حديث مالك بن الحويرث: "كان إذا صلى كبر ورفع يديه، وحدث أن رسول الله - ﷺ - صنع هكذا"، وهو متفق عليه.
وفيه زيادة في غير "الصحيحين": " وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك". أي رفع اليدين، والمقصود بالبحث هذه الزيادة.
ــ
قال المستدرك:
"هذه الزيادة شاذة لا تصح، وقد أشار إلى تعليلها الإمام أحمد".
* الجواب:
قال الإمام النسائي: ﵀ في "السنن الكبرى" (١: ٢٢٨):
أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: "أنه رأى نبي الله - ﷺ - رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من ركوعه وإذا سجد وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه"، وساقه مسلم (٣٩١) أيضًا وذكر طرفًا منه.
وتابع سعيدًا: همام عند أبي عوانة، قال: حدثنا الصائغ بمكة قال: ثنا عفان قال: ثنا همام قال أنبأ قتادة بإسناده: "أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه حيال إذنيه في الركوع والسجود" (١).
_________________
(١) أخرجه أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٢٧).
[ ٢٣٦ ]
وبهذا يتبين خطأ المُسْتَدْرِكِ حين قال: "والخلاصة: أن هذه الزيادة جاءت من طريق سعيد بن أبي عروبة فقط، مخالفًا خمسة من الرواة، على أنه اختُلِفَ على سعيد أيضًا، فهذا يبين شذوذ هذه الزيادة، وهذا واضح جدًّا من استعراض الطرق السابقة".
وقوله: "هذه الزيادة التي في طريق قتادة عن نصر بن عاصم ليست إلا في طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة".
* قلت: فقد رواها النسائي من طريق شعبة عن قتادة:
أخبرنا محمد بن الْمُثَنَّى قال: حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن نَصْرِ بن عَاصمِ، عن مَالِكِ بن الْحُوَيْرِثِ: "أَنَّهُ رَأَى النبي - ﷺ - رَفَعَ يَدَيْهِ في صَلاتِهِ، وإذا ركع ذا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ، وإذا سَجَدَ وإذا رَفَعَ رَأْسَهُ من السُّجُودِ حتى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْه".
وهكذأ خطأه في قوله: "ومما يدلُّ على أن هذا الحديث لا يثبت مرفوعًا (يعني شاهده عن أنس) أن أصحاب حميد -وهم كثيرون جدًّا ذكرهم المزي- لم يتابع أحد منهم عبد الوهاب على هذا الحديث، فهذا مما يؤيد صحة ما ذهب إليه الأئمة"!
* قلت: وهذا استعجال وخطأ من المستدرك؛ فقد تابعه يزيد بن هارون، قال الضياء في "المختارة": "وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الجبار الأصبهاني بها أن زاهر بن طاهر الشحامي أخبرهم، أبنا سعيد بن محمد بن أحمد البحيري، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عقيل، ثنا أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن علويه القاضي، ثنا إسماعيل بن أحمد بن أسد والي خراسان، ثنا أبي، عن يزيد بن هارون، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع".
قال الدارقطني في "سننه" (١/ ٢٩٢): "يرويه عبد الوهاب الثقفي عن حميد عن أنس، وغيره يرويه عن حميد موقوفًا، وهو المحفوظ".
[ ٢٣٧ ]
* قلت: فرواية يزيد بن هارون مما يقوّي رواية عبد الوهاب، والله أعلم.
* قلت: إنما يريد الدارقطني تفرد الثقفي بذكر الرفع في السجود، وهذا ما لم يفهمه المستدرِك.
وله شواهد أيضًا من حديث ابن عباس، ووائل بن حجر، وابن الزبير ﵃.
فقد روى أبو داود في "سننه" (٧٢٣) من طريق عبد الْوَارِثِ بن سَعِيدٍ قال: ثنا محمد بن جُحَادَةَ، حدثني عبد الْجَبَّارِ بن وَائِلِ بن حُجْرٍ قال: كنت غُلامًا لا أَعقِلُ صَلاةَ أبي، قال: فَحَدَّثَنِي وَائِلُ بن عَلْقَمَةَ، عن أبي وَائِلِ بن حُجْر قال: "صَلَّيْت مع رسول اللَّهِ - ﷺ - فَكَانَ إذا كبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ، قال: ثمَّ الْتَحَفَ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ في ثَوْبِهِ، قال: فإذا أَرَادَ أَنْ يَرْكعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ ثمَّ رَفَعهُمَا، وإذا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ ثمَّ سَجَدَ وَوَضَعَ وَجْهَهُ بين كَفَّيْهِ، وإذا رَفَعَ رَأْسَهُ من السُّجودِ أَيْضًا رَفَعَ يَدَيْهِ حتى فَرَغ من صَلاتِه".
قال مُحَمَّد: فَذَكَرْتُ ذلك لِلْحَسَنِ بن أبي الْحَسَنِ فقال: هِيَ صَلاةُ رسول اللَّهِ - ﷺ -، فَعَلَهُ من فَعَلَهُ، وَتَرَكَهُ من تَرَكَهُ".
وقال النسائي في "السنن الكبرى": (١/ ٢٤٥): أخبرنا موسى بن عبد الله ابن موسى البصري، حدثني النضر بن كثير أبو سهل الأزدي قال: "صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس بمنى في مسجد الخيف، وكان إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت أنا ذلك. فقلت لوهيب بن خالد: إن هذا يصنع شيئًا لم أر أحدًا يصنعه! فقال له وهيب: تصنع شيئًا لم أر أحدًا يصنعه! فقال عبد الله بن طاوس: رأيت أبي يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس يصنعه، وقال ابن عباس: رأيت رسول الله - ﷺ - يصنعه".
وفي إسناده النضر بن كثير السعدي أبو سهل البصري العابد، ضعيف من الثامنة د س. قاله الحافظ في "التقريب".
وروى أبو داود ﵀ من طريق ابن لَهِيعَةَ عن أبي هُبَيْرَةَ عن مَيْمُونٍ الْمَكِّيِّ
[ ٢٣٨ ]
أَنَّهُ: "رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، وَصَلَّى بِهِمْ يُشِيرُ بِكَفَّيْهِ حين يَقُومُ، وَحِينَ يَرْكَعُ، وَحِينَ يَسْجُدُ، وَحِينَ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ، فَيَقُومُ فَيُشِيرُ بِيَدَيْهِ، فَانْطَلَقْتُ إلى ابن عَبَّاسٍ فقلت: إني رأيت ابن الزُّبَيْرِ صلى صَلاةً لم أَرَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا، فَوَصَفْتُ له هذه الإِشَارَةَ، فقال: إن أَحْبَبْتَ أَنْ تَنْظُرَ إلى صَلاةِ رسول اللَّهِ - ﷺ - فَاقْتَدِ بصَلاةِ عبد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ" (١).
بل رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (١٥/ ٤٦): عن ابن عمر، قال الطحاوي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ - "أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، وركوع وسجود، وقيام وقعود بين السجدتين، ويزعم أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك".
ثم قال: "وقد روي هذا الحديث عن نافع بخلاف ما رواه عنه عبيد الله.
وذكر ما قد حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله - ﷺ - كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك".
قال: فقد وافق ما رواه مالك وسفيان عن الزهري، وخالف ما رواه عبيد الله عنه.
فكان جوابنا له في ذلك: أن أيوب ما روى شيئًا عن نافع مما رواه عنه فيه غير أيوب بخلاف ما رواه عبيد الله، ومما يحقق ما رواه عبيد الله عنه في ذلك أفعاله التي كان عليها في صلاته، كما حدثنا أحمد بن داود بن موسى حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، قال: "رأيتُ طاوسًا ونافعًا يرفعان أيديهما بين السجدتين" (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: (١/ ٢٨٩)، وأبو داود في سننه: (٧٣٩).
(٢) انظر: "مشكل الآثار" (١٥/ ٤٩).
[ ٢٣٩ ]
* قلت: وقد ثبت من فعل ابن عمر - ﵁ -، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٢٤٣) قال: حدثنا أبو بكر قال: نا أبو أُسَامَةَ، عن عُبَيْدِ اللهِ، عن نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: "أَنَّهُ كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ من السَّجْدَةِ الأولَى".
وقال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا وَكِيعٌ، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن يحيى بن أبي إِسْحَاقَ، عن أَنَسٍ: "أَنَّهُ كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ بين السَّجْدَتَيْنِ".
وقال: حدثنا أبو بكر قال: نا يَزِيدُ بن هَارُونَ، عن أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ وابن سيرِينَ: "أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَان أَيْدِيَهُمَا بين السَّجْدَتَيْنِ".
وقال: حدثنا أبو بكر قال: نا ابن عُلَيَّةَ، عن أَيُّوبَ قال: "رَأَيْته يَفْعَلُهُ".
فإن قيل: فما توجيه قول ابن عمر: "وكان لا يفعل ذلك في السجود"؟
فالجواب: أنه - ﷺ - لم يكن يواظب عليه، وقد نقل المستدرِكُ عن ابن رجب نحو ذلك، فقال: "فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي - ﷺ - كان ترك الرفع، فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين" (١).
ثم وجدتُ من كلام الإمام أحمد ما يدل على ثبوت حديث وائل - ﵁، فقد قال ابنه صالح: "قال أبي: يرفع يديه عند الافتتاح، وقبل الركوع وبعد الركوع، وفي بعض ما روي عن وائل بن حجر: "أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا أراد أن يسجد رفع يديه" (٢).
وهذا مما يبين جلالة قدر الشيخ ناصر في حفظ سنة رسول الله - ﷺ -، والله ولي التوفيق.
_________________
(١) انظر: "فتح الباري " لابن رجب الحنبلي (٦/ ٣٥٤).
(٢) انظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح: (٢/ ١٢٩).
[ ٢٤٠ ]