٢٥٨٣ - حَدِيثُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ:
◼ عَنْ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، بَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ (فَقُرِئَ) (^١) عَلَى أَهْلِ اليَمَنِ، وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: «وَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
[الحكم]: صحيحٌ وِجادَةً، مختلَفٌ في ثبوتِهِ مُسْنَدًا.
قال أحمدُ: "أرجو أن يكونَ هذا الحديثُ صحيحًا".
وصَحَّحَهُ: ابنُ راهُويَه، والحاكمُ، وابنُ حِبَّانَ، والبَيْهَقيُّ.
وضَعَّفَ سَنَدَهُ: ابنُ مَعِينٍ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ حَزْمٍ، وابنُ كَثيرٍ، والذَّهَبيُّ، وابنُ التُّرْكُماني، وغيرُهُم، رغمَ تصريح بعضِهم بالعملِ به.
والراجحُ: أن هذا الحديثَ لا يصحُّ مسنَدًا، وإنما يصحُّ عن طريقِ الوِجادةِ (^٢)،
_________________
(١) في مطبوعِ ابنِ حِبَّانَ: (فَقُرِئَتْ)، ولعلَّ المثبَتَ أصحُّ، وهو كذلك في روايةِ النَّسائيِّ برقْم (٤٨٥٤).
(٢) الوِجَادةُ: هي أن يجِدَ الراوي حديثًا أو كتابًا بخطِ شخصٍ آخَرَ. فله أن يرويَه عنه على سبيلِ الحكايةِ، فيقولُ: "وجدتُ بخطِ فُلانٍ: حدثنا فلان"، ويرويه. قال ابنُ كثيرٍ: "والوِجَادةُ ليستْ من بابِ الروايةِ، وإنما هي حكايةٌ عما وجَدَه في الكتابِ. وأمَّا العملُ بها: فمَنع منه طائفةٌ كثيرةٌ من الفقهاءِ والمحدِّثينَ، أو أكثرُهُم، فيما حَكاهُ بعضُهُم. ونقلَ الشافعيُّ وطائفةٌ من أصحابِهِ جوازَ العملِ بها. قال ابنُ الصلاحِ: وقطعَ بعضُ المحقِّقين من أصحابِهِ في الأُصولِ بوجوبِ العملِ بها عند حصولِ الثقةِ به. قال ابنُ الصلاحِ: وهذا هو الذي لا يتَّجِه غيرُهُ في الأعصارِ المتأخرةِ؛ لتعذُّرِ شروطِ الروايةِ في هذا الزمانِ، يعني: فلم يبقَ إلا مجردُ وِجادات" انظر (الباعث الحثيث صـ ١٢٧ - ١٢٨).
[ ٢١ / ١٤٠ ]
فقد ثبتَ أن النبيَّ ﷺ كتبَ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ كتابًا، وقد عَمِلَ بما فيه الصحابةُ، وتلقَّاهُ التابعون بالقَبولِ عندما وجدوه عند آلِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ.
قال الشافعيُّ: "لم يَقبَلُوه حتَّى ثبتَ عندهم أنه كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ".
وقال يعقوبُ الفَسَوِيُّ: "لا أعلمُ في جميعِ الكتبِ المنقولةِ أصحَّ من كتابِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ".
وقال الحاكمُ: "وقد شَهِدَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والزُّهْريُّ لهذا الكتابِ بالصحةِ".
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "إنه أشبَه المتواتر".
ولكن هذا الكتاب غيرُ مسموعٍ عمَّن فوق الزُّهْريِّ بالسندِ، كما قال العقيلي، فمَن أسندَهُ فقد وهِمَ، وإنما هو وِجادةٌ، وإلى ذلك أشارَ ابنُ مَعِينٍ عندما سأله رجلٌ: "هذا مُسْنَدٌ؟ " قال: "لا، ولكنه صالحٌ".
وعلى هذا؛ يُحمَلُ تضعيفُ مَن ضَعَّفَهُ مِنَ الأئمةِ على أنه ليس بمسنَدٍ، وإنما هو وِجادةٌ، والوِجادةُ منقطعةُ الإسنادِ. أمَّا العملُ بها: فواجبٌ إذا ما
[ ٢١ / ١٤١ ]
صحَّتْ نسبتُها لصاحبها؛ ولذا قال ابنُ كَثيرٍ: "وهذه وِجادةٌ ينبغي العملُ بها".
هذا عن الكتابِ جملةً، أمَّا بشأنِ الفقرةِ المذكورةِ في المتنِ فلها شواهدُ أُخرى صَحَّحَهَا بها الألبانيُّ، وهي صحيحةٌ عن طريقِ الوِجادةِ بمفردها، كما سبقَ بيانُهُ.
[الفوائد]:
اختلَفَ أهلُ العلمِ اختلافًا شديدًا في حُكمِ مسِّ المصحفِ لفاقدِ الطُّهُورَيْنِ؛ فقد منعه جمهورُ أهلِ العلمِ محتجِّينَ بهذا الحديثِ، وزادَ بعضُهُم الاحتجاجَ بقولِهِ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
ونقل بعضُهُم الإجماعَ على ذلك؛ فقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وأجمعَ فقهاءُ الأمصارِ الذين تدورُ عليهم الفتوى وعلى أصحابهم، بأن المصحفَ لا يَمَسُّه إلا الطَّاهر" (الاستذكار ٨/ ١٠).
كذا قالَ! وقد أباحَ مَسَّ الجُنُبِ للمصحفِ طائفةٌ من أهلِ العلمِ، منهم: ابنُ عباسٍ، وربيعةُ، والشَّعْبيُّ، وعِكْرِمةُ، ومحمدُ بنُ سِيرينَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وأهلُ الظاهرِ. (المحلَّى ١/ ٧٨ - ٨٠)، (عمدة القاري ٥/ ١٧٣).
وأجابوا عنِ استدلالِ المانعينَ بقولِهِ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]؛ بأنَّ المقصودَ هنا: اللوحُ المحفوظُ، والمطهَّرون: هُمُ الملائكةُ، وهذا ظاهرٌ في سياقِ الآيةِ وسِباقها. وأمَّا حديثُ البابِ: «وَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»: فمنهم مَن لم يأخذْ به؛ لكونِهِ وِجادةً، ومنهم مَن تأوَّل الطاهرَ بالمسلمِ.
[ ٢١ / ١٤٢ ]
[التخريج]:
[مي ٢٢٩٥/ حب ٦٦٠٠ (واللفظ له) / ك ١٤٤٧/ مد ٢٥٨، ٢٥٩ (مختصرًا) / تخث (السفر الثاني ٢٨٥٤) / قط ٤٣٩، ٢٧٢٣/ هق ٤١٢، ١٤٩٣، ٧٣٣٦/ شعب ١٩٣٥/ هقخ ٢٩٥ - ٢٩٧/ لك ٥٧١، ٥٧٢/ كر (٢٢/ ٣١٣) / كما (١١/ ٤٢١/ ٢٥١٢) / تحقيق ٢٦٠/ تمهيد (١٧/ ٣٩٧) / طط ٥٦] (^١).
[التحقيق]:
هذا الحديثُ رُويَ مُسنَدًا من ثلاثةِ طرقٍ:
أولها -وهو أشهرها-:
رواه الدارِميُّ، قال: أخبرنا الحَكَمُ بنُ موسى، ثنا يحيى بنُ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ داودَ، حدثني الزُّهْريُّ، عن أبي بكر بنِ محمد بنِ عَمرو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، به مختصرًا.
ورواه الحاكمُ، وابنُ حِبَّانَ، وغيرُهُما، من طريقِ الحَكَمِ بنِ موسى، به مطوَّلًا.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غيرَ سُلَيمانَ بنِ داودَ، وهو الخَوْلانيُّ؛ مختلَفٌ فيه، فضَعَّفَهُ جماعةٌ، وأثنَى عليه آخرون:
_________________
(١) روَى هذا الحديثَ النَّسائيُّ في (المجتبى) (٤٨٥٣، ٤٨٥٤)، وفي (الكبرى) (٧٠٥٨، ٧٠٥٩)، وابنُ أبي عاصم في (الديات ٣٣)، والطَّحاوي في (شرح معاني الآثار)، وغيرُهُم، ولم نذكرهم في التخريجِ؛ لأن موطنَ الشاهدِ منَ البابِ ليس موجودًا عندهم ولا عند كثير ممن خرَّجَ الحديثَ واختصرَ متْنَه.
[ ٢١ / ١٤٣ ]
فأما المضعِّفون؛ فهذه أقوالُهم:
قال ابنُ المَدِيني: "منكَرُ الحديثِ" (تهذيب الكمال ١١/ ٤١٦).
وقال البخاريُّ: "فيه نظرٌ" (التاريخ الكبير ٤/ ١٠)، ولعلَّه عَنى بذلك حديثَه هذا.
وقال أحمدُ: "ليس بشيءٍ".
وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ" (تاريخ ابن معين رواية الدارِمي ٣٨٦)، وقال مرَّةً: "شيخٌ شاميٌّ ضعيفٌ"، وقال: "ليسَ يُعرَفُ، وليس يصحُّ هذا الحديث" (الكامل ٣/ ٢٧٤، ٢٧٥).
وقال ابنُ خُزَيمةَ: "لا يُحتجُّ به".
وأمَّا مَن أَثنى عليه؛ فهذه أقوالُهم:
قال أبو حاتم: "شيخٌ ليحيى بنِ حمزةَ، لا بأسَ به، يقال: إنه سُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ" (الجرح والتعديل ٤/ ١١٠).
وهذا الذي ذكره أبو حاتم بصيغةِ التمريضِ: "يقال"، هو الصحيحُ كما سيأتي.
وقال الدارِميُّ -متعقِّبًا شيخَه ابنَ مَعِينٍ-: "أرجو أنه ليس كما قال يحيى، وقد روَى عنه يحيى بنُ حمزةَ أحاديثَ حِسَان كأنها مستقيمةٌ، وهو دِمشقيٌّ خَوْلاني" (تاريخ ابن مَعِين رواية الدارِمي ٣٨٦).
وقال الدَّارَقُطْنيُّ: "ليس به بأسٌ".
وقال الحاكمُ -عَقِبَ الحديثِ-: "وسُلَيمانُ بنُ داودَ الدِّمَشْقيُّ الخَوْلانيُّ معروفٌ بالزُّهْريِّ، وإن كان يحيى بنُ مَعِينٍ غَمَزه فقد عدَّله غيرُه" اهـ. ثم
[ ٢١ / ١٤٤ ]
نقل كلامَ أبي حاتم، وأبي زُرْعةَ (^١) في سُلَيمانَ، وأنه لا بأسَ به.
وقال ابنُ حِبَّانَ -عَقِبَ الحديثِ-: "سُلَيمانُ بنُ داودَ هذا هو: سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلاني، من أهل دِمشقَ، ثقةٌ مأمونٌ، وسُلَيمانُ بنُ داودَ اليَمَاميُّ لا شيء، وجميعًا يَرويانِ عن الزُّهْريِّ".
يشيرُ بذلك إلى أن الذي روَى هذا الحديثَ إنما هو الخَوْلانيُّ، وأن مَن ضَعَّفَهُ خلَط بينه وبينَ اليَمَاميِّ الضعيفِ، وصرَّحَ بذلك في (المجروحين ١/ ٤٢١)، فقال: "هذا شيءٌ قدِ اشتَبَه على شيوخِنَا؛ لاتفاقِ الاسمين. أمَّا سُلَيمانُ بنُ داودَ اليَمَاميُّ الذي يَروي عنِ الزُّهْريِّ، ويحيى بنِ أبي كثير، فهو ضعيفٌ كثيرُ الخطإِ. وسُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ الذي يَروي عنِ الزُّهْريِّ حديثَ الصدقاتِ فهو دمشقيٌّ صدوقٌ مستقيمُ الحديثِ فمَن لم يُمْعِن النظرَ في تخليصِ أحدِهما منَ الآخَر اشتَبَه عليه أمرُهما، وتوَهَّم أنهما واحد" اهـ.
قلنا: قد فرَّقَ بينهما يحيى بنُ مَعِينٍ، وضَعَّفَهُما جميعًا، فقال: "سُلَيمانُ بنُ داودَ الشاميُّ روَى عنِ الزُّهْريِّ حديثَ عَمرِو بنِ حَزْمٍ، ليس هو بشيءٍ، وسُلَيمانُ بنُ داودَ اليَمَاميُّ ليس هو بشيءٍ، ولم يتابِعْ سُلَيمانَ بنَ داودَ في حديثِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ أحدٌ، وليس في الصدقاتِ حديثٌ له إسنادٌ" (سؤالات ابن مَعِين للدَّقَّاق ٤١ - ٤٣).
وقولُه: "وليس في الصدقاتِ حديثٌ له إسنادٌ"، يعني: إسنادًا معتبَرًا.
وقال البَيْهَقي: "وقد أثنَى على سُلَيمانَ بنِ داودَ الخَوْلانيِّ هذا: أبو زُرْعةَ
_________________
(١) في (المستدرك) بعد أن ذكرَ كلامَ أبي حاتم، قال: "قال أبو محمد بن أبي حاتم: وسمِعتُ أبا زُرْعةَ يقولُ ذلك"، ولم نقفْ على كلامِ أبي زُرْعةَ في كتابِ ابنِ أبي حاتمٍ.
[ ٢١ / ١٤٥ ]
الرازيُّ، وأبو حاتم الرازيُّ، وعثمانُ بنُ سعيدٍ الدارِميُّ، وجماعةٌ منَ الحُفَّاظِ، ورأَوْا هذا الحديثَ الذي رواه في الصدقةِ موصولَ الإسنادِ حسنًا، والله أعلم" اهـ.
قلنا: أمَّا سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ، فالراجحُ أنه صدوقٌ كما قال الحافظُ في (التقريب ٢٥٥)، ولكن ليس هو صاحبَ هذا الحديثِ كما سيأتي بيانُهُ.
فهذا الإسنادُ ظاهرُهُ السلامةُ على الأرجحِ من حالِ سُلَيمانَ بنِ داودَ؛ ولذا صحَّحه ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ وغيرُهُما.
لكنِ الصوابُ أنه إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان تَحُولان دون تصحيحه:
العلةُ الأُولى: أن سُلَيمانَ راوي هذا الحديثِ ليس هو سُلَيمانَ بنَ داودَ الخَوْلانيَّ؛ وإنما هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، وقد أخطأَ في ذلك الحَكَمُ بنُ مُوسَى، فسمَّاهُ (سُلَيمانَ بنَ داودَ)، وتابعه على ذلك أحمدُ بنُ سُلَيمانَ:
فقد علَّقه البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٤/ ١٠) عن شيخِهِ أحمدَ بنِ سُلَيمانَ، عن يحيى بنِ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ داودَ الخَوْلانيِّ، عنِ الزُّهْريِّ، به.
وأحمدُ هذا هو: ابنُ أبي الطيِّبِ سُلَيمانَ البغداديُّ؛ ضَعَّفَهُ أبو حاتم. وقال ابنُ حَجَرٍ: "صدوقٌ حافظٌ، له أغلاطٌ، ضَعَّفَهُ بسببها أبو حاتم، وله في البخاريِّ حديثٌ واحدٌ متابعةً" (التقريب ٥١).
وأمَّا الحَكَمُ بنُ مُوسَى، فهو وإن كانَ صدوقًا، فإنه خُولِفَ فيه:
فرواه أبو داودَ في (المراسيل ٢٥٨)، من طريقِ محمدِ بنِ بكَّار بنِ بِلالٍ، وجامعِ بنِ بكَّار، كلاهما عن يحيى بنِ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، عنِ الزُّهْريِّ، به.
[ ٢١ / ١٤٦ ]
ومحمد بنُ بكَّارٍ وأخوه جامِع بنُ بكَّار صدوقان كما في (التقريب: ٨٨٦، ٥٧٥٧).
وقد جعلاه من حديثِ سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، ويترجَّحُ قولُهما على قولِ الحَكَمِ وأحمدَ بنِ سُلَيمانَ بثلاثةِ أُمورٍ:
الأمر الأول: أنهما دمشقيان كشيخهما يحيى بنِ حمزةَ؛ فهُما أعلمُ بحديثِ بَلَدِيِّهما من الحَكَمِ وصاحبِهِ؛ إذ هما بغداديان.
الأمر الثاني: أنه قد نصَّ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ والحُفَّاظِ على وهَمِ الحَكَمِ فيه، بل وذَكَرَ بعضُهُم أنه رَآهُ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ من حديثِ سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، وإليك تفصيل ذلك:
* الإمامُ أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ؛ قال: "والذي قال: «سُلَيمان بن داودَ»؛ وهِمَ فيه" اهـ.
ثم رواه أبو داودَ عن الحَكَمِ بنِ موسى بإسنادِهِ، وقال: "وهِمَ فيه الحَكَمُ".
* النَّسائيُّ؛ حيثُ قال -بعد أن رواه من طريقِ الحكمِ-: "خالفه محمدُ بنُ بكَّار بنِ بلال"،
ثم ساقَهُ بإسنادِهِ (برقم ٤٨٥٤) من طريقِ محمدِ بنِ بكَّار، به.
وقال: "وهذا أشبَه بالصوابِ، وسُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ متروكُ الحديثِ".
* أبو هُبَيْرةَ الدِّمَشقيُّ محمدُ بنُ الوليدِ؛ قال أبو داودَ في (المراسيل ٢٥٨): "حدثَنا أبو هُبَيرةَ، قال: قرأتُهُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ: حدثني سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم".
* الحافظ دُحَيْم؛ قال: "نظرتُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، فإذا هو سُلَيمانُ بنُ
[ ٢١ / ١٤٧ ]
أَرْقَم" (الميزان ٣/ ٢٨٧).
* أبو زُرْعةَ الدِّمَشْقيُّ؛ قال: "حُدِّثتُ أنه وُجِدَ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ: عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، عنِ الزُّهْريِّ، ولكنَّ الحَكَمَ بنَ موسى لم يَضبِطْ" اهـ. (تاريخ دمشق ٢٢/ ٣٠٩).
* أبو نُعَيمٍ الأَصْبَهانيُّ؛ حيثُ قال -بعد أن رواه من طريقِ الحَكَمِ-: "هكذا قاله الحَكَمُ.
وقال أبو زُرْعةَ: هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ"، ثم استدلَّ أبو نُعَيمٍ على ذلك بما رواه العباسُ بنُ الفَضْلِ الأنصاريُّ، عن أبي معاذٍ الأنصاريِّ، عنِ الزُّهْريِّ، به. قال أبو نُعَيمٍ: "وأبو معاذٍ هو: سُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ" اهـ. (المعرفة ٤٩٧٤).
والعباسُ هذا وإن قال فيه الحافظُ: (متروكٌ)، فإن ابنَ حِبَّانَ ذكر أن روايتَهُ عنِ البصريِّينَ مستقيمةٌ، وابنُ أَرْقمَ بصريٌّ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "يُكتَبُ حديثُهُ".
* الدَّارَقُطْنيُّ؛ قال: "سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ الشاميُّ ليس به بأس رُويَ عنه حديثٌ عنِ الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بنِ حَزْمٍ، الحديث الطويل، لا يَثْبُتُ عنه؛ قال غيرُ الحَكَمِ بنِ موسى: إنه سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم" اهـ. (تاريخ دمشق ٢٢/ ٣١٢).
* الحافظُ أبو عبد الله بنُ مَنْدَهْ؛ قال: "قرأتُ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ بخطه: عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقَمَ، عن الزُّهْريِّ" (تهذيب التهذيب ٤/ ١٨٩).
* أبو الحسن الهَرَويُّ؛ قال: "الحديثُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقَمَ، غَلِطَ عليه الحَكَمُ" اهـ. (التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ١٣٢).
* عبدُ الجبارِ الخَوْلانيُّ؛ قال: "هذا غلَطٌ منَ الحَكَمِ بنِ موسى والذي
[ ٢١ / ١٤٨ ]
صحَّ عندنا أنه رَوَى حديثَ الصدقاتِ عنِ الزُّهْريِّ، هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، هكذا هو مكتوبٌ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، وهو الصوابُ" اهـ. (تاريخ داريا ص ٨١).
الأمر الثالث: ما استدلَّ به أبو نُعَيمٍ، وهو رواية العباسِ بنِ الفَضْلِ الأنصاريِّ، عن أبي معاذٍ الأنصاريِّ، عن الزُّهْريِّ، به، (وأبو معاذ هو: سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم).
إذًا؛ فصاحبُ الحديثِ هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم، وابنُ أَرْقَمَ هذا متروكٌ كما سبقَ عن النَّسائيِّ، وكذلك قال أبو حاتم، والتِّرْمِذيُّ، والدَّارَقُطْنيُّ، وابنُ خِرَاشٍ، وغيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ. انظر: (تهذيب التهذيب ٤/ ١٤٨).
وعلى هذا؛ فالإسنادُ ضعيفٌ جدًّا.
* وسلكَ ابنُ عَدِيٍّ مسلكًا آخَرَ؛ فذهبَ إلى أن سُلَيمانَ بنَ داودَ صاحبَ هذا الحديثِ راوٍ مجهولٌ، وردَّ قولَ مَن قالَ: إنه سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، كما ردَّ أيضًا قولَ أحمدَ بأنه من أهلِ الجزيرةِ، ثم قال: "والحَكَمُ بنُ موسى قد ضبَطَ ذلك، وسُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ صحيحٌ كما ذكره الحَكَمُ، وقد رواه عنه غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، إلا أنه مجهولٌ" اهـ. (الكامل ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
قلنا: هكذا جاءتِ العبارةُ في عدة طبعات من (الكامل): (وقد رواه عنه غيرُ يحيى)، والمتأمِّلُ في بقيةِ السياقِ يَكادُ يجزِمُ بأن هذه العبارةَ محرَّفةٌ، وأن صوابها: (وقد روَى عنه غيرُ يحيى)؛ فإن ابنَ عَدِيٍّ استدلَّ لما ذكره بأنْ قال: "أخبرَناه "، وساقَ سندًا من روايةِ صَدَقةَ بنِ عبدِ اللهِ، عن سُلَيمانَ بنِ داودَ الخَوْلانيِّ، قال: سمِعتُ أبا قِلابةَ الجَرْميَّ يقولُ: "حدثني عشرةٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ " الحديثَ.
وهذا حديثٌ آخَرُ لا علاقةَ له بحديثنا ألْبَتَّةَ، فمرادُ ابنِ عَدِيٍّ من ذِكره إنما
[ ٢١ / ١٤٩ ]
هو الاستدلالُ على أنَّ الخَوْلانيَّ هذا قد روَى عنه غيرُ يحيى، فتأمَّل.
ومما يُؤَيِّدُ ذلك أيضًا قولُ ابنِ عَدِيٍّ -بعد هذا الحديثِ الذي ساقه-: "وقد روَى عن سُلَيمانَ بنِ داودَ غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، وصدقةَ بنِ عبد اللهِ، كما ذكرْتُه منَ الشاميِّين".
وقد ذهبَ ابنُ التُّرْكُماني أيضًا إلى تجهيلِ سُلَيمانَ، فقال: "سُلَيمانُ هذا مجهولٌ لا يُعرَفُ" (الجوهر النقي ١/ ٨٨).
وعلى كُلٍّ؛ فلم نجدْ مَن رواه عن سُلَيمانَ هذا غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، وقد رجَّحَ الذَّهَبيُّ وابنُ حَجَرٍ أن صاحبَ الحديثِ هو ابنُ أَرْقَمَ:
قال الذَّهَبيُّ: "ترجَّحَ أن الحَكَمَ بنَ موسى وَهِمَ ولا بُدَّ"، وقال أيضًا: "رجَّحْنا أنه ابنُ أَرْقَمَ؛ فالحديثُ إذًا ضعيفُ الإسنادِ" (الميزان ٣/ ٢٨٨).
وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: "أمَّا سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ، فلا ريبَ في أنه صدوقٌ، لكن الشُّبهة دخلتْ على حديثِ الصدقاتِ من جهةِ أنَّ الحَكَمَ بنَ موسى غلِطَ في اسمِ والد سُلَيمانَ، فقال: سُلَيمانُ بنُ داودَ، وإنما هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، فمَنْ أَخذَ بهذا ضعَّفَ الحديثَ، ولا سيَّما مع قولِ مَن قال: إنه قرأه كذلك في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ وأمَّا مَن صحَّحه فأخذوه على ظاهرِهِ في أنه سُلَيمانُ بنُ داودَ، وقَوِيَ عندهم أيضًا بالمرسلِ الذي رواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، والله أعلم" اهـ. (تهذيب التهذيب ٤/ ١٨٩).
قلنا: وهذا تحقيقٌ بديعٌ، غير أن في قولِهِ: "وقَوِيَ عندهم بالمرسلِ " نظرًا ظاهرًا؛ فإن روايةَ مَعْمَرٍ للحديثِ عن الزُّهْريِّ مرسَلًا لا تقوِّي الموصولَ، بل تُعِلُّه، حتى ولو سلَّمْنا بأن الذي وصله هو سُلَيمانُ بنُ داودَ؛ فإنه متكلَّمٌ فيه كما سبقَ، ومَعْمَرٌ من أثبتِ أصحابِ الزُّهْري بعد مالكٍ،
[ ٢١ / ١٥٠ ]
فإرسالُهُ للحديثِ يُعتبَرُ علةً للموصولِ، ولذا قال ابنُ عَدِي: "وأمَّا حديثُ الصدقاتِ فله أصلٌ في بعضِ ما رواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، فأفسدَ إسنادَهُ، وحديثُ سُلَيمانَ بنِ داودَ مُجوَّدُ الإسنادِ" اهـ. (الكامل ٣/ ٢٧٥).
ويتقوَّى هذا بأن المحفوظَ عن الزُّهْريِّ في هذا الحديثِ إرسالُهُ، وهذه هي:
العلةُ الثانيةُ: الإرسالُ، وقد أشارَ النَّسائيُّ في (سننه) إلى هذه العلةِ؛ فقال -بعدَ أن رَجَّحَ أنه من روايةِ ابنِ أَرْقمَ-: "وقد روَى هذا الحديثَ يونسُ عن الزُّهْري مرسَلًا".
ثم ساقه بإسنادِهِ (٤٨٥٥) من طريقِ يونسَ بنِ يزيدَ الأَيْليِّ، ومن طريقِ سعيد بنِ عبد العزيز التَّنُوخيِّ (٤٨٥٦)، عن ابنِ شِهابٍ، قال: «قرأتُ كتابَ رسولِ اللهِ ﷺ الذي كتبَ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ حينَ بعثه على نَجْرانَ، وكان الكتابُ عند أبي بكر بنِ حَزْم »، وساقَ الحديثَ مرسَلًا مختصرًا.
ورواه أبو داودَ في (المراسيل ٩٤) من طريقِ شُعيبِ بنِ أبي حمزةَ، عن الزُّهْريِّ، به مرسَلًا.
قال أبو داودَ: "أُسنِدَ هذا، ولا يصحُّ" اهـ.
قلنا: وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ من أثبتِ الناسِ في الزُّهْريِّ، والتَّنُوخيُّ ثقةٌ إمامٌ، وكذلك يونسُ، فروايتُهم عن الزُّهْريِّ أَوْلى بالتصويبِ؛ فعادَ الحديثُ إلى كوْنِه مرسَلًا، فالموصولُ منكَرٌ مع ضَعْفِ إسنادِهِ.
قال الطَّحاويُّ: "ومما يدُلُّ أيضًا على وَهَاءِ هذا الحديثِ: أن أصحابَ الزُّهْريِّ المأخوذَ علْمُه عنهم مثْل: يونسَ بنِ يزيدَ، ومَن روَى عن الزُّهْري
[ ٢١ / ١٥١ ]
في ذلك شيئًا، إنما روَى عنه الصحيفةَ التي عند آل عمر ﵁، أفترى الزُّهْريَّ تكون فرائضُ الإبل عنده عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْمٍ، عن أبيه، عن جده -وهُمْ جميعًا أئمةٌ وأهلُ علمٍ مأخوذٌ عنهم- فيسكت عن ذلك ويضْطَرُّه الأمرُ إلى الرجوع إلى صحيفة عمر غيرِ مرويَّة ليحدِّثَ الناسَ بها؟ ! هذا عندنا مما لا يجوزُ على مِثْله" (شرح معاني الآثار ٤/ ٣٧٨/ رقم ٧٣٧٥).
قلنا: إطلاقُ الوَهَاءِ على الحديثِ غيرُ جيِّد؛ لأنه ثبَتَ وِجادةً؛ فيُحمَل ذلك على وَهائِه مسنَدًا.
الطريق الثاني:
رواه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٢٩٦) من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي أُوَيْس، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي بكر، ومحمدِ بنِ أبي بكر بن عَمرو بنِ حَزْم، عن أبيهما، عن جدِّهما، به (^١).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه أربعُ عِللٍ:
العلةُ الأُولى: إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْس؛ مختلَفٌ فيه، قال أحمدُ: "لا بأسَ به"، وكذا قال ابنُ مَعِينٍ في رواية الدارِمي (٩٣١)، وضَعَّفَهُ في عِدَّةِ رواياتٍ أُخْرَى، فروَى ابنُ أبي خَيْثَمةَ عنه أنه قال فيه: "صدوقٌ، ضعيفُ العقلِ، ليسَ بذاك"؛ يعني: أنه لا يُحْسِنُ الحديثَ، ولا يَعْرفُ أن يؤدِّيَه، أو يقرأ من غيرِ كتابِهِ". وقال مُعاويةُ بنُ صالحٍ عن يحيى: "أبو أُوَيْس وابنُه ضعيفان" (التهذيب ٥/ ٢٨١). وقال ابنُ الجُنَيْدِ عن يحيى: "مخلِّطٌ،
_________________
(١) أخرجه الحاكمُ (١٤٦٤) وغيرُهُ من هذا الوجهِ، وليس عندَهم موضعُ الشاهدِ منَ البابِ.
[ ٢١ / ١٥٢ ]
يَكذِبُ، ليس بشيءٍ" (سؤالات ابن الجُنَيد ١٧٤).
وقال أبو حاتم: "محلُّه الصدق، وكان مغفَّلًا". وقال النَّسائيُّ: "ضعيفٌ"، وقال في موضع آخَرَ: "ليس بثقةٍ". وقال أبو القاسم اللَّالَكَائيُّ: "بالغَ النَّسائيُّ في الكلامِ عليه، إلى أن يؤدِّيَ إلى ترْكه، ولعلَّه بانَ له ما لم يَبِنْ لغيره؛ لأن كلامَ هؤلاءِ كلِّهم يَئُولُ إلى أنه ضعيفٌ" (تهذيب التهذيب ١/ ٣١١).
قلنا: ذَكر الحافظُ أنه رُمِي بالوضْعِ، ثم روَى عن سلَمةَ بنِ شَبِيبٍ الحافظِ أنه قال: "سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبي أُوَيْسٍ يقولُ: ربما كنتُ أَضعُ الحديثَ لأهلِ المدينةِ إذا اختلفوا في شيءٍ فيما بينهم". قال الحافظُ: "وهذا هو الذي بانَ للنسائيِّ منه حتَّى تجنَّبَ حديثَه وأطلقَ القولَ فيه بأنه ليسَ بثقةٍ، ولعلَّ هذا كان من إسماعيلَ في شَبِيبته ثم انصلحَ، وأما الشيخان فلا أَظنُّ بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيحَ من حديثِهِ الذي شاركَ فيه الثقات، وقد أوضحتُ ذلك في مقدمة شرحي على البخاريِّ" (تهذيب التهذيب ١/ ٣١١).
ونصُّ كلامِ الحافظِ -في (مقدمة الفتح ص ٣٩١) بعد أن ذكرَ الخلافَ فيه-، قال: "وعلى هذا لا يُحْتجُّ بشيءٍ من حديثِهِ غير ما في (الصحيح)؛ مِن أجْلِ ما قدح فيه النَّسائيُّ وغيرُهُ، إلا إنْ شاركه فيه غيرُه فيُعتبَرُ به" اهـ.
وهذا هو المعتمَدُ في أمرِ إسماعيلَ، خِلافًا لقولِ الحافظِ في (التقريب ٤٦٠): "صدوقٌ، أخطأَ في أحاديثَ مِن حفْظِه" اهـ.
العلةُ الثانيةُ: أبو أُوَيْس والدُ إسماعيلَ، واسمُه: عبد الله بن عبد الله بن أُوَيس؛ مختلَفٌ فيه أيضًا، والجمهورُ على تليينه، منهم: ابنُ المَدِيني، وابنُ مَعِين، والنَّسائيُّ، وأبو حاتم، وأبو زُرْعةَ، والفَلَّاسُ، ويعقوبُ بنُ شَيْبةَ، وغيرُهُم. انظر: (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٨١).
[ ٢١ / ١٥٣ ]
العلةُ الثالثةُ: الانقطاعُ، وبيانُهُ يحتاجُ إلى تفصيلٍ؛ فإن والدَ عبد الله ومحمدٍ ابنَيْ أبي بكر هو: أبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم الأنصاريُّ، فقولُه: "عن جدهما" يحتمِل وجهين:
الوجه الأول: أن يُرادَ به الجدُّ الأدنى، وهو محمد بن عَمرو بن حَزْم، وحينئذٍ يكونُ الحديثُ مرسَلًا، وليس بمتصلٍ؛ لأن محمدًا له رُؤيةٌ، ولا سماعَ له منَ النبيِّ ﷺ، قال العَلَائيُّ: "وُلِد على عهدِ النبيِّ ﷺ، فقيل: قبل موته بسنتين، وقيل بعد ذلك؛ فهو تابعيٌّ ليس إلَّا، وحديثُه مرسَلٌ" (جامع التحصيل ٧٠٢).
الوجه الثاني: أن يرادَ به الجدُّ الأعلى، وهو عَمرو بن حَزْم الصحابي، وحينئذٍ يكونُ الإسنادُ منقطعًا؛ لأن أبا بكر بن محمدٍ روايتُه عن جدِّه مرسَلةٌ كما قال المِزِّيُّ في (تهذيب الكمال ٣٣/ ١٣٧).
العلة الرابعة: الإرسالُ؛ فإنه المحفوظُ في هذا الحديثِ، هكذا رواه مالكٌ في (الموطأ ٥٣٤) عن عبد الله بن أبي بكر مرسَلًا: «أنَّ في الكتابِ الذي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ »، وذكر الحديث.
وقيل: عن مالكٍ، عن عبدِ اللهِ، عن أبيه، مرسَلًا أيضًا.
وقد جاءَ هكذا في موضعٍ آخَرَ من (الموطأ ٢٤٥٨).
وكذلك رواه مَعْمَرٌ، عن عبدِ اللهِ، عن أبيه، مرسَلًا (مصنَّف عبد الرزاق ١٣٣٩).
وإرسالُهُ هو الراجحُ عنِ الزُّهْريِّ كما سبقَ.
ولذا قال أبو داودَ: "أُسنِد هذا، ولا يصحُّ" اهـ.
[ ٢١ / ١٥٤ ]
وقد أسندَهُ بعضُهُم عن مَعْمَرٍ، وهذا هو:
الطريق الثالث:
رواه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٢٩٥) من طريقِ أبي مسعودٍ الرازيِّ، عن عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده به (^١).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: الانقطاعُ، أو الإرسالُ؛ لأن قولَهُ: "عن جدِّه" يحتمل وجهين، كما بيَّنَّاه في الطريقِ السابقِ، أحدهما مرسَل، والآخَر منقطع.
والوجهُ المرسَلُ هو الذي استظهره الطَّحاويُّ وابنُ حَجَرٍ، وأعَلَّاه به. انظر: (شرح معاني الآثار ٤/ ٣٧٧/ ٧٣٧٥)، و(التلخيص ٤/ ١٧).
والوجه الثاني المنقطِعُ هو الذي استظهره ابنُ دَقيقِ العيدِ في كلامِهِ على روايةِ مَن أسنده عن مالكٍ كما سيأتي، وقال: "وإنما يكونُ متصلًا إذا أُريدَ الأعلى" (الإمام ٢/ ٤١٥).
ويعني بقوله: "متصلًا"؛ أي: مُسنَدًا، في مقابلِ الوجهِ المرسَلِ، ولا يعني أنه متصلُ الإسنادِ؛ لأن هذا الوجهَ المسنَدَ منقطعٌ؛ كما بيَّنَّاه قريبًا.
العلة الثانية: أن المحفوظَ فيه الإرسالُ كما تقدَّم ذِكرُه، وهكذا رواه عبد الرزاق كما سبقَ، ورواه من طريقه الدَّارَقُطْنيُّ في موضعين من (سننه ٤٣٩، ٢٧٢٣).
قال البَيْهَقيُّ: "كذا في كتابي «عن جده»، ولم يذكره غيرُه -يعني: أبا مسعود- عن عبد الرزاق" (الخلافيات ١/ ٥٠٠).
_________________
(١) وهو بهذا الإسنادِ في (مصنَّف عبد الرزاق) في غير ما موضع، ولكن ليس فيه موضعُ الشاهدِ.
[ ٢١ / ١٥٥ ]
وأبو مسعود هو: أحمد بنُ الفُرَات الرازيُّ؛ ثقةٌ حافظٌ. كما في (التقريب ٨٨)، ومع ذلك فقد تُوبِع كما سيأتي.
وقال الزَّيْلَعيُّ: "لم أجدْهُ عند عبد الرزاق في (مصنَّفه) وفي (تفسيرِهِ) إلا مُرْسَلًا" (نصب الراية ١/ ١٩٧).
قلنا: هو في (المصنَّف) في غير ما موضع بذِكر (عن أبيه، عن جده)، جاءَ ذلك في كتابِ: (العُقُول)، باب: (المُوضِحَة/ ١٧٣١٤)، وباب: (المَأْمُومة/ ١٧٣٥٨)، وباب: (العين/ ١٧٤٠٨)، وغيرها كثير.
وكذلك رواه ابنُ خُزَيمةَ في (صحيحه ٢٣٣٤)، من طريقِ عبد الرحمن بنِ بِشْر بنِ الحَكَمِ، ورواه الدارِميُّ (١٦٢٢) عن بِشْر بنِ الحَكَمِ، كلاهما عن عبد الرزاق، به.
وعبد الرحمن وأبوه بِشْرٌ ثقتان؛ فلم ينفرِدْ به أبو مسعودٍ، كما قال البَيْهَقيُّ، بل لم ينفردْ به عبدُ الرزاقِ:
فقد رواه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٧٤٠٢) من طريقِ هشامِ بنِ يوسفَ الصَّنْعانيِّ، عن مَعْمَرٍ، عن عبد الله، عن أبيه، عن جده.
ورواه الدارِميُّ في (نقضه ٢/ ٦١٥)، والطَّحاويُّ في (الأحكام ٦٠٦، ٦١٣)، وابنُ زَنْجُويَهْ في (الأموال ١١٠٤)، من طريقِ ابنِ المبارَكِ، عن مَعْمَرٍ، به.
(مقتصِرِين على بعض ما جاء في الكتاب، فلم يذكروا فيه موطنَ الشاهدِ).
وهشامٌ ثقةٌ، وابنُ المبارَك ثقةٌ إمامٌ، وأخشى أن يكونَ هذا اضطرابًا من مَعْمَرٍ؛ فإنه مرَّة يرويه عن عبد الله مرسَلًا، لا يذكرُ أباه ولا جدَّه (مصنَّف عبد الرزاق ٦٩٠٤)، وتارةً يرويه (عن عبد الله، عن أبيه مرسَلًا)، دون ذِكْرِ
[ ٢١ / ١٥٦ ]
جدِّه (مصنَّف عبد الرزاق ١٣٣٩)، وأخرى يقول: (عن أبيه، عن جده)، كما هنا.
ولو كان هذا الأخيرُ محفوظًا عن مَعْمَرٍ، فروايةُ مالكٍ المرسلَةُ أرجَحُ؛ لأنه أثبتُ من مَعْمَرٍ، وقد تابعه عليه ابنُ إسحاقَ كما سيأتي.
وكذلك رواه الزُّهْريُّ ومحمدُ بنُ عُمَارةَ عن أبي بكر بنِ محمدٍ مرسَلًا.
وعلى أيةِ حالٍ؛ فهذه الروايةُ التي فيها: (عن أبيه، عن جده) دائرةٌ بينَ الانقطاعِ والإرسالِ كما بيَّنَّاهُ، وقد أنكرَ غيرُ واحدٍ منَ العلماءِ وصْلَ هذا الحديثِ، وصحَّحوا إرسالَه كما سبقَ.
وقد رواه الدَّارَقُطْنيُّ في (غرائب مالك) من طريقِ إسحاقَ الطَّبَّاعِ، ومن طريقِ أبي ثَوْرٍ هاشِم بنِ ناجِيَة، عن مُبَشِّرِ بنِ إسماعيلَ، (كلاهما) عن مالك، عن عبد الله، عن أبيه، عن جده، ثم قال: "الصوابُ عن مالكٍ؛ ليس فيه: عن جده".
وقال أيضًا: "تفرَّدَ به أبو ثَوْر، عن مُبَشِّرٍ، عن مالكٍ، فأسنَدَه عن جده" (الإمام لابن دقيقِ العيدِ ٢/ ٤١٤، ٤١٥)، (نَصْب الراية ١/ ١٩٧)، (الدراية ١/ ٨٧).
قلنا: وهو كذلك في (الموطأ)، ليس فيه: "عن جده"، وكذلك رواه القَعْنَبيُّ في (المراسيل ٩٣)، وابنُ وَهْبٍ في (المصاحف ٧٣٩)، عن مالكٍ، به.
وقد تمسَّك مُغْلَطايُ بما ذكره الدَّارَقُطْنيُّ، وذهب إلى تقويةِ حديثِ سُلَيمانَ به! ! (شرحه على ابن ماجه ٢/ ٤٠٣). مع أن هذه الروايةَ التي فيها (عن جده) -بغضِ النظرِ عن إعلالها- دائرةٌ بينَ الانقطاعِ والإرسالِ، كما
[ ٢١ / ١٥٧ ]
سبقَ بيانُهُ.
هذه هي طرقُ كتابِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ المسنَدةُ، وكلُّها معلولةٌ، والصوابُ في هذا الحديثِ إرسالُه. هذا بشأن سندِ الكتابِ عامَّةً، أما بشأن الفقرةِ المذكورةِ في هذا البابِ، فلها شواهدُ أُخرَى صحَّحها بها الألبانيُّ في (الإرواء ١/ ١٥٨)، وهي صحيحةٌ دون هذه الشواهدِ؛ لأنها وإن كانتْ مرسَلةً فإنَّ هذا المرسَلَ وِجادَةٌ صحيحةٌ يجبُ العملُ بها على الراجحِ، وتفصيل ذلك فيما يأتي.
-[تنبيهات مهمة جدًّا]-
التنبيه الأول: ترجيحُ إرسال هذا الحديثِ لا يعني ضَعْفَه مطلقًا؛ لأنه وإن لم يثبُتْ مُسْنَدًا، فقد ثبَتَ عن طريقِ الوِجادةِ؛ فهذه الصحيفةُ التي قرأها الزُّهْري وُجِدَتْ عند آل عَمرِو بن حَزْم، وقد جَزَموا بأنها كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ الذي كتبه لعَمرٍو، وهُمْ أهلُ صِدْقٍ، فهي وِجادةٌ صحيحةٌ يجبُ العملُ بها على الراجحِ؛ ولذا عَمِلَ بها الصحابةُ والتابعون، وتلقَّوْها بالقَبول:
فقد روَى عبدُ الرزاقِ في (المصنَّف ١٨٧٨٣) عن الثَّوْريِّ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيد بنِ المُسَيِّبِ: «أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ فِي الإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي السَّبَّابَةِ عَشْرًا، وَفِي الوُسْطَى عَشْرًا، وَفِي البِنْصَرِ تِسْعًا، وَفِي الخِنْصَرِ سِتًّا، حَتَّى وَجَدْنَا كِتَابًا عِنْدَ آلِ حَزْمٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الْأَصَابِعَ كُلَّهَا سَوَاءٌ، فَأَخَذَ بِهِ».
ورواه النَّسائيُّ في (سننه ٧٢٢٢، ٤٨٩٠) من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيْر، عن يحيى بنِ سعيد، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ أحدُ العلماءِ
[ ٢١ / ١٥٨ ]
الأثباتِ الفقهاءِ الكبارِ، اتَّفقوا على أن مرسلاتِه أصحُّ المراسيلِ (التقريب ٢٣٩٦).
وقال اللَّيْثُ بنُ سعدٍ عن يحيى بن سعيد: "إن ابنَ المُسَيِّبِ كان يُسمَّى راويةَ عُمرَ بنِ الخطابِ؛ لأنه كانَ أحفظَ الناسِ لأحكامِهِ وأقضيتِه" (تهذيب التهذيب ٤/ ٧٦).
فثبَتَ بذلك عملُ الصحابةِ بهذا الكتابِ، وإقرارُهم بأنه من رسول الله ﷺ.
قال الشافعيُّ: "لم يَقْبَلوا كتابَ آلِ عَمرو بنِ حَزْمٍ حتى ثبَتَ لهم أنه كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ" (الرسالة ٤٢٢).
وقال الإمامُ أحمدُ: "لا شَكَّ أن النبيَّ ﷺ كتبه له" (مجموع الفتاوى لابن تيميَّة ٢١/ ٢٦٦).
وقد احتجَّ به أحمدُ، مع أنه قد نصَّ على ضَعْفِ الراوي الذي وصَلَه، ولَمَّا سُئِل عن الحديثِ؟ قال: "أرجو أن يكون صحيحًا" (مسائل الإمام أحمد للبغوي ٧٢).
وكذلك ابنُ مَعِينٍ قد نصَّ على عدمِ صحته كما سبقَ، وعندما سأله رجلٌ عن الحديثِ قائلًا: هذا مسنَد؟ قال: "لا، ولكنه صالح" (تاريخ ابن مَعِين رواية الدُّوري ٦٤٧).
فهذا يدلُّ على أن نفْيَه لصحةِ الحديثِ إنما أرادَ صحتَه مسنَدًا، كما بيَّنه في قولِهِ: "وليس في الصدقاتِ حديثٌ له إسنادٌ".
أمَّا الكتابُ فلا شَكَّ في صحتِهِ، كما قال أحمدُ.
وقال يعقوبُ بنُ سفيانَ: "لا أعلمُ في جميعِ الكتبِ كتابًا أصحَّ من كتابِ
[ ٢١ / ١٥٩ ]
عَمرو بنِ حَزْم؛ كان أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ والتَّابعون يرجعون إليه ويَدَعون آراءَهم" (المعرفة والتاريخ ٢/ ٢١٦).
وقال العقيلي: "وهو عندنا ثابت محفوظ (^١) - إن شاء الله -، غير أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عن مَن فوق الزهري. والله أعلم" (الضعفاء ٢/ ١٤٢).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وكتابُ عَمرِو بنِ حَزْمٍ هذا قد تلقَّاه العلماءُ بالقَبولِ والعملِ، وهو عندهم أشهرُ وأظهرُ من الإسنادِ الواحدِ المتصِلِ" (الاستذكار ٢/ ٤٧١).
وقال أيضًا: "كتابُ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ كتابٌ مشهورٌ عند أهلِ العلمِ معروفٌ، يستغني بشهرته عن الإسنادِ" (التمهيد ١٧/ ٣٩٦).
وقال ابنُ كثيرٍ: "هذا الكتابُ متداولٌ بينَ أئمةِ الإسلامِ قديمًا وحديثًا، يعتمدونَ عليه، ويَفزَعونَ في مهمَّات هذا الشأنِ إليه".
وقال أيضًا: "وهو نسخةٌ متوارَثةٌ عندَهم، تُشبِه نسخةَ عَمرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جده" (تحفة الطالب ١/ ٢٣١).
وقال أيضًا: "وهذه وِجادةٌ جيِّدةٌ، قد قرأها الزُّهْريُّ وغيرُهُ، ومِثْل هذا ينبغي الأخذُ به". (تفسير ابن كثير ٤/ ٢٩٩).
وقال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "وهذا مرسَل ومِن الناس مَن يُثبِت هذا الحديثَ بشهرة الكتاب وتلقِّيه بالقَبول، ويرى أن ذلك يُغْني عن طلب الإسناد"
_________________
(١) كذا في طبعات العقيلي كلها، وقد وقع في مطبوعة (تاريخ دمشق ٢٢/ ٢١١) - وقد رواه من طريق ابن الدخيل عن العقيلي -: "وهو غير ثابتٍ محفوظ"!، فأبدل كلمة (عندنا) بـ (غير).
[ ٢١ / ١٦٠ ]
(الإلمام ١/ ٨٧).
التنبيه الثاني:
ورد في الرواية المسنَدةِ الموصولة زياداتٌ وأحكامٌ لم تَرِدْ فيما نقله الثقاتُ من الكتاب عن طريقِ الوِجادة، وقد جزَم الإمامُ محمدُ بنُ يحيى الذُّهْليُّ بعدم صحة هذه الزيادات، فقال: "لم يسند الحديث يونس، ولا شعيب، ولا سعيد بن عبد العزيز، وذكروا أنه كتاب، غير أنهم نقصوا من الحديث، ورواه سليمان بن داود بطوله، وهو مجهول، قد روى يحيى بن حمزة عنه أشياء، عن عمر بن عبد العزيز - من الرأي، والحديث برواية يونس وشعيب وسعيد أشبه أن يكون كتاب، والكلام الذي في حديث سليمان بن داود لا أرفعه" (الضعفاء للعقيلي ٢/ ١٤٢).
وهذا تحقيقٌ بديعٌ، وصدقَ مَن قال: "الذُّهْليُّ أعلمُ الناسِ بحديثِ الزُّهْري".
التنبيه الثالث:
قال السُّهَيْليُّ: "حديث عَمرو بن حَزْمٍ أسنده الدَّارَقُطْني من طرقٍ حِسَان، أقْواها: رواية أبي داودَ الطَّيالسيِّ، عن الزُّهْري، عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، عن أبيه، عن جده! " (الروض الأُنُف ١/ ١٦٨) بتصرف.
ونقل الزَّيْلَعيُّ هذا الكلامَ في (نَصْب الراية ١/ ١٩٨)، ولم يتعقَّبْه بشيء! .
وهذا الكلامُ فيه وهَمٌ جَلَل؛ فإن الطَّيالسيَّ مات سنة (٢٠٤ هـ) وعمره (٧١ سنة) تقريبًا، يعني وُلِد في حدود سنة (١٣٣ هـ)، والزُّهْري قد مات سنة (١٢٥ هـ)، يعني قبل أن يُولَد الطَّيالسيُّ بثمانية أعوام، فكيف يروي عنه الطَّيالسي؟ ! ! بل ويكون طريقُه أقوى الطرق! ! وإنما دخل الوهَمُ على
[ ٢١ / ١٦١ ]
السُّهَيْلي بسبب تشابُهِ اسمِ الطَّيالسي والخَوْلاني، فكلاهما اسمه (سُلَيمان بن داود)، فظنَّه السُّهَيْليُّ أبا داودَ الطَّيالسيَّ، ولم يتنبَّهْ للفارق بين طبقتَيِ الزُّهْري والطَّيالسي.
[ ٢١ / ١٦٢ ]
٢٥٨٤ - حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ: أَنَّ فِي الكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «أَنْ لَا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله، وهو وِجادةٌ صحيحةٌ ينبغي العملُ بها.
[التخريج]:
[طا ٥٣٤ واللفظ له/ مد ٩٤/ مصح ٧٣٩/ طحق ١٤٤/ بغ ٢٧٥/ هقع ٧٦٣/ بغت (٨/ ٢٣) / مستغفض ١٥٦، ١٦٠/ أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب (ص ١١٠) / فهرسة (ص ١٥)].
[التحقيق]:
انظره عَقِبَ الرواية التالية:
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجَدِّي: «أَنْ لَا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله، وهذه وِجادةٌ صحيحة ينبغي العملُ بها.
[التخريج]: [عبد ١١٤، ٧٥٤].
[ ٢١ / ١٦٣ ]
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجَدِّي: «إِنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللهِ، فَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله، وهذه وِجادةٌ صحيحةٌ ينبغي العملُ بها.
[التخريج]: [إبا (جهم ٤٣)].
[التحقيق]:
رواه مالك: عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم، به مرسَلًا.
وأخرجه الباقون من طريق مالك، به.
وعبد الله بن أبي بكر ثقةٌ من رجال الشيخين، ولكنه من صغار التابعين؛ فالحديثُ مرسلٌ، ولذا قال البَيْهَقيُّ: "وهو منقطع".
وقد تُوبِع عليه مالكٌ:
فرواه أبو عُبَيدٍ، وابنُ بَطَّةَ في (الإبانة)، من طريقِ ابنِ إسحاقَ، عن عبد الله بن أبي بكر، به.
فأرسله مِثْلَ مالك، قال أبو داودَ: "رُويَ هذا الحديثُ مسندًا، ولا يصحُّ".
قلنا: تقدَّم أنه وإن لم يصحَّ مسنَدًا، فهو وِجادةٌ صحيحةٌ ثبتَتْ نِسبتُها للنبي ﷺ، وعَمِلَ بها الصحابةُ والتابعون، وعليه؛ فالحديثُ صحيحٌ، وانظر الحديثَ السابق.
[ ٢١ / ١٦٤ ]
٢٥٨٥ - حَدِيثُ أَبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَزْمٍ:
◼ عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَزْمٍ، قَالَ: [كَانَ] ١ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ [حِينَ بَعَثَهُ إِلَى نَجْرَانَ] ٢ «[أَنَّهُ] ٣ لَا يُمَسُّ القُرْآنُ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ»).
• وفي رواية عنه: «لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله، وهذه وِجادةٌ صحيحةٌ ينبغي العملُ بها.
[التخريج]:
[عب ١٣٣٩ (واللفظ له) / تعب (٢/ ٢٣٧) / مد ٩٢ (والرواية، والزيادة الأولى والثالثة له، ولغيره) / حق (مط ٨٩)، (خيرة ٦٥٠) (والزيادة الثانية له ولغيره) / منذ ٦٢٦/ قط ٤٣٩، ٤٣٦، ٤٣٨/ طيل ٣٦٢/ هق ١٤٩٣/ هقل (٥/ ٤١٣) / هقخ ٢٩٤/ مكة ٢٩١٧/ حجة ٢١٠/ تمهيد (١٧/ ٣٩٦) / وسيط (٤/ ٢٤٠) / مستغفض ١٥٧].
[ ٢١ / ١٦٥ ]
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ صَحِيفَةً عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَهَا لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ حِينَ أَمَّرَهُ عَلَى نَجْرَانَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «الحَجُّ الأَصْغَرُ العُمْرَةُ، وَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله، وهذه وِجادةٌ صحيحةٌ ينبغي العملُ بها.
[التخريج]: [مد ٩٤].
[التحقيق]:
رواه عبد الرزاق -ومن طريقه ابن المُنْذِر، والدَّارَقُطْني، وأبو القاسم الأَصْبَهاني-: عن مَعْمَر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، به.
وكذا أخرجه الدَّارَقُطْنيُّ من طريق عبد الرزاق، نا مَعْمَر، عن عبد الله ومحمدٍ ابنَيْ أبي بكر بن حَزْم، عن أبيهما به.
فجمع بين عبد الله ومحمدٍ.
وهذا إسناد رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، لكنه مرسَل؛ أبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم من صغار التابعين. (التقريب ٧٩٨٨).
قال الدَّارَقُطْني: "مرسَل، ورواته ثقات".
وأعلَّه ابنُ التُّرْكُماني بالانقطاع، وهو ظاهر. (الجوهر النقي ١/ ٨٧).
وسبقَ أنه رُويَ عن مَعْمَرٍ، عن عبد الله، عن أبيه، عن جده، وبيَّنَّا أنه ليس بمحفوظ، والصواب فيه: عن عبد الله عن أبيه، ليس فيه: عن جده.
[ ٢١ / ١٦٦ ]
كذلك رواه أبو داودَ في (المراسيل)، وابن راهُويَه، من طريق محمد بن عُمَارةَ، عن أبي بكر بن محمد بن حَزْم، به مرسَلًا.
ورواه البَيْهَقيُّ في (دلائل النبوة)، و(الخلافيات) من طريق (ابن إسحاقَ) (^١) عن عبد الله عن أبيه مرسلًا.
ورواه أبو داودَ في (المراسيل) من طريقِ شُعَيبٍ، عن الزُّهْريِّ، فذكرَ أنه قرأ الصحيفةَ عند أبي بكر بن محمد.
فالحديث محفوظٌ عن عبد الله مرسَلًا، وعنه عن أبيه مرسَلًا، رواه مالكٌ على الوجهين في (الموطأ)، وكذلك رواه ابنُ إسحاقَ على الوجهين أيضًا كما سبق.
غير أن مالكًا لم يَذْكر موطنَ الشاهد إلا من الوجه الأول.
وقد رواه الجُورَقاني (٣٦٢) من طريق مالك على الوجه الثاني، وذَكر فيه موطنَ الشاهد، أعني: مَسَّ المصحف.
وهذا المرسَلُ وِجادةٌ صحيحةٌ يَصِحُّ بها الحديثُ، كما تقدَّم بيانُه مفصلًا، والله أعلى وأعلم.
_________________
(١) وقع في (الخلافيات) (أبي إسحاقَ)، وقال محقِّقُه: (أخشى أن يكون «ابن إسحاقَ») (١/ ٤٩٨)، قلنا: بل هو الصواب بلا تردُّد، وقد جاء في (الدلائل) على الصواب، وكذلك رواه ابن أبي حاتم في (التفسير ١٠٧٧٩ مختصرًا) من طريق الأَشَجِّ، عن يونسَ، عن ابن إسحاقَ.
[ ٢١ / ١٦٧ ]
٢٥٨٦ - حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
[الحكم]: صحيح المتنِ بما سبق، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ، وضَعَّفَهُ: الألبانيُّ.
[التخريج]:
[طب (١٢/ ٣١٣/ ١٣٢١٧) (واللفظ له) / طص ١١٦٢/ قط ٤٣٧/ لك ٥٧٣/ هق ٤٢٢/ هقخ ٢٩٨ - ٣٠١/ طيل ٣٦١].
[التحقيق]: هذا الحديث له طريقان:
الطريق الأول:
رواه الدَّارَقُطْني -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا سعيد بن محمد بن ثَوَاب، ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جُرَيْج، عن سُلَيمانَ بن موسى، قال: سمِعتُ سالمًا يحدِّث عن أبيه، به.
ورواه الطَّبَراني، واللَّالَكائي، والجُورَقاني، من طريق سعيد بن محمد بن ثَوَاب (الحُصْري) (^١)، به.
قال الطَّبَراني: "لم يَروِه عن سُلَيمانَ بن موسى إلا ابنُ جُرَيْج، ولا عنه إلا أبو عاصم، تفرَّد به سعيد بن محمد".
_________________
(١) وقع في (الخلافيات): (المصري)، وهو تحريف، والصواب المثبَت. انظر تاريخ بغداد (٤٦٧٧)، والأباطيل (٣٦١). وكذلك تحرَّفت كلمة "ابن جُرَيْج" في مطبوع (الأباطيل) إلى: "أبو! ! جريج".
[ ٢١ / ١٦٨ ]
قلنا: وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ أثبات، غيرَ اثنين، فمختلَفٌ في حالهما:
الأول: سعيد بن محمد بن ثَوَاب أبو عثمانَ الحُصْري، روَى عنه جمْعٌ منَ الثقاتِ، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ٢٧٢)، وقال: "مستقيمُ الحديثِ"، وأخرجَ له في (صحيحه) حديثًا (برقم ٢٦٧٠)، وصحَّحَ له الدَّارَقُطْنيُّ حديثًا رواه في (سننه ٤٣٧)، وقال: "إسنادُهُ صحيحٌ".
وقال الألبانيُّ: "ترجمَه الخطيبُ في (تاريخ بغداد)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ فكأنه مجهولُ الحال" اهـ. (الإرواء ١/ ١٥٩).
قلنا: بل روَى له حديثًا من طريق ابن صاعِد عنه، عن أَزْهرَ بن سعد، عن ابن عَوْن، عن محمد، أن أبا هريرةَ لَقِيَ الحَسنَ بن عليٍّ الحديثَ، ونقَل عن ابن صاعِدٍ أنه قال: "هكذا قال لنا هذا: عن محمد، عن أبي هريرة، وغيرُه يخالِفُه في الإسناد". اهـ. (تاريخ بغداد ٩/ ٩٤).
فأشار الخطيبُ بهذا الحديثِ إلى عدم ضبطه؛ حيث خالفه جماعةٌ منَ الثقاتِ رَوَوْهُ عن ابن عَوْن، عن عُمَيْر بنِ إسحاقَ، عن الحسن. وانظر: (مسند أحمد ٧٤٥٥، ٩٥٠٦)، (صحيح ابن حِبَّانَ ٧٠٠٧).
ولكن تُوبِع عليه سعيدٌ؛ تابعه الخَضِر بنُ أَبانَ، عن أَزْهرَ، به (المستدرك ٤٨٤٩).
فبَرِئَتْ ذِمَّةُ سعيدٍ بمتابعة الخَضِرِ هذا وإن كان ضعيفًا، ويحتمل أن يكون كلاهما وهِمَ فيه على أَزْهرَ، فأَزْهرُ ثقةٌ من رجال الشيخين.
وقد ذَكرَ الدَّارَقُطْنيُّ لسعيدٍ هذا وهَمًا آخَرَ وهِمَ فيه على أَزْهرَ أيضًا، وخالفه فيه الثقاتُ، انظر: (العلل ٣٢٥).
وقد خولِف سعيدٌ في حديثنا هذا أيضًا كما سيأتي.
[ ٢١ / ١٦٩ ]
وإنما ذكرتُ كلَّ هذا؛ لأن سعيدًا هذا قليلُ الرواية، وأخطاؤُه هذه -مع قلة روايته- تدلُّ على أنَّه ممن يَهِم، وأنه ليس بالضابط، والله أعلم.
الثاني: سُلَيمان بن موسى، وهو الأَشْدَقُ، أحدُ الأئمةِ؛ وثَّقه ابنُ مَعِين، ودُحَيْم، والدَّارَقُطْنيُّ، وابنُ سعدٍ. وقدَّمه الزُّهْريُّ في الحفظِ على مَكْحُولٍ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "هو عندي ثبْتٌ صدوقٌ" (الكامل ٥/ ٢٤١). وقال البخاريُّ: "عندَه مناكيرُ" (التاريخ الكبير ٤/ ٣٨). وقال النَّسائي: "ليس بالقوي" (السنن الكبرى ٧٠٠٤). وقال أبو حاتم: "محلُّه الصدق، وفي حديثه بعضُ الاضطراب، ولا أعلمُ أحدًا من أصحابِ مَكْحولٍ أفقهَ منه، ولا أثبَتَ منه" (الجرح والتعديل ٤/ ١٤٢).
ولخَّص حالَه الحافظُ، فقال: "صدوقٌ فقيهٌ، في حديثه بعضُ لِينٍ، وخُولِط قبل موته بقليل" (التقريب ٢٦١٦).
قلنا: حالُه أفضلُ من ذلك بكثير، والله أعلم.
ولكنْ في هذا الإسناد علتان عدا ما سبق:
العلة الأولى: عنعنةُ ابنِ جُرَيْج -وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج-؛ فهو مشهورٌ بالتدليس، قال الحافظ: "ثقة، وكان يدلِّس ويرسِل" (التقريب ٤١٩٣).
وقال الدَّارَقُطْني: "شرُّ التدليسِ تدليسُ ابن جُرَيْج؛ فإنه قبيحُ التدليسِ؛ لا يدلِّسُ إلا فيما سمِعه من مجروح" اهـ. (طبقات المدلسين لابن حَجَر ٨٣).
العلة الثانية: أنه مُعَلٌّ بالإرسالِ؛ فقد خُولِفَ سعيدُ بن محمد الحُصْريُّ في وصْله:
فرواه عبد الرزاق في (المصنَّف ١٣٤٠)، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن سُلَيمانَ بن
[ ٢١ / ١٧٠ ]
موسى، مرسَلًا.
وهذا أصحُّ من روايةِ الحُصْري؛ لِمَا تقدَّم ذِكرُه من أن الحُصْريَّ له أوهامٌ، وعبد الرزاق إمامٌ يَفوقُ الحُصْريَّ هذا بكثير.
ولم يتنبَّه لهاتين العلتين جماعةٌ من العلماء، منهم:
* ابنُ عبدِ الحقِّ؛ فقد صحَّحه متعقِّبًا به ابنَ حَزْم في قوله: "إن الآثار التي احتجَّ بها مَن لم يُجِزْ للجُنُب مَسَّ المصحفِ لا يصحُّ منها شيءٌ؛ لأنها إما مرسَلةٌ وإما صحيفةٌ لا تُسنَد"، فقال: "صحَّ عن النبيِّ ﷺ هذا الحديثُ"، فسَاقه، وقال إِثْرَه: "هذا حديثٌ صحيحٌ"، ثم أخذَ يتكلمُ على رجالِهِ، ولم يتعرَّضْ لعنعنةِ ابنِ جُرَيْجٍ، ولا لعلة الإرسال! انظر: (البدر المنير ٢/ ٥٠٣).
* الجُورَقاني؛ قال: "هذا حديثٌ مشهورٌ حسَنٌ" (الأباطيل ٣٦١).
* الحافظُ مُغْلَطاي؛ حيثُ صَحَّحَ إسنادَه في (شرحه على ابن ماجه ٢/ ٤٠٠).
* الهَيْثَميُّ؛ قال: "رواه الطَّبَرانيُّ ورجالُه موثَّقون " (المجمع ١٥١٢).
* ابن حَجَر؛ قال: "إسنادُهُ لا بأس به؛ ذَكر الأَثْرَمُ أن أحمدَ احتجَّ به" اهـ. (التلخيص ١/ ١٣١).
وتعقَّبه في ذلك الألبانيُّ، فقال: "وكيف لا يكون فيه بأسٌ، والحافظُ نفْسُه وصفَ ابنَ جُرَيْجٍ بأنه كان يدلِّسُ، وقد عنعنه؟ ! " اهـ. (الإرواء ١/ ١٦٠).
قلنا: وما ذكره عن أحمدَ لا يُفيده؛ لأن احتجاجه به قد يكون لأجْل ما عَضَدَه من شواهدَ، كحديث عَمرو بن حَزْمٍ السابق، فإن أحمدَ يُصحِّحه كما سبق.
* بدرُ الدينِ العَيْنيُّ؛ فقد صَحَّحَ سندَه في (عمدة القاري ٣/ ٢٦١).
[ ٢١ / ١٧١ ]
* السُّيوطيُّ؛ رمز لحُسْنه في (الجامع الصغير ٩٩٨٦).
* المُنَاوي؛ صحَّح إسنادَه، وتعقَّب السُّيوطيَّ قائلًا: "ورمْزُ المؤلفِ لحُسْنه تقصيرٌ! " (التيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ٥٠٦).
ونقَل ابنُ المُلَقِّنِ عن البَيْهَقيِّ أنه قال -بعد أن روَى الحديثَ-: "ليس بالقوي" (البدر المنير ٢/ ٥٠٣)، ولم نجدْ ذلك في (سننه).
وقد أجابَ بعضُ المحقِّقين عن عنعنةِ ابنِ جُرَيْجٍ: بأن عنعنةَ مَن أخرجَ لهم الشيخان متساهَلٌ فيها، وهي محمولةٌ على السماعِ! وهذا فيه نظرٌ ظاهر؛ فإنها محمولةٌ على السماعِ في خصوص ما خرَّجاه فقط، وليس على الإطلاق، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ على أن ما لم يصرِّح فيه ابنُ جُرَيْج بالسماعِ فليسَ بشيء. انظر: (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٥٩).
الطريق الثاني:
رواه البَيْهَقي في (الخلافيات ٣٠٠، ٣٠١)، من طريق محمد بن عبد الله [الحَضْرَمي] (^١)، ثنا عبد الله بن عبد المؤمن، ثنا عُمر بن يونسَ، ثنا محمد بن جابر، عن طارق -وفي رواية: (عن أبي طارق) -، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ ابنُ عبد المؤمن لعلَّه الواسِطي، قال فيه الحافظ: "مقبول" (التقريب ٣٤٤٨).
وابن جابر هو اليَمَامي؛ قال فيه الحافظ: "صدوقٌ، ذهبتْ كتبُه؛ فساءَ
_________________
(١) في (الأصل) (الخصوصي)، والصواب ما أثبتْناه، وانظر: (الإمام لابن دقيقِ العيدِ ٢/ ٤١٩).
[ ٢١ / ١٧٢ ]
حِفْظُه وخلَّط كثيرًا، وعَمِيَ؛ فصار يُلَقَّن" (التقريب (٥٧٧٧).
وأمَّا طارقٌ أو أبو طارق، فلا يُدرَى مَن هو، وفي طبقته عددٌ ممن يُكْنَى بأبي طارق، كلُّهم مجهولون، والله أعلم.
[ ٢١ / ١٧٣ ]
٢٥٨٧ - حَدِيثُ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ:
◼ عَنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ وَالِيًا إِلَى اليَمَنِ، قَالَ لَهُ: «لَا تَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ (عَلَى طُهْرٍ»).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ: ابنُ حَزْم، والنَّوَويُّ، وابنُ عبدِ الهادِي، وابنُ كَثيرٍ، وابنُ حَجَر، والألبانيُّ.
[فائدة]: لم نصحِّح متْنَ هذا الحديثِ بالشواهد السابقة؛ لاختلاف المعنى بين قوله هناك: «لَا يَمَسُّ»، وقولِه هنا: «لَا تَمَسَّ»؛ لأن الأُولى يمكن حمْلُها على غير المسلم؛ لأن المسلم لا يَنْجُس، أما الثانية فهي موجَّهَة إلى المسلم خاصَّةً.
[التخريج]:
[ك ٦١٨٢ (واللفظ له) / طب (٣/ ٢٠٥/ ٣١٣٥) / طس ٣٣٠١/ قط ٤٤٠ (والرواية له ولغيره) / لك ٥٧٤/ هقخ ٣٠٢ - ٣٠٤].
[السند]:
رواه الطَّبَراني في (الكبير، والأوسط)، قال: حدثنا بكْر بن مُقْبِل البصري، ثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب القُوهِي، قال: سمِعتُ أبي، ثنا سُوَيْد أبو حاتم، ثنا مَطَرٌ الوَرَّاق، عن حسَّان بن بلال، عن حَكِيم بن حِزَام، به.
ومدارُه عندَهم عن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ، به.
قال الطَّبَراني: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن مَطَرٍ الوَرَّاق إلا سُوَيْدُ أبو حاتم، ولا يُروَى عن حَكِيم إلا بهذا الإسناد".
[ ٢١ / ١٧٤ ]
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ مسلسَلٌ بالعِلل:
العلة الأولى: إسماعيلُ بن إبراهيمَ صاحب القُوهي، وهو: الكَرابِيسي البصري المِنْقَري؛ ذكره العُقَيلي في (الضعفاء ٧٩)، وقال عن حديث له: "ليس لحديثه أصْلٌ مسنَد"، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ٩٤)، وقال عنه الحافظ: "ليِّنُ الحديثِ" (التقريب ٤٢٠).
العلة الثانية: إبراهيم والدُ إسماعيلَ؛ فهو في عِدَاد المجهولين؛ لا نَعلم روَى عنه غيرُ ابنِه، وقد ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ٦٥).
العلة الثالثة: سُوَيْد أبو حاتم، يلقَّب بصاحب الطعام؛ مختلَفٌ فيه، وهو إلى الضعفِ أقربُ كما قال ابنُ عَدِي في (الكامل ٣/ ٤٢٣)، ولخَّص الحافظُ حالَه فقال: "صدوقٌ، سيِّئ الحفظ، له أغلاط، وقد أفحش ابنُ حِبَّانَ فيه القولَ" (التقريب ٢٦٨٧).
العلة الرابعة: مَطَرٌ الوَرَّاقُ؛ مختلَفٌ فيه أيضًا، ولخَّص الحافظُ حالَه فقال: "صدوقٌ، كثيرُ الخطإِ، وحديثُه عن عطاءٍ ضعيفٌ" (التقريب ٦٦٩٩).
ورغم كلِّ هذه العلل قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ولم يخرجاه! ".
وقال الحازمي: "حسَنٌ غريب لا (نعرفه) مُجَوَّدًا إلا من هذا الوجه" اهـ. (البدر المنير ٢/ ٥٠٠).
ونقل ابنُ عبدِ الهادِي -وتبِعه ابنُ المُلَقِّن- عن الدَّارَقُطْنيِّ أنه قال -عَقِب الحديث-: "رواته كلُّهم ثقات"، ولم نجدْ ذلك في (السنن)، والظاهرُ أنه محضُ وَهَمٍ؛ فقد قال الدَّارَقُطْنيُّ عن سُوَيْد: "ليس يُعتبَر به" (سؤالات
[ ٢١ / ١٧٥ ]
البَرْقاني ٢٠٧).
وجاءت عبارة الدَّارَقُطْني في (التهذيب ٤/ ٢٣٧) هكذا: "ليِّن، يُعتبَر به".
وقال ابنُ عبدِ الهادِي قبل هذا النقل مباشرة: "إسنادُهُ فيه نظرٌ" (التنقيح ١/ ١٣٣).
قال النَّوَوي: "والمعروفُ في كتب الحديث والفقه أنه عن عَمرو بنِ حَزْمٍ عن النبيِّ ﷺ في الكتاب الذي كتبه له لَمَّا وجَّهه إلى اليَمَن، وإسنادُهُ ضعيفٌ" (المجموع ٢/ ٦٦).
فتعقَّبه ابنُ المُلَقِّن، فقال: "قد علمْتَ أنه حديثٌ معروفٌ في كتب المحدِّثين، وأن الحاكمَ صحَّحَ إسنادَه، وأن الحازميَّ حسَّنه، وأن الدَّارَقُطْنيَّ وَثَّق رواتَه؛ فلا ينبغي الحُكمُ عليه بالضعفِ أيضًا! " اهـ. (البدر المنير ٢/ ٥٠١).
وأمَّا الحافظُ فضَعَّفَهُ بسُوَيْد كما في (التلخيص ١/ ١٣١)، وكذلك صنع صاحبُ (عون المعبود)، ونقل عن النَّوَويِّ وابنِ حَزْمٍ وابنِ كَثير تضعيفَهم له (١/ ٢٦٤).
وقال الهَيْثَميُّ: "رواه الطَّبَرانيُّ في (الكبير) و(الأوسط)، وفيه سُوَيْد أبو حاتم؛ ضَعَّفَهُ النَّسائيُّ، وابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، ووثَّقه في رواية. وقال أبو زُرْعةَ: «ليس بالقوي، حديثُه حديثُ أهل الصدق» " (المجمع ١٥١٣).
وضَعَّفَهُ الألبانيُّ، وقال -متعقِّبًا مَن صحَّحه-: "أَنَّى له الصحةُ وهو لا يُروَى إلا بهذا الإسنادِ كما قال الطَّبَراني؟ ! ومَطَرٌ الوَرَّاقُ ضعيف، والراوي عنه سُوَيْد أبو حاتم مِثْلُه" اهـ. (الإرواء ١/ ١٥٩).
[ ٢١ / ١٧٦ ]
٢٥٨٨ - حَدِيثُ ثَوْبَانَ:
◼ عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ، وَالعُمْرَةُ: الحَجُّ الأَصْغَرُ، وَعُمْرَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَحَجَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ».
[الحكم]: قولُه: «لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ، وَالعُمْرَةُ: الحَجُّ الأَصْغَرُ» صحَّ من حديث عَمرو بن حَزْمٍ وِجادةً كما سبقَ، وهذا الحديثُ إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [منتخب عليِّ بن عبد العزيز (وهم ٣/ ٤٥٦) / مستغفض ١٥٥].
[السند]:
رواه عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ في (منتخبه)، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا مَسْعَدةُ البصري، عن خَصِيب بن جَحْدَر، عن النَّضْر بن شُفَيٍّ، عن أبي أسماءَ الرَّحَبي، عن ثَوْبانَ، به.
وأخرجه المُسْتَغْفِريُّ في (فضائل القرآن) عن محمد بن إسماعيل بن يوسفَ اليَعْقُوبي، حَدَّثَنا أبو يَعْلَى، حدثنا الكِشْوَري، حَدَّثَنا يحيى بن أيوبَ، عن مُطَرِّف الصَّنْعاني، حَدَّثَنا عائذ بن راشد البصري، سمِعتُ الحسنَ بن دينار يقول: حدثني خَصِيب بنُ جَحْدَر به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ مسلسَلٌ بالعِلل:
العلة الأولى: مَسْعَدة البصري؛ قال أحمد: "ليس بشيء، خَرَّقْنا حديثَه، وتركْنا حديثَه منذ دهر" (التاريخ الكبير ٨/ ٢٦)، وقد تُوبِع مَسْعَدةُ من
[ ٢١ / ١٧٧ ]
الحسن بن دينار كما عند (المُسْتَغْفِري)، إلا أنها متابعة لا تُسْمِن ولا تُغْني من جوع؛ فالحسن بن دينارٍ متروكٌ، وكذَّبه أحمد، وابنُ مَعِين، وأبو حاتم. (لسان الميزان ٢٢٦٩).
العلة الثانية: خَصِيب بن جَحْدر؛ كذَّبه شُعبةُ، والقَطَّانُ، وابنُ مَعِينٍ، والبخاريُّ. وقال أحمد: "لا يُكتَب حديثُه" (لسان الميزان ٢٩٣٩).
العلة الثالثة: النَّضْر بن شُفَيٍّ؛ مجهولٌ، قاله ابنُ القَطَّان، وأقرَّه الحافظُ في (اللسان ٨١٤١).
والحديثُ ذكره عبدُ الحقِّ في (الأحكام الوسطى ٢/ ٣١٥)، وضعَّفَ إسنادَهُ، وتعقَّبه ابنُ القَطَّانِ بأنه في غاية الضعف، فساقه بسنده، ثم أخذ يتكلم على رجاله. (بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٦٥).
وقال الذَّهَبي: "ومِن بلايا الخَصِيب " فذكر هذا الحديثَ. (الميزان ١/ ٦٥٣).
وذكره صاحبُ (عون المعبود ١/ ٢٦٤)، وأعلَّه بالخَصِيب.
[ ٢١ / ١٧٨ ]
٢٥٨٩ - حَدِيثُ عُثْمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ:
◼ عَنْ عُثْمَانَ بنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁، قَالَ: كَانَ فِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَمَسَّ المُصْحَفَ (القُرْآنَ) وَأَنْتَ غَيْرُ طَاهِرٍ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ. وضَعَّفَهُ: مُغْلَطاي، وابنُ المُلَقِّن، وابنُ حَجَرٍ، والشَّوْكانيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]: [طب (٩/ ٤٤/ ٨٣٣٦) (مطولًا، والرواية له) / مصح ٧٣٨ (واللفظ له)].
[التحقيق]:
رُويَ الحديثُ من طريقين:
الطريق الأول:
رواه الطَّبَرانيُّ، قال: حدثنا أحمد بن عَمرو الخَلَّال المَكِّي، ثنا يعقوب بن حُمَيد، ثنا هشام بن سُلَيمان، عن إسماعيلَ بن رافع، عن محمد بن سعيد بن عبد الملك، عن المُغِيرة بن شُعبةَ، قال: قال عثمان بن أبي العاص فذكره مطوَّلًا.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ مسلسَلٌ بالعِلل:
العلة الأولى: انقطاعُه بين محمد بن سعيد والمُغِيرةِ؛ قال ابنُ حِبَّانَ -في ترجمة محمد هذا-: "يَروي المقاطيعَ عن أهل المدينة" (الثقات ٧/ ٤٢٣)، فروايتُه عن الصحابة منقطعة؛ ولذا قال الذَّهَبي: "تابعيٌّ صغيرٌ، أَرسَلَ"، وبهذا أعلَّه ابنُ حَجَر في (التلخيص ١/ ١٣١)، والشَّوْكاني في
[ ٢١ / ١٧٩ ]
(نيل الأوطار ١/ ٢٥٩).
العلة الثانية: جهالة محمد بن سعيد بن عبد الملك؛ قال أبو حاتم: "لا أعرفه"، وقال الذَّهَبيُّ: "لا يُدْرَى مَن هو" (اللسان ٦٨٣٤)، وأشارَ ابنُ حَجَر إلى هذه العلة بقوله: "وفي رواية الطَّبَراني مَن لا يُعرَف" (التلخيص ١/ ١٣١).
العلة الثالثة: إسماعيل بن رافع؛ قال الحافظ: "ضعيف الحفظ" (التقريب ٤٤٢).
العلة الرابعة: هشام بن سُلَيمان، هو المَخْزُومي؛ قال أبو حاتم: "مضطربُ الحديثِ، ومحلُّه الصدق، ما أرى به بأسًا" (الجرح والتعديل ٩/ ٦٢). وقال العُقَيلي: "في حديثه عن غير ابن جُرَيْج وهَمٌ" (الضعفاء ١٩٤٤). وقال الحافظ: "مقبول" (التقريب ٧٢٩٦).
ويعقوب بن حُمَيد مختلَفٌ فيه، وقال الحافظ: "صدوق يَهِم" (التقريب ٧٨١٥).
الطريق الثاني:
رواه ابنُ أبي داودَ، قال: حدثنا أحمد بن الحُبَاب الحِمْيَري، حدثنا أبو صالح الحكم بن المبارَك الخاشْتِي، حدثنا محمد بن راشِد، عن إسماعيل المَكِّي، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن عُثمانَ بن أبي العاص، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
العلة الأولى: الانقطاع؛ فالقاسم لم يدرِك عثمان، وبهذا أعلَّه ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٥٠٤)، وابنُ حَجَر في (التلخيص ١/ ١٣١)، وصاحبُ (عون المعبود ١/ ٢٦٤).
[ ٢١ / ١٨٠ ]
العلة الثانية: إسماعيلُ المكِّيُّ، هو ابنُ مسلمٍ البصريُّ؛ قال الحافظ: "ضعيف الحفظ". (التقريب ٤٨٤)، وبهذا أعلَّه ابنُ المُلَقِّن أيضًا، ومُغْلَطايُ في (شرحه ٢/ ٤٠٤).
وأما محمد بن راشد فهو المَكْحُولي، "صدوق يَهِم" كما في (التقريب ٥٨٧٥).
والحَكَم بن المبارَك وثَّقه جماعةٌ، وعدَّه ابنُ عَدِيٍّ ممن يسرق الحديث (تهذيب التهذيب ٢/ ٤٣٨). وقال الحافظ: "صدوق، ربما وهِمَ" (التقريب ١٤٥٨).
والحديثُ ضَعَّفَهُ ابنُ المُلَقِّن، وابنُ حَجَر، كما سبق.
وقال الهَيْثَمي -عن رواية الطَّبَراني-: "رواه الطَّبَراني في (الكبير)، وفيه إسماعيلُ بن رافع؛ ضَعَّفَهُ يحيى بنُ مَعِين والنَّسائي، وقال البخاري: «ثقة مقارب الحديث» " (المجمع ١٥١٤).
وضَعَّفَهُ الألباني في (الإرواء ١/ ١٦٠)، غير أنه وقع في كلامه وهَمٌ؛ حيثُ ظنَّ أن إسماعيلَ المذكور في الطريقين هو ابن رافع، وليس كذلك؛ فإن ابنَ رافع مَدَني، ووصَفه محمد بن راشد -عند ابنِ أبي داودَ- بالمكِّيِّ كما سبق.
[تنبيه]: هذا الحديثُ لا يصلُحُ أن يَعْضُد غيرَه، ولا غيرُه يَعْضُدُه؛ وذلك للفرق في المعنى؛ فالأحاديث السابقة كانت بلفظ: «لَا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، وهذا بلفظ: «لَا تَمَسَّ وَأَنْتَ غَيْرُ طَاهِرٍ»، فاللفظ الأول يحتمل أن يكون المقصودُ منه: أنه لا يَمَسُّه الكافر، وهذا اللفظ: «لَا تَمَسَّ» بصيغة المخاطَب، وهو
[ ٢١ / ١٨١ ]
المسلم، وشَتَّانَ بين المعنيَيْنِ، ولو صحَّ لفظ: «لَا تَمَسَّ»؛ لكان فصْلَ الخطاب في تحريم مسِّ المصحف إلا على طهارة.
[ ٢١ / ١٨٢ ]
٢٥٩٠ - حَدِيثُ مُعَاذٍ:
◼ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ مَشَى مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ مِيلٍ يُوصِيهِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ، وَصِدْقِ الحَدِيثِ »، وَسَاقَ الحَدِيثَ مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهِ: « وَعَلَى أَنْ لَا تَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرًا».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: المُتَّقي الهندي. وحكم عليه ابنُ الجَوْزي بالوضع.
[التخريج]: [خط ٤٥٤١/ ضو ١٦٧٩) / كر (١٨/ ١٩٥)].
[التحقيق]:
رواه الخطيبُ -ومن طريقه ابنُ الجَوْزي وابنُ عساكرَ- قال: أخبرني أبو نصر أحمد بن محمد بن أحمد بن حَسْنُونَ النَّرْسي، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد الأَدَمِيُّ القارئ، حدثنا أحمد بن عُبَيد بن ناصح، حدثنا شَبَابَةُ بن سَوَّار الفَزَاري، حدثنا رُكْن بن عبد الله الدِّمَشْقي، عن مَكْحُولٍ الشامي، عن مُعاذ، به.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه علتان:
الأُولى: رُكْنُ بن عبد الله؛ وهَّاهُ ابنُ المبارَك. وقال يحيى: "ليس بشيء"، وقال النَّسائي والدَّارَقُطْني: "متروك" (اللسان ٣١٥٨). وقال البخاري: "منكَر الحديث" (التاريخ الكبير ٣/ ٣٤٣). وقال ابنُ حِبَّانَ: "روَى عن مَكْحولٍ شبيهًا بمائة حديث، ما لكثيرِ شيْءٍ منها أصْلٌ، لا يجوز الاحتجاجُ
[ ٢١ / ١٨٣ ]
به بحال" (المجروحين ١/ ٣٧٧).
الثانية: الانقطاع؛ فمَكْحولٌ لم يدرِك مُعاذًا، انظر: (جامع التحصيل ٧٩٦).
وقال ابن الجَوْزي: "هذا حديثٌ موضوعٌ على رسول الله ﷺ، والمتهَم به رُكْنٌ" (الموضوعات ١٦٧٩).
وتعقَّب السُّيوطيُّ ابنَ الجَوْزي، فقال: "له طريقٌ آخَرُ" اهـ. (اللآلئ ٢/ ٣١٤).
ونقلَ تعقَّبَه ابنُ عِرَاق، ثم قال عن هذا الطريق الآخَرِ: "قال بعض أشياخي: «سندُهُ جيِّد، ليس فيه متروك»، وأشار البَيْهَقي إلى طريقٍ آخَرَ أخرجه العَسْكَري في (المواعظ) " اهـ (تنزيه الشريعة ٢/ ٣٤٢).
وقال المُتَّقي الهندي: "وفيه رُكْنٌ الشامي، متروك" (كَنز العمال ١٠/ ٥٩٤).
قلنا: رُويَ من طرقٍ أخرى كلُّها واهِيةٌ، وليس فيها موضعُ الشاهد هنا، وسيأتي الكلامُ عليها في موضعها من «الموسوعة» إن شاء الله.
[ ٢١ / ١٨٤ ]
٢٥٩١ - حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ مُعَاذٍ:
◼ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَمَسُّ القُرْآنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى الجَنَابَةِ». قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؟ قَالَ: «يَعْنِي: لَا يَمَسُّ ثَوَابَهُ إِلَّا المُؤْمِنُونَ». قَالَ: قُلْنَا: فَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾؟ قَالَ: «مَكْنُونٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ».
[الحكم]: باطل موضوع. وجزم بوضْعه: الجُورَقاني، وابنُ الجَوْزي، وأقرَّهما السُّيوطي. وضَعَّفَهُ: الإشبيلي.
[التخريج]: [عد (٢/ ١٢٨) واللفظ له/ طيل ٣٥٨/ ضو ٩٣٩].
[السند]:
رواه ابن عَدِي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيدَ المَرْوَزي ببُخَارى، حدثنا إسحاق بن أحمد بن خلَف، أخبرنا جدي- يعني: محمدَ بن أبي السَّرِي-، أخبرنا عيسى-يعني: الغُنْجارَ-، عن إسماعيلَ بن أبي زياد، عن ثَوْر بن يزيدَ، عن خالد بن مَعْدانَ، عن معاذ، به.
ورواه الجُورَقاني وابنُ الجَوْزي من طريق إبراهيمَ بن محمد الطَّيَّان، حدثنا الحسين بن القاسم بن محمد الأَصْبَهاني، حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، به (^١).
_________________
(١) ووقع في (الأباطيل): "عن خالد بن معاذ"! والصواب: "عن خالد، عن معاذ" كما في الموضوعات.
[ ٢١ / ١٨٥ ]
[التحقيق]:
هذا إسناد تالف؛ فيه علتان:
الأولى: إسماعيل بن أبي زياد، هو السَّكُوني؛ وهو: "متروك، كذَّبوه" (التقريب ٤٤٦).
الثانية: الانقطاع؛ لأن خالدًا لم يسمع من معاذ، ربما كان بينهما اثنان. (تهذيب التهذيب ٣/ ١١٩).
قال الجُورَقاني: "هذا حديثٌ موضوعٌ باطلٌ، لا أصلَ له، لم يَروِه عن ثَوْرٍ غيرُ إسماعيلَ بن أبي زيادٍ وهو متروك الحديث، ولا رواه عنه غيرُ الحسين الزاهد وهو ضعيف الحديث، تفرَّد عنه إبراهيمُ بن محمدٍ الطَّيَّانُ وهو منكَر الحديث مجهولٌ" (الأباطيل/ ح ٣٥٨)، وانظر (اللآلئ ٢/ ٨).
وقال ابنُ الجَوْزي: "هذا حديثٌ موضوعٌ على رسولِ اللهِ ﷺ، فلا باركَ اللهُ فيمَن وضعه، فما أقبحَ هذا الوضعَ! " (الموضوعات ٩٣٩).
والحديثُ ضَعَّفَهُ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٦).
وذكره الذَّهَبي في (الميزان ١/ ٣٨٧)، ونقلَ عن ابنِ حِبَّانَ قولَه: "إسماعيل بن زياد شيخٌ دجَّال، لا يحلُّ ذِكرُه في الكتب إلا على سبيل القدح فيه". وأورده الشَّوْكاني في: (الفوائد المجموعة ص ٩).
[تنبيه]: قولُه: «إِلَّا المُؤْمِنُونَ»: وقع عند ابنِ عَدِي: «إِلَّا المُؤْمِنِينَ»، وهو خطأٌ، وجاء في بقية المصادر على الصواب.
[ ٢١ / ١٨٦ ]
٢٥٩٢ - حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ عُمَرَ:
◼ عنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ لَقِيَ عُمَرَ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ، فَقَالَ: أَيْنَ تَعْمَدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا. قَالَ: وَكَيْفَ تَأْمَنُ فِي بَنِي هَاشِمٍ -أَوْ: بَنِي زُهْرَةَ- وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ ! قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ صَبَوْتَ وَتَرَكْتَ دِينَكَ الَّذِي هُوَ أَنْتَ عَلَيْهِ. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى العَجَبِ يَا عُمَرُ؟ ! إِنَّ خَتَنَكَ وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَوَا وَتَرَكَا دِينَهُمَا الَّذِي هُمَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَشَى إِلَيْهِمَا ذَامِرًا -قَالَ إِسْحَاقُ: يَعْنِي مُتَغَضِّبًا- حَتَّى دَنَا مِنَ البَابِ، وَعِنْدَهُمَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ خَبَّابٌ يُقْرِئُهِمَا سُورَةَ (طه). قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ حِسَّ عُمَرَ دَخَلَ تَحْتَ سَرِيرٍ لَهُمَا. فَقَالَ: مَا هَذِهِ الهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُهَا عِنْدَكُمْ؟ قَالَا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا. فَقَالَ: لَعَلَّكُمَا قَدْ صَبَوْتُمَا وَتَرَكْتُمَا دِينَكُمَا الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ خَتَنُهُ: يَا عُمَرُ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ ! قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى خَتَنِهِ فَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا. قَالَ: فَدَفَعَتْهُ أُخْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَ وَجْهَهَا، فَدَمِيَ وَجْهُهَا. فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَرُونِي هَذَا الكِتَابَ الَّذِي كُنْتُم تَقْرَءُونَ. -قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقْرَأُ الكُتُبَ-.
قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ: لَا، أَنْتَ رِجْسٌ، [وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ] ١، أَعْطِنَا مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَرُدَّنَّهُ عَلَيْنَا، وَقُمْ فَاغْتَسِلْ وَتَوَضَّأْ. قَالَ: فَفَعَلَ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
فَقَالَ عُمَرُ ﵁: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ ﵁ كَلَامَ
[ ٢١ / ١٨٧ ]
عُمَرَ ﵁ خَرَجَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكَ عَشِيَّةَ الخَمِيسِ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الدِّينَ بِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، أَوْ بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ».
فَقَالُوا: هُوَ فِي الدَّارِ الَّتِي فِي أَصْلِ الصَّفَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ- يُوحَى إِلَيْهِ. فَانْطَلَقَ عُمَرُ ﵁، وَعَلَى البَابِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى حَمْزَةُ ﵁ وَجَلَ القَوْمِ مِنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: نَعَمْ، هَذَا عُمَرُ، فَإِنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُسْلِمْ وَيَتَّبِعِ النَّبِيَّ ﷺ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ يَكُنْ قَتْلُهُ عَلَيْنَا هَيِّنًا. قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ، فَقَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ حَتَّى يُنْزِلَ اللهُ تَعَالَى بِكَ مِنَ الخِزْيِّ وَالنَّكَالِ مَا أَنْزَلَ بِالوَلِيدِ بنِ المُغِيرَةِ؟ ! اللَّهُمَّ (هَذَا) (^١) عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الدِّينَ بِعُمَرَ». فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَالَ ﵁: اخْرُجْ يَا رَسولَ اللهِ».
[الحكم]: منكَرُ المتنِ، ضعيفُ الإسنادِ. وأنكره الذَّهَبي جدًّا. وضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْني، والبُوصيري.
[التخريج]:
[ك ٧٠٩٠ (والزيادة له ولغيره) / عل (مط ٤٢٣٠/ ١ - ٣)، (خيرة ٦٥٨٩) (واللفظ له) / سعد (٣/ ٢٤٨) / شب (٢/ ٦٥٧) / قط ٤٤١ (مختصرًا) / ضيا (٧/ ١٣٩ - ١٤٢/ ٢٥٧٣ - ٢٥٧٥) / هق ٤١٦ (مختصرًا) / هقل (٢/ ٢١٩) / كر (٤٤/ ٣٤) / منتظم (٤/ ١٣٢، ١٣٣)
_________________
(١) كذا في (المطالب) و(الإتحاف) و(الطبقات)، وفي (المختارة): (اهْدِ).
[ ٢١ / ١٨٨ ]
/ جوزي (مشكل) (١/ ٢٦١) / جوزى (تبصرة) (ص ٤٢٢) / غخطا (٢/ ٥٧)].
[السند]:
قال ابنُ سعد: أخبرنا إسحاقُ بن يوسفَ الأزرقُ، قال: أخبرنا القاسم بن عثمانَ البصري، عن أنس بن مالك، به.
ومداره عندهم عن إسحاقَ الأزرقِ، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ رجالُه ثقاتٌ، عدا القاسم بن عثمان، سكت عنه البخاري في (التاريخ ٧/ ١٦٥)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٧/ ١١٤)، لكن نقل الذَّهَبي عن البخاري أنه قال فيه: "له أحاديثُ لا يتابَع عليها" (الميزان ٥/ ٤٥٦).
وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ٣٠٧)، وقال: "ربما أخطأ".
وذكره العُقَيليُّ في (الضعفاء ١٥٣٨)، وقال: "لا يُتابَع على حديثه، حدَّثَ عنه إسحاقُ الأزرقُ أحاديثَ لا يتابَع منها على شيء"
وقال الدَّارَقُطْني -في (السنن) عَقِبَ الحديث-: "القاسم ليس بقوي".
قلنا: ولم يذكروا عنه راويًا سوى الأزرقِ، وقد تفرَّد بهذا الحديثِ عن أنسٍ، وأنكره عليه الذَّهَبيُّ، فقال: "حدَّثَ عنه إسحاقُ الأزرقُ بقصة إسلامِ عُمرَ؛ وهي منكَرةٌ جدًّا" (الميزان ٥/ ٤٥٦).
وقال البُوصيريُّ: "رواه أبو يَعْلَى بسندٍ ضعيفٍ؛ لضعْف القاسم بن عثمانَ البصري". (الإتحاف ٦٥٨٩).
[ ٢١ / ١٨٩ ]
وقال صاحب (عون المعبود): "في إسناده مقالٌ" اهـ (١/ ٢٦٤).
وخالف في ذلك مُغْلَطايُ فصحَّح سندَه، وعلَّل ذلك بقوله: "لأن ابن عثمانَ وثَّقه أبو حاتم، وباقي مَن فيه لا يُسأَل عنه" (شرحه على ابن ماجه ٢/ ٣٩٨).
وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجهين:
الأول: أن أبا حاتم ابنَ حِبَّانَ لم يوثِّقْه مطلقًا، وإنما ذكره في (الثقات)، وقال: "ربما أخطأ".
الثاني: أنه اقتصر على صنيع ابن حِبَّانَ، وأعرضَ عن نصِّ الدَّارَقُطْني عَقِبَ الحديث على أن القاسمَ غيرُ قوي، وهذا تليينٌ منه له، وإعلالٌ للحديث به.
هذا، وقد ذكر ابنُ إسحاقَ في (السيرة ٢٢٣) هذه القصة معضلةً بلا سندٍ، وحَكمَ عليها القُشَيْري بالإعضال.
ورُوِيَتْ من طريق آخَرَ -ليس فيه موضعُ الشاهد-:
أخرجه عبدُ العزيزِ الخِرَقيُّ في (الفوائد) كما في (الإصابة ٧/ ٣١٦) -ومن طريقه ابنُ عساكر- من رواية أم عُمرَ بنتِ حسَّان الثَّقَفية، عن زوجها سعيد بن يحيى بن قَيْس، عن أبيه، عن عُمرَ.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ سعيد بن يحيى وأبوه لم نجدْ لهما ترجمةً، وذكرَ لهما الهَيْثَميُّ حديثًا، وقال: "فيه مَن لم أعرفه" (المجمع ٨٩٢٩).
وأمُّ عُمرَ؛ قال عنها ابنُ مَعِين: "ليستْ بشيء"، وأثنَى عليها الإمامُ أحمدُ، وقال: "لا بأس بها عجوزُ صدق". (العلل ٥٣٢٤)، و(اللسان ٨٩٩٠).
وقد رُوِيتْ هذه القصةُ من طرقٍ أخرى بسياقٍ آخَرَ وألفاظٍ مختلفة، كما في الشاهدين التاليين:
[ ٢١ / ١٩٠ ]
٢٥٩٣ - حَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ:
◼ عَنْ أَسْلَمَ القُرَشِيِّ مَوْلَى عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ ﵁: «أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعْلِمَكُمْ بُدُوَّ إِسْلَامِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَيْنَا أَنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ فِي بَعْضِ طُرُقِ مَكَّةَ إِذْ لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا ابنَ الخَطَّابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أُرِيدُ هَذَا [الرَّجُلَ] الَّذِي الَّذِي الَّذِي. قَالَ: عَجَبًا لَكَ! تَزْعُمُ أَنَّكَ هَكَذَا، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ هَذَا الأَمْرُ بَيْتَكَ؟ ! قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ قَدْ صَبَتْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ مُغْضَبًا، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا عِنْدَ الرَّجُلِ بِهِ قُوَّةٌ يُصِيبَانِ مِنْ طَعَامِهِ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ ضَمَّ إِلَى زَوْجِ أُخْتِي رَجُلَيْنِ، فَجِئْتُ حَتَّى قَرَعْتُ البَابَ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابنُ الخَطَّابِ. قَالَ: وَكَانُوا يَقْرَءُونَ صَحِيفَةً مَعَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتِي اخْتَفَوْا وَنَسُوا الصَّحِيفَةَ، فَقَامَتِ المَرْأَةُ فَفَتَحَتْ لِي، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكِ صَبَوْتِ! وَأَرْفَعُ شَيْئًا فِي يَدِي فَأَضْرِبُهَا، فَسَالَ الدَّمُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ بَكَتْ، وَقَالَتْ: يَا ابنَ الخَطَّابِ، مَا كُنْتَ فَاعِلًا فَافْعَلْ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ. قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى السَّرِيرِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا بِكِتَابٍ فِي نَاحِيَةِ البَيْتِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ أَعْطِينِيهِ. قَالَتْ: لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، إِنَّكَ لَا تَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، وَلَا تَطْهُرُ، وَهَذَا لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ.
فَلَمْ أَزَلْ بِهَا حَتَّى أَعْطَتْنِيهِ، فَإِذَا فِيهِ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِـ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ذُعِرْتُ، وَرَمَيْتُ بِالصَّحِيفَةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَإِذَا فِيهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، كُلَّمَا مَرَرْتُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ ذُعِرْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، حَتَّى بَلَغْتُ:
[ ٢١ / ١٩١ ]
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَخَرَجَ القَوْمُ يَتَنَادَوْنَ بِالتَّكْبِيرِ؛ اسْتِبْشَارًا بِمَا سَمِعُوا مِنِّي، وَحَمِدُوا اللهَ، وَقَالُوا: يَا ابنَ الخَطَّابِ، أَبْشِرْ، فَلَمَّا أَنْ عَرَفُوا مِنِّي الصِّدْقَ قُلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي بِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالُوا: هُوَ فِي بَيْتٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا. فَخَرَجْتُ حَتَّى قَرَعْتُ البَابَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابنُ الخَطَّابِ، وَقَدْ عَرَفُوا شِدَّتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَعْلَمُوا إِسْلَامِي. قَالَ: فَمَا اجْتَرَأَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِفَتْحِ البَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «افْتَحُوا لَهُ، فَإِنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ». قَالَ: فَفَتَحُوا لِي، وَأَخَذَ رَجُلٌ بِعَضُدِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «أَرْسِلُوهُ»، فَأَرْسَلُونِي، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ بِمَجْمَعِ قَمِيصِي، فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ، وَقَالَ: «أَسْلِمْ يَا ابنَ الخَطَّابِ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ».
قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَكَبَّرَ المُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِطُرُقِ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ اسْتَخْفَى، وَكُنْتُ لَا أَشَاءُ أَنْ أَرَى رَجُلًا إِذَا أَسْلَمَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: مَا أُحِبُّ إِلَّا أَنْ يُصِيبَنِي مِمَّا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ، فَذَهَبْتُ إِلَى خَالِي، وَكَانَ شَرِيفًا فِيهِمْ، فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ البَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابنُ الخَطَّابِ، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: لَا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ، وَأَجَافَ البَابَ دُونِي، قُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ، فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، فَقَرَعْتُ البَابَ، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: لَا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَدَخَلَ فَأَجَافَ البَابَ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: أَتُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ
[ ٢١ / ١٩٢ ]
بِإِسْلَامِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الحِجْرِ فَائْتِ فُلَانًا -رَجُلًا لَمْ يَكُنْ يَكْتُمُ السِّرَّ- فَأَصْغِ إِلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ: إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ، فَإِنَّهُ سَوْفَ يَظْهَرُ عَلَيْكَ وَيَصِيحُ وَيُعْلِنُهُ. قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الحِجْرِ جِئْتُ إِلَى الرَّجُلِ، فَدَنَوْتُ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ: إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ. فَقَالَ: قَدْ صَبَوْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
فَرَفَعَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَقَالَ: أَلَا إِنَّ ابنَ الخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ، فَثَابَ إِلَيَّ النَّاسُ، فَضَرَبُونِي وَضَرَبْتُهُمْ، قَالَ: فَقَالَ خَالِي: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ابنُ الخَطَّابِ، فَقَامَ عَلَى الحِجْرِ، فَأَشَارَ بِكُمِّهِ: أَلَا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابنَ أُخْتِي، فَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنِّي. وَكُنْتُ لَا أَشَاءُ أَنْ أَرَى أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَأَنَا لَا أُضْرَبُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ، وَأَمْهَلْتُ حَتَّى إِذَا جَلَسَ فِي الحِجْرِ، دَخَلْتُ إِلَى خَالِي، قُلْتُ: اسْمَعْ. قَالَ: مَا أَسْمَعُ؟ قُلْتُ: جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا ابنَ أُخْتِي. قُلْتُ: بَلَى، هُوَ ذَاكَ. قَالَ: مَا شِئْتَ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُ وَأُضْرَبُ حَتَّى أَعَزَّ اللهُ الإِسْلَامَ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: البَزَّارُ، والذهبي، والهَيْثَميُّ، وابنُ حَجَر، والألبانيُّ.
[اللغة]:
قولُه: «فَجَبَذَنِي»؛ جَبَذَ جَبذًا لغةٌ في جَذَب، وفي الحديث: «فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي»، وظنَّه أبو عُبَيد مقلوبًا عنه. قال ابنُ سِيدَه: «وليس ذلك بشيء». وقال: «قال ابنُ جِنِّي: ليس أحدُهما مقلوبًا عن صاحبه، وذلك أنهما جميعًا يتصرفان تصرُّفًا واحدًا؛ تقول: جَذَبَ يَجذِبُ جذبًا، فهو
[ ٢١ / ١٩٣ ]
جاذب، وجَبَذَ يَجبِذُ جبذًا، فهو جابذ» (اللسان ٣/ ٤٧٨).
[التخريج]:
[ك ٧٠٩١ (مختصرًا جدًّا) / بز ٢٧٩/ فحم ٣٧٦ (واللفظ له)، ٣٧٧ (والزيادة له ولغيره) / حل (١/ ٤١) / صحا ٧٧٩٠/ جر ١٣٤٧/ هقل (٢/ ٢١٦) / كر (٤٤/ ٣١) / أسد (٤/ ١٥٨) / قوام (ص ٩٤) / أثر (١/ ١٤٢ - ١٤٥)].
[السند]:
رواه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (فضائل الصحابة)، عن محمد بن عَوْف بن سُفيانَ الطائي، عن إسحاقَ بن إبراهيمَ الحُنَيْني، عن أُسامة بن زيد بن أسلَمَ، عن أبيه، عن جده، به.
ومداره عندهم عن إسحاقَ الحُنَيْني، به (^١).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ علل:
الأولى: إسحاقُ الحُنَيْني؛ ضعَّفوه، وضَعَّفَهُ الحافظ في (التقريب ٣٣٧).
الثانية: أسامة بن زيد بن أسلَمَ؛ قال الحافظ: "ضعيف مِن قِبَل حفْظِه" (التقريب ٣١٥).
الثالثة: أنه اختُلِف في سنده:
فرواه الحاكمُ من طريق محمد بن أحمدَ بن بُرْدٍ الأَنْطَاكيِّ، ثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ الحُنَيْني، ثنا أسامة بن زيد بن أسلَمَ، عن أبيه، عن عُمرَ، به مختصرًا.
_________________
(١) وسقط من إسناد الحاكم قولُه: (عن جده)، كما سيأتي ذِكرُه.
[ ٢١ / ١٩٤ ]
فلم يذكر فيه (عن جده)، فإن لم يكن ذلك سقطًا من النُّسَّاخ؛ فهو اضطرابٌ من الحُنَيْني أو أسامةَ، والوجه الذي ذكره الحاكم منقطعٌ؛ لأن زيدَ بنَ أسلَمَ لم يدرِك عُمرَ ﵁. انظر: (جامع التحصيل ٢١١).
قال البَزَّار: "وهذا الحديثُ لا نعلمُ رواه عن أسامةَ بنِ زيدٍ عن أبيه عن جده عن عُمرَ إلا إسحاقُ بن إبراهيمَ الحُنَيْني، ولا نعلم يُروَى في قصة إسلامِ عُمرَ إسنادٌ أحسنُ من هذا الإسناد، على أن الحُنَيْني قد ذكرْنا أنه خرج عن المدينة، فكُفَّ، واضطرب حديثُه" اهـ.
وقال الذهبي: "قد سقط منه، وهو واه منقطع" (التلخيص/ مع المستدرك ٤/ ٦٠)، وأقره ابن الملقن في (مختصر تلخيص الذهبي ٥/ ٢٤٣٢).
وقال الهَيْثَميُّ: "رواه البَزَّارُ، وفيه أسامة بن زيد بن أسلمَ؛ وهو ضعيفٌ" (المجمع ١٤٤١٣).
وتعقَّبه ابنُ حَجَر، فقال -كما في (حاشيته على مجمع الزوائد) -: "وفيه مَن هو أضعفُ من أسامةَ -وهو: إسحاق بن إبراهيمَ الحُنَيْنيُّ-، وقد ذكر البَزَّارُ أنه تفرَّد به" (الضعيفة ١٤/ ٧٦).
قال الألبانيُّ: "فمن الغرائب أن الحافظَ سكتَ عن إسنادِهِ في كتابه (مختصر زوائد مسند البَزَّار ٢/ ٢٩٢) كما سكتَ عنه في (الفتح)! ! ". وقد ضعَّف الألبانيُّ الحديثَ في (الضعيفة ٦٥٣١).
[ ٢١ / ١٩٥ ]
٢٥٩٤ - حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ ﵁ عَنْ إِسْلَامِهِ، قَالَ: «خَرَجْتُ بَعْدَ إِسْلَامِ حَمْزَةَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِذَا فُلَانُ ابنُ فُلَانٍ المَخْزُومِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: أَرَغِبْتَ عَنْ دِينِ آبَائِكَ وَاتَّبَعْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ عَلَيْكَ حَقًّا مِنِّي. قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ وَخَتَنُكَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَوَجَدْتُ البَابَ مُغْلَقًا، وَسَمِعْتُ هَمْهَمَةً. قَالَ: فَفُتِحَ لِيَ البَابُ فَدَخَلْتُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُهُ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا. فَمَا زَالَ الكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، حَتَّى أَخَذْتُ بِرَأْسِ خَتَنِي فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً فَأَدْمَيْتُهُ، فَقَامَتْ إِلَيَّ أُخْتِي فَأَخَذَتْ بِرَأْسِي، فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ. قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ حِينَ رَأَيْتُ الدِّمَاءَ، فَجَلَسْتُ، وَقُلْتُ: أَرُونِي هَذَا الكِتَابَ. فَقَالَتْ أُخْتِي: إِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونِ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقُمْ فَاغْتَسِلْ.
قَالَ: فَقُمْتُ فَاغْتَسَلْتُ، وَجِئْتُ فَجَلَسْتُ، فَأَخْرَجُوا إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قُلْتُ: أَسْمَاءٌ طَاهِرَةٌ طَيِّبَةٌ: ﴿طَهَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فَتَعَظَّمَتْ فِي صَدْرِي، وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا فَرَّتْ قُرَيْشٌ؟ ثُمَّ شُرِحَ صَدْرِي لِلْإِسْلَامٍ، فَقُلْتُ: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قَالَ: فَمَا فِي الأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قُلْتُ: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَتْ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا تَهْجُهْ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَإِنَّهُ فِي دَارِ أَرْقَمَ بنِ أَبِي الأَرْقَمِ فِي دَارٍ عِنْدَ الصَّفَا، فَأَتَيْتُ الدَّارَ فَأَسْلَمْتُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
[ ٢١ / ١٩٦ ]
وَفِيهِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي (الحِلْيَةِ)، وَابنِ عَسَاكِرَ: قِصَّةُ خُرُوجِ المُسْلِمِينَ فِي صَفَّيْنِ، عَلَى أَحَدِهِمَا حَمْزَةُ، وَعَلَى الآخَرِ عُمَرُ ﵄، فَلَمَّا رَأَتْهُمْ قُرَيْشٌ أَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلُهَا.
[الحكم]: منكَر، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ الذَّهَبيُّ.
[التخريج]:
[صحا ٧٧٨٩ (واللفظ له) / حل (١/ ٤٠) / نبص ١٩٢/ كر (٤٤/ ٢٩) / جوزي (مشكل ١/ ١٠٧)].
[السند]:
رواه أبو نُعَيم في (معرفة الصحابة، والحِلْية، والدلائل) -ومن طريقه ابنُ الجَوْزي-، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا محمد بن عثمانَ بن أبي شَيْبة، ثنا عبد الحُمَيد بن صالح، ثنا محمد بن أَبانَ، عن إسحاقَ بن عبد الله، عن أَبانَ بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
ورواه ابنُ عساكرَ من طريق محمد بن عثمانَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ، ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: إسحاق بن عبد الله، هو ابنُ أبي فَرْوَةَ؛ تركه الأئمةُ، وكذَّبه ابنُ مَعِين في رواية. وقال الحافظ: "متروك" (التقريب ٣٦٨).
العلةُ الثانيةُ: محمد بنُ أَبانَ، وهو الجُعْفيُّ؛ ضَعَّفَهُ: أحمدُ، وابنُ مَعِين، والبخاريُّ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وغيرُهم. انظر: (لسان الميزان ٦٣٥٤).
ولذا قال الذَّهَبيُّ: "ويُروَى عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ "، فذكره،
[ ٢١ / ١٩٧ ]
انظر (السِّيَر ١/ ١٧٩).
وأصحُّ ما وردَ في إسلام عُمرَ ﵁ ما رواه البخاريُّ في (صحيحه) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄، قال: «لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ ﵁ اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ، وَقَالُوا: صَبَا عُمَرُ، وَأَنَا غُلَامٌ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَقَالَ: قَدْ صَبَا عُمَرُ، فَمَا ذَاكَ؟ فَأَنَا لَهُ جَارٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عَنْهُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: العَاصِ بنُ وَائِلٍ».
ولا يُستبعَد أن يكون لقصة عُمرَ ﵁ مع أخته أصلًا، ولكن حديث البخاري المذكور يدلُّ على نكارةِ ووَهَاءِ الرواياتِ السابقة بتلك التفصيلات، والله أعلم.
* * *
[ ٢١ / ١٩٨ ]