قول علي لابن عباس: "ألا أتوضأ لك وضوء النبي - ﷺ -؟ قال: بلى فداك أبي وأمي، قال: فوضع إناء فغسل يديه، ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه وألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثًا، ثم أخذ كفًّا من ماء بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته، ثم أرسلها تسيل على وجهه، وذكر بقية الوضوء" (١)، وتمامه: "ثم غسل يده، اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم يده الأخرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه وأذنيه من ظهورهما، ثم أخذ بكفيه من الماء فصك بهما على قدميه وفيهما النعل، ثم قلبها بها، ثم على الرجل الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث معلول، وممن ضعفه البخاري ".
وأعلَّه بالتفرد ونكارة المتن.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: (١/ ٨٢)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (١/ ٧٤)، وانظر "الأحاديث المختارة: (٢/ ٢٣٠).
[ ١٢٢ ]
* الجواب:
قد أجاب ابن القيم عن هذا وقال: "هذا من الأحاديث المشكلة جدًّا، وقد اختلفت مسالك الناس في دفع إشكاله، فطائفة ضعفته منهم البخاري والشافعي، قال: والذي خالفه أكثر وأثبت منه.
وأما الحديث الآخر يعني هذا؛ فليس مما يثبت أهل العلم بالحديث لو انفرد.
وفي هذا المسلك نظر، فإن البخاري روى في "صحيحه" حديث ابن عباس - ﵁ - كما سيأتي، وقال في آخره: "ثم أخذ غرفة من ماء فرشَّ بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها يعني رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ". ثم شرع يسرد بقية المسالك.
فهذا ابن القيم ﵀ لم يوافق الشافعي والبخاري على تعليل الحديث، وبيَّن أن البخاري روى مثله من حديث ابن عباس - ﵁ -، وإليك بقية المسالك:
المسلك الثاني: أن هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بأحاديث الغسل.
وكان ابن عباس - ﵂ - أولًا يذهب إليه، بدليل ما روى الدارقطني: حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا العباس بن يزيد حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل: أن علي بن الحسين أرسله إلى الربيع بنت معوذ يسألها عن وضوء النبي - ﷺ -، فذكر الحديث، وقالت: "ثم غسل رجليه، قالت: وقد أتاني ابن عم لك -تعني-ابن عباس- فأخبرته، فقال: ما أجد في الكتاب إلا غسلين ومسحين، ثم رجع ابن عباس عن هذا، لما بلغه غسل النبي - ﷺ - رجليه وأوجب الغسل" (١)، فلعل حديث علي وحديث ابن عباس - ﵁ - كانا في أول الأمر، ثم نسخ، والذي يدل عليه أن فيه أنه مسح عليهما بدون حائل، كما روى هشام بن سعد حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس: "أتحبون أن أحدثكم كيف كان رسول اللهﷺ - يتوضأ؟ فذكر الحديث، قال: ثم اغترف
_________________
(١) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى: ١/ ٧٢، أخرجه الدارقطني في سننه: ١/ ٩٦.
[ ١٢٣ ]
غرفة أخرى فرشَّ على رجله وفيها النعل واليسرى مثل ذلك، ومسح بأسفل الكعبين " (١).
وقال عبد العزيز الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: "توضأ رسول اللهﷺ - فذكره، قال: ثم أخذ حفنة من ماء، فرش قدميه، وهو منتعل" (٢).
المسلك الثالث: أن الرواية عن علي وابن عباس مختلفة، فروي عنهما هذا وروي عنهما الغسل، كما رواه البخاري في الصحيح عن عطاء بن يسار عن ابن عباس فذكر الحديث، وقال في آخره: "أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى"، فهذا صريح في الغسل.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس به، وقال: "ثم غرف غرفة ثم غسل رجله اليمنى ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى" (٣).
وقال ورقاء عن زيد عن عطاء عنه: "ألا أريكم وضوء رسول الله - ﷺ -، فذكره وقال فيه: وغسل رجليه مرة مرة" (٤).
وقال محمد بن جعفر عن زيد: "وأخذ حفنة فغسل بها رجله اليمنى، وأخذ حفنة، فغسل رجله اليسرى".
قالوا: والذي روى أنه رش عليهما في النعل هو هشام بن سعد، وليس بالحافظ، فرواية الجماعة أولى من روايته.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: (١/ ٦٥).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (١/ ٧٢)، وانظر "معرفة السنن والآثار" (١/ ١٧٠).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: (١/ ١٧).
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (١/ ٦٧)، وقال: إسناده صحيح.
[ ١٢٤ ]
على أن سفيان الثوري وهشامًا أيضًا رويا ما يوافق الجماعة، فرويا عن زيد عن عطاء بن يسار قال: قال لي ابن عباس: "ألا أريك وضوء رسول الله -ﷺ؟ فتوضأ مرة مرة، ثم غسل رجليه وعليه نعله".
وأما حديث علي - ﵁ -؛ فقال البيهقي: روينا من أوجه كثيرة عن علي أنه غسل رجليه في الوضوء.
ثم ساق منها حديث عبد خير عنه: "أنه دعا بوضوء" فذكر الحديث، وفيه: "ثم صب بيده اليمنى ثلاث مرات على قدمه اليمنى، ثم غسلها بيده اليسرى، ثم قال: هذا طهور نبي الله - ﷺ -".
ومنها حديث زر بن حبيش عنه: أنه سئل عن وضوء رسول الله - ﷺ -؛ فذكر
الحديث، وفيه "وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا"ء
ومنها حديث أبي حية عنه: "رأيت عليًّا توضأ" الحديث، وفيه: "وغسل قدميه إلى الكعبين، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله -ﷺ ".
قالوا: وإذا اختلفت الروايات عن علي وابن عباس، وكان مع أحدهما رواية الجماعة فهي أولى.
المسلك الرابع: أن أحاديث الرش والمسح إنما هي وضوء تجديد للطاهر، لا طهارة رفع حدث، بدليل ما رواه شعبة: حدثنا عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي: "أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه، ويديه، ورأسه، ورجليه، ثم قام فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال: إن أناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن رسول الله -ﷺ -: صنع كما صتعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث" (١). رواه البخاري بمعناه.
_________________
(١) أخرجه البخاري: (٥/ ٢١٣٠).
[ ١٢٥ ]
قال البيهقي: في هذا الحديث الثابت دلالة على أن الحديث الذي روي عن النبي - ﷺ - في المسح على الرجلين، إن صح؛ فإنما عني به وهو طاهر غير محدث، إلا أن بعض الرواة كأنه اختصر الحديث، فلم ينقل قوله: هذا وضوء من لم يحدث. وقال أحمد: حدثنا ابن الأشجعي عن أبيه عن سفيان عن السُّدى عن عبد خير عن علي: "أنه دعا بكوز من ماء، ثم توضأ وضوءًا خفيفًا، ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله -ﷺ- ما لم يحدث". وفي رواية: "للطاهر ما لم يحدث" (١).
قال: وفي هذا دلالة على أن ما روي عن علي - ﵁ - في المسح على النعلين إنما هو في وضوء متطوع به، لا في وضوء واجب عليه من حدث يوجب الوضوء، أو أراد غسل الرجلين في النعلين، أو أراد أنه مسح على جوربيه ونعليه، كما رواه عنه بعض الرواة مقيدًا بالجوربين، وأراد به جوربين منعلين.
قلت: هذا هو المسلك الخامس: أن مسحه رجليه ورشه عليهما، لأنهما كانتا مستورتين بالجوربين في النعلين.
والدليل عليه: ما رواه سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: "أن رسول الله - ﷺ - توضَّأَ مرة مرة، ومسح على نعليه" (٢).
لكن تفرد به رواد بن الجراح عن الثوري، والثقات رووه عن الثوري بدون هذه الزيادة.
وقد رواه الطبراني من حديث زيد بن الحباب عن سفيان فذكره بإسناده، ومتنه: "أن النبي - ﷺ - مسح على النعلين " (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٢٠)، والبيهقي (١/ ٧٥).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (١/ ٢٨٦).
(٣) في المعجم الكبير للطبراني: (١/ ٢٢٢)، حدثنا عَلِيُّ بن عبد الْعَزِيزِ وأبو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ قَالا: ثنا حجاج بن الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ عن يَعْلَى بن عَطَاءٍ عن أَوْسِ بن أَبي أَوْسٍ قال: "رأيت أبي يَمْسَحُ على النَّعْلَيْنِ، فقلت: أَتَمْسَحُ عليها؟ فقال: رأيت النبي - ﷺ - يَفْعَلُهُ".
[ ١٢٦ ]
وروى أبو داود من حديث هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه: أخبرني أويس بن أبي أويس الثقفي قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه وقدميه" (١)، فقوله (مسح على نعليه)، كقوله (مسح على خفيه).
والنعل لا تكون ساترة لمحل المسح، إلا إذا كان عليها جورب، فلعله مسح على نعل الجورب، فقال: مسح على نعليه.
المسلك السادس: أن الرِّجل لها ثلاثة أحوال:
حال تكون في الخف فيجزي مسح ساترها، وحال: تكون حافية، فيجب غسلها، فهاتان مرتبتان، وهما: كشفها وسترها، ففي حال كشفها لها أعلى مراتب الطهارة، وهى الغسل التام، وفي حال استتارها لها أدناها، وهي المسح على الحائل، ولها حالة ثالثة وهي: حالما تكون في النعل، وهي حالة متوسطة بين كشفها، وبين سترها بالخف، فأعطيت حالة متوسطة من الطهارة وهي الرش، فإنه بين الغسل والمسح، وحيث أطلق لفظ المسح عليها في هذه الحال، فالمراد به الرش، لأنه جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى.
وهذا مذهب كما ترى لو كان يعلم له قائل معين، ولكن يحكى عن طائفة لا أعلم منهم معيَّنًا.
وبالجملة: فهو خير من مسلك الشيعة في هذا الحديث، وهو المسلك السابع: أنه دليل على أن فرض الرجلين المسح، وحكي عن داود الجواري وابن عباس، وحكي عن ابن جرير أنه مخيَّر بين الأمرين، فأما حكايته عن ابن عباس، فقد تقدمت، وأما حكايته عن ابن جرير فغلطٌ بيِّنٌ، وهذه كتبه وتفسيره كله يكذب هذا النقل عليه، وإنما دخلت الشبهة، لأن ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه: (١/ ٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى: (١/ ٢٨٦).
[ ١٢٧ ]
فهذه سبعة مسالك للناس في هذا الحديث.
وبالجملة: فالذين رووا وضوء النبي - ﷺ - مثل: عثمان بن عفان، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وجابر بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، والربيع بنت معوذ، والمقدام بن معد يكرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وجد طلحة بن مصرف، وأنس بن مالك، وأبي أمامة الباهلي وغيرهم - ﵃ -؛ لم يذكر أحد منهم ما ذكر في حديث علي وابن عباس مع الاختلاف المذكور عليهما، والله أعلم" (١).
فإذا أردتَ -عفا الله عنك- تقرير أن في المتن نكارة، فبمثل هذه الدراسة، وإلا أعطِ القوسَ باريها، ولا تستعجل بانتقاد الأئمة الأعلام.
_________________
(١) انظر: "تهذيب السنن" لابن القيم (١/ ١٣٦).
[ ١٢٨ ]