أخرج مسلم: من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر يسأل عن المُهَلِّ، فقال: سمعت (أحسبه رفع إلى النبي - ﷺ -) فقال: "مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهَلُّ أهل نجد من قرن، ومُهَلُّ أهل اليمن من يلملم".
ثم ذكر الشيخ الألباني طريقًا آخر لحديث جابر، رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا بدون شك" اهـ.
_________________
(١) قال المستدرك: "حديث جابر الصحيح هو ما أخرجه مسلم بالشك في رفعه، وحديث ابن لهيعة ضعيف، أعلَّه البيهقي كما سيأتي، وهو الذي يشعر به صنيع مسلم، والأئمة لا يصحِّحون حديثًا مرفوعًا في ذات عرق ". * قلت: بل ما ذهب إليه الشيخ من إثبات رواية الرفع هو الحق. قال شيخ الإسلام: "والثالث: ما روي عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عيد الله سئل عن المهل فقال: سمعت -أحسبه رفع إلى النبي - ﷺ - فقال: "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر: الجحفة، ومهل أهل العراق: ذات عرق، ومهل أهل نجد: من قرن، ومهل أهل اليمن: من يلملم". رواه مسلم، ورواه ابن ماجه بلا شك من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي، وقد
[ ٣٥٠ ]
احتج أحمد به مرفوعًا، ورواه أبو عبد الرحمن المقرئ عن ابن لهيعة عن أبي الزبير مرفوعًا بلا شك، وروى المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة قالت: "وقَّت رسول الله - ﷺ - لأهل العراق ذات عرق" (١)، رواه أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، وهذا إسناد جيد، وقد رواه عبد الله بن أحمد وغيره مستوفى في المواقيت الخمسة، قالت: "وقَّت رسول الله - ﷺ - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل العراق ذات عرق".
وقال أبو عاصم: ثنا محمد بن راشد عن مكحول: "أن النبي - ﷺ - وقَّت لأهل العراق ذات عرق"، وعن عطاء قال: "وقت رسول الله - ﷺ - لأهل المشرق ذات عرق" (٢)، رواه سعيد، فهذا قد روي مرسلًا من جهة أهل المدينة، ومكة، والشام، ومثل هذا يكون حجة.
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: "وقَّت رسول الله - ﷺ - لأهل المشرق ذات عرق" (٣)، رواه أحمد عن وكيع عنه.
وعن الحارث بن عمرو السهمي قال: "أتيت النبي - ﷺ - وهو بمنى، أو عرفات، وقد أطاف به الناس، قال: فيجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت ذات عرق لأهل العراق"، رواه أبو داود، والدارقطني، ولفظه: "وقت لأهل اليمن يلملم أن يهلوا منها، وذات عرق لأهل العراق" (٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه الكبرى: (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، وأخرجه أبو داود في سننه: (٢/ ١٤٣)، وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى: (٥/ ٢٨).
(٢) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى: (٥/ ٢٧)، وأخرجه الشافعي: (١/ ١١٤)، وانظر "السنن الصغرى للبيهقي (نسخة الأعظمي): (٣/ ٥٢٤).
(٣) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى: (٥/ ٢٩).
(٤) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى: (٥/ ٢٨)، وأخرجه الدارقطني في سننه: (٢/ ٢٣٦).
[ ٣٥١ ]
وذهب أبو الفرج ابن الجوزي وغيره من أصحابنا إلى أن ذات عرق إنما ثبتت بتوقيت عمر -﵁-، اجتهادًا، ثم انعقد الإجماع على ذلك، لما روى ابن عمر قال: "لما فتج هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن رسول الله - ﷺ - حد لأهل نجد قرنًا، وإنه جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق"، رواه البخاري.
فهذا يدل على أنها حديث بالاجتهاد الصحيح، لأن من لم يكن على طريقه ميقات، فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إلى طريقه، وهم يحاذون قرنًا إذا صاروا بذات عرق، ولو كانت منصوصة لم يحتج إلى هذا، وأحاديث المواقيت لا تعارض هذا، فعلى هذا هل يستحب الإحرام من العقيق؟
والأول هو الصواب، لما ذكرناه من الأحاديث المرفوعة الجياد الحسان التي يجب العمل بمثلها مع تعددها، ومجيئها مسندة، ومرسلة من وجوه شتى.
وأما حديث عمر؛ فإن توقيت ذات عرق كان متأخرًا في حجة الوداع، كما ذكره الحارث بن عمرو، وقد كان قبل هذا سبق توقيت النبي - ﷺ - لغيرها، فخفي هذا على عمر -﵁ -، كما خفي عليه كثير من السنن، وإن كان علمها عند عماله وسعاته، ومن هو أصغر منه مثل دية الأصابع، وتوريث المرأة من دية زوجها، فاجتهد وكان محدَّثًا موفَّقًا للصواب، فوافق رأيه سنة رسول الله - ﷺ-، وليس ذلك ببدع منه -﵁-، فقد وافق ربه في مواضع معروفة، مثل المقام، والحجاب، والأسرى، وأدب أزواج النبي - ﷺ -، فعلى هذا لا يستحب الإحرام قبلها، كما لا يستحب قبل غيرها من المواقيت المنصوصة، قال عبد الله: سمعت أبي يقول: أرى أن يحرم من ذات عرق.
فإن قيل: فقد روى يزيد بن أبي زياد عن محمد بن علي بن عبد الله بن
[ ٣٥٢ ]
عباس عن ابن عباس قال: "وقت رسول الله -ﷺ- لأهل المشرق العقيق" (١)، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. فإن لم يكن هذا مفيدًا لوجوب الإحرام منها فلا بد أن يفيد الاستحباب.
قيل: هذا الحديث مداره على يزيد بن أبي زياد، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقالوا: يزيد يزيد.
ويدل على ضعفه: أن حديث ابن عباس المشهور الصحيج قد ذكر فيه المواقيت الأربعة، ولم يذكر هذا؛ مع أن هذا مما يقصد المحدت ذكره مع إخوته لعموم الحاجة إليه أكثر من غيره، فإن حجاج المشرق أكثر من حجاج سائر المواقيت.
وأن الناس أجمعوا على جواز الإحرام دونه، فلو كان ميقاتًا لوجب الإحرام منه، كما يجب الإحرام من سائر ما وقته النبي - ﷺ - إذ ليس لنا ميقات يستحب الإحرام منه، ولا يجب على أن قوله: وقت، لا يقتضي إلا وجوب الإحرام منه.
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرابم من الميقات، وأن الأحاديث التي هي أصح منه وأكثر تخالفه، وتبين أن النبي - ﷺ - وقت ذات عرق.
ويشبه -والله أعلم-: أنه إن كان لهذا الحديث أصل -يعني حديث ابن عباس- أن يكون منسوخًا، لأن توقيت ذات عرق كان في حجة الوداع، حيث أكمل الله دينه، وبعد أن أكمل الله دينه لم يغيره.
ولأن ابن عباس لم يذكره لما ذكر حديثه المشهور، فيكون إن كان حدث به مرة، قد تركه، لما علم من نسخه، ولهذا لم يروه عنه إلا ولده الذي قد يقصد
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده: (١/ ٣٤٤)، وأبو داود في سننه: (٢/ ١٤٣)، والترمذي في سننه: (٣/ ١٩٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه: (٣/ ٢٦٦).
[ ٣٥٣ ]
بتحديثهم إخبارهم بما قد وقع، لا لأن يبني الحكم عليه.
وما روي عن أنس أنه كان يحرم منه، فكما كان عمران بن حصين يحرم من البصرة، وكان بعضهم يحرم من الربذة" (١).
وهذا كله يؤكد إمامة أبي عبد الرحمن في الحديث، وإلا فإن المشهور في الكتب أنه من سنة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁-، فلو كان الشيخ ممَّن يجمع ولا يحقق أو يقلد، لما خالف المشهور، وبالله التوفيق.
_________________
(١) انظر: "شرح العمدة" (٢/ ٣١٣).
[ ٣٥٤ ]