حديث أبي جحيفة: "رأيتُ بلالًا يؤذِّنُ ويدور، وأتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه" (١).
ــ
قال المستدرك:
"الحديث ضعيف شاذ، أعلَّه الإمام أحمد، وأخرج الحديث البخاري مسلم، وأعرضا عن زيادة الدوران ووضع الإصبعين في الأذنين، وما فعل ذلك البخاري إلا إشارة إلى تعليلها ".
* قلت:
قال الحافظ في "التغليق" (٢): "وقد روي أن بلالًا جعل إصبعيه في أذنيه، من حديث أبي جحيفة بإسناد لا بأس به، فقرأت على أبي بكر بن العز بن قدامة، عن أبي عبد الله بن الزراد: أن الحافظ أبا علي البكري أخبره، أنا جدي إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا هشيم، عن حجاج، عن عون، عن أبيه قال: "رأيت بلالًا يوذن وقد جعل إصبعيه في أذنيه".
قال ابن خزيمة: هذه اللفظة لست أحفظها، إلا عن حجاج بن أرطأه،
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: (٤/ ٣٠٨) والترمذي في سننه: (١/ ٣٧٥)، وعبد الرزاق في مصنفه: (١/ ٤٦٧)، والطبراني في المعجم الكبير: (٢٢/ ١٠١).
(٢) "تغليق التعليق" (٢/ ٢٦٨ - وما بعد).
[ ١٨٩ ]
ولست أفهم أسَمِعَ هذا الخبر من عون بن أبي جحيفة أم لا؟ فأنا أشك في صحته. انتهى.
ورواه ابن أبي شيبة عن عباد عن حجاج به.
ورواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن حجاج به.
ورواه ابن ماجه، من حديث عبد الواحد بن زياد عن حجاج.
وأخرجه أبو علي الطوسي في "مستخرجه على الترمذي" الذي سماه "الأحكام" عن يعقوب بن إبراهيم، فوافقناه بعلو، وقال: يقال: حسن صحيح.
* قلت: وهو من زياداته على الترمذي، وهذه اللفظة التي ذكر الإمام أبو بكر بن خزيمة أن حجاج بن أرطأة تفرد بها، وقد رواها أيضًا سفيان بن سعيد الثوري، عن عون بن أبي جحيفة.
أخبرنا بذلك أحمد بن أبي بكر في كتابه، عن محمد بن علي بن ساعد أن يوسف بن خليل الحافظ أخبره، أنا محمد بن أبي زيد أنا محمود بن إسماعيل الصيرفي، أنا أبو الحسين بن فإذا شاه، أنا أبو القاسم الطبراني، ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: "رأيت بلالًا يؤذن ويدور فأتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه، قال: ورسول الله - ﷺ - في قبة له حمراء" الحديث.
وهكذا رواه عبد الرزاق في "مصنفه".
ورواه الإمام أحمد بن في "مسنده" عن عبد الرزاق، فوافقناه بعلو.
ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق، فوقع لنا بدلًا عاليًا، وهكذا رواه عبد الرحمن بن مهدي الإمام عن سفيان، أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن أبي أحمد عن المطرز عن بندار عنه مختصرًا، كما هاهنا.
ورواه جماعة عن سفيان، لم يذكروا هذه الزيادة في الاستدارة، وجعل
[ ١٩٠ ]
الإصبعين في الأذنين، لكن رواه بعض أصحاب سفيان، عن سفيان ففصل هذه اللفظة في جعل إصبعيه في أذنيه، فرواها عنه عن حجاج عن عون بن أبي جحيفة.
ورواها الفريابي عن سفيان قال: حُدِّثْتُ عن عون بذلك، ذكره البخاري في "تاريخه" عن الفريابي.
ورواه قيس بن الربيع عن عون، وفيه الزيادة.
ورواه محمد بن عبيد الله العرزمي -وهو ضعيف- عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: "رأيت بلالًا يؤذن واضعًا أصبعيه في أذنيه، وهو يستدير في أذانه" كذا رواه مختصرًا.
وهكذا رواه إدريس الأودي عن عون، أخرجه الطبراني من حديثه، وهو ضعيف أيضًا.
وأما شك الإمام أبي بكر بن أبي خزيمة في صحته من أجل عنعنة حجاج ابن أرطأة له، فقد قال سعيد بن منصور في "السنن" له: حدثنا هشيم عن حجاج قال: أنا عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: "كان بلالًا إذا أذن وضع إصبعيه في أذنيه، واستدار في أذانه". فقد صرح حجاج بالسماع كما ترى، وروى أن بلالًا جعل إصبعيه في أذنيه عند التأذين من وجه آخر.
قال الطبراني في "مسند الشاميين" وفي "المعجم الكبير": حدثنا أحمد بن الخليل ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام حدثني زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله الهوزني قال: "لقيت بلالًا مؤذن رسول الله -ﷺ-، فقلت: يا بلال؛ ألا تحدثني كيف كانت نفقة رسول الله - ﷺ -؟ فذكر الحديث بطوله، وفيه: خرجت إلى البقيع فجعلت إصبعي في أذني فأذنت" (١). رواه أبو داود عن أبي توبة بطوله، وصححه ابن حبان " انتهى كلام الحافظ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: (٣/ ١٧١)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه: (١٤/ ٦٤)، والطبراني في المعجم "الأوسط" (١/ ١٤٨)، وفي "المعجم الكبير" (١/ ٣٦٤).
[ ١٩١ ]
* قلت: فهذه الزيادة وإن كانت خارج الصحيحين، فقد جاءت من طرق متعددة يغلب على الظن ثبوتها، كما يظهر من كلام الحافظ، وقد صححها الإمام أحمد.
قال إسحاق بن منصور: "قلت لأحمد: المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه؟ قال: إي والله" (١).
وفي مسائل إسحاق بن منصور: "قُلْتُ لأحمدَ: هل يدور المؤذن في الأذان، أو يتكلم؟ قَالَ: لا، إلا أن يكون في مَنارة يريد أن يُسمعَ الناسَ. قَالَ والكلام ليس به بأسٌ" (٢).
وفي كلام إمام السنة جمع بين الروايات التي يظن فيها الاختلاف.
وقال التِّزمِذِيُّ: "اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يُدْخِلَ الْمُؤَذِّنُ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ". ولله الحمد من قبل ومن بعد.
_________________
(١) انظر: المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل: (١/ ٦٤).
(٢) انظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وابن راهويه: (١/ ١٢٥).
[ ١٩٢ ]