٢٧١٧ - حَدِيثُ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ:
◼ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَنَسُ، يَا بُنَيَّ، الغُسْلَ مِنَ الجَنَابَةِ فَبَالِغْ فِيهِ؛ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ أُبَالِغُ فِيهِ؟ قَالَ: «رَوِّ أُصُولَ الشَّعَرِ، وَأَنْقِ بَشَرَتَكَ؛ تَخْرُجْ مِنْ مُغْتَسَلِكَ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ كُلُّ ذَنْبٍ».
[الحكم]: موضوع.
[التخريج]:
[تطبر (مسند علي ٤٢٩) (واللفظ له) / مع (مط ٨٥/ ٢) / زاهر (سباعيات ١٥٣) / غافل ٢٢٧ (مطولًا)].
[السند]:
رواه ابنُ مَنِيعٍ: عن يزيدَ بنِ هارونَ، قال أخبرنا العلاءُ أبو محمدٍ الثَقَفي، قال: سمِعتُ أنسًا: فذكره. ورواه الباقون من طريقِ يزيدَ بنِ هارونَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه العلاءُ بنُ زيدٍ أبو محمدٍ الثَقَفيُّ؛ قال عليُّ بنُ المَدِيني: "كان يضعُ الحديثَ"، وقال ابنُ حِبَّانَ: "روى عن أنسٍ نسخةً
[ ٢٢ / ١١٧ ]
موضوعةً، لا يحلُّ ذِكرُه إلا تعجُّبًا"، وقال الحاكم: "يَروي عن أنسٍ أحاديثَ موضوعةً"، وبمثله قال أبو نُعَيم في (الضعفاء ١٧٨)، وانظر: (تهذيب التهذيب ٨/ ١٨٢)، وقال أبو الفتحِ الأَزْديُّ: "كان يضعُ الحديثَ" (تاريخ الإسلام ٤/ ٤٦٢).
قال البُوصيريُّ: "رواه أحمدُ بنُ مَنِيعٍ بسندٍ ضعيفٍ؛ لضعْفِ العلاءِ أبي محمدٍ الثَقَفيِّ" (إتحاف الخيرة ٧١٩٤/ ١).
قلنا: وهذا تساهُلٌ مِنَ البُوصيري؛ بل العلاء هذا كذَّاب كما سبقَ بيانُه.
وعزاه البُوصيريُّ أيضًا لمسندِ ابنِ أبي عُمرَ العَدَنيِّ، وقال: "وفيه رجلٌ لم يُسَمَّ".
وانظر بقيَّةَ طرق هذا الحديثِ عَقِبَ الرواية المخرَّجةِ في: (باب أَجْر إسباغِ الوُضوء على المكاره).
[ ٢٢ / ١١٨ ]
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهِ: « وَيَا أَنَسُ، بَالِغْ فِي الِاغْتِسَالِ مِنَ الجَنَابَةِ؛ فَإِنَّكَ تَخْرُجُ مِنْ مُغْتَسَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ ذَنْبٌ وَلَا خَطِيئَةٌ».
قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ المُبَالَغَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «تَبُلُّ أُصُولَ الشَّعَرِ، وَتُنْقِي البَشَرَةَ».
[الحكم]: موضوعٌ، وحَكَمَ عليه بالوضعِ ابنُ الجَوْزي.
[التخريج]:
[عل ٣٦٢٤ (واللفظ له) / طس ٥٩٩١/ طص ٨٥٦/ غيب ٢٥٤/ ميمي ٢٦٤/ كر (٩/ ٣٤١ - ٣٤٣)].
[التحقيق]:
حديثُ أنسٍ هذا حديثٌ طويلٌ، وله رواياتٌ وطرقٌ كثيرةٌ، ولكنها شديدةُ الضعفِ، وقد ذكرها ابنُ حَجَر في (الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع ١/ ٩٢ - ٩٤)، وضَعَّفَهُا كلَّها تضعيفًا شديدًا، وأبانَ عن عللها. فانظره إن شئتَ.
وأمَّا هذا اللفظُ فله ثلاثةُ طرق:
الطريق الأول:
أخرجه أبو يَعْلَى -ومن طريقه ابنُ عساكر (٩/ ٣٤١ - ٣٤٣) -: عن يحيى بنِ أيوبَ، حدثنا محمدُ بنُ الحسن بنِ أبي يزيدَ الصُّدَائيُّ، حدثنا عَبَّادٌ المِنْقَري، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أنسٍ، به.
[ ٢٢ / ١١٩ ]
وهذا سندٌ واهٍ؛ فيه خمسُ عِلل:
العلة الأولى: محمد بن الحسن بن أبي يزيدَ؛ ضَعَّفَهُ الأئمةُ، وقال ابنُ مَعِين: "يَكذِبُ"، وقال أبو داودَ: "كذَّابٌ، وَثَبَ على كُتبِ أبيه"، وتركه النَّسائيُّ. انظر: (تهذيب التهذيب ٩/ ١٢٠).
العلة الثانية: عَبَّادُ بنُ مَيْسَرةَ المِنْقَري؛ "لَيِّنُ الحديثِ" كما في (التقريب ٣١٤٩).
العلة الثالثة: عليُّ بنُ زيدِ بنِ جُدْعان؛ "ضعيف"، كما في (التقريب ٤٧٣٤).
العلة الرابعة: اختُلِف على محمد بنِ الحسن في ذكر ابن المُسَيِّب في هذا الحديث، فرواه عنه يحيى بن أيوبَ هكذا بذِكر سعيدٍ فيه، وخالفه عَمرو بن زُرَارةَ؛ فقال: أخبرنا محمد بن الحسن، عن عَبَّاد المِنْقَري، عن عليِّ بن زيد، عن أنس، منقطعًا ليس فيه سعيدٌ، كذا رواه البخاري في (التاريخ الكبير ٦/ ٥٢٠)، والظاهرُ أن الصوابَ روايةُ عَمرو بن زُرَارةَ، بعدم ذِكرِ سعيد بن المُسَيِّب، كما سيأتي.
العلة الخامسة: أنه لا يُعلَم لسعيد روايةٌ عن أنس إلا في هذا الحديث.
قال التِّرْمِذيُّ: "وقد روَى عَبَّادُ بنُ مَيْسرةَ المِنْقَريُّ هذا الحديثَ عن عليِّ بنِ زيد عن أنسٍ، ولم يَذكُر فيه: عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب"، كذا قال!، ولعلَّه يعني روايةَ عَمرو بن زُرَارةَ النَّيْسابُوريِّ. فالله أعلم.
ثم قال: "وذاكرتُ به محمدَ بنَ إسماعيلَ -أي: البخاري- فلم يَعْرِفه، ولم يَعْرِف لسعيد بن المُسَيِّب عن أنسٍ هذا الحديثَ ولا غيرَه، ومات أنسُ بنُ مالكٍ سنة ثلاث وتسعين، ومات سعيد بنُ المُسَيِّب بعده بسنتين، مات سنةَ خمس وتسعين" (جامع التِّرْمِذي ٢٦٧٨).
[ ٢٢ / ١٢٠ ]
ولعلَّه يشيرُ بذلك إلى إمكانِ السماعِ، ونحن لا نُنكِرُ ذلك، إنما الشأنُ في عدمِ ثبوتِ روايتِه عنه إلا من طريقٍ ضعيفٍ، مع أن ابنَ المُسَيِّبِ إمامٌ كبيرٌ له تلامذتُه الحافظون لحديثه، فأين هُم مِن روايةِ شيخِهم عن صحابيٍّ جليلٍ كأنسٍ ﵁؟ !
ولذا؛ فإن الحافظَ المِزِّيَّ لما ذَكرَ أنسَ بنَ مالكٍ ضِمْنَ شيوخِ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ قال: "مِن وجهٍ ضعيف" (تهذيب الكمال ١١/ ٦٧).
والحديث ضَعَّفَهُ الهَيْثَميُّ، فقال: "وفيه محمدُ بنُ الحسنِ بنِ أبي يزيدَ، وهو ضعيفٌ" (مجمع الزوائد ١٤٧٠).
قلنا: وقد جاء ذِكرُ سعيد بن المُسَيِّب مِن وجهٍ آخَرَ، كما في:
الطريق الثاني:
رواه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط)، و(الصغير)، وابنُ أخي مِيمِي -ومن طريقه ابنُ عساكرَ- من طرقٍ عن مسلمِ بنِ حاتمٍ الأنصاريِّ، قال: نا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ، عن أبيه، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ »، وساقَ الحديثَ بطوله.
قال الطَّبَرانيُّ في (الأوسط): "لم يَروِ هذا الحديثَ بهذا التمامِ عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ إلا عليُّ بنُ زيدٍ، ولا عن عليِّ بنِ زيدٍ إلا عبدُ اللهِ بنُ المُثَنَّى، تفرَّدَ به مسلمُ بنُ حاتمٍ، عن الأنصاريِّ، عن أبيه، وتفرَّدَ به محمدُ بنُ الحسنِ بنِ أبي يزيدَ، عن عَبَّادٍ المِنْقَري".
وقال في (الصغير): "لا يُروَى عن أنسٍ بهذا التمامِ إلا بهذا الإسنادِ، تفرَّدَ به مسلمٌ الأنصاريُّ، وكان ثقةً".
[ ٢٢ / ١٢١ ]
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا أيضًا؛ فيه أربعُ عِللٍ:
الأُولى: محمد بن عبد الله الأنصاري، وإن كان ثقةً كما في (التقريب ٦٠٤٦)، فإن في ترجمته: "يقال: إن غلامًا له أدخلَ عليه حديثَ ابنِ عباس"، وقال أحمدُ: "كانت ذهبَتْ للأنصارىِّ كُتبٌ، فكان بعدُ يحدِّثُ مِن كتبِ غلامه أبي حَكيم"، وقال أبو داودَ: "تغيَّر تغيُّرًا شديدًا". انظر: (تهذيب التهذيب ٩/ ٢٧٤).
فالذي يظهرُ لنا أن هذا الحديثَ الباطلَ مما أُدخِلَ على محمد بن عبد الله الأنصاري، خاصَّةً وأنه تغيَّر تغيُّرًا شديدًا كما ذكر أبو داود.
الثانية: عبد الله بن المُثَنَّى الأنصاريُّ والد محمد؛ مختلَفٌ فيه، ولخَّص الحافظُ الكلامَ فيه فقال: "صدوقٌ، كثيرُ الغلطِ" (التقريب ٣٥٧١).
وأما الثالثة، والرابعة: فهي ابن جُدْعانَ، والخلافُ في ذِكر سعيدٍ في سندِهِ، وعدم ثبوت روايته عن أنسٍ إلا مِن وجهٍ ضعيفٍ؛ وقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلك في الطريقِ الأولِ.
الطريق الثالث:
أخرجه أبو القاسمِ الأَصْبَهانيُّ في (الترغيب والترهيب ٢٥٤)، والخطيبُ في (تلخيص المتشابه ١/ ٥٤٢)، وابنُ الجَوْزي في (الموضوعات ١٦٨٢)، والسّيوطيُّ في (اللآلئ المصنوعة ٢/ ٣١٥)، من طرقٍ عن بِشْرِ بنِ إبراهيمَ أبو عَمرو البصري المَفْلُوج، نا عَبَّاد بن كَثير، عن عبد الرحمن بن حَرْمَلةَ، عن سعيد بن المُسَيِّب، عن أنس، به.
وهذا إسنادٌ واهٍ؛ فيه علتان:
الأُولى: بِشْر بن إبراهيم المفلوج، أبو عَمرو الأنصاري، قال العُقَيلي:
[ ٢٢ / ١٢٢ ]
"يَروي عن الأَوْزاعي موضوعاتٍ"، وقال ابنُ عَدِي: "هو عندي ممن يضعُ الحديثَ"، وقال ابنُ حِبَّانَ: " كان يضعُ الحديثَ على الثقاتِ" (ميزان الاعتدال ١/ ٣١١).
الثانية: عَبَّاد بن كثير الثَّقَفي البصري؛ قال الحافظ: "متروك" (التقريب ٣١٣٩).
ولذا حَكَمَ عليه بالوضعِ ابنُ الجَوْزي، وأعلَّه بالعلتين السابقتين، وزاد علةً ثالثةً، وهي: عبد الرحمن بن حَرْمَلةَ، وقال: "قد ضَعَّفَهُ البخاري" (الموضوعات ٣/ ١٨٨).
قلنا: وفيه نظرٌ؛ وذلك لأن البخاريَّ لم يضعِّف عبدَ الرحمن هذا؛ إنما ضعَّف عبدَ الرحمن بن حَرْمَلةَ الكُوفيَّ (عمَّ القاسمِ بن حَسَّان)، حيث قال: "لم يَصِحَّ حديثُه" (تهذيب الكمال ١٧/ ٦٢)، والله أعلم.
[ ٢٢ / ١٢٣ ]