٢٧٧٤ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ البَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا؟ قَالَ: «يَغْتَسِلُ». وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ البَلَلَ؟ قَالَ: «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ». فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ (^١): المَرْأَةُ تَرَى ذَلكَ، أَعَلَيْهَا غُسْلٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ؛ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ».
• وفي رواية، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَرَأَى بَلَلًا، وَلَمْ يَرَ أَنَّهُ احْتَلَمَ، اغْتَسَلَ، وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ، وَلَمْ يَرَ بَلَلًا، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ».
[الحكم]: حسن لشواهده.
وإسنادُهُ ضعيفٌ بهذا السياقِ. وضَعَّفَهُ: أحمدُ، والتِّرْمِذيُّ، والطُّوسيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، والخَطَّابيُّ، وابنُ العربي، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ، وابنُ القَطَّانِ، والضِّياءُ، والمُنْذِريُّ، والنَّوَويُّ، والشَّوْكانيُّ، والألبانيُّ.
_________________
(١) وقع عند الترمذي وحده: "فقالت أم سلمة"، وهو محض خطأ، والصواب كما في كل المصادر: "أم سليم"، وانظر مزيد بيان ذلك في التنبيهات عقب التحقيق.
[ ٢٢ / ٣٤٧ ]
[اللغة]:
«يَجِدُ البَلَلَ»: بفتحتين؛ أي: رطوبةَ المَنِيِّ على بدنه، أو في ثوبه؛ وذلك لأن المسئولَ عنه إنما هي بلَّةُ المَنِيِّ، لا مُطْلَق البلَّةِ؛ بقرينةِ الحالِ؛ إذ لم يَقُل أحدٌ بوجوبِ الغُسلِ على المنتبه من النومِ برؤيةِ بَلَلِ البول، فكذا المَذْي. (مرعاة المفاتيح ٢/ ١٣٩).
[الفوائد]:
١ - معنى هذا الحديث مجمَعٌ عليه عند العلماء كافَّةً، وفيه أمور:
الأمر الأول: أن مَن رأى في منامه أنه يجامِع ولم يجد مَنِيًّا في ثوبه؛ فلا غُسل عليه.
الأمر الثاني: أن مَن رأى مَنِيًّا في ثوبه؛ فعليه الغُسل، سواء رأى شيئًا في منامه أو لم يَرَ.
الأمر الثالث: أن الرجل والمرأة المتزوجين وغيرَ المتزوجين في ذلك سواءٌ.
قال الترمذي عقب الحديث: "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: إذا استيقظ الرجل فرأَى بِلَّةً أنَّه يغتسل. وهو قول سفيان، وأحمد.
وقال بعض أهل العلم من التابعين: إنما يَجب عليه الغسلُ إذا كانت البِلَّةُ بِلَّةَ نُطْفَة. وهو قول الشافعي، وإسحاق.
وإذا رأى احتلامًا ولم ير بِلَّةً فلا غُسْلَ عليه عند عامة أهل العلم".
وقال ابنُ المُنْذِر: "مَن رأى بَلَلًا: فإن أيقَن أنه بلَّةُ نُطفةٍ؛ اغتسلَ، وإن عَلِمَ
[ ٢٢ / ٣٤٨ ]
أنه مَذْيٌ أو غيرُه بعد أن يعلمَ أن البلَّةَ ليستْ ببلَّةِ نُطفةٍ؛ لم يجبْ عليه الاغتسالُ. والأحوطُ له إذا شكَّ فلم يَدْرِ بلَّةَ نُطفةٍ أو مَذْي أن يغتسلَ. فإن أمكنه التمييزُ بينها بشَمٍّ كما قال قتادةُ فَعَل، فإن رائحةَ نُطفةِ الرَّجُل تُشبِه رائحةَ الطَّلْع" (الأوسط ٢/ ٨٦).
وقال الخطابي: "ظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى البِلَّة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق. ورُوي هذا القول عن جماعة من التابعين هم عطاء والشعبي والنخعي، وقال أحمد بن حنبل: أعجب إليّ أن يغتسل إلاّ رجلا به إبردة (^١).
وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط.
ولم يختلفوا: أنه إذا لم ير الماء وإن كان رأى في النوم أنه قد احتلم فإنه لا يجب عليه الاغتسال.
وقوله: (النساء شقائق الرجال) أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع فكأنهن شققن من الرجال.
وفيه من الفقه: إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير، وأن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابًا للنساء إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها" (معالم السنن ١/ ٧٩).
_________________
(١) الإِبْرِدَةُ - بكسر الهمزة والراء-: علة معروفة من غلبة البرد والرطوبة تفتر عن الجماع. (النهاية لابن الأثير ١/ ١٤). وقيل: "الإِبْرِدَةُ: بَرْدٌ فِي الْجَوْفِ. ورجل به إبردة، وهو تقطير البول ولا ينبسط إلى النساء. (لسان العرب ٣/ ٨٣).
[ ٢٢ / ٣٤٩ ]
وقال ابن عبد البر: "إجماع العلماء على أن المحتلم -رجلًا كان أو امرأة- إذا لم ينزل ولم يجد بللًا ولا أثر للإنزال: أنه لا غسل عليه، وإن رأى الوطء والجماع الصحيح في نومه.
وأنه إذا أنزل فعليه الغسل - امرأة كان أو رجلًا -، وأن الغُسلَ لا يجب في الاحتلام إلا بالإنزال" (التمهيد ٨/ ٣٣٧).
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [د ٢٣٦ "واللفظ له" / ت ١١٤ "والرواية له" / حم ٢٦١٩٥ / مي ٧٨٤ مختصرًا / عل ٤٦٩٤ / جا ٨٩، ٩٠ / طوسي ٩٦ / منذ ٥٩١ / طس ٨٩٦٦ / قط ٤٨١ / هق ٨٠٥، ٨١١ / تمهيد (٨/ ٣٣٧) / مخلص ٢٥٧٣ / خبر (٢/ ٢٦)]
تخريج السياق الثاني: [جه ٥٨٧ "واللفظ له" / عب ٩٨٢ / ش ٨٦٨ / حق ١٧٠٦ / فز ١٠١ / بشن ٨٢]
[السند]:
قال أبو داودَ: حدثنا قُتَيْبةُ بنُ سعيدٍ، ثنا حَمَّادُ بنُ خالدٍ الخَيَّاطُ، ثنا عبدُ اللهِ العُمَريُّ، عن عُبَيدِ اللهِ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، به.
وكذا رواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق وجماعة: عن حماد الخياط، به.
وتابع حمادًا عليه: عبد الرزاق في (مصنفه) - ومن طريق الدارمي -. وعبد الله بن نافع الصائغ - عند ابن المنذر في (الأوسط) -. كلاهما: عن عبد الله بن عمر العُمَري، به.
فمدارُ الحديث عندَ الجميع -عدا الطَّبَرانيَّ في (الأوسط) - على عبد الله
[ ٢٢ / ٣٥٠ ]
ابن عمر العُمَري، به (^١).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف عبد الله بن عمر العُمَري، فهو: "ضعيف" كما في (التقريب ٣٤٨٩).
وبه ضعَّفَ الحديثَ التِّرْمِذيُّ فقال: "إنما رَوَى هذا الحديث عبد الله بن عمر، عن عبيد الله بن عمر ، وعبد الله ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث"اهـ.
وتبِعه الطُّوسيُّ في (مختصر الأحكام)، والمُنْذِريُّ في (مختصر سنن أبي داود ١/ ١٦١).
وكذا ضعَّفَه به: الخَطَّابيُّ في (معالم السنن ١/ ٧٩)، وابنُ العربي في (عارضة الأحوذي ١/ ١٧٢)، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ١٩٢)، وابنُ القَطَّانِ في (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٧٠)، والضياء المقدسي في (السنن والأحكام ١/ ١٦٣)، والنَّوَويُّ في (الخلاصة ٤٥٨)، و(المجموع ٢/ ١٤٢)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ١/ ٤٣١).
_________________
(١) إلا أن الطوسي قال عقب روايته للحديث عن الحسن بن عرفة وأبي سعيد الأشج عن حماد: "لم يذكر ابن عرفة في حديثه عبد الله بن عمر إنما ذكر حمادًا عن عبيد الله بن عمر، إنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر" (مختصر الأحكام ١/ ٣٢٥). يعني أن الحسن بن عرفة أسقط (عبد الله) من السند، وجعل الحديث (عن حماد الخياط عن عبيد الله)، وهذا وهمٌ، فالحديث معروف بعبد الله، كما رواه عدد من الأئمة الحفاظ، كأحمد وإسحاق وابن أبي شيبة وغيرهم كثير.
[ ٢٢ / ٣٥١ ]
وانظر (شرح ابن ماجه لمُغْلَطاي ٢/ ٧٣)، (فيض القدير ٢/ ٥٦٢)، (مرقاة المفاتيح ٢/ ٤٢٨).
وقال ابنُ رجبٍ: "وقدِ استنكَرَ أحمدُ هذا الحديثَ في رواية مُهَنَّا، وقال في روايةِ الفَضْلِ بنِ زياد: أَذهَب إليه" (الفتح له ١/ ٣٤٢).
قلنا: ومعنى قوله «أَذهَب إليه» في رواية الفضل، أي من حيث العمل والفقه، فمعناه مجمع عليه، كما تقدم في الفوائد. فليس ثمَّ تعارض بين قوله ذلك وبين استنكاره للحديث في رواية مُهَنَّا.
وقال ابنُ المُنْذِر: "وقد رُوِّينا عن النبيِّ ﷺ في هذا البابِ حديثًا، وقد تُكُلِّمَ في إسنادِهِ "، ثم ساقَ هذا الحديثَ، وأعلَّه بالعُمَريِّ، فقال: "عبدُ اللهِ كان يحيى القَطَّانُ يُضَعِّفه".
وقال الشَّوْكانيُّ: "الحديثُ معلولٌ بعلتين:
العلة الأولى: العُمَريُّ المذكورُ.
والعلة الثانية: التفرُّدُ وعدَمُ المتابعاتِ -أي: بهذا السياق-، فقصَر عن درجةِ الحُسْنِ والصحَّةِ، والله أعلم" (نيل الأوطار ١/ ٢٨١).
إلا أنه تساهَلَ فقال في (السيل الجَرار ص ٦٧): "هذا الحديثُ رجالُهُ رجالُ الصحيحِ إلا عبدَ الله بن عُمرَ العُمَريَّ، وفيه مقالٌ خفيفٌ، وحديثُه يصلُحُ للاحتجاجِ به".
وقد حسَّنَ إسنادَهُ ابنُ حَجَرٍ الهيتميُّ فيما حكاه عنه القاري في (مرقاة المفاتيح ٢/ ٤٢٨)، وَصَحَّحَهُ أحمد شاكر في (تعليقه على التِّرْمِذي).
وتعقَّب شاكرٌ إعلالَ الشَّوْكانيِّ؛ بأن العُمَريَّ أقلُّ أحوالِهِ أن يكون حديثُه
[ ٢٢ / ٣٥٢ ]
حسنًا، وأن التفرُّد ليس بعلةٍ؛ فإن العُمَريَّ لم يتفرَّد بأصل القصة؛ وهي معروفة في (الصحيحين) وغيرِهما من حديث أمِّ سلَمةَ.
وقد تعقَّبه الألبانيُّ -موافقًا لِما ذهَبَ إليه الشَّوْكانيُّ-؛ فقال: "ونحن نَرى أن الحقَّ ما ذهبَ إليه الشَّوْكانيُّ؛ لِمَا عرفت مِن حال العُمَري في سوءِ الحفظِ، والشَّوْكانيُّ ﵀ لَمَّا كان يرى ذلك، ورأى أنه انفرد بالحديث -يعني: بتمامه-؛ جعل ذلك علةً أخرى؛ بمعنى: أنه لو تُوبِع فيه -ولو مِن مِثْلِه في الحفظ- لكان ربما حَكَمَ على الحديثِ بالحُسن أو الصحة، فلما تفرَّد به؛ جعله علةً أخرى، وهو لا يريد بذلك أن التفرُّد -مطلقًا- علةٌ؛ بل أرادَ ذلك مِن مِثْلِ العُمَري في ضعفِ ما حفظه؛ ولذلك فلا يَرِدُ عليه كلام الشيخ، وأما الانفرادُ وحدَه؛ فليس بعلة، وقولُه هذا حقٌّ؛ لكن ليس على إطلاقه، كما عرفتَ!، وأما عطْفُه على ذلك أن العُمَري لم يتفرَّدْ بأصلِ القصةِ! ! فهو مِن الحجة للشوكانيِّ على الشيخ؛ لأن الرواياتِ المذكورةَ ليس في شيء منها ما في رواية العُمَري هذه؛ مِن السؤال عن الرجُل يجد البَلَل ولا يذكر احتلامًا؛ وقد أشارَ التِّرْمِذيُّ في كلامِهِ السابق إلى أنه تفرَّدَ بهذا القَدْرِ مِنَ الحديثِ؛ فهذا التفرُّد -مع ثبوتِ سوءِ حِفْظِه- مما يَزيدُ وهَنَ الحديثِ ويُضَعِّفه، كما هو واضح، والحمد لله" (صحيح أبي داود ١/ ٤٣١).
قلنا: وقد تُوبِع عليه العُمَريُّ مِن وجهٍ آخَرَ، لكنه ضعيفٌ أيضًا:
فرواه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٨٩٦٦)، قال: حدثنا مِقْدَام، ثنا أبو الأَسْود، ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن أبي الأَسْودِ، عن عُروةَ والقاسمِ بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، بنحوه.
ثم قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن القاسمِ بنِ محمدٍ إلا عُبَيدُ اللهِ
[ ٢٢ / ٣٥٣ ]
ابنُ عُمرَ وأبو الأَسْود، تفرَّدَ به عن عُبَيدُ اللهِ بنُ عُمرَ: أخوه عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ، وتفرَّدَ به عن أبي الأَسْودِ: ابنُ لَهِيعة".
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
الأُولى: عبدُ اللهِ بنُ لَهِيعةَ، وهو ضعيف الحديث، لاسيما إذا روى عنه غير العبادلة - كما في هذا الحديث-، فإنه كان يتلقن.
كيف وقد اضطرَبَ فيه؛ فرواه تارةً أخرى عن أبي الأَسْوَدِ، عن عُروةَ، عن زينبَ، عن أُمِّ سلَمةَ، قالتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ». أخرجه الطَّبَرانيُّ في (الكبير ٢٣/ ٤١١/ ٩٩٠)، وقد تقدَّمَ في حديثِ أمِّ سلَمةَ.
الثانية: المِقْدَامُ، هو ابنُ داودَ بن عيسى بن تَلِيد الرُّعَيْنيُّ؛ قال النَّسائيُّ: "ليس بثقة"، وقال ابنُ يونسَ وغيرُه: "تكلَّموا فيه"، وقال محمد بن يوسفَ الكِنْدي: "كان فقيهًا مُفْتيًا، لم يكن بالمحمودِ في الروايةِ"، وضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْني. (لسان الميزان ٧٩٠٠).
فهذا السند ضعيف جدًّا - فيما يظهر لنا -، لا يصلح لتقوية رواية العمري، والله أعلم.
وخالف في ذلك الحافظ ابن حجر، فقال عقب رواية العمري: "هذا حديث حسن من هذا الوجه، غريب بهذا اللفظ"، ثم ذكر تضعيف الترمذي بالعمري، وعقَّب قائلًا: "قلت: قد وجدت له متابعًا، ولكنها متابعة قاصرة. أخرجه الطبراني في (الأوسط) من رواية ابن لهيعة "، فذكره ثم قال: "وإحدى هاتين الطريقين تشد الأخرى" (موافقة الخبر الخبر ٢/ ٢٦).
قلنا: وابن لهيعة لا يعتبر به في غير رواية العبادلة؛ لأنه كان يتلقن، فربما
[ ٢٢ / ٣٥٤ ]
هذه المتابعة مما تلقنه، لاسيما والحديث غير مشهور عنه أصلًا، فضلًا عن كونه لا يعرف عند الأئمة سوى من حديث العمري، وبه ضعفوه.
ولكن ما هذا نقول:
معنى الحديث صحيحٌ؛ فله شواهدُ، منها: ما سبقَ في (الصحيحين) من حديثِ أمِّ سلَمةَ وغيرِها: أن الغُسلَ على المحتلمَ إنما يجبُ برؤيةِ الماءِ.
ومنها: حديثُ خَوْلَةَ بنتِ حَكيمٍ، وبه حسَّنَ الألبانيُّ شطرَه الأوَّل، كما في (صحيح أبي داود ١/ ٤٣٢)، وقد سبقَ الكلامُ على حديثِها. وهذان شاهدان لأولِ الحديثِ.
ولذا قال النَّوَويُّ: "حديثُ عائشةَ هذا مشهورٌ لكنه من روايةِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ العُمَريِّ، وهو ضعيفٌ عند أهلِ العلمِ، لا يُحتجُّ بروايته. ويُغْني عنه حديثُ أمِّ سُلَيمٍ المتقدِّمُ؛ فإنه يدلُّ على جميعِ ما يدلُّ عليه هذا ونقَل ابنُ المُنْذِر الإجماعَ على أنه إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامَع ولم يَجِدْ بَلَلًا؛ فلا غُسْل عليه. والله أعلم" (المجموع ٢/ ١٤٢).
ويَشهَد لقوله «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»: ما رواه أحمدُ، عن أبي المُغِيرة، عن الأَوْزاعيِّ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحةَ، عن جدَّتِه أمِّ سُلَيم. وقد سبقَ، وذكَرْنا أن فيه انقطاعًا بين إسحاقَ وجدَّتِه.
وقد رواه محمدُ بنُ كثيرٍ المِصِّيصِيُّ، عن الأَوْزاعيِّ، عن إسحاقَ، عن أنسٍ: أن أمَّ سُلَيم فذكره بنحوه.
والمِصِّيصِيُّ هذا كثيرُ الغلطِ، وروايةُ أبي المُغيرةِ أصحُّ. ولم يتنبَّه ابنُ القَطَّان لهذا -ومِن قَبْلِه عبدُ الحقِّ-، فصحَّحَا حديثَه هذا، انظر (الأحكام الوسطى ١/ ١٩٢)، و(بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٧٠، ٢٧١).
[ ٢٢ / ٣٥٥ ]
وأما ابن حجر فقال عن حديث أنس: "هذا حديث حسن غريب"، ثم ذكر الكلام في المصيصي وقال: "فالحديث حسن في الجملة، وأصله في الصحيح بغير سياقه وبغير الجملة الأخيرة" (موافقة الخبر الخبر ٢/ ٢٨).
واعتمدَ الألبانيُّ تصحيحَه؛ فجعلَ حديثَ أنسٍ شاهدًا صحيحًا لحديثِ عائشةَ، انظر (الصحيحة ٦/ ٨٦٠)، وعدَل عن ذلك في (صحيح أبي داود ١/ ٤٣٣)، فصحَّحَ حديثَ الأَوْزاعيِّ؛ بِناءً على أن إسحاقَ إنما أخذه عن أنسٍ، وليس اعتمادًا على رواية المِصِّيصي، وإنما استدلالًا برواية عِكْرِمةَ بن عَمَّارٍ عن إسحاقَ عن أنسٍ التي خرَّجها مسلمٌ -بلفظٍ مختصَرٍ، وليس فيها مِن الزياداتِ التي في روايةِ ابنِ كثيرٍ كما بيَّنَّا فيما تقدَّم-؛ حيثُ اندفعتْ بها علةُ الانقطاعِ كما قال، والله أعلم.
أما أحمد شاكر في (تعليقه على جامع الترمذي ١/ ١٩١) -وإن كان قد سلَك مسلَك الألبانيِّ هذا في دفْع علةِ الانقطاع عند أحمدَ- فإنه ذَهبَ إلى تصحيحِ حديثِ العُمَريِّ هذا برأسه، مستندًا في ذلك على مذهبه في توثيقِ العُمَريِّ هذا خلافًا لجماهيرِ العلماءِ السابقين واللاحقين، وتعقَّب على الشَّوْكانيِّ بكلامِ تكفَّل الألبانيُّ بردِّه كما تقدَّم.
وقد رمزَ السّيوطيُّ في (الجامع الصغير ٢٥٦٠) لصحة حديث: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»، ونسبَه إلى عائشةَ وأنسٍ؛ وكأنه أرادَ أنه صحيحٌ لشواهدِهِ. والله أعلم.
[تنبيه]:
وقع عند الترمذي - وحده -: (قالت أم سلمة) بدل (أم سليم)، وهو خطأ؛ فقد رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن حماد الخياط به بذكر (أم سلمة).
[ ٢٢ / ٣٥٦ ]
وفي المقابل:
رواه أحمد في (مسنده ٢٦١٩٥).
وقتيبة بن سعيد، عند أبي داود (٢٣٦).
وأبو كريب، عند أبي يعلى في (مسنده ٤٦٩٤).
ومحمد بن سعيد العطار، وإسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن (لؤلؤ)، عند ابن الجارود في (المنتقى ٩٠).
والحسن بن عرفة وأبو سعيد الأشج، عند الطوسي في (مستخرجه ٩٦) (^١).
سبعتهم: عن حماد بن خالد الخياط به، بذكر (أم سليم).
ولا ريب أن رواية الجماعة أولى بالصواب، لاسيما وعلى رأسهم الإمام أحمد وهو جبل في الحفظ والتثبت.
وعليه: فذكر (أم سلمة) خطأ، ولا ندري هل الخطأ من أحمد بن منيع أو من الترمذي نفسه، أو خطأ قديم في نسخ الترمذي؟! الله أعلم.
* * *
_________________
(١) إلا أن الحسن بن عرفة أسقط من سنده (عبد الله العمري)، وهو خطأ، كما تقدم بيانه بالتفصيل في حاشيتنا على السند.
[ ٢٢ / ٣٥٧ ]
٢٧٧٥ - حَدِيثُ كَعْبٍ:
◼ عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، ﵃- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يُجَامِعُ، فَاسْتَيْقَظَ عَلَى جَفَافٍ؛ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ. وَمَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يُجَامِعُ، فَاسْتَيْقَظَ عَلَى بَلَلٍ؛ فَعَلَيْهِ الغُسْلُ».
[الحكم]: إسنادُهُ ساقطٌ، وضَعَّفَهُ ابنُ رجبٍ.
[التخريج]: [محد ٤٧٠ (واللفظ له) / قشيخ ١٢/ أصبهان (٢/ ٢٣٤)].
[السند]:
رواه أبو الشيخِ في (طبقات المحدِّثين) و(ذِكر الأقران)، قال: حدثنا أبو عليِّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو طاهرٍ سَهْلُ بن (الفَرُّخان) (^١)، قال: ثنا أبو أيوبَ سُلَيمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو الفَيْضِ، قال: ثنا الأَوْزاعيُّ، قال: ثنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، به.
ورواه أبو نُعَيمٍ في (تاريخ أصبهان): من طريقِ أبي بكرٍ محمدِ بنِ الحُسينِ بنِ أحمدَ، عن سَهْلِ بن الفَرُّخان، به. إلا أنه وقع عنده: "عن عبد الله بن كعب بن مالك"، بدلَ: "عبد الرحمن".
_________________
(١) في مطبوع (طبقات المحدِّثين): "الفرحان" بالحاء المهملة، وفي (ذِكر الأقران): "القرحان" بالقاف والحاء! والصواب المثبَت (بالفاء والخاء)؛ كما في (تاريخ أصبهان)، ومصادر ترجمته، والله أعلم.
[ ٢٢ / ٣٥٨ ]
[التحقيق]:
هذا سندٌ ساقطٌ؛ أبو الفَيْضِ متروكٌ، وكذَّبه الدَّارَقُطْنيُّ. وقال البَيْهَقيُّ: "هو في عِدَادِ مَن يضعُ الحديثَ" (اللسان ٨٦٩٠).
ولذا قال ابنُ رجبٍ: "إسنادُهُ لا يَصِحُّ" (الفتح ١/ ٣٤٢).
* * *
[ ٢٢ / ٣٥٩ ]
٢٧٧٦ - حَدِيثُ عُمَرَ مَوْقُوفًا:
◼ عَنْ زُيَيْدِ (^١) بنِ الصَّلْتِ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ إِلَى الجُرُفِ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدِ احْتَلَمَ، وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ، فَقَالَ: «وَاللهِ، مَا أَرَانِي إِلَّا احْتَلَمْتُ وَمَا شَعَرْتُ، وَصَلَّيْتُ وَمَا اغْتَسَلْتُ». قَالَ: فَاغْتَسَلَ، وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ، وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ، وَأَذَّنَ وَ(^٢) أَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى مُتَمَكِّنًا.
[الحكم]: موقوفٌ صحيحٌ، وَصَحَّحَهُ: الحافظُ سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ، والبَيْهَقيُّ.
[التخريج]:
[طا ١٢٢ (واللفظ له) / عب ٣٦٨٦، ٣٦٨٧/ ش ٩٠٦ (مختصرًا)، ٣٩٩٢ (مختصرًا)، ٣٧٦٣٦ (مختصرًا جدًّا) / أم ٨٨/ شف ٩٤/ طح (١/ ٥٢، ٤١١) / خطت ٢٠٣/ هقع ١٤٠٨/ هق ٨١٦، ١٩٢٢/ بغ ٨٥٥/ مالك ٤٠].
[السند]:
رواه يحيى اللَّيْثيُّ في (الموطأ ١٢٢)، عن مالكٍ عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن زُيَيدِ بنِ الصَّلْتِ، به.
_________________
(١) بياءين مثناتين تحتانيتن كما في (المؤتلف والمختلف للدارقطني ٣/ ١١٤٥) و(تبصير المنتبه ٢/ ٦٣٩). وتحرَّف في بعض مراجع الحديث إلى: "زبيد" بالموحدة، وكذا في عدد من الكتب التي ترجمت له! .
(٢) في الموطأ برواية اللَّيْثي: "أَوْ"، بالشك، وفي سائر المراجع بالعطف، وكذا في (الموطأ ١٣٤) برواية أبي مُصْعَب، و(الموطأ صـ ١١٩) برواية القَعْنَبي، و(الموطأ / صـ ٦٨) بروايةِ سُوَيْدٍ.
[ ٢٢ / ٣٦٠ ]
هكذا وقعَ في (رواية اللَّيْثيِّ للموطأ)، وقد أخطأَ فيه، قال محمدُ بنُ الحارثِ الخُشَنيُّ: "أَسقَطَ يحيى مِن الإسنادِ عُروةَ بنَ الزُّبَير؛ وإنما المحفوظ: عن مالك، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصَّلْت؛ كما رواه الرواةُ عن مالكٍ" (أخبار الفقهاء/ ص ٣٥٠).
قلنا: وهكذا رواه القَعْنَبيُّ في (الموطأ ص ١١٩) -وعنه إسماعيلُ القاضي في (مسند حديث مالك ٤٠) -، وأبو مُصْعَبٍ الزُّهْريُّ في (موطئه ١٣٤) -ومن طريقه البَغَويُّ في (شرح السُّنَّة ٨٥٥) -، وسُوَيْدُ بنُ سعيدٍ في (موطئه ص ٦٨)، والشافعيُّ في (الأم ٨٨)، وهو في (مسنده ٩٤) - ومن طريقه البَيْهَقيُّ في (المعرفة ١٤٠٨) -، وعبدُ الرزاقِ في (المصنف ٣٦٨٦).
والطَّحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٥٢، ٤١١)، والبَيْهَقيُّ في (الكبرى ٨١٦): من طريقِ عبدِ الله بنِ وَهْبٍ، والبَيْهَقيُّ أيضًا (٨١٦): من طريقِ يحيى بنِ بُكيرٍ.
سبعتُهم: عن مالك، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن زُيَيد، به.
وتُوبِع عليه مالكٌ:
فرواه عبدُ الرزاقِ في (المصنَّف ٣٦٨٧): عن مَعْمَرٍ،
ورواه ابنُ أبي شَيْبةَ في (المصنَّف ٩٠٦، ٣٩٩٢): عن وَكِيعٍ،
ورواه الطَّحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٤١١): من طريق زائِدةَ بن قُدَامة،
ورواه البَيْهَقي في (الكبرى ١٩٢٢): من طريق أنسِ بنِ عِيَاضٍ،
ورواه الخطيبُ في (تالي تلخيص المتشابه ٢٠٣): من طريقِ عليِّ بنِ
[ ٢٢ / ٣٦١ ]
مُسْهِرٍ،
كلهم: عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن زُيَيدٍ نحوَه، واختصره وَكِيعٌ جدًّا، وقال مَعْمَرٌ في حديثه: «أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّاسَ أَعَادُوا».
[التحقيق]:
موقوفٌ إسنادُهُ صحيحٌ؛ رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ، سوى زُيَيدٍ، وقد وثَّقه ابنُ مَعِينٍ كما في (الجرح والتعديل ٣/ ٦٢٢)، وانظر (التاريخ الكبير ٣/ ٤٤٧).
وقال سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ مشيرًا إلى صحةِ هذا الأثرِ: "إذا صحَّ لنا عن عُمرَ شيءٌ اتَّبَعْناه، يُعِيدُ ولا يُعِيدون" (التمهيد ١/ ١٨٢).
وقال البَيْهَقيُّ: "وقد صحَّ عن عُمرَ وعثمانَ ﵄ مِثْلُ ما قُلنا، أن عُمرَ صلَّى بالناسِ وهو جُنُبٌ، فأعادَ ولم يَأمُرهم أن يُعيدوا" (مختصر الخلافيات ٢/ ٢٣٤).
وقد جاءَ عن عُمرَ نحوُه من طرقٍ أُخرى:
فرواه مالكٌ في (الموطأ ١٢٣): عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيمٍ، عن سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ، أن عُمرَ بنَ الخطابِ غَدَا إلى أرضِه بالجُرُفِ، فوَجَدَ في ثوبِهِ احتلامًا، فقال: «لَقَدِ ابْتُلِيتُ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيتُ أَمْرَ النَّاسِ»، فاغتَسَلَ، وغَسَلَ ما رَأى في ثوبِهِ مِنَ الاحتلامِ، ثم صلَّى بعد أن طلَعَتِ الشمسُ.
ثم رواه في (الموطأ ١٢٤) -وعنه الشافعيُّ في (الأم ٨٩) - عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ، أن عُمرَ بنَ الخطابِ صلَّى بالناسِ الصبحَ، ثم غَدَا إلى أرضهِ بالجُرُفِ، فوَجَدَ في ثوبِهِ احتلامًا، فقال: «إِنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الوَدَكَ لَانَتِ العُرُوقُ». فاغتَسَلَ، وغَسَلَ الاحتلامَ مِن ثوبه، وعادَ لصلاتِهِ.
[ ٢٢ / ٣٦٢ ]
ورواه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٨١٦): من طريقِ ابنِ بُكَيرٍ، عن مالكٍ، به.
ورواه ابنُ أبي شَيْبةَ في (المصنَّف ٣٩٩٣): عن عَبْدةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، نحوَه.
وهذا منقطعٌ؛ سُلَيمانُ بنُ يَسَارٍ لم يَسمَعْ مِن عُمرَ. ولكن وصَلَه أيوبُ السَّخْتِيانيُّ:
فقد رواه عبد الرزاق (٣٦٨٨)، ومُسَدَّدٌ كما في (إتحاف الخيرة ١٢٣٩) والبَيْهَقي في (المعرفة ٤٨٦٠)، من طرق عن أيوبَ، عَن سُلَيمانَ بن يَسَار، قال: حدثَني الشَّريدُ، قال: كنت أنا وعُمرُ بن الخطاب جالسَيْن بيننا جدولٌ، قال: فرأى عُمرُ في ثوبه جنابةً، فقال: «فَرَطَ عَلَيْنَا الِاحْتِلَامُ مُنْذُ أَكَلْنَا هَذَا الدَّسَمَ»، ثم غَسَل ما رأى في ثوبه، واغتسل، وأعاد الصلاةَ.
ولفظ البَيْهَقيِّ -وبنحوه مُسَدَّد-: " صلَّى بالناسِ الصبحِ، ثم استتبعني إلى الجُرف، فخرجت معه، فبينا نحن قعودٌ، والرَّبيع يَجري بيننا، إذْ نظَر إلى الاحتلام في ثوبه، فقال: «لَا أَبَا لَكَ، لَقَدْ فُرِطَ عَلَيْنَا مُذْ وُلِّينَا أَمْرَ النَّاسِ»، فاغتسل، فصلَّى. زاد البَيْهَقي: "أحسبُه قال: «ولم أُعِد، ولم يَأمُرني بالإعادة».
وهذا سندٌ صحيحٌ أيضًا (^١).
وقد جاءَ عن الشَّرِيدِ مِن وجهٍ آخَرَ:
_________________
(١) ولا يُعِلُّه ما خرَّجه عبد الرزاق (٩٤١، ٩٤٢): عن مَعْمَرٍ، وابنِ عُيَيْنة، عن أيُّوبَ، عن سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ، قال: حدَّثَنا مَن كان مع عُمرَ بنِ الخطَّابِ في سفر فأصابته جَنابةٌ الحديثَ؛ فهذه قصة أخرى كما هو ظاهر من سياقها، وهي في (الموطأ ١٢٥) أيضًا عَقِبَ روايةِ ابن يَسَار، من طريقٍ آخَرَ. وإنما نبَّهْنا على ذلك مع وضوحه؛ لأن بعض محقِّقي (الموطأ) قد خرَّج روايةَ سُلَيمانَ المنقطعةَ عند مالكٍ مِن هذا الموضع بالمصنَّف! وكان يجدُر به تخريجُها من الموضع المذكورِ أعلاه.
[ ٢٢ / ٣٦٣ ]
فرواه الدَّارَقُطْنيُّ (١٣٧١) -ومن طريقه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٤١٣١) و(المعرفة ٤٨٦١) - من طريقِ ابنِ مَهْدي، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي سَلَمةَ، عن ابنِ المُنكَدرِ، عن الشَّريدِ الثَّقَفيِّ: «أَنَّ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَأَعَادَ، وَلَمْ يَأْمُرهُمْ أَنْ يُعِيدُوا».
هكذا مختصرًا، ورواه ابنُ المُنْذِر في (الأوسط ٢٠٤١) عن الرَّبيعِ المُرَادي، عن ابنِ وَهْبٍ، عن أسامةَ، عن محمدِ بنِ عَمرو بنِ عَلْقَمةَ، عن عيسى بنِ طَلحَةَ، عن الشَّرِيدِ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الجُرُفِ، فَذَهَبَ يَغْتَسِلُ، فَرَأَى فِي فَخِذَيْهِ احْتِلَامًا، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَانِي إِلَّا قَدْ صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ وَأَنَا جُنُبٌ؟»، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ".
وهذا سندٌ حسَنٌ إن شاء الله. وأسامة هو: ابنُ زيدٍ اللَّيْثي.
وقد رواه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٤١٣٠)، من طريقِ ابنِ وَهْبٍ، عن إسحاقَ بنِ يحيى بنِ طَلْحةَ، عن عمِّه عيسى بنِ طَلْحةَ، عن مُطيعِ بنِ الأَسْوَدِ، قال: صَلَّى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبْتُ أَنَا وَهُوَ إِلَى أَرْضِنَا، فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى رَبِيعٍ مِنْهَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا فَإِذَا عَلَى فَخِذِهِ احْتِلَامٌ، فَقَالَ: «هَذَا الِاحْتِلَامُ عَلَى فَخِذِي لَمْ أَشْعُرْ بِهِ»، فَحَكَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «صِرْتُ وَاللهِ حِينَ أَكَلْتُ الدَّسَمَ وَدَخَلْتُ فِي السِّنِّ يَخْرُجُ مِنِّي مَا لَا أَشْعُرُ بِهِ»، وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَعَادَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ.
وسندُهُ ضعيفٌ بهذه السياقةِ؛ إسحاقُ بنُ يحيى ضعيفٌ كما في (التقريب ٣٩٠).
وله طرقٌ أخرى، منها ما في (الأوسط لابنِ المُنْذِر ٢٠٤٢)، وانظر له (مسند ابن الجَعْد ١٦٦). وفيما ذَكرْنا كفايةٌ، والله أعلم.
* * *
[ ٢٢ / ٣٦٤ ]