حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث ضعفه العقيلي، والبيهقي، وأشار إلى ضعفه البخاري".
* قلت:
قال الإمام أبو داود في "السنن" (٨٩٣): "حدثنا محمد بن يحيى بن فَارِسٍ أَنَّ سَعِيدَ بن الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ أخبرنا نَافِعُ بن يَزِيدَ، حدثني يحيى بن أبي سُلَيْمَانَ، عن زَيْدِ بن أبي الْعَتَّابِ وابن الْمَقْبُرِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: "إذا جِئْتُمْ إلى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، ولا تَعُدُّوهَا شيئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ".
يحيى بن أبي سليمان المديني وهو ضعيف.
قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: مضطرب.
قال الحافظ ابن حجر: "يحيى بن أبي سليمان المدني أبو صالح: لين الحديث من السادسة، بخ دت س" (١).
_________________
(١) انظر: تقريب التهذيب: (ص ٥٩١).
[ ٢٥٤ ]
قال في "الخلاصة": "يحيى بن أبي سليمان المدني عن سعيد المقبري وعنه شعبة، قال البخاري: منكر الحديث، ووثقه ابن حبان والحاكم" (١).
ومن هذا يتبين لك دقة قول الحافظ: لين الحديث، وذلك لرواية شعبة عنه وفي ضمنها تعديله، في مقابل قول البخاري: منكر الحديث. فمثل هذا يتقوى حديثه لأن الخشية إنما هي من غلطه.
وشاهده في مسلم مرفوعًا: من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري: "من أَدْرَكَ رَكْعَةً من الصَّلَاةِ مع الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀:
"الثالث: أن النبي - ﷺ - علَّق الإدراك مع الإمام بركعة، وهو نص في المسألة، ففي "الصحيحين" من حديث أبى هريرة عن النبي - ﷺ -: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة". وهذا نص رافع للنزاع.
الرابع: أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله - ﷺ منهم ابن عمر، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، ولا يُعْلَمُ لهم في الصحابة مُخَالِفٌ، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح، ولهذا أبو حنيفة طرد أصله، وسوَّى بينهما، ولكن الأحاديث الثابتة وآثار الصحابة تبطل ما ذهب إليه.
الخامس: أن ما دون الركعة لا يعتد به من الصلاة فإنه يستقبلها جميعها منفردًا، فلا يكون قد أدرك مع الإمام شيئًا يحتسب له به، فلا يكون قد اجتمع هو والإمام في جزء من أجزاء الصلاة يعتد له به، فتكون صلاته جميعًا صلاة منفرد.
_________________
(١) انظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: (١/ ٤٢٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، وأخرجه مسلم.
[ ٢٥٥ ]
يوضِّحُ هذا: أنه لا يكون مدركًا للركعة، إلا إذا أدرك الإمام في الركوع، وإذا أدركه بعد الركوع لم يعتد له بما فعله معه، مع أنه قد أدرك معه القيام من الركوع والسجود وجلسة الفصل، ولكن لما فاته معظم الركعة -وهو القيام والركوع- فاتته الركعة، فكيف يقال مع هذا أنه قد أدرك الصلاة مع الجماعة؟! وهو لم يدرك معهم ما يحتسب له به، فإدراك الصلاة بإدراك الركعة، نظير إدراك الركعة بإدراك الركوع، لأنه في الموضعين قد أدرك ما يعتد له به، وإذا لم يدرك من الصلاة ركعة كان كمن لم يدرك الركوع مع الإمام في فوت الركعة، لأنه في الموضعين لم يدرك ما يحتسب له به، وهذا من أصح القياس" (١).
ويدل على صحة ما ذهب إليه الشيخ ﵀ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءاتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] فلولا أن الركوع هو العمدة في إدراك الصلاة ما خصه بالذكر.
وأما تضعيف البخاري له؛ فلأنه يخالف مذهبه في أن الركعة لا تدرك إلا بقراءة الفاتحة، وهو خلاف ما عليه عامة الصحابة، وهو من الأدلة على تأثره عليه ﵀ بمذهب أبي داود الظاهري في بعض المسائل.
ويشهد له أيضًا ما رواه الترمذي عن علي ومعاذ مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حاله، فليصنع كلما يصنع الإمام" (٢). وقال: حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده إلا ما روي من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم. انتهى.
وفي إسناده الحجاج بن أرطاة.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": "وينجبر ضعفه بما رواه سعيد بن منصور عن أناس من أهل المدينة: أن النبي - ﷺ - قال: "من وجدني قائمًا، أو
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى: (٢٣/ ٣٣٣).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: (٢/ ٤٨٦).
[ ٢٥٦ ]
راكعًا، أو ساجدًا، فليكن معي على الحالة التي أنا عليها" (١).
وعلى كل حال: فإن ظاهر القرآن وحديث الشيخين كاف في تقوية الحديث؛ بل وإجماع الصحابة، فتحسين الشيخ ﵀ جار على وفق قواعد الأئمة الكبار، والله الموفق.
_________________
(١) انظر: فتح الباري: (٢/ ٢٦٩).
[ ٢٥٧ ]