوا يستحسنون الأحاديثَ لأُمورٍ أُخَرَ، لا علاقةَ لها بثبوتها من عدمِهِ، وإلَّا فلا يستقيمُ حمْلُ كلامِهِ هذا على ثبوتِ الحديثِ عنده مع ما سبقَ نقلُه عنه، ولذا قال مُغْلَطاي: "ولولا قولُ مَن قالَ: إنَّ عَمْرًا أَخذَ عنه هذا الحديثَ بعد الكِبَر؛ لكان قولُ مَن صَحَّحَ على قولِ المضعِّف أرجحَ" (شرحه سنن ابن ماجه ٢/ ٣٩١).
وهذا كلامٌ سديدٌ. فهذه علةٌ تمنعُ من صحةِ الحديثِ بلا ريب.
العلةُ الثانيةُ: أن الصوابَ في هذا الحديثِ عن عليٍّ ﵁ موقوفًا مِن قولِهِ؛ فقد رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٤٢٥): من طريقِ يزيدَ بنِ هارونَ، نا عامر بن السِّمْط، نا أبو الغَرِيفِ الهَمْدانيُّ، قال: «كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فِي الرَّحْبَةِ، فَخَرَجَ إِلَى أَقْصَى الرَّحْبَةِ، فَوَاللهِ مَا أَدْرِي أَبَوْلًا أَحْدَثَ أَوْ غَائِطًا، ثُمَّ جَاءَ فَدَعَا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ قَبَضَهُمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ صَدْرًا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَلَا، وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا». قال الدَّارَقُطْنيُّ: "هو صحيحٌ عن عليٍّ".
وهكذا رواه عبدُ الرزاقِ (١٣١٧) عن الثَّوْريِّ، وابنُ أبي شَيْبةَ (١٠٩٢) عن شَرِيكٍ، والبَيْهَقيُّ (٤٢١) من طريقِ الحسنِ بنِ حَيٍّ.
ثلاثتُهم عن عامرِ بنِ السِّمْطِ (^١)، عن أبي الغَرِيفِ، عن عليٍّ، موقوفًا.
_________________
(١) وقع في مصنف عبد الرزاق: (عامر الشَّعْبي)، وهو محض وهَمٍ؛ فالحديثُ لعامر بن السِّمْط، والثَّوْري لا يَروي عن الشَّعْبي، وقد أشارَ محقِّقُ طبعة المكتب الإسلامي: إلى احتمال كون هذا الوهَمِ من أوهام الدَّبَري.
[ ٢١ / ٧٤ ]
وأبو الغَرِيفِ هذا قال فيه الحافظُ: "صدوقٌ، رُمِي بالتشيُّع" (التقريب ٤٢٨٦) (^١).
قال الألبانيُّ: "فقد عادَ الحديثُ إلى أنه موقوفٌ على عليٍّ من هذه الطريقِ، فإن صحَّتْ؛ فهي دليلٌ آخَرُ على وهَمِ عبدِ اللهِ بنِ سلِمةَ في الحديثِ؛ حيثُ رفعه وهو موقوفٌ" (ضعيف أبي داود ١/ ٨٥).
قلنا: قد صحَّتْ هذه الطريقُ، ونصَّ على صحتها الدَّارَقُطْنيُّ كما سبقَ، ويَعْضُدُهُ متابعةُ الحارثِ الأعورِ -وهو ضعيفٌ-؛ حيث رواه عن عليٍّ موقوفًا كذلك. أخرجه ابنُ أبي شَيْبةَ (١١١٩) وغيرُهُ.
هذا، وقد جنَحَ مُغْلَطايُ إلى قولِ مَن صَحَّحَ الحديثَ مرفوعًا، مستدلًّا له بهذه الروايةِ الموقوفةِ، فقال: "فهذا مما يؤكِّدُ قولَ مَن صَحَّحَ الحديثَ، ويدلُّ أن له أصلًا عن عليٍّ".
قلنا: لا شَكَّ أن للحديثِ أصلًا عن عليٍّ ﵁، ولكن هذا الأصل موقوفٌ عليه، وهذا يُعتبَرُ علةً للمرفوعِ، وليس شاهدًا له؛ لأن القصةَ واحدةٌ، وهذا ما تقتضيه القواعدُ الحديثيةُ: أن القصةَ إذا كانتْ واحدةً، ورُويتْ مرفوعةً وموقوفةً؛ فلا تَعْضُد إحداهما الأُخرى، بل يؤخَذُ بالأصحِّ. ومَن تأمَّلَ الروايةَ المطوَّلةَ عند أبي داود، وقابلها بهذه الروايةِ الموقوفةِ؛ تبيَّنَ له أنها قصةٌ واحدةٌ، وهِمَ فيها عبدُ اللهِ بنُ سلِمةَ بسبب تغيُّرِهِ، فأخطأَ ورفعَ
_________________
(١) وقد تقدَّمتْ ترجمتُه بتوسُّع أثناءَ الكلام على حديث صفوانَ بن عَسَّال في باب: "مدة المسح على الخُفَّين".
[ ٢١ / ٧٥ ]
الحديثَ، وحَفِظَهُ أبو الغَرِيف فوقَفَهُ. وهذا ما ذهبَ إليه الألبانيُّ، وهو الموافقُ للقواعدِ، والله أعلم.
وقد اختلفتْ أحكامُ العلماءِ على هذا الحديثِ؛ فمنهم مَن صَحَّحَهُ، ومنهم مَن ضَعَّفَهُ.
فأمَّا مَن صَحَّحَهُ، فمنهم:
١ - التِّرْمِذيُّ؛ قال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
٢ - الحاكمُ؛ قال في (المستدرك): "هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ، والشيخان لم يحتجَّا بعبدِ اللهِ بنِ سلِمةَ، فمدارُ الحديثِ عليه، وعبدُ اللهِ بنُ سلِمةَ غيرُ مطعونٍ فيه".
٣ - ابنُ خُزَيمةَ وابنُ حِبَّانَ؛ حيثُ أخرجاه في (صحيحيهما).
٤ - ابنُ السَّكَنِ؛ حيثُ ذكره في (سننه الصِّحاح المأثورة). انظر (البدر المنير ٢/ ٥٥٤).
٥ - عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ، في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٤).
٦ - البَغَويُّ، قال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ" (شرح السُّنَّةِ ٢/ ٤٢).
٧ - ابنُ المُلَقِّنِ؛ حيث قال: "هذا الحديثُ جيِّدٌ" (البدر المنير ٢/ ٥٥١)، ثم أفصحَ فقال: "لا قدْحَ في إسنادِهِ إلا من جهةِ عبدِ اللهِ بنِ سلِمةَ؛ فإن ما عداه من رجالِ إسنادِهِ متفقٌ على الاحتجاجِ به"، ثم نقلَ أقوالَ العلماءِ في عبدِ اللهِ، ومما قاله: "وذكره ابنُ حِبَّانَ في (ثقاته)، وأخرجَ له مسلمٌ، فهو على شرطِهِم، وقول مَن قال فيه: «يعرف وينكر» ليس فيه كبيرُ جرْحٍ" (البدر المنير ٢/ ٥٥٧).
[ ٢١ / ٧٦ ]
وفي كلامه مؤاخذاتٌ من وجوهٍ:
أولًا: قولُهُ: "وأخرجَ له مسلمٌ، فهو على شرطهم"، محضُ وهَمٍ؛ فلم يخرِّجْ له مسلمٌ شيئًا، وراجع ترجمتَه في (تهذيب الكمال ٣٣١٣).
ثانيًا: قولُه: "وذكره ابنُ حِبَّانَ في ثقاته"، يوهِم أن ابنَ حِبَّانَ سكتَ عنه، مع أنه قال فيه: "يخطئُ" كما ذكرناه.
ثالثًا: قولُه: "وقول مَن قال فيه: «يُعرَفُ ويُنكَرُ» ليس فيه كبيرُ جرْحٍ"؛ فإن هذه الكلمةَ قِيلت دلالةً على تغيُّرِهِ، وأنه ينفردُ بأشياءَ، فما تُوبِع عليه فهو المعروفُ، وما تفرَّدَ به فمما يُنكَرُ عليه، وهذا الحديثُ مما تفرَّدَ به؛ ولذا قال شُعبةُ هذه الكلمةَ في هذا الحديثِ خاصَّةً.
ثم إنه تقدَّمَ أن أحمدَ كان يضعِّفُ أمرَهُ، وأن أبا أحمدَ الحاكمَ قال عنه: "حديثُهُ ليس بالقائمِ".
رابعًا: اعتمادُهُ على كلمةِ الحاكمِ وتوثيقِ ابنِ حِبَّانَ، وهما من المتساهلين في هذا البابِ، كما هو معروفٌ، والله أعلم.
هذا، وممن صَحَّحَهُ أيضًا:
٨ - ابنُ حَجَرٍ؛ حيثُ قالَ: "والحقُّ أنه من قَبِيلِ الحسنِ، يصلُحُ للحُجَّةِ، لكن قِيلَ: في الاستدلالِ به نظرٌ؛ لأنه فعْلٌ مجرَّدٌ؛ فلا يدلُّ على تحريمِ ما عداه" (فتح الباري ١/ ٤٠٨).
٩ - الشَّوْكانيُّ؛ حيثُ قالَ: "صَحَّحَه جماعةٌ منَ الحُفَّاظِ، ولم يأتِ مَن تكلَّم عليه بشيءٍ يصلُحُ لأدنى قدْحٍ! " (السيل الجرار ١/ ١٠٧).
١٠ - أحمد شاكر، صحَّحه في تحقيقه لـ (جامعِ التِّرْمِذيِّ ١/ ٢٧٤).
[ ٢١ / ٧٧ ]
وأمَّا مَن طعَنَ في الحديثِ، أو ردَّهُ، فمنهم:
١ - الشافعيُّ؛ فقد توقَّفَ في ثبوتِهِ، حيثُ قال: "إن كان هذا الحديثُ ثابتًا؛ ففيه دلالةٌ على أن قراءةَ القرآنِ تجوزُ لغيرِ الطاهرِ ما لم يكنْ جُنُبًا".
وقد نسبَ الشافعيُّ عدمَ ثبوته لأهلِ الحديثِ، فقال: "وأُحِبُّ للجُنُبِ والحائضِ أن يَدَعا القرآنَ حتى يَطهُرا؛ احتياطًا لما رُوِي فيه، وإن لم يكن أهلُ الحديثِ يُثْبِتونه" (معرفة السنن والآثار ١/ ١٨٨).
قال البَيْهَقيُّ: "وإنما توقَّفَ الشافعيُّ ﵀ في ثبوتِ الحديثِ؛ لأن مدارَهُ على عبد الله بن سلِمةَ الكوفيِّ، وكان قد كَبِرَ وأُنكِرَ من حديثه وعقلِهِ بعضُ النّكْرةِ، وإنما روَى هذا الحديثَ بعدما كَبِر، قاله شُعبةُ" (معرفة السنن والآثار ١/ ١٨٩).
٢ - أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ؛ قال الخَطَّابيُّ: "وكان أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ يُرخِّصُ للجُنُبِ أن يقرأَ الآيةَ ونحوَها، وكان يوهِّنُ حديثَ عليٍّ هذا، ويُضعِّف أمْرَ عبد الله بن سلِمةَ" (معالم السنن ١/ ٧٦).
٣ - البَزَّارُ؛ فقد نصَّ على تفرُّدِ عبد الله بن سلِمةَ به، ثم أشارَ إلى تغيُّره، فقال: "هذا الحديثُ لا نعلمه يُروَى بهذا اللفظِ إلا عن عليٍّ، ولا يُروَى عن عليٍّ إلا من حديثِ عَمرو بن مُرَّةَ عن عبد الله بن سلِمةَ عن عليٍّ، وكان عَمرو بن مُرَّةَ يحدِّثُ عن عبد الله بن سلِمةَ فيقول: يُعرَفُ في حديثِهِ ويُنكَر".
٤ - ابنُ المُنْذِرِ؛ حيثُ قالَ: "وحديثُ عليٍّ لا يثبُتُ إسنادُهُ؛ لأن عبدَ اللهِ بنَ سلِمةَ تفرَّدَ به، وقد تكلَّم فيه عَمرُو بن مُرَّةَ فإذا كان هو الناقل لخبره فجَرَحه؛ بَطَلَ الاحتجاجُ به" (الأوسط ٢/ ٢٢٣).
٥ - الخَطَّابيُّ؛ فقد نقلَ كلامَ الإمامِ أحمدَ وأقرَّه.
[ ٢١ / ٧٨ ]
٦ - البَيْهَقيُّ؛ حيثُ أقرَّ الشافعيَّ على توقُّفِهِ في ثبوتِهِ، بل بيَّنَ عِلَّتَه في ذلك، كما تقدَّم قريبًا.
٧ - المُنْذِريُّ؛ حيثُ مالَ إلى تضعيفه في (مختصر سنن أبي داود ١/ ١٥٦).
٨ - النَّوَويُّ؛ حيثُ نقلَ تصحيحَ التِّرْمِذيِّ، ثم تَعقَّبه بقولِهِ: "وقال غيرُهُ من الحُفَّاظِ المحقِّقين: هو حديثٌ ضعيفٌ" (المجموع ٢/ ١٨٠).
وقال في (خلاصته): "وخالفه الأكثرون، فضعَّفوه" (خلاصة الأحكام ٥٢٥).
٩ - ابنُ رجبٍ؛ حيثُ قالَ -بعد أنْ ذكره-: "تكلَّمَ فيه الشافعيُّ وغيرُهُ؛ فإن عبد الله بن سلِمةَ هذا رواه بعدما كَبِر "، وذكرَ كلامَ العلماءِ فيه، ثم قال: "والاعتمادُ في المنعِ على ما رُوِي عن الصحابةِ" (الفتح لابن رجب ١/ ٤٣٠).
١٠ - الألبانيُّ؛ وقد ضَعَّفَهُ في غيرِ مصدرٍ من كتبه، سبقَ منها (الإرواءُ)، وقال في (تمام المِنَّة): "التِّرْمِذيُّ معروفٌ عند العلماءِ بتساهلِهِ في التصحيحِ، حتى قال الذَّهَبيُّ في ترجمة كَثِير بن عبد الله بن عَمرو بن عَوْف من (الميزان): "ولهذا لا يَعتمدُ العلماءُ على تصحيحه"، وكذلك ابنُ السَّكَنِ ليس تصحيحُه مما إليه يُركَنُ، ولذلك لا بدَّ من النظرِ في سندِ الحديثِ إذا صحَّحه أحدُ هذين أو مَن كان مثلَهما في التساهلِ، كـ: ابنِ خُزَيمةَ، وابنِ حِبَّانَ؛ حتى يكونَ المسلمُ على بصيرةٍ من صحةِ حديثِ نبيِّه ﷺ، وقد وجدْنا في الأئمةِ مَن ضعَّفَ الحديثَ ممن هُمْ أعلى كعبًا في هذا العلمِ وأكثرُ عددًا من التِّرْمِذيِّ وابنِ السَّكَنِ فهذا الإمامُ الشافعيُّ، وأحمدُ، والبَيْهَقيُّ، والخَطَّابيُّ، قد ضَعَّفوا الحديثَ، فقولُهم مقدَّمٌ؛ لوجوهٍ:
الوجه الأول: أنهم أعلمُ وأكثرُ.
[ ٢١ / ٧٩ ]
الوجه الثاني: أنهم قد بيَّنوا علَّةَ الحديثِ، وهي: كوْنُ راويه قد تغيَّرَ عقلُهُ وحدَّثَ به في حالة التغيُّرِ، فهذا جرْحٌ مفسَّرٌ، لا يجوزُ أن يُصرَفَ عنه النظر.
الوجه الثالث: أنه قد عارضه حديثُ عائشةَ ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» " (تمام المِنَّة ١٠٨، ١٠٩).
وقال أيضًا: "والحقُّ مع الذين ضعَّفوه؛ فإنهم أعلمُ من هؤلاءِ بعللِ الحديثِ ورجالِهِ، وأيضًا فقد بيَّنوا له علةً قادحةً، لم يتعرَّضْ لإزالتها أوِ الجوابِ عنها هؤلاء" (ضعيف أبي داود ١/ ٨٢).
قلنا: قد أجابَ عنها الشيخُ أحمد شاكر بأن عبدَ اللهِ بنَ سلِمةَ قد تُوبِع على معنى حديثِهِ هذا، كما في حديثِ أبي الغَرِيفِ عن عليٍّ عند أحمدَ بنحوه، وقد رَدَّ الألبانيُّ هذا الجوابَ أيضًا؛ لأن الصوابَ أنهما حديثٌ واحدٌ وقَفه بعضُهم وهو الأصحُّ، ورفعه بعضُهم وهو خطأ، كما تقدَّمَ، وسيأتي الكلامُ عليه مفصَّلًا، مع بيانِ أنه لا يصلُحُ لتقويةِ هذا الحديثِ، بل هو في الحقيقةِ عِلَّةٌ له كما سبقَ.
* وينبغي التنبيهُ هنا على أن بعضَ الضعفاءِ قد أخطأَ في سندِ هذا الحديثِ، مما يُظَنُّ معه أن عبد الله بن سلِمةَ قد تُوبِع، وليس كذلك، وإليك البيانَ:
قال ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٥/ ٧٠): ثنا القاسم بن يحيى بن نصر، ثنا أبو عبد الرحمن الأَذْرَمي، ثنا زيادٌ البَكَّائي، عن الأعمش، عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن أبي البَخْتَري، عن عليٍّ، فذكره.
وهذا سندٌ رجالُهُ ثقاتٌ، عدا زيادًا البَكَّائي؛ فضَعَّفه ابنُ المَدِيني والنَّسائيُّ وغيرُهما، ومشَّاهُ ابنُ مَعِينٍ وغيرُهُ في السيرةِ خاصَّةً، ولذا قال الحافظُ: "صدوقٌ ثبْتٌ في المغازي، وفي حديثه عن غيرِ ابنِ إسحاقَ لِينٌ" (التقريب
[ ٢١ / ٨٠ ]
٢٠٨٥).
قلنا: وهذا منها؛ فقد أخطأَ زيادٌ في هذا الحديثِ على الأعمشِ؛ قال ابنُ عَدِي: "ولا أعلمُ رواه عن الأعمشِ عن عَمرو بن مُرَّةَ، فقال: «عن أبي البَخْتَري عن عليٍّ» غيرُ زياد. وهذا رواه الأعمش، ورواه عنه أصحابُهُ، عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلِمةَ، عن عليٍّ، وهو الصواب" (الكامل ٥/ ٧٠ - ٧١).
قلنا: لم ينفردْ زيادٌ البَكَّائيُّ بهذا الوهَم؛ فقد رواه أبو جعفرٍ الرازيُّ، وجُنَادةُ بنُ سَلْم، ومحمدُ بنُ فُضَيل، ثلاثتُهم عن الأعمشِ، عن عَمرو بنِ مُرَّةَ، عن أبي البَخْتَري، عن عليٍّ، به.
إلَّا أن ابنَ فُضَيلٍ وقَفه، والآخران رفَعاه. قاله الدَّارَقُطْنيُّ في (العلل ١/ ٤٠٥).
وأخرجه في (الأفراد) -كما في (الأطراف ٤٣١) - من طريقِ أبي البَخْتَري، ثم قال: "غريبٌ من حديثِ عَمرو بن مُرَّةَ عنه -أي: عن أبي البَخْتَري-، لم يَروه عنه غيرُ جُنَادةَ بنِ سَلْم، عن الأعمشِ. ورُوي عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، واختُلِفَ عنه".
قلنا: وجُنادَةُ بنُ سَلْمٍ: ضعَّفهُ أبو زُرْعة وأبو حاتم.
وأبو جعفرٍ الرازيُّ: سيئُ الحفظِ كما سيأتي، وأما ابنُ فُضَيل فثقةٌ.
والصوابُ عن الأعمشِ: ما رواه الثقاتُ من أصحابِهِ، منهم: عيسى بنُ يونس كما عند النَّسائي (٢٦٦)، وحفصُ بنُ غِيَاثٍ وعقبةُ بنُ خالدٍ كما عند التِّرْمِذي (١٤٦)، وحَجْوةُ بنُ مُدْرِكٍ كما عند الطَّبَرانيِّ في (مسند الشاميين ١٦٢١)، وغيرُهم، رَوَوْه عن الأعمشِ، عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن
[ ٢١ / ٨١ ]
سلِمةَ، عن عليٍّ، به.
وهكذا رواه شُعبةُ، ومِسْعَرُ بنُ كِدَامٍ، وابنُ أبي ليلى، ثلاثتُهم: عن عَمرو بنِ مُرَّةَ، عن عبد الله بنِ سلِمةَ، به، كما سبق.
وممن رواه عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ أيضًا على الصوابِ:
رَقَبَةُ بنُ مَصْقَلةَ كما في (الجزء الثاني من فوائد ابن بشران)، والسندُ إليه فيه ضعْفٌ.
والعلاءُ بنُ المُسَيِّب، كما عند الطبراني في (الأوسط ٧٠٣٩)، والسندُ إليه فيه ضعْفٌ.
وأَبانُ بن تَغْلِبَ، كما في (مُوضِح الأوهام ٢/ ٤٨٦)، والسندُ إليه هالكٌ.
ووقعَ فيه اختلافٌ آخَرُ:
فرواه أبو الأَحْوَص، عن الأعمشِ، عن عَمرو بنِ مُرَّةَ، عن عَلِيٍّ، موقوفًا مرسَلًا.
أسقط منه عبد الله بن سلِمةَ، ووقَفه على عليٍّ ﵁. ذكره الدَّارَقُطْني في (العلل ١/ ٤٠٥).
ورواه يحيى بن عيسى الرَّمْلي، عن ابنِ أبي ليلى، عن سلَمةَ بن كُهَيل، عن عبد الله بن سلِمةَ، به.
ذكره الدَّارَقُطْنيُّ، وقال: "ووهِمَ فيه، والصوابُ عن عَمرو بن مُرَّةَ" (العلل ٣/ ٢٥٠).
قلنا: والرَّمْليُّ ليَّنَه النَّسائيُّ وغيرُه، وقد خالفه جماعةٌ منَ الثقاتِ، فيهم: وَكِيع، وحفص، وأبو مُعاوية، وغيرُهم، رَوَوْه عن ابن أبي ليلى على الجادةِ
[ ٢١ / ٨٢ ]
(عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلِمةَ، عن عليٍّ).
قال الدَّارَقُطْنيُّ: "والقولُ قولُ مَن قال: عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلِمةَ، عن عليٍّ" (العلل ١/ ٤٠٥).
فهذا هو مدارُ الحديثِ في الحقيقةِ، وكلُّ ما عداه فوَهَمٌ لا أساسَ له من الصحةِ؛ ولذا جزمَ البَزَّارُ بتفرُّد عَمرِو بن مُرَّةَ به عن عبد الله بن سلِمةَ المُرَاديِّ كما سبقَ، والله وليُّ التوفيق.
رِوَايَة: اقْرَأِ القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: «اقْرَأِ القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ تَكُنْ جُنُبًا».
[الحكم]: باطلٌ بهذا اللفظِ. وضَعَّفَهُ: ابنُ صَخْرٍ، وابنُ القَطَّانِ. وضَعَّفَهُ الألبانيُّ جدًّا.
[التخريج]: [عد ٤/ ٣٥٧) / فوائد أبي الحسن ابن صخر (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٤)].
[التحقيق]:
هذا اللفظُ رُوي من طريقين:
الطريق الأول:
قال ابنُ عَدِيٍّ: ثنا محمد بن عبد الرحمن الدَّغُولي، ثنا خارِجَة بن مُصْعَب، ثنا مُغِيث بن بُدَيْل، ثنا أبو الحَجَّاج -يعني: خارِجةَ بنَ مُصْعَبٍ-
[ ٢١ / ٨٣ ]
عن الأعمش، عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن أبي البَخْتَري الطائي، عن عليٍّ، أنه قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.
وينبغي التنبيهُ على الفرقِ بينَ خارِجةَ بنِ مُصْعَبٍ الذي يروي عن مُغِيث بنِ بُدَيلٍ وخارِجةَ بنِ مُصْعَبٍ الذي يَروي عن الأعمشِ؛ لئلا يتوهَّم القارئ أنهما واحدٌ فيَحدُثَ اللَّبْسُ وخارِجةُ بنُ مُصْعَبٍ الثاني هو جدُّ الأولِ.
وهذا إسنادٌ تالفٌ؛ رجالُهُ موثَّقونَ، عدا خارجةَ بنَ مُصْعَب أبا الحَجَّاج الخُراسانيَّ السَّرَخْسي؛ قال فيه الحافظُ: "متروكٌ، وكان يدلِّسُ عن الكذَّابين، ويقالُ: إنَ ابنَ مَعِينٍ كذَّبه" (التقريب ١٦١٢).
ولذا قال الألبانيُّ: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا" (الضعيفة ٢٨٦٣).
وقد أخطأَ خارِجةُ هذا في سندِ الحديثِ ومتْنِه؛ فأمَّا في سندِهِ ففي قوله: "عن أبي البَخْتَري"، والصوابُ: عن عبد الله بن سلِمةَ؛ قال ابنُ عَدِي: "كذا قيل: عن عَمرٍو عن أبي البَخْتَري، وإنما هو: عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلِمةَ، عن عليٍّ" (الكامل ٣/ ٥٦).
وأمَّا في متْنِه ففي قولِهِ: "اقْرَأ " إلخ، فقد جعله من قولِ النبيِّ ﷺ لعليٍّ ﵁، والمعروفُ في متْنِه أنه حكايةٌ عن فعْلِ النبيِّ ﷺ، كما سبقَ عند أصحابِ السننِ وغيرِهِم، وبينهما فارقٌ كبيرٌ.
الطريق الثاني:
رواه ابنُ صَخْرٍ في (فوائده) من طريقِ يحيى بنِ أبي بُكَيْر، عن أبي جعفر الرازيِّ، عن الأعمش، عن عَمرٍو، عن أبي البَخْتَري، عن عليٍّ، به.
هكذا نقله الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٤)، وقد أسقطَ من سندِهِ الوسائطَ ما بين ابنِ صخْرٍ إلى يحيى بنِ أبي بُكَير، ويبدو أن في هذه
[ ٢١ / ٨٤ ]
الوسائط راويًا شديدَ الضعفِ؛ لأن الألبانيَّ عندما علَّقَ عليه في (الجامع الصغير ٢٩٩٠) للسُّيوطي -الذي عزاه لابنِ صخْرٍ- حَكَمَ عليه بأنه ضعيفٌ جدًّا. (ضعيف الجامع ١٠٦٥).
وهذا يقتضي أن في سندِهِ علةً شديدةً، ويُؤكِّدُ ذلك قولُ ابن القَطَّانِ -متعقِّبًا على الإشبيليِّ-: "وذَكرَ مِن فوائدِ ابنِ صَخْرٍ: «اقْرَأِ القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا وَأَنْتَ جُنُبٌ»، واقتطع الإسنادَ من يحيى بنِ أبي بُكَير (^١)، وترك دونَه مَن لا يُعرَفُ" (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٦٦٨).
أما ما أبرزه الإشبيليُّ من السندِ ففيه أبو جعفرٍ الرازيُّ، وهو صدوقٌ سيِّئُ الحفظِ، كما في (التقريب ٨٠١٩)، وقد سبقَ قولُ الدَّارَقُطْنيِّ أنه اختُلِفَ فيه على أبي جعفرٍ، وأن قولَهُ: (عن أبي البَخْتَري) وَهَمٌ. والصوابُ: أنه من رواية عبد الله بنِ سلِمةَ، عن عليٍّ ﵁؛ ولذا قال ابنُ صَخْرٍ -عَقِبَ تخريجِهِ-: "هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا إن كان محفوظًا، لم يَروِه غيرُ يحيى عن أبي جعفر، والمشهورُ عن الأعمشِ وغيرِهِ عن عَمرٍو عن ابنِ سلِمةَ" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٤)، و(شرح مُغْلَطاي على سنن ابن ماجه ٢/ ٣٨٩).
قلنا: وهذا المشهورُ إنما جاءَ بغيرِ هذا اللفظِ كما سبقَ بيانُهُ.
_________________
(١) في الأصل: (كثير)، وهو تحريفٌ، والصوابُ ما أثبتْناه.
[ ٢١ / ٨٥ ]
٢٥٦٧ - حَدِيثُ أَبِي الغَرِيفِ، عَنْ عَلِيٍّ:
◼ عَنْ أَبِي الغَرِيفِ، قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِوَضُوءٍ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ». ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ، فَأَمَّا الجُنُبُ فَلَا [وَاللهِ]، وَلَا آيَةً».
[الحكم]: المرفوعُ منه في (صفة الوضوء) صحيحٌ لغيرِهِ، وأما قولُهُ: (ثُمَّ قَرَأَ ). إلخ، فموقوفٌ، وإسنادُهُ حسَنٌ.
[التخريج]:
[حم ٨٧٢ (واللفظ له) / عل ٣٦٥ (والزيادة له) / تخ (٧/ ٦٠) (مختصرًا) / عس (تهذيب التهذيب ١٤/ ٢٦) / كما (١٤/ ٢٦) / ضيا (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥/ ٦٢١، ٦٢٢) / مناقب ٧٦].
[السند]:
رواه أحمدُ -ومن طريقه الضِّياءُ (٦٢٢)، والمِزِّيُّ، وابنُ الجَزَري- قال: حدثنا عائِذُ بنُ حَبيبٍ، حدثني عامر بن السِّمْط، عن أبي الغَرِيف، به.
ومداره عندهم على عائِذٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ حَسَنٌ؛ عائذُ بنُ حَبيبٍ وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ. وقال غيرُهُ: صدوقٌ. وقال الحافظ: "صدوقٌ، رُمِي بالتشيُّعِ" (التقريب ٣١١٧).
وعامرُ بنُ السِّمْطِ "ثقةٌ" (التقريب ٣٠٩١).
[ ٢١ / ٨٦ ]
وأبو الغَرِيفِ اسمُهُ: عُبَيدُ اللهِ بنُ خليفةَ، وتقدَّمَ بيانُ حاله، وأنه صدوقٌ، حسَنُ الحديثِ إن شاء الله.
ولذا قال الهَيْثَميُّ: "ورجالُهُ موثَّقون" (المجمع ١٥٠٩).
[تنبيه]:
قولُهُ في الحديثِ: «ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ ». إلخ، الضميرُ فيه يرجعُ إلى عليٍّ ﵁، وليس إلى النبيِّ ﷺ، فليستْ هذه العبارةُ معطوفةً على قوله: « تَوَضَّأَ»، بل هو كلامٌ مستأنَفٌ؛ فقد رواه يزيدُ بنُ هارونَ، والثَّوْريُّ، وشَرِيكٌ، والحسنُ بنُ حَيٍّ، أربعتُهم: عن عامرِ بنِ السِّمْطِ، به موقوفًا على عليٍّ ﵁، كما سبقَ ذِكرُه تحتَ الحديثِ السابق.
فروايةُ هؤلاءِ بيَّنتْ أن قولَهُ هنا: «ثُمَّ قَرَأَ » إلخ، موقوفٌ، فالمرفوعُ في هذا الحديثِ هو صفةُ الوضوءِ فقط، وهذا واضحٌ لمَن تأمَّلَ.
وقد تُوبِع أبو الغَرِيفِ على فقرتَيِ الحديثِ -المرفوعةِ والموقوفةِ- من طريقين مختلفَيْن، اقتصر كلُّ طريقٍ على فقرةٍ منهما:
فرواه التِّرْمِذيُّ (٤٨)، والنَّسائيُّ (١١٥) من طريقِ أبي حَيَّةَ الوادِعيِّ، قال: "رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ".
ورواه ابنُ أبي شَيْبةَ في (المصنَّف ١١١٩)، من طريقِ الحارثِ، عن عليٍّ، قال: «اقْرَأِ القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ تَكُنْ جُنُبًا».
إذن، فقولُ عليٍّ ﵁: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ» جملةٌ معترِضة بين وُضوءِ عليٍّ ﵁ وبين قراءته للقرآنِ وقولِهِ: «هَذَا لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ».
[ ٢١ / ٨٧ ]
وعلى هذا؛ فروايةُ عائِذِ بنِ حَبيبٍ موافقةٌ لروايةِ الثقاتِ: يزيدَ والثَّوْريِّ وغيرِهما؛ فالقولُ بأن عائذًا رفع الحديثَ كلَّه -مخالفًا الثقات في وقْفِه- ليس عليه دليلٌ.
ولم يتنبَّه لذلك أحمدُ شاكر، فذهبَ في (تحقيقه لجامع التِّرْمِذي ١/ ٢٧٤) إلى صحةِ حديثِ عبد الله بن سلِمةَ المُرَاديِّ السابق، مُستشهدًا له بهذا الحديثِ، على اعتبار أن صاحبَ الضميرِ في قولِهِ: «ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ » إلخ، هو النبيُّ ﷺ، فتكونُ هذه العبارةُ مرفوعةً، معطوفةً على قوله: « تَوَضَّأَ». وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأن الثقات رَوَوْا هذا الحديثَ عن عامر بن السِّمْط، وبيَّنوا أن هذه العبارةَ موقوفةٌ على عليٍّ ﵁.
وقد أشارَ إلى ذلك الألبانيُّ في رَدِّهِ على الشيخِ أحمد شاكر، حيثُ قال: "لو صحَّ فليس صريحًا في الرفعِ؛ أعني: موضعَ الشاهدِ منه، وهو قولُهُ: «ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» " (الإرواء ٢/ ٢٣٤).
وقال أيضًا عن روايةِ عائِذٍ: " غيرُهُ رواه موقوفًا، وإن كان هو نفْسُهُ لم يصرِّحْ برفعِ القطعةِ الأخيرةِ منه التي هي موضعُ الشاهدِ" (ضعيف أبي داود ١/ ٨٤).
ثم ذَكَرَ في (الإرواء) روايةَ يزيدَ ومَن تابعه معلِّلًا بها روايةَ عائِذٍ هذه -على اعتبارِ كوْنِها مرفوعةً-، ثم قال: "فتبيَّنَ من هذا التحقيقِ أن الراجحَ في حديثِ هذا المتابِع أنه موقوفٌ على عليٍّ، فلو صحَّ عنه لم يصلُحْ شاهدًا للمرفرعِ، بل لو قيلَ: إنه علةٌ في المرفوعِ وأنه دليلٌ على أن الذي رفعه -وهو عبدُ اللهِ بنُ سلِمةَ- أخطأَ في رفعه لم يَبعُدْ عن الصوابِ" (الإرواء ٢/ ٢٣٤).
[ ٢١ / ٨٨ ]
رِوَايَة: «اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: «كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فِي الرَّحْبَةِ، فَخَرَجَ إِلَى أَقْصَى الرَّحْبَةِ، فَوَاللهِ، مَا أَدْرِي أَبَوْلًا أَحْدَثَ أَوْ غَائِطًا، ثُمَّ جَاءَ، فَدَعَا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ قَبَضَهُمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ صَدْرًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَلَا، وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا».
[الحكم]: موقوفٌ، إسنادُهُ حسنٌ. وصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنيُّ.
[التخريج]:
[عب ١٣١٧/ ش ١٠٩٢، ١٠٩٧/ قط ٤٢٥ (واللفظ له) / هق ٤٢١/ هقغ ١٠٤١/ هقخ ٣٢٨/ منذ ٦١٦، ٦١٧/ خلال (واحد ٢٤)].
[السند]:
رواه عبدُ الرزاقِ عن الثَّوْريِّ، ورواه ابنُ أبي شَيْبةَ عن شَرِيكٍ، ورواه الدَّارَقُطْنيُّ من طريقِ يزيدَ بنِ هارونَ، ورواه البَيْهَقيُّ (٤٢١) من طريقِ الحسَنِ بنِ حَيٍّ، ورواه أيضًا (٤٢٣) من طريقِ خالدِ بنِ عبدِ اللهِ الواسِطيِّ.
خمستُهُم: عن عامر بن السِّمْط (^١)، قال: سمِعتُ أبا الغَرِيفِ الهَمْدانيَّ يقول: فذكره موقوفًا.
[التحقيق]:
إسنادُهُ حسَنٌ، وتقدَّمَ الكلامُ على رواتِهِ قريبًا.
وقال الدَّارَقُطْنيُّ: "هو صحيحٌ عن عليٍّ".
_________________
(١) وقع في مصنَّف عبد الرزاق: (عامر الشَّعْبي)، وهو محْضُ وهَمٍ، وقد سبقَ التنبيهُ عليه.
[ ٢١ / ٨٩ ]
٢٥٦٨ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: «لَا تَقْرَإِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ».
[الحكم]: منكَرٌ. وقال أحمدُ: "باطلٌ". وَضَعَّفَهُ: البخاريُّ، والتِّرْمِذيُّ، وأبو حاتم، وابنُ القيِّمِ، والذَّهَبيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[ت ١٣٢ (واللفظ له) / جه (٥٩٥، ٥٩٦ طبعة دار إحياء الكتب العربية) (^١) / علت ٧٥/ بز ٥٩٢٥/ طح (١/ ٨٨) / عق (١/ ٢٤٨) / قط ٤١٩ - ٤٢٤/ هق ١٤٩٤/ هقغ ١٠٤٤/ هقع ٧٨٦/ هقخ ٣١٧ - ٣٢٠/ شعب ١٩٣٤/ علحم ٥٦٧٥/ علحا ١١٦/ شيو ٤٩٢/ عرفة ٦٠/ آجر ٧٧/ شجاعة (ص ١٧٧) / مر ١٠/ خط (٢/ ٥٢٣) / معقر ٩٨/ بنس ٦٨/ تحقيق ١٦١/ عد (٢/ ٩٥)، (٦/ ٢٤٤) / تذ (٤/ ١٩٢) / كر (٧/ ٨٨) / حمل ٧٣/ طوسي ١١٣/ حجة ٢٠٩/ إمام (٣/ ١٧٩) / بغد (٥/ ٤) / زينب ٢/ تيمية ٣٠/ دمياطي ٣/ نيني (ص ١١٣) / ذهبي (٢/ ١٢٢) / نبلا (٦/ ١١٨)، (٨/ ٣٢٢) / إسلام (٤/ ٨١٢ - ٨١٣) / سبكي (١/ ١٣٥) / دحم (ص ٤٠) / حيان ١١].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ مدارُه على موسى بنِ عُقْبةَ، وقد رُويَ عنه من ثلاثةِ طرقٍ:
_________________
(١) وسقط من طبعة (التأصيل)، وهو ثابتٌ في غيرها من الطبعات؛ كطبعة الرسالة، وطبعةِ دار الجيل، وطبعة دار الصديق، وغيرِها، وكذا أثبته المِزِّيُّ في (التحفة ٨٤٧٤).
[ ٢١ / ٩٠ ]
الطريق الأول:
رواه التِّرْمِذيُّ، قال: حدثنا عليُّ بنُ حُجْرٍ والحسنُ بنُ عَرَفةَ، قالا: حدثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن موسى بن عُقْبة، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، فذكره.
ورواه البَزَّارُ، وابنُ ماجَهْ، والدَّارَقُطْنيُّ (٤١٩، ٤٢٠)، وغيرُهُم: من طرقٍ عنِ ابنِ عيَّاشٍ، به.
فمدارُ هذا الطريقِ على ابنِ عيَّاشٍ.
قال التِّرْمِذيُّ: "لا نعرفُهُ إلا من حديثِ إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ".
وقال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نعلمُ رواه عن موسى بنِ عُقْبةَ إلا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ".
قلنا: وإسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ شاميٌّ، لا يُحتجُّ به إلا في روايتِهِ عن أهلِ بلدِهِ، أمَّا في روايتِهِ عن المَدَنيِّين وغيرِهم فمخلِّطٌ، يأتي بالمناكير. قال الحافظُ في ترجمتِهِ: "صدوقٌ في روايته عن أهلِ بلدِهِ، مخلِّطٌ في غيرِهِم" (التقريب ٤٧٣).
وهذا الحديثُ من روايته عنِ المَدَنيِّين؛ إذ إنَّ موسى بنَ عُقْبةَ مَدَنيٌّ، وعليه؛ فالإسنادُ ضعيفٌ، وقد أشارَ إلى ذلك التِّرْمِذيُّ عَقِب الحديثِ، فقال: "وسمِعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ -يعني: البخاريَّ- يقول: «إن إسماعيلَ بنَ عيَّاشٍ يَروي عن أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ أحاديثَ مناكيرَ»، كأنه ضعَّفَ روايتَهُ عنهم فيما ينفردُ به، وقال: «إنما حديثُ إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ عن أهلِ الشامِ» ".
وذكر التِّرْمِذيُّ في «العلل» أنه سألَ البخاريَّ عن هذا الحديثِ، فقال: "لا أعرفه من حديثِ ابنِ عُقْبةَ، وإسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ منكَرُ الحديثِ عن أهلِ
[ ٢١ / ٩١ ]
الحجازِ وأهلِ العراقِ" (العلل الكبير ٧٥).
ونقلَ البَيْهَقيُّ عبارةَ البخاريِّ هكذا: "إنما روَى هذا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ عن موسى بنِ عُقْبةَ، ولا أعرفه من حديثِ غيرِهِ، وإسماعيلُ منكَرُ الحديثِ عن أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ" (السنن الكبرى ١٤٩٤).
ولذا قال ابنُ سيِّدِ الناسِ: "وسكتَ عنه -أي: التِّرْمِذي- فلم يحكمْ عليه بشيءٍ، لكنَّه أشارَ إلى تضعيفه بتفرُّدِ ابنِ عيَّاشٍ عن موسى بنِ عُقْبةَ وهو حِجازيٌّ" (النَّفْح الشَّذِي ٣/ ١٦٤، ٣/ ١٧٠).
وقد روَى هذا الحديثَ جماعةٌ عنِ ابنِ عيَّاشٍ، وجعلوه عن موسى بنِ عُقْبةَ وعُبَيدِ اللهِ بنِ عُمَر العُمَري:
فرواه الدَّارَقُطْنيُّ (٤٢١، ٤٢٢) من طريقِ سعيدِ بنِ يعقوبَ الطالْقانيِّ، وإبراهيم بن العلاء الزُّبَيدي، عنِ ابنِ عيَّاش، عن موسى بنِ عُقْبةَ وعُبَيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، عن نافعٍ، به.
وسعيدُ بنُ يعقوبَ ثقةٌ، كما في (التقريب ٢٤٢٤)، وإبراهيمُ مستقيمُ الحديثِ، ولكن ذكر ابنُ عَدِيٍّ أن عامَّةَ الرواةِ رَوَوْهُ عنِ ابنِ عيَّاشٍ عن موسى وحدَه، ثم قال: "وليس لهذا الحديثِ أصلٌ من حديثِ عُبَيدِ اللهِ" (الكامل ٢/ ٩٥).
وتعقَّبه الحافظُ مُغْلَطايُ في (شرحه على ابن ماجه ٢/ ٣٩٤) بكلامٍ فيه نظرٌ.
ورواه ابنُ عَدِيٍّ أيضًا عن صالحِ بنِ أحمدَ بنِ أبي مقاتل، ثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ، ثنا إسماعيل بن عيَّاش، حدثني موسى بن عُقْبةَ وعُبَيدُ الله بن عُمر، عن نافعٍ، به.
[ ٢١ / ٩٢ ]
وصَالحٌ هذا قال فيه ابنُ عَدِيٍّ: "يسرقُ الأحاديثَ"، ورمَاه بسرقةِ هذا الحديثِ. انظر: (الكامل ٦/ ٢٤٤).
وذكر الحافظُ المِزِّيُّ متابعًا آخَرَ للطالْقاني والزُّبَيدي، فقال: "رواه محمد بن بُكَير الحَضْرَمي، عن إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، عن موسى بنِ عُقْبةَ وعُبَيدِ الله بنِ عُمرَ، عن نافعٍ" (تحفة الأشراف ٦/ ٢٤٠).
ولم نظفرْ به من هذا الطريقِ، وعلى أيةِ حالٍ، لو كان ذِكرُ عُبَيدِ الله بن عُمرَ محفوظًا في هذا الحديثِ، فلن يُفيدَ ذلك شيئًا؛ لأن عُبَيدَ اللهِ مدنيٌّ أيضًا مثْلُ موسى، فالعلةُ لا تزالُ باقية، وهي روايةُ ابنِ عيَّاشٍ عن المَدَنيِّين.
الطريق الثاني:
رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٤٢٣) -ومن طريقه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٣١٩) - قال: حدثنا محمد بن حَمْدُويَه المَرْوَزي، نا عبد الله بن حَمَّاد الآمُلي، ثنا عبد الملك بن مَسْلَمة، حدثني المُغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عُقْبة، عن نافع، عن ابن عُمرَ، به، بلفظ: «لَا يَقْرَأُ الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ».
وهذا سندٌ رجالُهُ ثقاتٌ، عدا عبدَ الملكِ بنَ مَسْلَمةَ أبا مَرْوانَ الفقيهَ، وهو علةُ هذا الطريقِ؛ قال فيه أبو زُرْعةَ: "ليس بالقويِّ، هو منكَرُ الحديثِ". وقال أبو حاتم: "مضطرِبُ الحديثِ، ليسَ بقويٍّ، حدَّثَني بحديثٍ موضوعٍ" (الجرح والتعديل ٥/ ٣٧١). وقال ابنُ يونسَ: "منكَرُ الحديثِ" (اللسان ٢٦٧). وقال ابنُ حِبَّانَ: "يَروي عن أهلِ المدينةِ المناكيرَ الكثيرةَ التي لا خفاءَ بها على مَن عُنِيَ بعِلمِ السُّننِ" (المجروحين ٧٣٠).
قلنا: وشيخُه المُغيرة مَدَنيٌّ أيضًا، فهذا الطريقُ منكَر من مناكير عبد الملك بن مَسْلَمةَ هذا، وعليه؛ فمتابعةُ المُغيرةِ لابنِ عيَّاشٍ غيرُ ثابتةٍ؛ فلا يُعتدُّ بها.
[ ٢١ / ٩٣ ]
وقد نصَّ الدَّارَقُطْنيُّ على غرابةِ هذا الحديثِ عن المُغيرةِ، فقال: "عبدُ الملكِ هذا كان بمِصْرَ، وهذا غريبٌ عن مُغيرةَ بن عبد الرحمن، وهو ثقةٌ". يعني: المُغيرةَ.
* وقد وهِمَ الحافظُ أبو القاسم ابنُ عساكرَ، فقال: "رواه عبد الله بن حَمَّادٍ الآمُلي، عن القَعْنَبي، عن المُغيرةِ، عن موسى" (تحفة الأشراف ٦/ ٢٤٠).
هكذا قال: "عن القَعْنَبي"! وهو وهَمٌ، وقد تَعقَّبه في ذلك الحافظُ ابنُ عبد الهادي، فقال: "وقولُه: «عن القَعْنَبي» وهَمٌ؛ فإن عبدَ اللهِ بنَ حَمَّاد إنما رواه عن عبد الملك بن مَسْلَمةَ المِصري، وهو ضعيفٌ، كما تقدَّمَ" (تنقيح التحقيق ١/ ٢٣٧).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "قول ابنِ عساكرَ أنه «القَعْنَبي» خطأٌ فاحشٌ، وإنما رواه عبد الله بن حَمَّاد عن عبد الملك بن مَسْلَمةَ المِصْري، كذا هو عندَ الدَّارَقُطْنيِّ وابنِ عَدِيٍّ وغيرِهما" (النكت الظراف مع التحفة ٦/ ٢٣٩، ٢٤٠).
قلنا: ولعلَّه تصحَّف على ابنِ عساكرَ من (عبد الملك) إلى (عبد الله)، فظنَّهُ القَعْنَبيَّ، فنقله هكذا.
وقد تبِعَ ابنَ عساكرَ على هذا الوهَمِ بعضُ العلماءِ، فصحَّحوا الحديثَ اعتمادًا على قولِ ابنِ عساكرَ أن الذي رواه عن المُغيرة هو القَعْنَبيُّ:
* فنقلَ ابنُ عبد الهادِي عن الحافظِ محمد بن عبد الواحد أنه قال: "إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ تَكلَّمَ فيه غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ، غيرَ أن بعضَ الحُفَّاظِ قال: قد رُويَ من غيرِ حديثِهِ بإسنادٍ لا بأسَ به، والله أعلم". قال ابنُ عبدِ الهادِي: "وكأنَّه أشارَ إلى ما ذكره الحافظُ أبو القاسم" (تنقيح التحقيق ١/ ٢٣٨).
[ ٢١ / ٩٤ ]
* وكذلك صَحَّحَهُ ابنُ سيِّد الناسِ في (شرحه للترمذي) مُوثِّقًا رُواتَه، وقال -مبيِّنًا سببَ تضعيفِ التِّرْمِذيِّ له-: "فتلخَّصَ من هذا تضعيفُ الحديثِ عنده لِما ذكرناه، ولكن ليس هو كذلك؛ لأن إسماعيلَ بنَ عيَّاشٍ لم ينفردْ به عن موسى بنِ عُقْبةَ".
وتعقَّبه تلميذُهُ ابنُ المُلَقِّنِ قائلًا: "لكن فاتَ شيخَنا ذِكرُ حالِ عبدِ الملكِ بنِ مَسْلَمةَ الذي يرويه عن المُغيرةِ، وهو ضعيفٌ" (البدر المنير ٢/ ٥٤٥).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "وصَحَّحَ ابنُ سيِّدِ الناسِ طريقَ المُغيرةِ، وأخطأَ في ذلك؛ فإن فيها عبدَ الملكِ بنَ مَسْلَمةَ، وهو ضعيفٌ، فلو سلِمَ منه؛ لصحَّ إسنادُهُ وكأنَّ ابنَ سيِّدِ الناسِ تبِع ابنَ عساكرَ في قوله في (الأطراف): إن عبدَ الملكِ بنَ مَسْلَمةَ هذا هو القَعْنَبيُّ، وليس كذلك؛ بل هو آخَرُ" (التلخيص ١/ ١٣٨).
* أما أحمد شاكر فله مع هذا الطريقِ شأنٌ آخَرُ؛ إذ قال ما نصُّه: "وهذا الإسنادُ متابعةٌ جيِّدةٌ لروايةِ إسماعيلَ بنِ عيَّاش، وهو إسنادٌ صحيحٌ، فإن المُغيرةَ بنَ عبدِ الرحمنِ ثقةٌ، وعبد الملك وثَّقَه الدَّارَقُطْنيُّ، فقال -بعد أن ذكرَ الحديثَ-: "عبدُ الملكِ هذا كان بمِصْرَ، وهذا غريبٌ عن مُغيرةَ بن عبد الرحمن، وهو ثقةٌ"، والتوثيقُ هنا من الدَّارَقُطْنيِّ واضحٌ أنه يريدُ به عبدَ الملكِ، ولذلك صحَّحَ ابنُ سيِّدِ الناسِ هذا الإسنادَ"، ثم نقلَ الشيخُ كلامَ ابنِ يونسَ وابنِ حِبَّانَ في عبد الملك، وردَّه بقوله: "ويُعَارِضُ هذا توثيقُ الدَّارَقُطْنيِّ، وتصحيحُ ابنِ سيِّد الناس، وأكثرُ ما في رواية ابن عيَّاش خوْفُ الغلطِ منه، فمتابعةُ مثْلِ عبدِ الملك بن مَسْلَمةَ له ترفعُ احتمالَ الخطإِ، وتؤيِّدُ صحةَ الحديثِ" (جامع التِّرْمِذي ١/ ٢٣٨ الحاشية).
هذا هو نصُّ كلامِه، وعليه مؤاخذات:
[ ٢١ / ٩٥ ]
أولًا: توثيقُ الدَّارَقُطْنيِّ لا يَقصِدُ به عبدَ الملكِ، كما فهِمَ الشيخُ؛ بل الواضحُ أنه يَقصِدُ به المُغيرةَ بنَ عبد الرحمن، والدليلُ على ذلك عدةُ أمور:
١ - أن الضميرَ يرجعُ إلى أقربِ مذكورٍ، وهو المُغيرةُ.
٢ - أن كلَّ مَن تَكلَّم عن عبد الملك قبْل الدَّارَقُطْني كأبي حاتم، وأبي زُرْعةَ، وابنِ حِبَّانَ، وابنِ يونسَ، كل هؤلاء جرَحوا عبدَ الملك وضعَّفوه، والأصلُ موافقةُ الدَّارَقُطْنيِّ لهم حتى يتبيَّنَ خلافُه بنصٍّ صريحٍ واضحٍ.
٣ - أن الحافظَ ابنَ عبدِ الهادِي، وابنَ المُلَقِّن، وابنَ حَجَر، كل هؤلاء وقفوا على عبارة الدَّارَقُطْنيِّ، ولم يَفهموا منها توثيقًا لعبد الملك، بل ضعَّفوه وأعَلُّوا به هذا الطريق، وقد سبقتْ أقوالُهم.
٤ - أن الذَّهَبيَّ والحافظَ ابنَ حَجَرٍ نَقَلا في ترجمة عبد الملك قولَ ابنِ يونسَ وابنِ حِبَّانَ، ولم يَذْكُرا فيه شيئًا عنِ الدَّارَقُطنيِّ، وهما حريصان على نقلِ كلامِهِ. (الميزان ٥٢٥١)، و(اللسان ٤٩٢٨).
٥ - أن الدَّارَقُطْنيَّ ابتدأ بالكلامِ عن عبد الملك، فقال: "كان بمِصْرَ"، ثم تكلَّم عن الحديثِ، فذكرَ أنه غريبٌ عن المُغيرةِ، فأنهَى الدَّارَقُطْنيُّ كلامَه عن عبد الملك بدخوله في الكلام عن الحديث، فلو كان المرادُ توثيقَ عبدِ الملك؛ لكان الأليقُ به ذِكرَ ذلك بعدَ -أو قبْلَ- قولِه: "كان بمِصرَ".
ومع كلِّ ذلك؛ لو سلَّمْنا -جدَلًا- بما ذهبَ إليه أحمد شاكر، لكان قولُ أبي زُرْعةَ، وأبي حاتم، وابنِ يونسَ، وابنِ حِبَّانَ هو المقدَّمَ؛ لأنهم أكثرُ عددًا، وجرْحهم مفسَّر، وهو كوْنُ عبدِ الملكِ منكَرَ الحديثِ لا سيَّما عن
[ ٢١ / ٩٦ ]
أهلِ المدينةِ -كما قال ابنُ حِبَّانَ-، وشيخُهُ في الحديثِ مَدَنيٌّ، فمثْلُ هذا الجرْحِ المفسَّرِ مقدَّمٌ على التوثيقِ كما هو معلومٌ. انظر: (الإرواء ١/ ٢٠٩).
ثانيًا: أن ابنَ سيِّدِ الناسِ لم يصحِّحِ الحديثَ بِناءً على توثيقِ الدَّارَقُطْنيِّ لعبدِ الملكِ، كما قال الشيخُ؛ بل الصوابُ ما أشارَ إليه ابنُ حَجَرٍ-معلِّلًا تصحيحَ ابنِ سيِّد الناس لإسنادِهِ-، حيثُ قالَ: "وكأنَّ ابنَ سيِّدِ الناسِ تبِعَ ابنَ عساكرَ في قوله في (الأطراف): «إن عبد الملك بنَ مَسْلَمةَ هذا هو القَعْنَبي» ".
ويُؤيِّدُ ذلك أن ابنَ سيِّد الناس في (النَّفْح الشَّذِي ٣/ ١٧٠) قد نَقلَ توثيقَ شيخِ الدَّارَقُطْني ابنِ حَمْدُويَه، وشيخِه ابنِ حَمَّاد، والمُغيرةِ، وأغفلَ ذِكْرَ عبدِ الملكِ، وهو أَوْلى بأن يُبيَّنَ حالُهُ ممن ذكرهم؛ فدلَّ ذلك على أنه تبِع ابنَ عساكرَ في ظنِّه أنه القَعْنَبي، فأغفله ولم يتعرَّضْ له ببيان؛ لشُهرةِ القَعْنَبي، والعِلمِ بحاله.
ثالثًا: أن عبدَ الملكِ لم يتابِعِ ابنَ عيَّاشٍ؛ فالذي تابعه هو المُغيرة، وهي متابعةٌ غيرُ ثابتةٍ كما ذكرْنا؛ لأن عبدَ الملكِ منكَرُ الحديثِ، لا سيَّما في المَدَنيِّين، وهذا منها؛ ولذا لم يعتدَّ البَيْهَقيُّ بهذه المتابعةِ، فقال -بعد أن أَعَلَّ روايةَ ابنِ عيَّاشٍ-: "وقد رُويَ عن غيره عن موسى بن عُقْبةَ، وليس بصحيحٍ" (السنن الكبرى ١/ ٨٩).
وأمَّا ابنُ عيَّاشٍ فقد سبقَ بيانُ حالِهِ آنفًا، وسيأتي موقفُ الشيخِ منه، والردُّ عليه.
الطريق الثالث:
رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٤٢٤) -ومن طريقه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٣٢٠) -
[ ٢١ / ٩٧ ]
قال: حدثنا محمد بن مَخْلَد، نا محمد بن إسماعيلَ الحَسَّاني، عن رجلٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: أبو مَعْشَر هو نَجِيحُ بنُ عبدِ الرحمنِ؛ قال الحافظُ: "ضعيفٌ، أسَنَّ واختلطَ" (التقريب ٧١٠٠).
العلةُ الثانيةُ: إبهامُ الرجلِ الذي رواه عن أبي مَعْشَر؛ فلا يُعرَفُ.
وهذا الطريقُ ضَعَّفَهُ ابنُ عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١٣٥)، والزَّيْلَعيُّ في (نصب الراية ١/ ١٩٥)، وابنُ حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ١٣٨)، و(النكت ٦/ ٢٤٠).
وعليه؛ فمتابعةُ أبي مَعْشَرٍ -مع ضعْفِهِ- لابنِ عيَّاشٍ غيرُ ثابتةٍ أيضًا؛ لأنها من روايةِ مجهولٍ لا يُعرَفُ مَن هو، فلا عِبرةَ بهذه المتابعةِ أيضًا كسابقتها.
وقد ضعَّف هذا الحديثَ جماعةٌ منَ العلماءِ، ذَكَرْنَا منهم: البخاريَّ، والتِّرْمِذيَّ.
وممن ضَعَّفَهُ أيضًا:
١ - الإمامُ أحمدُ؛ فقد سألَ عبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدَ أباهُ عن هذا الحديثِ؟ فقال: "هذا حديثٌ باطلٌ". قال عبد الله: "أنكره على إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ؛ يعني: أنه وهَمٌ من إسماعيلَ" (العلل ٥٦٥٧).
٢ - أبو حاتم الرازيُّ؛ حيث قال: "هذا خطأٌ؛ إنما هو عنِ ابنِ عُمرَ قولَه" (علل الحديث ١١٦).
[ ٢١ / ٩٨ ]
٣ - البَيْهَقيُّ؛ فقد قال: "هذا الحديثُ ينفردُ به إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، وروايةُ إسماعيلَ عن أهلِ الحِجازِ ضعيفةٌ، لا يَحتجُّ بها أهلُ العلمِ بالحديثِ. قاله أحمدُ بنُ حَنْبَل، ويحيى بنُ مَعِين، وغيرُهما من الحُفَّاظِ. وقد رُويَ هذا عن غيرِهِ، وهو ضعيفٌ" (المعرفة ١/ ١٩٠).
٤ - النَّوَويُّ في (المجموع ٢/ ١٧٤).
٥ - ابنُ حَزْمٍ في (المحلَّى ١/ ٧٨).
٦ - الذَّهَبيُّ في (التنقيح ١/ ٥٧)، و(السِّيَر ٦/ ١١٨).
٧ - ابنُ القيِّمِ في (إعلام الموقعين ٣/ ٢٣).
٨ - الحافظُ ابنُ عبدِ الهادي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢٣٦ - ٢٣٨).
٩ - عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام ١/ ٥٠٤).
١٠ - الحافظُ مُغْلَطاي في (شرحه على ابن ماجه ٢/ ٣٩٣).
١١ - الزَّيْلَعيُّ في (نصب الراية ١/ ١٩٥).
١٢ - ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٥٤٣).
١٣ - ابنُ حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ١٣٨)، وقال في (الفتح ١/ ٤٠٩): "وأما حديثُ ابنِ عُمرَ، فضعيفٌ من جميعِ طرقِهِ".
١٤ - المُنَاويُّ في (الفيض ٦/ ٤٥٤).
١٥ - الألبانيُّ في (الإرواء ١/ ٢٠٦).
وفي مقابلِ تضعيفِ هؤلاءِ، ذهبَ المُنْذِريُّ إلى تحسينِهِ، وتبِعه الشَّوْكانيُّ، فقال: "وتضعيفُه بإسماعيلَ بنِ عيَّاش مندفِعٌ؛ لوروده من طريقِ غيرِهِ، وهو
[ ٢١ / ٩٩ ]
أيضًا لم يُقدَحْ فيه بما يوجِبُ عدمَ صلاحيةِ حديثِه للاحتجاجِ به، قال المُنْذِريُّ: «هذا الحديثُ حسَنٌ، وإسماعيلُ تُكُلِّمَ فيه، وأثنَى عليه جماعةٌ منَ الأئمةِ» " (السيل الجرار ١/ ١٠٨).
وقال أحمد شاكر: "وإسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ ثقةٌ، وما تَكلَّمَ فيه أحدٌ بحُجَّةٍ، وأكثرُ ما زعموا أنه يُخطئُ في روايتِهِ عن أهلِ الحِجازِ والعراقِ، ولا بأسَ بذلك، فإذا علِمْنا خطأَهُ في حديثٍ احترَزْنا منه، وكلُّ الرواةِ يُخطئونَ، فمنهم المُكْثِرُ ومنهم المُقِلُّ" (حاشيته على جامع التِّرْمِذي ١/ ٢٣٧).
وهذا القولُ منهم -مع مخالفته لأئمةِ الفنِّ- مجانِبٌ للصوابِ؛ فإنه لا شَكَّ في ثقةِ ابنِ عيَّاشٍ، ولكن ذلك مقيَّدٌ بروايتِهِ عن أهلِ بلدهِ، أمَّا روايتُهُ عن غيرِهِم كالمدنيِّين وأهلِ العراقِ، فكلامُ الأئمةِ -بل وصنيعُهم العمليُّ- واضحٌ في تضعيفِ روايتِهِ في هذه الحالِ، وكلامُ البَيْهَقيِّ نصٌّ صريحٌ في ذلك، حيثُ قال: "وروايةُ إسماعيلَ عن أهلِ الحِجازِ ضعيفةٌ، لا يَحتجُّ بها أهلُ العلمِ بالحديثِ. قاله أحمدُ بنُ حَنْبَل، ويحيى بنُ مَعِين، وغيرُهما منَ الحُفَّاظِ".
وقد ذَكرَ له ابنُ عَدِيٍّ عددًا من المناكيرِ والغرائبِ مما رواه عن غيرِ أهلِ بلدِهِ، ثم قال: "وهذه الأحاديثُ من أحاديثِ الحجازِ ومن حديثِ العِراقيِّينَ، إذا رواه ابنُ عيَّاشٍ عنهم، فلا يخلو من غَلَطٍ يغلَط فيه؛ إما أن يكونَ حديثًا يُرسِله، أو مرسَلًا يوصِله، أو موقوفًا يرفعه. وحديثُهُ عن الشاميِّينَ إذا روَى عنه ثقةٌ فهو مستقيمٌ. وفي الجملةِ: إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ ممن يُكتَبُ حديثُهُ ويُحتجُّ به في حديثِ الشاميِّين خاصَّةً" (الكامل ١/ ٣٠٠).
أما ما أشارَ إليه الشَّوْكانيُّ من متابعاتٍ فهي غيرُ ثابتةٍ كما بيَّنَّاه فيما سبقَ،
[ ٢١ / ١٠٠ ]
ولذا لم يعتدَّ بها كلُّ مَن وقفَ عليها، كالبَيْهَقيِّ، وابنِ عبدِ الهادي، وابنِ المُلَقِّنِ، وابنِ حَجَرٍ، وغيرِهِم.
ولعلَّ هذا هو السببُ في جزْمِ كلٍّ منَ البخاريِّ والتِّرْمِذيِّ والبَزَّارِ بأن الحديثَ لا يُعرَفُ إلا من حديثِ ابنِ عيَّاشٍ، ويُؤيِّدُ ذلك صنيعُ البَيْهَقيِّ؛ حيثُ جزَمَ بتفرُّدِ إسماعيلَ به، فقال: "تفرَّدَ به إسماعيلُ، وليسَ بالقويِّ فيما يَروي عن غيرِ أهلِ الشامِ" (السنن الصغرى ١/ ٥٦٤).
هكذا جزَمَ بتفرُّدِهِ، مع أنه وقفَ على المتابعاتِ الأُخْرَى، بل جمَعَ بينَ القولِ بالتفرُّدِ وذِكْرِ المتابعاتِ في مكانٍ واحدٍ، حيثُ قالَ: "هذا الحديثُ ينفردُ به إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ وقد رُويَ هذا عن غيرِهِ، وهو ضعيفٌ" (المعرفة ١/ ١٩٠).
فعدمُ ثبوتِ المتابعةِ هو الذي سوَّغَ له الجزْمَ بتفرُّدِ ابنِ عيَّاشٍ به، ومن هذا الوجهِ يُتعَقَّبُ على ابنِ المُلَقِّنِ وغيرِهِ ممن تَعقَّب على البخاريِّ والتِّرْمِذيِّ والبَزَّارِ في هذا الأمرِ.
بل ويُتعَقَّبُ عليهم من وجهٍ آخَرَ؛ وهو أن هذه المتابعاتِ إنما هي أوهامٌ ظهرتْ بعد عصرِ البخاريِّ والتِّرْمِذيِّ والبَزَّارِ، وهُمْ غيرُ مسئولين عن أخطاءِ مَن جاءَ بعدهم.
[ ٢١ / ١٠١ ]
٢٥٦٩ - حَدِيثُ الغَافِقِيِّ:
◼ عَنْ مَالِكِ بنِ عَبْدِ اللهِ -وَقِيلَ: ابنُ عُبَادَةَ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بنُ مَالِكٍ- الغَافِقِيِّ قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا طَعَامًا، ثُمَّ قَالَ: «اسْتُرْ عَلَيَّ حَتَّى أَغْتَسِلَ». فَقُلْتُ: [هَلْ] كُنْتَ جُنُبًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: [إِنَّ] هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ أَكَلْتَ وَأَنْتَ جُنُبٌ! فَقَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأْتُ أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ، وَلَا أُصَلِّي وَلَا أَقْرَأُ حَتَّى أَغْتَسِلَ».
[الحكم]: ضعيفٌ، وضَعَّفَهُ: النَّوَويُّ، والغَسَّانيُّ، والهَيْثَميُّ، وشَمسُ الحقِّ الأباديُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[طب (١٩/ ٢٩٥/ ٦٥٦) (واللفظ له)، (إمام ٣/ ٧٥) / قط ٤٢٧، ٤٢٨/ طح (١/ ٨٨) / هق ٤١٩ (مختصرًا) / هقخ ٣١٦/ صحا ٤٥١٣ (والزيادتان له) / مصر (١/ ١٤٨)، (١/ ٣٣٨) / عبد (ص ١٩٦) / صبغ ٢٣٨٨/ صمند (إصا ٦/ ٣٥٨)].
[التحقيق]: انظر الكلامَ عليه عَقِبَ الرواية الأخيرة.
[ ٢١ / ١٠٢ ]
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: « نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأْتُ أَكَلْتُ، وَلَكِنْ لَا أَقْرَأُ القُرْآنَ إِلَّا وَأَنَا طَاهِرٌ».
[الحكم]: ضعيفٌ.
[التخريج]: [قا (٣/ ٥٤) / صبغ ٢٩٩٣].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه عَقِبَ الرواية التالية.
[ ٢١ / ١٠٣ ]
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ وَأَنْتَ جُنُبٌ أَكَلْتَ وَشَرِبْتَ، وَلَا تُصَلِّي».
[الحكم]: ضعيفٌ.
[التخريج]: [قا (٢/ ٨٧)].
[السند]:
رواه الطَّبَرانيُّ قال: حدثنا بكْر بن سَهْل، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا ابن لَهِيعةَ، [عن عبد الله بن سُلَيمان] (^١)، عن ثَعْلَبةَ بن أبي الكَنُود، عن مالك بن عبد الله الغافِقي، به.
ورواه الباقون من طرقٍ عن ابنِ لَهِيعةَ، به.
[التحقيق]:
هذا سندٌ ضعيفٌ؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
العلةُ الأُولى والثانيةُ: عبد الله بن سُلَيمانَ، وشيخُه ثَعْلبة؛ في عداد المجهولين:
فالأَولُ: لم نجدْ مَن وَثَّقَهُ، وذكره ابنُ أبي حاتم في (الجرح ٥/ ٧٥)، ولم
_________________
(١) سقَطَ من مطبوع الطَّبَراني، واستدركْناه من مصادر التخريج. وقد عزا ابنُ دقيقٍ الحديثَ في (الإمام ٣/ ٧٥)، للطبراني في (معجمه الكبير) من طريقِ المِقْدَام بن داودَ، عن أَسَد بن موسى، عن ابنِ لَهِيعةَ، به، ولم نقفْ عليه في الجزء المطبوع من (المعجم الكبير)، إلا أن أبا نُعَيم أخرجه في (معرفة الصحابة ٤٥١٣)، من طريق الطَّبَراني، به.
[ ٢١ / ١٠٤ ]
يذكرْ فيه شيئًا غيرَ روايةِ ابنِ لَهِيعةَ وغيرِهِ عنه.
والثاني: ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٤/ ٩٩)، وترجمَ له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٢/ ١٧٥)، وابنُ أبي حاتمٍ في (الجرح والتعديل ٢/ ٤٦٣)، ولم يَذْكُرا فيه شيئًا.
العلةُ الثالثةُ: ابنُ لَهِيعةَ، والعملُ على تضعيفِ حديثِهِ، وقد نَقلَ الإجماعَ على ذلك البَيْهَقيُّ، وسبقَ نقلُهُ، سواءٌ في ذلك روايةُ العبادلةِ عنه وروايةُ غيرهم.
وذكرَ البَيْهَقيُّ أن الواقِديَّ تابَعَ ابنَ لَهِيعةَ على هذا الحديثِ، ورواه في (الخلافيات) من طريقه، والواقِديُّ متروكٌ؛ فلا تنفعُ متابعتُهُ.
وقال النَّوَويُّ: "إسنادُهُ ضعيفٌ" (المجموع ٢/ ١٨١).
وقال الهَيْثَميُّ: "رواه الطَّبَرانيُّ في (الكبير)، وفيه ابنُ لَهِيعةَ، وفيه ضعْفٌ، وفيه مَن لا يُعرَفُ" (مجمع الزوائد ١٤٩٢).
وقال عبدُ اللهِ الغَسَّانيُّ: "لا يثبُتُ، وابنُ لَهِيعةَ لا يُحتجُّ به" (تخريج الأحاديث الضعاف ٨٤).
وضَعَّفَهُ الألبانيُّ (الضعيفة ٢٥٠١).
[ ٢١ / ١٠٥ ]
٢٥٧٠ - حَدِيثُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ:
◼ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: «نَهَى أَنْ يَقْرَأَ الجُنُبُ وَالحَائِضُ القُرْآنَ».
[الحكم]: ضعيفٌ.
[التخريج]: [مستغفض ٢٢١].
[السند]:
قال المُسْتَغْفِريُّ: حدثنا أبو ذَرٍّ عمَّار بن محمد بن مَخْلَدٍ البغداديُّ، أخبرنا الحسن بن أحمد بن الربيع الأَنْماطي، حدثنا الحسن بن عَرَفة، حدثنا عبد الله بن المبارَك، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن الزُّهْري، عن سَهْل بن سعد، عن أُبَيِّ بن كعب، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
العلةُ الأُولى: أبو ذَرٍّ عمَّار بن محمد بن مَخْلَد التميميُّ، قال أبو بكر ابن السَّمْعاني: "هو ثقةٌ" (تاريخ الإسلام ٨/ ٦١٩)، ولكن روَى عنه الشِّيرازيُّ في الألقابِ حديثًا، ثم قال: "ولا أظنُّه إلا وَهِمَ فيه، ولم يكنْ من أهلِ الحديثِ" (لسان الميزان ٥٥٤٩).
العلةُ الثانيةُ: أن الحسنَ بنَ عَرَفةَ، وغيرَهُ، إنما رَوَوْا -بهذا الإسنادِ- حديثَ: «إِنَّمَا كَانَتِ الفُتْيَا فِي المَاءِ مِنَ المَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا». انظر: (جزء ابن عرفة ١٤)، (مسند أحمد ٢١١٠٠).
[ ٢١ / ١٠٦ ]
فالذي يظهرُ لنا، أن روايةَ هذا الحديثِ بهذا الإسنادِ من أوهامِ أبي ذَرٍّ عمَّار بن محمد، وقد قال الشِّيرازيُّ: إنه لم يكنْ من أهلِ الحديثِ.
وحتَّى لو ثبَتَ هذا الإسنادُ عنِ ابنِ المبارَك، ففيه علةٌ أُخرى، وهي:
العلةُ الثالثةُ: أن يونسَ بنَ يزيدَ الأَيْليَّ، وإن كان ثقةً، فإن له مناكيرَ، خاصَّةً عنِ الزُّهْريِّ.
قال أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: "يونسُ كثيرُ الخطإِ عن الزُّهْريِّ"، وقال مرَّة: "في حديثِ يونسَ بنِ يزيدَ منكَراتٌ عنِ الزُّهْريِّ"، وقال أيضًا: "لم يكنْ يَعرِفُ الحديثَ، وكان يكتُبُ "أُرَى" أولَ الكتاب فينقطع الكلام، فيكون أولُه عن سعيدٍ وبعضُه عن الزهريِّ، فيشتبه عليه" (تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٥٢).
وقال وَكِيعٌ: "لقِيتُ يونسَ بنَ يزيدَ الأَيْليَّ، وذاكرْتُهُ بأحاديثِ الزُّهْريِّ المعروفةِ، وجَهَدْتُ أن يُقيمَ لي حديثًا فما أقامَ" (الجرح والتعديل ٩/ ٢٤٨).
وقال ابنُ سعدٍ: "ليس بحُجَّةٍ، وربما جاءَ بالشيءِ المنكَرِ" (الطبقات ٩/ ٥٢٧).
* * *
[ ٢١ / ١٠٧ ]
٢٥٧١ - حَدِيثُ أَبِي مُوسَى:
◼ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «[يَا عَلِيُّ، إِنِّي أَرْضَى لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي] ١: لَا تَقْرَأِ القُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، وَلَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ، وَلَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ، [وَلَا تُقْعِ] (^١) إِقْعَاءَ الكَلْبِ، وَلَا تُصَلِّ وَأَنْتَ عَاقِصٌ شَعَرَكَ، وَلَا تَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْكَ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَلَا تَلْبَسِ القَسِّيَّ، وَلَا تَخَتَّمْ بِالذَّهَبِ، وَلَا تَلْبَسْ خَاتَمَكَ فِي هَاتَيْنِ -يَعْنِي: السَّبَّابَةَ والوُسْطَى، [وَلَا تُدَبِّحْ تَدْبِيحَ الحِمَارِ] ٢».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا بهذا التمامِ. وضَعَّفَهُ: ابنُ عبدِ الهادي، وابنُ المُلَقِّنِ، والهَيْثَميُّ، وابنُ حَجَرٍ، والألبانيُّ.
وقد صَحَّ هذا المتْنُ مفرَّقًا، دونَ قولِه: «لَا تَقْرَأِ القُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ»، وقولِه: «وَلَا تُدَبِّحْ تَدْبِيحَ الحِمَارِ».
[اللغة]:
«الإِقْعَاءُ»: «الإقعاءُ في الصلاةِ. قال أبو عُبَيدٍ: الإقعاءُ: جلوسُ الرجُلِ على أَلْيَتيْهِ ناصبًا فخذيه مثْلَ إقعاءِ الكلبِ والسَّبُعِ». (غريب الحديث لابن سلام ١/ ٢١٠).
وهذا غيرُ الإقعاءِ الواردِ عنِ ابنِ عباسٍ -وصِفَتُه: أن يضعَ أَلْيتيْهِ على عَقِبَيْه بين السجدتين- فإنه سُنَّةٌ، والمذكورُ هنا هو المنهيُّ عنه.
«عَاقِصٌ»: من العقص، وعَقْصُ الشعرِ: ضَفْرُه، ولَيُّه على الرأْسِ. (لسان
_________________
(١) في الأصل: (وَلَا وَأَنْتَ تُقْعِي)، وزيادة (وأنت) زيادة مقحَمةٌ لا وجه لها، وفي إثباتها نكارة واضحة، وما بين المعقوفين أثبتناه من (مجمع الزوائد ٢٤٦١).
[ ٢١ / ١٠٨ ]
العرب ٧/ ٥٥).
«القَسِّيُّ»: «وهي ثيابٌ من كَتَّانٍ مَخْلوطٍ بحريرٍ، يُؤتَى بها من مِصر، نُسِبتْ إلى قريةٍ على شاطئ البحر قريبًا من تِنِّيس، يقال لها: القَسُّ -بفتحِ القاف-، وبعضُ أهلِ الحديثِ يَكْسِرها.
وقيل: أصْلُ القَسِّي: القَزِّي -بالزاي-، منسوبٌ إلى القَزِّ، وهو ضرْبٌ من الإِبْرَيْسَم، فأبْدل من الزاي سِينًا» (النهاية في غريب الحديث ٤/ ٦٠).
«السَّبَّابَة»: هي الإصْبعُ التي بين الإبهامِ والوُسْطى، وهي المُسَبِّحةُ عند المصلِّين. (لسان العرب ١/ ٤٥٥).
«تَدْبِيح الحِمَارِ»؛ هو: أن يُطَأْطِئ رأسَه حتى يكونَ أَخْفضَ من ظهره. (النهاية في غريب الحديث ٢/ ٩٧).
[التخريج]:
[بز ٣١٢٦ (واللفظ له) (^١) / قط ٤٢٦ (والزيادةُ الأُولى والثانيةُ له) / مكرم ٧٦].
[السند]:
رواه البَزَّارُ، قال: أخبرنا محمد بن ثَوَاب، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن هانِئ، عن عبد الملك بن حسين، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، (ح) وعن أبي إسحاقَ، عن الحارث، عن عليٍّ، قالا: فذكره.
ورواه الدَّارَقُطْنيُّ من طريقِ أبي نُعَيمٍ النَّخَعيِّ عبد الرحمن بن هانئ، نا
_________________
(١) ذكره الهَيْثَمي في (كشف الأستار ٣٢١) مقتصرًا على النهي عن القراءة.
[ ٢١ / ١٠٩ ]
أبو مالك النَّخَعيُّ (^١) عبدُ الملك بن حسين به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: عبد الملك بن حسين أبو مالك النَّخَعيُّ؛ متروكٌ كما في (التقريب ٨٣٣٧).
العلةُ الثانيةُ: عبد الرحمن بن هانئ أبو نُعَيمٍ النَّخَعيُّ؛ كذَّبه ابنُ مَعِين، وضَعَّفَهُ أحمدُ، وأبو داود، والنَّسائي، وغيرُهُم، وقال البخاريُّ: "فيه نظرٌ، وهو في الأَصلِ صدوقٌ" (تهذيب التهذيب ٦/ ٢٩٠).
ولذا قالَ الحافظُ: "صدوقٌ، له أغلاط، أفرطَ ابنُ مَعِينٍ فكذَّبه". (التقريب ٤٠٣٢).
وفي حديثِ عليٍّ ﵁ علةٌ ثالثةٌ، وهي: الحارثُ -وهو الأعورُ-؛ ضَعَّفَهُ الحافظُ في (التقريب ١٠٢٩).
وقد رُويَ من وجهٍ آخَرَ:
فقال الدَّارَقُطْنيُّ -بعد أن ساقَهُ من طريقِ عبد الرحمن عن عبد الملك-: "قال أبو نُعَيمٍ: وأخبرني موسى الأنصاري، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، به".
وهذا إسنادٌ واهٍ كسابقه؛ أبو نُعَيم النَّخَعيُّ سبقَ بيانُ حالِهِ، وموسى الأنصاري هذا لا يُعرَفُ مَن هو (^٢).
_________________
(١) وقع هنا في المطبوع زيادة كلمة (عن)، وهي محض وهَمٍ؛ فأبو مالك النَّخَعي هو نفْسُه عبد الملك بن حُسين، وأبو نُعَيم يَرويه عنه.
(٢) وانظر (تراجم رجال الدَّارَقُطْني ١١٨٧).
[ ٢١ / ١١٠ ]
أما الألبانيُّ فقال: "وأما شيخُهُ في الإسنادِ الثالثِ موسى الأنصاريُّ فالظاهرُ أنه موسى بن أبي كَثير الأنصاريُّ مولاهم أبو الصَّبَّاحِ؛ فإنه كوفيٌّ مثْلُ أبي نُعَيمٍ الذي دُونَه، وعاصمٍ الذي هو شيخُه، وهو صدوقٌ. فالآفةُ من أبي نُعَيمٍ؛ لأن مَن فوقه ثقات" (سلسلة الأحاديث الضعيفة ١٢/ ٤٧٢).
وضَعَّفَهُ ابنُ عبدِ الهادي في (التنقيح ١/ ١٣٨)، وابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٣/ ٦٠١)، وابنُ حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ٢٤١)، والهَيْثَميُّ في (المجمع ١٥٠٨)، ووهِمَ في موضعٍ آخَرَ فقال: "وحديثُ أبي موسى رجالُهُ موثَّقون! " (المجمع ٢٤٦١). وقال الألبانيُّ: "ضعيفٌ جدًّا بهذا التمامِ" (الضعيفة ٥٧١٠).
وهذا الحديثُ إنما يُعرَفُ من حديثِ عليٍّ ﵁، وذِكْرُ أبي موسى فيه وهَمٌ، وأشارَ إلى ذلك البَزَّارُ في قولِهِ: "وهذا الحديثُ إنما يُعرَفُ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فجمَعَ هذا الرجلُ فيه أبا موسى مع عليٍّ، ولا نعلمُ أحدًا جمعَهما إلا عبدَ الملكِ بنَ حسينٍ، ولم يتابَعْ عليه.
قلنا: رواه التِّرْمِذيُّ (٢٨٣)، وابنُ ماجَهْ (٨٦١) من طريقِ الحارثِ الأعورِ، عن عليٍّ ﵁، مقتصرًا على النهيِّ عنِ الإقعاءِ، وزاد فيه التِّرْمِذيُّ: «يَا عَلِيُّ، أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي».
ورواه أحمدُ (٦١٩)، من طريقِهِ أيضًا، مقتصرًا على النهيِّ عنِ القراءةِ في الركوعِ والسجودِ.
ورواه أحمدُ (١٢٤٤)، من طريقِ الحارثِ، به مطوَّلًا، ولم يَذكرْ فيه النهيَ عنِ القراءةِ، ولا عن التَّدْبِيحِ.
وكلُّ ما وردَ في المتنِ فثابتٌ، دون هاتين الفقرتين:
[ ٢١ / ١١١ ]
فأمَّا قولُهُ: «يَا عَلِيُّ، إِنِّي أَرْضَى لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي»، فيشهدُ له ما أخرجه أحمدُ (١١٥٤) بسندٍ حسَنٍ أن النبيَّ ﷺ قال لعليٍّ ﵁: «لَسْتُ أَرْضَى لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي».
وأمَّا النهيُ عن القراءةِ في الركوعِ والسجودِ، فأخرجه مسلمٌ (٤٨٠) من حديثِ عليٍّ ﵁، وأخرجه مسلمٌ أيضًا (٢٠٧٨) من حديثِهِ، وفيه: «النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ، وَعَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ».
وعندَ البخاريِّ منه «النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ» من حديثِ البَراء ﵁.
وأخرجَ مسلمٌ أيضًا (٢٠٩٥) من حديثِ عليٍّ ﵁ في «النَّهْيِ عَنِ التَّخَتُّمِ فِي الوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا -يَعْنِي: السَّبَّابَةَ».
وأمَّا «النَّهْيُ عَنِ افْتِرَاشِ السَّبُعِ»، فله شاهدٌ عندَ مسلمٍ (٤٩٨) من حديثِ عائشةَ ﵂.
وأمَّا «النَّهْيُ عَنْ عَقْصِ الشَّعَرِ فِي الصَّلَاةِ»، فله شاهدٌ عند مسلمٍ (٤٩٢) من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄.
وأمَّا «النَّهْيُ عَنْ إِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الكَلْبِ»، فله شاهدٌ من حديثِ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (٨٠٩١) وسندُهُ ضعيفٌ، لكن أخرجَ مسلمٌ (٤٩٨) من حديثِ عائشةَ ﵂ في صفةِ صلاةِ النبيِّ ﷺ، وفيه: «وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ»، وفسَّره غيرُ واحدٍ بالإقعاءِ، وهو: أن يُلْصِقَ أَلْيَتيْهِ بالأرضِ ويَنصِبَ ساقيه ويضعَ يديه على الأرضِ، كما يفترِشُ الكلبُ وغيرُهُ من السباعِ، وهذا غيرُ الإقعاءِ الواردِ عنِ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ، فذاكَ سُنَّةٌ، وهذا هو المنهيُّ عنه.
وسيأتي إن شاء الله التفصيلُ فيه في أبوابِ الصلاةِ.
[ ٢١ / ١١٢ ]
٢٥٧٢ - حَدِيثُ ابنِ رَوَاحَةَ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا القُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: البَيْهَقيُّ، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ، وابنُ دَقِيقٍ.
[التخريج]:
[قط ٤٣٠، ٤٣١ (واللفظ له) / فة (١/ ١٠٥) / هقخ ٣٢١/ كر (٢٨/ ٨١) / صحا ٤١١٥/ مستغفض ٢٢٢/ صبغ ٢٢٠٦].
[السند]:
رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٤٣٠) قال: نا أبو بكر محمد بن عُمر بن أيوب المُعَدَّل بالرَّمْلة، والحسن بن الخَضِر المُعَدّل بمكةَ، قالا: نا إسحاق بن إبراهيمَ بنِ يونسَ البغداديُّ، نا يحيى بن عثمانَ السِّمْسَار، نا إسماعيل بن عيَّاش، عن زَمْعةَ بنِ صالحٍ، عن سَلَمةَ بن وَهْرَام، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباس، عن عبد الله بن رَوَاحةَ، به.
وسيأتي ذِكرُ أسانيد بقية المراجع في التحقيق.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أربعُ عِللٍ:
العلةُ الأُولى: سلَمةُ بنُ وَهْرَام؛ وَثَّقَهُ يحيى بنُ مَعِينٍ، وأبو زُرْعةَ، لكن تُكُلِّمَ في حديثِهِ إذا كان من روايةِ زَمْعةَ عنه؛ فقال الإمامُ أحمدُ: "روَى عنه زَمْعةُ أحاديثَ مناكيرَ، أخشى أن يكونَ حديثُهُ ضعيفًا". وقال أبو داود:
[ ٢١ / ١١٣ ]
"ضعيفٌ". وقال ابنُ عَدِيٍّ: "أرجو أنه لا بأسَ بروايات الأحاديث التي يرويها عنه غيرُ زَمْعةَ"، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات)، وقال: "يُعتبَرُ حديثُهُ من غيرِ رواية زَمْعةَ بن صالح عنه". انظر: (تهذيب التهذيب ٤/ ١٦١).
وهذا الحديثُ من روايةِ زَمْعةَ عنه.
العلةُ الثانيةُ: زَمْعةُ بنُ صالحٍ؛ ضعيفٌ؛ ضَعَّفَهُ أحمدُ وغيرُهُ، وضَعَّفَهُ الحافظُ في (التقريب ٢٠٣٥).
العلةُ الثالثةُ: إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ؛ سبقَ قريبًا أنه ثقةٌ في روايتِهِ عن أهلِ بلدِهِ، أما عن غيرِهِم فضعيفٌ يأتي بالمناكيرِ، وهذا الحديثُ من روايتِهِ عن غيرِ أهلِ بلدِهِ، فزَمْعةُ يَمانيٌّ، وابنُ عيَّاشٍ شاميٌّ.
إلا أنَّ إسماعيلَ بنَ عيَّاشٍ قد تُوبِعَ من (عُمرَ بنِ زُرَيقٍ)، كما عند أبي نُعَيمٍ في (معرفة الصحابة)، من طريق محمد بن عبد الله بن عَمَّار المَوْصِلي، عن عُمرَ (^١) به.
وعُمرُ بنُ زُرَيقٍ، مجهولٌ، وانظر الشاهد التالي.
العلةُ الرابعةُ: أنَّ ابنَ عيَّاشٍ قدِ اختُلِفَ عليه في سندِهِ:
فرواه عنه يحيى بنُ عثمانَ موصولًا بذِكْر ابنِ عباسٍ كما سبقَ.
وخالفه الحسنُ بنُ عرفةَ؛ كما عند أبي القَاسمِ البَغَويِّ في (معجم الصحابة)، و(الدَّارَقُطْني ٤٢٤)، وابنِ عساكر؛ وعليُّ بن حُجْر كما عند المُسْتَغْفِري.
فلم يَذْكُرا في سندِهِ (ابنَ عباسٍ)، وقد أشارَ إلى ذلك الدَّارَقُطْنيُّ؛ حيثُ قالَ -عَقِب روايةِ يحيى بنِ عثمانَ عنِ ابنِ عيَّاشٍ-: "وغيرُهُ لا يَذكرُ: «عن ابن عباس» ".
_________________
(١) في الأصل: (عَمَّار)، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتْناه.
[ ٢١ / ١١٤ ]
قلنا: وهذا هو الصوابُ؛ فقد رواه الفَسَوِيُّ -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- عن أبي نُعَيمٍ الفَضْلِ بنِ دُكَيْنٍ، عن زَمْعةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ بنِ وَهْرام، عن عِكْرِمةَ، قال: «قال عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحةَ » فذكره.
وأبو نُعَيمٍ ثقةٌ ثبْتٌ؛ فروايتُهُ مقدَّمةٌ على روايةِ ابنِ عيَّاشٍ، وقد بيَّنَ لنا أن السندَ مُعَلٌّ بالانقطاعِ؛ لأن عِكْرِمةَ لم يدرِكِ ابنَ رَواحةَ؛ فقد ماتَ ابنُ رَواحةَ في حياةِ النبيِّ ﷺ سنة (٨ هـ)، ووُلِدَ عِكْرِمةُ سنة (٢٥ هـ) تقريبًا؛ أي: بعد وفاةِ ابنِ رَواحةَ بسبعَ عشْرةَ سنةً.
قال ابنُ دَقِيقٍ: "عِكْرِمةُ عن عبد الله بنِ رَواحةَ، منقطِعٌ" (الإمام ٣/ ٧٣).
وعليه؛ ففي طريقِ أبي نُعَيمٍ ثلاثُ عللٍ: (سلَمةُ، وزَمْعةُ، والانقطاعُ).
وفي طريقِ ابنِ عيَّاشٍ أربعُ عللٍ: (سلمةُ، وزَمْعةُ، وابنُ عيَّاشٍ، والاختلافُ في وصلِهِ وانقطاعِهِ).
والمنقطِعُ هو الصوابُ؛ ولذا قال البَيْهَقيُّ عن الموصولِ: "وليس بالقويِّ" (الخلافيات ٣٢٤).
قال عبدُ الحَقِّ: "ولا يُروَى من وجهٍ صحيحٍ؛ لأنه منقطعٌ وضعيفٌ" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٥).
وبهذا تعلم ما في قولِ الدَّارَقُطْنيِّ من نظرٍ؛ حيثُ قال -عَقِبَ روايةِ يحيى بنِ عثمانَ عنِ ابنِ عيَّاشٍ-: "إسنادُهُ صالحٌ".
وفي السندِ اختلافٌ آخَرُ على زَمْعةَ. انظر الشاهد التالي.
[تنبيه]: قد عزا المتَّقي الهندي في (كَنز العمال ٤٢٠١) هذا الحديثَ إلى الحاكمِ في (مستدركِهِ)، ولم نقفْ عليه بعد طُولِ البحثِ.
[ ٢١ / ١١٥ ]
٢٥٧٣ - حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ -فَذَكَرَ نَحْوَهُ (^١) - وَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا القُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [قط ٤٣٠، ٤٣٣ (واللفظ له) / هقخ ٣٢٣].
[السند]:
رواه الدَّارَقُطْنيُّ -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- قال: حدثنا محمد بن مَخْلَد، ثنا الهَيْثَم بن خلَف، نا ابن عَمَّار المَوْصِلي، ثنا عُمرُ بن (زُرَيْق) (^٢)، عن زَمْعةَ بن صالح، عن سلَمةَ بن وَهْرام، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أربعُ عللٍ:
العلة الأُولى والثانيةُ: زَمْعةُ بنُ صالحٍ وشيخُه سلَمةُ؛ وقد سبقَ الكلامُ عليهما.
_________________
(١) أي: نحو مرسلِ عِكْرِمةَ الآتي بذِكر قصة ابنِ رواحة مع امرأته، وإنما قدمْنا حديثَ ابن عباس عليه؛ لأنه مسنَد، والدَّارَقُطْني إنما ساقه بعد مرسَل عِكْرِمةَ فاختصر متْنَه وقال: "نحوَه".
(٢) وقع في مطبوع الدَّارَقُطْني والبَيْهَقي: (رزيق) بتقديم الراء على الزاي، والصواب (زُرَيق) بتقديم الزاي على الراء، هكذا ضبطه الدَّارَقُطْنيُّ في (المؤتلف والمختلف ١٠٢١)، وابنُ ماكُولا في (الإكمال ٤/ ٥٧)، وابنُ ناصر الدين في (توضيح المشتبه ٤/ ١٧٩).
[ ٢١ / ١١٦ ]
العلةُ الثالثةُ: عُمرُ بنُ زُرَيقٍ؛ مَوْصليٌّ لا يُعرَفُ حالُهُ، ولا يُعرَفُ روَى عنه غيرُ ابنِ عَمَّارٍ الحافظِ. انظرْ ترجمتَهُ في (المؤتلف والمختلف ١٠٢١) للدارقطنيِّ، وفي (الإكمال ٤/ ٥٧) لابنِ ماكُولا، و(توضيح المشتبه ٤/ ١٧٩) لابنِ ناصرِ الدينِ.
العلة الرابعة: أن عُمرَ بنَ زُرَيقٍ هذا قد خُولِفَ في سندِهِ:
فرواه أبو نُعَيمٍ، عن زَمْعةَ، عن سلَمةَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ رَواحةَ مُنقطعًا، كما سبقَ.
ورواه أبو نُعَيمٍ أيضًا وسعيدُ بنُ زكريا، عن زَمْعةَ، بإسنادِهِ، وأرسلَاهُ عن عِكْرِمةَ.
فذِكْرُ ابنِ عباسٍ في سندِهِ غيرُ محفوظٍ، والروايةُ المرسَلةُ هي الصوابُ.
ورغمَ كل ذلك، يقولُ مُغْلَطاي: "هذا متصِلٌ، لولا ضَعْفُ زَمْعةَ؛ لكان إسنادُهُ لا بأسَ به" (شرح مُغْلَطاي على ابن ماجه ٢/ ٣٩٦)!
* * *
[ ٢١ / ١١٧ ]
٢٥٧٤ - حَدِيثُ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «كَانَ ابنُ رَوَاحَةَ مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ، فَقَامَ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ فِي نَاحِيَةِ الحُجْرَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، وَفَزِعَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَضْجَعِهِ، فَقَامَتْ وَخَرَجَتْ فَرَأَتْهُ عَلَى جَارِيَتِهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى البَيْتِ، فَأَخَذَتِ الشَّفْرَةَ، ثُمَّ خَرَجَتْ، وَفَرَغَ فَقَامَ، فَلَقِيَهَا تَحْمِلُ الشَّفْرَةَ، فَقَالَ: مَهْيَمْ؟ ! فَقَالَتْ: مَهْيَمْ! لَوْ أَدْرَكَتُكَ حَيْثُ رَأَيْتُكَ لَوَجَأْتُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ بِهَذِهِ الشَّفْرَةِ! قَالَ: وَأَيْنَ رَأَيْتِنِي؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ عَلَى الجَارِيَةِ. فَقَالَ: مَا رَأَيْتِنِي، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا القُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ. قَالَتْ: فَاقْرَأْ. فَقَالَ:
أَتَانَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ كَمَا لَاحَ مَشْهُورٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ
أتَى بِالهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ
فَقَالَتْ: آمَنْتُ بِاللهِ، وَكَذَّبْتُ البَصَرَ. ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ (^١) نَوَاجِذُهُ ﷺ».
[الحكم]: مرسَلٌ، ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ، والنَّوَويُّ،
_________________
(١) كذا على الصواب في طبعة الرسالة لسنن الدَّارَقُطْني، وكذا نقله عددٌ من المصنِّفين عن الدَّارَقُطْني بلفظ: (بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) -ومنهم: القُرْطُبي في تفسيره عند الآية (٤٣) من سورة النساء، وابنُ عبد الهادي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢٤٥) (٢٧٥)، والسُّبْكي في (طبقات الشافعية الكبرى ١/ ٢٦٦)، وانظر: (فتح الباري لابن حَجَر ٣/ ٤٢). ووقع في ط. المعرفة لسنن الدَّارَقُطْني، والخلافيات للبيهقي، بلفظ: (رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ)، والله أعلم.
[ ٢١ / ١١٨ ]
وابنُ عبدِ الهادي، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[قط ٤٣٢ (واللفظ له) / شرف ٢٣٨/ هقخ ٣٢٢/ كر (٢٨/ ١١٦)، (٢٨/ ١١٨)].
[السند]:
رواه ابنُ أبي الدنيا -ومن طريقه ابنُ عساكرَ (٢٨/ ١١٨) - قال: حدثني محمد بن عَبَّاد بن موسى، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ، عن زَمْعةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ بنِ وَهْرام، عن عِكْرِمةَ، به مرسَلًا.
ورواه الدَّارَقُطْنيُّ -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- من طريقِ العباسِ بنِ محمدٍ الدُّوريِّ، ومحمدِ بنِ سُلَيمانَ الواسِطيِّ، قالا: نا أبو نُعَيمٍ، به.
وتُوبِع عليه أبو نُعَيمٍ:
فرواه ابنُ عساكرَ (٢٨/ ١١٦) من طريقِ سعيدِ بنِ زكريا، عن زَمْعةَ، به.
فالحديثُ مدارُهُ على زَمْعةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ، عن عِكْرِمةَ، به مرسَلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
العلةُ الأُولى والثانيةُ: زَمْعةُ بنُ صالحٍ، وشيخُه سلَمةُ، وقد سبقَ الكلامُ عليهما قريبًا.
العلةُ الثالثةُ: الإرسالُ؛ فعِكْرِمةُ تابعيٌّ معروفٌ.
وقد ضَعَّفَ هذه القصةَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ:
[ ٢١ / ١١٩ ]
قال عبدُ الحَقِّ: "ولا يُروَى من وجهٍ صحيحٍ؛ لأنه منقطعٌ وضعيفٌ" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٥).
وقال النَّوَويُّ: "إسنادُ هذه القصةِ ضعيفٌ ومنقطعٌ" (المجموع ٢/ ١٨١).
وضَعَّفَهُا ابنُ عبدِ الهادي في (التنقيح ١/ ٤٢٦).
وقال السُّبْكيُّ -مشيرًا إلى غرابتها-: "ولم يُخرَّجْ هذا الأثرُ في شيءٍ من الكتبِ الستةِ" (طبقات الشافعية ١/ ٢٦٥).
وقد حذفها الألبانيُّ من (مختصر العلو) للذهبيِّ، وهذا يقتضي أنها ضعيفةٌ عنده أيضًا؛ لأنه التزمَ في (المقدمة ١/ ١٢) حذْفَ كلِّ ما هو ضعيفٌ، وليس له من الشواهدِ ما يقويه. وانظر: (حاشية الخلافيات ٢/ ٣٥).
قلنا: وفي المتنِ نكارةٌ واضحةٌ؛ إذ كيف يُفْهِم الصحابيُّ زوجتَه أن ما قاله قرآنٌ، وهو ليس كذلك، فمثْلُ هذا يتنزَّه عنه المتقون، فضلًا عن سيد المرسلين وأصحابِه، فإن واضعَ الروايةِ يدَّعِي أن النبيَّ ﷺ أقرَّ صنيعَ ابنِ رَواحةَ! ولو افترضنا أن ذلك وقعَ من ابنِ رَواحةَ خوفًا من القتلِ؛ فيكونُ ذلك منه ضرورةً، أمَّا من النبيِّ ﷺ فهذا يستحيلُ في حَقِّهِ ﷺ! ! .
ولذا، فقد حَكَمَ بوضْعِ هذه القصةِ الشيخُ محمد رشيد رضا، والشيخُ محمد حامد الفقي. انظر: (حاشية الخلافيات ٢/ ٣٥).
أمَّا قولُ ابنِ عبدِ البرِّ: "وقصتُهُ مع زوجتِهِ مشهورةٌ، رُوِّيناها من وجوهٍ صِحاحٍ"، ثم ذكرها دونَ إقرارِ النبيِّ ﷺ لابنِ رَواحةَ (الاستيعاب ٣/ ٩٠٠).
فلم نجدْ وجهًا صحيحًا من هذه الوجوهِ التي أشارَ إليها! ولذا تعقَّبه الذَّهَبيُّ قائلًا: "قلتُ: رُوي من وجوهٍ مرسَلة" (العلو للذهبي ١/ ٤٩).
[ ٢١ / ١٢٠ ]
ثم إن سياقَهُ لها ليس فيه إعلامُ النبيِّ ﷺ بصنيعه، ولا إقرارُه ﷺ على ذلك.
[تنبيه]: الأبياتُ المذكورةُ في القصةِ ثابتةٌ عنِ ابنِ رَواحةَ؛ فقد أخرجَ البخاريُّ في كتابِ: التهجُّدِ، باب: فضل مَن تَعارَّ من الليل فصلَّى، وفي كتاب: الأدب، باب: هِجاء المشركين، من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، أنه قال: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ»، يعني: بذاك: ابنَ رَواحةَ، قال:
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ
وعليه؛ فضعْفُ قصةِ ابنِ رَواحةَ مع زوجتِهِ أو بُطلانُها لا يعني عدمَ ثبوتِ الأبيات المذكورةِ فيها.
[ ٢١ / ١٢١ ]
٢٥٧٥ - حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الشَّعْبِيِّ: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ أَصَابَ مِنْ جَارِيَةٍ لَهُ، فَدَرَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ، وَأَخَذَتْ شَفْرَةً، ثُمَّ أَتَتْهُ، فَوَافَقَتْهُ حَتَّى (^١) قَامَ مِنْهَا، قَالَتْ: أَفَعَلْتَهَا يَا ابنَ رَوَاحَةَ؟ قَالَ: مَا فَعَلْتُ شَيْئًا. قَالَتْ: لَتَقْرَأَنَّ قُرْآنًا أَوْ لَأَبْعَجَنَّكَ بِهَا! قَالَ: فَفَكَّرْتُ فِي قِرَاءَةِ القُرْآنِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَهِبْتُ ذَلِكَ، وَهِيَ امْرَأَةٌ غَيْرَى، وَبِيَدِهَا شَفْرَةٌ، وَلَا آمَنُهَا؛ فَقُلْتُ:
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ إِذَا انْشَقَّ مَشْهُورٌ مِنَ الصُّبْحِ سَاطِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
قَالَ: فَأَلْقَتِ السِّكِّينَ، وَقَالَتْ: آمَنْتُ بِاللهِ، وَكَذَّبْتُ البَصَرَ. قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ. قَالَ: فَضَحِكَ، وَأَعْجَبَهُ مَا صَنَعْتُ».
[الحكم]: مرسلٌ، ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [عيا ٥٧١/ ناس ١٦٤].
[السند]:
رواه ابنُ أبي الدنيا في كتابيه (العيال، ومداراة الناس) قال: حدثنا محمد بن بكَّار، حدثنا (حفص بن عُمر) (^٢)، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن
_________________
(١) كذا في كتاب (العيال) لابن أبي الدنيا، ولعل الصواب: "حين"، ووقع في كتابه (مدارة الناس): "قد".
(٢) وقع في مطبوع (المداراة): (عُمر بن حفص)، وهو خطأ كما نبَّه عليه محقِّقُه، والصواب المثبَت.
[ ٢١ / ١٢٢ ]
الشَّعْبيِّ، به مرسَلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: الإرسالُ؛ فالشَّعْبيُّ من الوُسْطى من التابعين، ولم يدرِكْ عبدَ الله بنَ رَواحةَ ولا امرأتَه.
العلةُ الثانيةُ: حفْصُ بنُ عُمرَ، هو قاضي حلب؛ وهو شديدُ الضعفِ؛ قال فيه أبو زُرْعةَ: "منكَرُ الحديثِ". وقال أبو حاتم: "ضعيفُ الحديثِ، وهو دون حفْص بن سُلَيمانَ في الضعفِ". (الجرح والتعديل ٣/ ١٧٩)، وحفْصٌ هذا متروكٌ عند أبي حاتم وغيرِه.
وقال ابنُ حِبَّانَ: "شيخٌ يَروي عن هشامِ بنِ حسَّانَ والثقاتِ الأشياءَ الموضوعاتِ، لا يحلُّ الاحتجاجُ به" (المجروحين ١/ ٣١٦).
وسبقَ الكلامُ عما في المتنِ منَ النَّكارةِ.
[ ٢١ / ١٢٣ ]
٢٥٧٦ - حَدِيثُ عَبْدِ العَزِيزِ ابنِ أَخِي المَاجِشُونِ، مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ ابنِ أَخِي المَاجِشُونِ، قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ جَارِيَةٌ يَسْتَسِرُّهَا [سِرًّا] عَنْ أَهْلِهِ، [فَبَصُرَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ يَوْمًا قَدْ خَلَا بِهَا]، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: لَقَدْ رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ مَعَ جَارِيَتِكَ، وَإِنَّكَ الآنَ لَجُنُبٌ مِنْهَا. فَجَاحَدَ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاتْلُ عَلَيَّ القُرْآنَ. فَقَالَ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
[قَالَتْ: فَزِدْنِي آيَةً أُخْرَى. فَقَالَ:] ٣
وَأَنَّ العَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ ثَمَانِيَةٌ شِدَادٌ مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُقَرَّبِينَا
قَالَتْ: آمَنْتُ بِاللهِ، وَكَذَّبْتُ البَصَرَ. فَأَتَى ابنُ رَوَاحَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَحَدَّثَهُ الحَدِيثَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ».
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]:
[يزي (ص ١٠٢) (واللفظ له) / كر (٢٨/ ١١٢) (والزيادات له)، (٢٨/ ١١٤) / نبلا (١/ ٢٣٨) / طبش (١/ ٢٦٤، ٢٦٥)].
[التحقيق]:
رُويَ من طريقين عن عبد العزيز ابن أخي الماجِشُون:
الطريقُ الأولُ:
رواه اليَزيديُّ في (أماليه) -ومن طريقه ابنُ عساكرَ، والذَّهَبيُّ- قال:
[ ٢١ / ١٢٤ ]
حدثنا (أبو حرْب) (^١) قال: حدثني محمد بن عَبَّاد (^٢)، قال: حدثني عبد العزيز ابن أخي الماجِشُون، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
العلةُ الأُولى: إعضالُهُ؛ فإن عبدَ العزيزِ -وهو ابنُ عبد الله بن أبي سلَمةَ- الماجِشُون من الطبقة السابعة -كبار أتباع التابعين-، فبيْنَهُ وبينَ ابنِ رَواحةَ عدةُ وسائطَ، وقد أسقطها.
العلةُ الثانيةُ: محمدُ بنُ عبَّادٍ، وهو ابنُ عبَّادٍ المُهَلَّبيُّ؛ قال عنه الحَرْبيُّ: "لم يكنْ بَصيرًا بالحديثِ"، وعَدَّدَ من تصحيفاته. انظر: (لسان الميزان ٦٩٥٦).
العلةُ الثالثةُ: أبو حَرْبٍ شيخُ اليَزيدي؛ وهو محمدُ بنُ خالدٍ المُهَلَّبيُّ، كما في أول كتاب الأمالي لليَزيدي، وليس هو محمدَ بنَ خالدِ بنِ خِدَاشٍ المُهَلَّبيَّ، والأول: لم نقفْ له على ترجمةٍ وهو صاحبُ سندِنا هذا، وانظر (تكميل النفع بما لم يثبتْ به وقْفٌ ولا رفع ص ٧٩).
الطريقُ الثاني:
رواه ابنُ عساكرَ في (تاريخه)، والسُّبْكيُّ في (طبقات الشافعية)، من طريقِ الزُّبَيرِ بنِ بكَّار، حدثني موسى بن جعفر بن أبي كَثير، حدثني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلَمةَ، عن الثقة، أن عبد الله بن رَواحةَ، به.
_________________
(١) هكذا في (أمالي اليَزيدي)، ووقع عند الذَّهَبي وابن عساكر (محمد بن حَرْب)، والذي يظهر أنه خطأٌ أو تصحيف، وأبو حرْبٍ الذي يروي عنه اليَزيدي هو: (محمد بن خالد المُهَلَّبي). انظر: (أمالي اليَزيدي صـ ٨٧).
(٢) وقع في «السير»: عياذ. وهو تصحيف.
[ ٢١ / ١٢٥ ]
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عللٍ أيضًا:
العلةُ الأُولى: موسى بن جعفر بن أبي كثير مجهولٌ؛ قال العُقَيليُّ: "مجهولٌ بالنقلِ، لا يتابَعُ على حديثِهِ". وقال الذَّهَبيُّ: "لا يُعرَفُ، وخبرُهُ ساقطٌ". انظر: (لسان الميزان ٦/ ١١٣).
العلةُ الثانيةُ: إبهامُ الثقةِ الذي حَدَّثَ عنه عبدُ العزيزِ ابنُ الماجِشُون، وكونُهُ ثقةً عنده لا يقتضي ثقتَهُ على الإطلاقِ، لا سيَّما وقد جاءَ هذا التوثيقُ بنقلِ راوٍ مجهول.
العلةُ الثالثةُ: انقطاعُهُ؛ فإن ابنَ الماجِشُونِ أقلُّ ما يمكنُ أن يكونَ بينه وبين ابن رَواحةَ راويان، وقد ذَكرَ واحدًا فقط.
[ ٢١ / ١٢٦ ]
٢٥٧٧ - حَدِيثُ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، مُرْسَلًا:
◼ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ [امْرَأَةٌ، وَكَانَ يَتَّقِيهَا، وَكَانَتْ لَهُ] ١ جَارِيَةٌ، فَكَانَ يُكَاتِمُ امْرَأَتَهُ غِشْيَانَهَا. قَالَ: فَوَقَعَ عَلَيْهَا ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَاتَّهَمَتْهُ، [وَفَرِقَتْ] ٢ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ عَلَيْهَا، [فَقَالَتْ: إِنِّي لَأَرَاكَ جُنُبًا مِنْ جَارِيَتِكَ] ٣. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ [قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ!] ٤، [مَا فَعَلْتُ] ٥. فَقَالَتْ لَهُ: اقْرَأِ القُرْآنَ إِذًا، [فَإِنَّكَ جُنُبٌ] ٦، فَقَالَ:
شَهِدْتُ بِإِذْنِ اللهِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مِنْ عَلُ
وَأَنَّ أَبَا يَحْيَى وَيَحْيَى (كِلَيْهِمَا) لَهُ عَمَلٌ فِي دِينِهِ مُتَقَبَّلُ
فَقَالَتْ: أَوْلَى لَكَ، [لَوْلَا أَنَّكَ قَرَأْتَ] ٧».
[الحكم]: ضعيفٌ منقطعٌ، وهو موقوفٌ.
[اللغة]:: «فَرِقَتْ»؛ أي: خافتْ. (مرقاة المفاتيح ١٠/ ١٧٨).
[التخريج]:
[ش ٢٦٥٤٧/ شأ ٣٨٨ (واللفظ له) / عيا ٥٧٣ (والزيادة الأولى والثانية والرابعة والسادسة له) / شرف ٢٤٠/ علو ٦٨/ اعتلال ٤٩٣ (والزيادة الثالثة والخامسة والسابعة له) / كر (٢٨/ ١١٣)].
[السند]:
رواه ابنُ أبي شَيْبةَ في (المصنَّف وفي الأدب) -ومن طريقه ابنُ قُدَامةَ في (إثبات صفة العلو) - قال: حدثنا أبو أُسامةَ، عن أُسامةَ، عن نافِعٍ، به.
[ ٢١ / ١٢٧ ]
ورواه ابنُ أبي الدُّنيا في (العيال، والإشراف) -ومن طريقه ابنُ عساكرَ- من طريقِ ابنِ وَهْبٍ، أخبرني أُسامةُ بنُ زيدٍ اللَّيْثيُّ، أن نافعًا حدَّثَهُ، به.
ورواه الخَرائِطيُّ من طريق جعفر بن عَوْن، عن أُسامةَ، به.
فمداره عندَهم على أُسامةَ بنِ زيدٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: أُسامةُ بنُ زيدٍ اللَّيْثيُّ؛ مختلَفٌ في حالِهِ: فَضَعَّفَهُ أحمدُ، ووَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وليَّنَهُ النَّسائيُّ وأبو حاتم، وقال الحافظُ: "صدوقٌ يَهِم" (التقريب ٣١٧).
قلنا: ولكن روايته عن نافعٍ خاصَّةً متكلَّمٌ فيها؛ فقال أحمدُ: "روَى عن نافعٍ أحاديثَ مناكيرَ". فقال له ابنُه عبدُ اللهِ: "أرَاهُ حسَنَ الحديثِ". فقال أحمدُ: "إنْ تدبَّرْت حديثَه فستعرفُ فيه النُّكْرةَ" (تهذيب التهذيب ١/ ١٨٣).
وقد تفرَّدَ بهذا عن نافعٍ، فالظاهرُ أنه من مناكيرِهِ عنه، والله أعلم.
العلةُ الثانيةُ: الانقطاعُ؛ فنافعٌ تابعيٌّ لم يدرِكِ ابنَ رَواحةَ، ولم يذكرْ ممن سمِعَ القصةَ.
[ ٢١ / ١٢٨ ]
٢٥٧٨ - حَدِيثُ ابنِ الهَادِ:
◼ عَنْ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الهَادِ: «أَنَّ امْرَأَةَ ابنِ رَوَاحَةَ رَأَتْهُ عَلَى جَارِيَةٍ لَهُ، فَقَالَتْ لَهُ: وَعَلَى فِرَاشِي أَيْضًا! ! فَقَامَ يُجَاحِدُهَا. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اقْرَأْ آيَةً مِنَ القُرْآنِ؛ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَقْرَأُ وَأَنْتَ جُنُبٌ». فَقَالَ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا
[الحكم]: ضعيفٌ؛ لإعضالِهِ، وهو موقوفٌ.
[التخريج]: [شرف ٢٣٩/ عيا ٥٧٢/ كر (٢٨/ ١١٤)].
[السند]:
رواه ابنُ أبي الدنيا في (الإشراف، والعيال) -ومن طريقه ابنُ عساكرَ في (تاريخه) - قال: (^١) حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السَّكُوني، قال: حدثني عبد الله بن وَهْب، عن عبد الرحمن بن سَلْمانَ، عن ابن الهاد، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإعضالِهِ؛ فابنُ الهادِ من صِغارِ التابعينَ، ولم يدرِكِ ابنَ رَواحةَ ﵁، وأقلُّ ما يُمكنُ أن يكونَ بينهما راويان.
_________________
(١) وقع في مطبوع "العيال" هنا زيادة: "حدثنا ثَوْبان"، وهي زيادةٌ مقحمةٌ لا وجهَ لها، وما في (الإشراف) هو الصوابُ، وقد رواه ابنُ عساكرَ عنه بدونها.
[ ٢١ / ١٢٩ ]
ورجالُهُ ثقاتٌ، عدا عبدَ الرحمنِ بنَ سَلْمانَ، وهو الحَجْريُّ المِصريُّ؛ مختلَفٌ فيه: فوَثَّقَهُ ابنُ يُونسَ كما في (الإكمال ٣/ ٨٤)، وأخرجَ له مسلمٌ حديثًا واحدًا، وقال البخاريُّ: "فيه نظرٌ" (التاريخ الكبير ٥/ ٢٩٣)، وقال أبو حاتمٍ: "مضطربُ الحديثِ". قال ابنُ أبي حاتمٍ: "ما رأيتُ في حديثِهِ منكَرًا، وهو صالحُ الحديثِ، أدخله البخاريُّ في (كتاب الضعفاء)، فسمِعتُ أبي يقولُ: يُحوَّل مِن هناكَ" (الجرح والتعديل ٥/ ٢٤١). وعبارةُ ابنِ أبي حاتم هذه جاءتْ في الكتابِ موصولةً بكلامِ أبي حاتم، فنقلها المِزِّيُّ منسوبةً لأبي حاتم!
وذكره البَرْذَعيُّ في (الضعفاء لأبي زُرْعة الرازي ١٨٥). وقال النَّسائيُّ: "ليس بالقوي" (المتروكين ٣٦٢). هكذا وجدْتُهُ في كتابِ النَّسائيِّ، ونقله عنه ابنُ الجَوْزي في (المتروكين ١٨٧٢)، والذَّهَبيُّ في (المغني ٣٥٧٣)، ولكن قال ابنُ القَطَّانِ: "لا أعلمُ أحدًا وَثَّقَهُ غيرَ النَّسائيِّ، فإنه قال: "لا بأسَ به"، وأدخله البخاريُّ في (الضعفاءِ)، وكذلك فعلَ أبو أحمدَ، والعُقَيليُّ، والساجيُّ" (بيان الوهم والإيهام ٣/ ١٨).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "قال النَّسائيُّ: ليسَ به بأس" (تهذيب التهذيب ٦/ ١٨٨).
واعتمده في (التقريب ٣٨٨٢)، فقال: "لا بأس به".
وهذا مما يَشْهَدُ لقولِ مَن قالَ بأن عبارةَ النَّسائيِّ: "ليسَ بالقويِّ" تعني: "ليس به بأس". وعلى كُلٍّ، فقولُ النَّسائيِّ: "ليس بالقوي" ليس بجَرْحٍ مُفْسِدٍ. انظر: (الموقظة ٨٢).
[ ٢١ / ١٣٠ ]
٢٥٧٩ - حَدِيثُ قُدَامَةَ:
◼ عَنْ قُدَامَةَ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَاطِبٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵁ وَقَعَ بِجَارِيَةٍ لَهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: فَعَلْتَهَا؟ ! قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَأَقْرَأُ القُرْآنَ». فَقَالَتْ: «أَمَّا أَنْتَ فَلَا تَقْرَأُ القُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ». فَقَالَ: «أَنَا أَقْرَأُ لَكِ». فَقَالَ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامٌ مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا
فَقَالَتْ: «آمَنْتُ بِاللهِ، وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ».
[الحكم]: ضعيفٌ منقطِعٌ، وأعلَّه الذَّهَبيُّ بالانقطاعِ، ثم هو موقوفٌ.
[التخريج]: [جهم ٨٢].
[السند]:
قال عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارِميُّ في (الرد على الجهمية): حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ المِصريُّ، أنبأنا يحيى بن أيوبَ، حدثني عُمَارةُ بنُ غَزِيَّة، عن قُدَامةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ قُدَامةُ من الوُسْطى منَ التابعين، ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ٣١٩). وقال الحافظُ: "مقبولٌ" (التقريب ٥٥٢٥).
قلنا: ومع ذلك فهو منقطعٌ؛ قُدَامةُ لم يدرِكِ ابنَ رَواحةَ ولا امرأتَه، وبهذا
[ ٢١ / ١٣١ ]
أعلَّه الذَّهَبيُّ في (العلو ٤٩).
ويحيى بنُ أيوبَ: "صدوقٌ ربما أخطأ" (التقريب ٧٥١١).
[ ٢١ / ١٣٢ ]
٢٥٨٠ - حَدِيثُ الهَيْثَمِ:
◼ عَنِ الهَيْثَمِ بنِ عَدِيٍّ، قَالَ: ذَكَرُوا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ ابْتَاعَ جَارِيَةً وَكَتَمَ ذَلِكَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ -وَبَلَغَهَا أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهَا-: إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ ابْتَعْتَ جَارِيَةً. فَقَالَ لَهَا: مَا فَعَلْتُ. فَقَالَتْ: بَلَى، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ كُنْتَ عِنْدَهَا اليَوْمَ، وَلَا أَحْسَبُكَ إِلَّا جُنُبًا، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاقْرَأْ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ. فَقَالَ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُقَرَّبِينَا
فَقَالَتْ لَهُ: أَمَّا إِذْ قَرَأْتَ القُرْآنَ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْكَ. قَالَ: فَافْتَقَدَتْهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَمْ تَجِدْهُ عَلَى فِرَاشِهَا، فَحَبَسَتْ نَفَسَهَا، فَلَمْ تَزَلْ تَطْلُبُهُ حَتَّى قَدَرَتْ عَلَيْهِ فِي نَاحِيَةِ الدَّارِ، فَقَالَتْ: الآنَ صُدِقْتُ فِيمَا بَلَغَنِي. فَجَحَدَهَا. فَقَالَتْ: اقْرَأِ الآيَاتِ مِنَ القُرْآنِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؛ فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ جُنُبًا لَمْ تَقْرَأْ. فَقَالَ:
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ سَاطِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ
أَتَى بِالْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا لَهُ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
وَأَعْلَمُ عِلْمًا لَيْسَ بِالظَّنِّ أَنَّنِي إِلَى اللهِ مَحْشُورٌ هُنَاكَ وَرَاجِعُ
فَحَدَّثَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَاسْتَضْحَكَ حَتَّى رَدَّ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ: «هَذَا لَعَمْرِي مِنْ مَعَارِيضِ الكَلَامِ، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا ابنَ رَوَاحَةَ، إِنَّ خِيَارَكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِكُمْ. فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي رَدَّتْ عَلَيْكَ حَيْثُ قُلْتَ مَا قُلْتَ؟». قَالَ: قَالَتْ لِي:
[ ٢١ / ١٣٣ ]
اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَمَّا إِذْ قَرَأْتَ القُرْآنَ فَإِنِّي أَتَّهِمُ ظَنِّي وَأُصَدِّقُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ وَجَدْتَهَا ذَاتَ فِقْهٍ فِي الدِّينِ».
[الحكم]: باطلٌ موضوعٌ.
[التخريج]: [كر (٢٨/ ١١٤، ١١٥)].
[السند]:
قال ابنُ عساكر: قرأتُ بخطِ رَشَأ بنِ نَظِيف، وأنبأنِيه أبو القاسم عليُّ بن إبراهيم وأبو الوحْش سُبَيع بن المسلم عنه، أنا أبو الفتح إبراهيم بن عليِّ بن إبراهيمَ بن سِيبُخْت، نا أبو بكر محمد بن يحيى بن العباس الصُّولي، نا عَوْن -يعني: ابنَ محمد- عن أبيه، عن الهَيْثَم -وهو ابن عَدِي-، قال فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ الهَيْثَمُ بنُ عَدِيٍّ هو: أبو عبد الرحمن الطائِيُّ؛ كذَّبَهُ البخاريُّ، وابنُ مَعِين، وأبو داودَ، وغيرُهُم. وقال النَّسائيُّ وغيرُهُ: "متروكٌ". انظر ترجمتَهُ في (اللسان ٨٣١٢).
[ ٢١ / ١٣٤ ]
٢٥٨١ - حَدِيثُ جَابِرٍ:
◼ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقْرَإِ الحَائِضُ وَلَا النُّفَسَاءُ [وَلَا الجُنُبُ] مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا».
[الحكم]: باطلٌ. وضَعَّفَهُ: ابنُ عَدِيٍّ، وابنُ طاهرٍ المَقْدِسيُّ، وابنُ عبدِ الهادي، ومُغْلَطايُ، والزَّيْلَعيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والشَّوْكانيُّ، والمباركفوريُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[عد (٩/ ١٥٧) / قط ١٨٧٩ (واللفظ له) / حل (٤/ ٢٢) (والزيادة له) / مستغفض ٢٢٣].
[السند]:
قال الدَّارَقُطْنيُّ: حدثنا عبد الصمد بن عليٍّ، ثنا إبراهيم بن أحمد بن مَرْوان، ثنا عُمر بن عثمان بن عاصم، ثنا محمد بن الفَضْل، عن أبيه، عن طاوس، عن جابر، به.
ومدارُهُ عندَهم عن محمدِ بنِ الفَضْلِ، به.
قال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا لا يُروَى إلا عن محمدِ بنِ الفَضْلِ، عن أبيه، عن طاوسٍ".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه: محمدُ بنُ الفَضْلِ بنِ عطيَّةَ؛ وقد كذَّبه أحمد، وابنُ مَعِين، والفَلَّاسُ، وغيرُهم، ولذا قال الحافظ: "كذَّبُوه" (التقريب ٦٢٢٥).
والحديثُ ذكره ابنُ عَدِيٍّ في ترجمتِهِ، وختمها بقوله: "ولمحمدِ بنِ
[ ٢١ / ١٣٥ ]
الفَضْلِ غيرُ ما ذكرتُ من الحديثِ، وعامَّةُ حديثِه ممَّا لا يُتابِعُهُ الثِّقَاتُ عليه" (الكامل ٩/ ١٦٠).
وبه ضَعَّفَ الحديثَ: ابنُ القَيْسَراني في (ذخيرة الحفاظ ٥/ ٢٦٢٨)، وابنُ عبدِ الهادي في (التنقيح ١/ ٢٤٣)، ومُغْلَطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٩٥)، والزَّيْلَعيُّ في (نصب الراية ١/ ١٩٥)، وابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٥٥٠)، وابنُ حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ١٣٨)، والشَّوْكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٢٨٤)، والمباركفوريُّ في (تحفة الأحوذي ١/ ٣٤٧)، والألبانيُّ في (الإرواء ١/ ٢٠٩).
وقال العَيْنيُّ: "رواه الدَّارَقُطْنيُّ، ثم البَيْهَقيُّ، وقال: سندُهُ صحيحٌ" (عمدة القاري ٣/ ٢٦١).
وهذا محضُ وهَمٍ؛ فلم يروِ البَيْهَقيُّ حديثَ محمدِ بنِ الفَضْلِ هذا، وإنما روَى في (الخلافيات ٣٢٩) من طريقِ الدَّارَقُطْنيِّ بإسنادٍ آخَرَ إلى جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، موقوفًا عليه من قولِهِ، وقال عنه في (السنن ١/ ٨٩): "ورُوي عن جابر بن عبد الله من قولِهِ في: «الجُنُبِ وَالحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ»، وليس بقويٍّ".
وهذا الموقوفُ يُعتبَرُ علةً أُخْرى للمرفوعِ، ولكنْ سندُهُ وَاهٍ أيضًا:
فقد رواه (الدَّارَقُطْني ٤٣٤) من طريقِ أبي الشَّعْثاءِ، عنِ ابنِ الحسنِ الواسِطيِّ، ثنا سُلَيمانُ أبو خالدٍ، عن يحيى، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ -موقوفًا- قال: «لَا يَقْرَإِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ وَلَا النُّفَسَاءُ القُرْآنَ».
ثم قال الدَّارَقُطْني: "يحيى هو: ابنُ أبي أُنَيْسةَ، ضعيفٌ".
قلنا: بل متروكٌ؛ كذا قال أحمدُ، والنَّسائيُّ، والدَّارَقُطْنيُّ، وغيرُهُم.
وقال ابنُ حَجَرٍ: "فيه يحيى بنُ أبي أُنَيْسةَ؛ وهو كذَّابٌ. وقال البَيْهَقيُّ: هذا
[ ٢١ / ١٣٦ ]
الأثرُ ليس بالقويِّ" (التلخيص ١/ ١٣٨).
وقد جاءَ هذا الموقوفُ من طريقٍ آخَرَ دونَ ذِكْرِ الجُنُبِ:
فرواه ابنُ المُنْذِرِ في (الأوسط ٦١٨) عنِ ابنِ عبدِ الحكمِ، أنا ابنُ وَهْب، أخبرني ابنُ لَهِيعةَ، عن أبي الزُّبَيرِ: أنه سَأَلَ جابرًا عن المرأةِ الحائضِ والنفساءِ: هل تقرأُ شيئًا منَ القرآنِ؟ فقال جابرٌ: «لَا».
* * *
[ ٢١ / ١٣٧ ]
٢٥٨٢ - حَدِيثُ عُمَرَ:
◼ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانيِّ، قَالَ: «كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ».
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «لَا يَقْرَإِ الجُنُبُ القُرْآنَ».
[الحكم]: موقوفٌ صحيحٌ، وصَحَّحَهُ: البَيْهَقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[عب ١٣١٨ (واللفظ له) / ش ١٠٨٦ (والرواية له) / مي ١٠١٥/ دكين ١٣٥/ طح (١/ ٩٠) / منذ ٦١٥/ هق ٤٢٣/ هقع ٧٨٤/ هقخ ٣٢٥، ٣٢٦].
[السند]:
رواه عبدُ الرزاقِ وابنُ دُكَيْنٍ: عنِ الثَّوْريِّ،
ورواه ابنُ أبي شَيْبةَ عن حفْصِ بنِ غِيَاثٍ، وأبي مُعاويةَ،
ثلاثتُهم: عنِ الأعمشِ، عن أبي وائل شَقِيق بنِ سلَمةَ، عن عَبِيدةَ، عن عُمرَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ؛ عَبِيدةُ هو السَّلْمانيُّ أحدُ أئمةِ التابعين الكِبار، وكذلك أبو وائل شَقِيقُ بنُ سلَمةَ.
والأثرُ صَحَّحَهُ البَيْهَقيُّ في «المعرفة» وفي (الخلافيات)، وصَحَّحَهُ ابنُ
[ ٢١ / ١٣٨ ]
حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ١٣٨)، وأقرَّهُ الألبانيُّ في (الإرواء ١/ ٢١٠).
وقد رواه البَيْهَقيُّ في (الكبرى) من طريقِ أيوبَ بنِ سُوَيْدٍ الرَّمْليِّ، عن سُفيانَ، عنِ الأعمشِ، عن أبي وائل: أن عُمرَ، به. فأسقط منه عَبِيدةَ.
وأيوبُ بنُ سُوَيدٍ ضَعَّفَهُ جمهورُ النُّقَّادِ، منهم: أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، والنَّسائيُّ، وأبو داودَ، والساجيُّ، وغيرُهُم. وليَّنه أبو حاتمٍ. وقال البخاريُّ: "يتكلَّمونَ فيه". ورَمَاهُ ابنُ حِبَّانَ وغيرُهُ بسوءِ الحفظِ. انظر: (تهذيب التهذيب ١/ ٣٥٤). وقال الحافظُ: "صدوقٌ يُخطئُ" (التقريب ٦١٥).
وقد وهِمَ أيوبُ في إسنادِهِ؛ حيثُ أسقطَ منه عَبِيدةَ، والصوابُ إثباتُهُ كما رواه عبدُ الرزاقِ، وابنُ دُكَيْنٍ، عنِ الثَّوْريِّ.
وكذلك رواه حفْصٌ، وأبو مُعاويةَ، وزائِدةُ، ويَعْلَى بنُ عُبَيدٍ، عنِ الأعمشِ؛ ولذا قال البَيْهَقيُّ مُتعقِّبًا روايةَ أيوبَ: "ورواه غيرُهُ عنِ الثَّوْريِّ، عن الأعمشِ، عن أبي وائل، عن عَبِيدةَ، عن عُمرَ، وهو الصحيحُ".
ورُويَ هذا الأثرُ عن عُمرَ من وجهٍ آخَرَ:
فأخرجه الدارِميُّ (١٠١٥): أخبرنا أبو الوليد، حدثنا شُعبةُ، أخبرنا الحَكَمُ، عن إبراهيمَ، قال: «كَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ -أَوْ: يَنْهَى- أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ». قال شُعبةُ: وجدتُ في الكتابِ: «وَالحَائِضُ».
وأخرجه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٤٢٣)، من طريقِ سُلَيمانَ بنِ حَرْبٍ، عن شُعبةَ، به.
قال البَيْهَقيُّ: "وهذا مرسَلٌ".
قلنا: وذلك؛ لأن إبراهيمَ -وهو: النَّخَعيُّ- لم يدرِكْ عُمرَ ﵁.
[ ٢١ / ١٣٩ ]