قول - ﷺ - لعائشة - ﵁: "انقضي شعرك واغتسلي".
ــ
قال: المستدرك:
"هذه الزيادة شاذة، لا شك في خطئها".
* قلت:
هذا الحديث ليس على شرط الكتاب، فإن هذه الزيادة ليست في "الإرواء" (١)، ممَّا يُشعِر أن المقصود هو التعقب لذاته، فلو أن الكاتب اشتغل بتخريج بعض كتب الفقه، بدل التعقب -وهو لا يُعْرفُ له باع في هذا الفن- لكان خيرًا له.
قال المستدرك:
"تنبيه: صحَّح الشيخُ الألبانيُّ ﵀ هذه الزيادة، مع أنه خالف وكيعًا ثمانية من الرواة، با لإضافة إلى رواية الزهري الخالية. من الزيادة.
ثم بالمقابل عندما أراد أن يبحث زيادة وقعت في حديث أم سلمة -وهو
_________________
(١) وقد أشار المستدرك إلى ذلك، فالشيخ الألباني لم يصححها في "الإرواء"، وإنما تكلَّم عليها في "الصحيحة"!.
[ ١٦٤ ]
الحديث التالي لهذا الحديث مباشرة في "الإرواء"- حكم عليها بالشذوذ، معلِّلا بما يلي:
"تفرَّد عبد الرزاق بيها عن الثوري، خلافًا ليزيد بن هارون عنه، ولابن عيينة، وروح بن القاسم، عن أيوب بن موسى، فإنهم لم يذكروها كما رأيت".
ثم نقل الشيخ ﵀ عن ابن القيم ما يؤيد شذوذ هذه الزيادة لنفس العلة.
فهذا الحديث رواه أيوب بن موسى، ورواه عنه الثوري، وابن عيينة، وروح بن قاسم، فروح وابن عيينة لم يذكرا هذه الزيادة.
والثوري اختُلِفَ عليه: فرواه يزيد بن هارون عن الثوري بدون الزيادة.
ورواه عبد الرزاق بهذه الزيادة، مخالفًا للروايات السابقة، فروايته شاذة، كما هو واضح.
والآن يحقُّ لي أن أتساءل: أيهما أوضح شذوذًا: مخالفة ثلاثة من الرواة، أنهم مخالفة ثمانية من الرواة؛ بل تسعة باعتبار أن الزهري لم يذكر هذه الزيادة أيضًا في حديث عائشة - ﵁ -؟ " انتهى كلام المستدرك.
* قلت:
مهلًا مهلًا، لا تعجل بنقد الكبار، وصدق شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ حيث قال: "من ضيَّع الأصول حرم الوصول".
فكيف تكون الزيادة شاذَّة وهي في "صحيح مسلم"؟!
قال الإمام مسلم ﵀: "حدثنا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بن رُمْحٍ جميعًا، عن اللَّيْثِ بن سَعْدٍ، قال قُتَيْبَة: حدثنا لَيْثٌ، عن أبي الزُّبَير، عن جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّهُ قال: أَقْبَلْنَا مُهلِّينَ مع رسول اللَّهِ - ﷺ- بِحَجّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَقتْ عَائِشَةُ -﵁ - بِعُمْرةٍ، حتى إذا كنا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حتى إذا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَالصفَا والمَروَة، فَأمَرَنَا رسول اللهِ - ﷺ - أَنْ يَحِلَّ مِنَّا من لم يكن معه هَدْيٌ، قال: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قال:
[ ١٦٥ ]
"الْحِلُّ كُلُّهُ". فَوَاقَعْنَا النِّسَاء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثمَّ أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة - ﵁ - فوجدها تبكي، فقال: "ما شأنك"؟ قالت: شأني أنّي قد حضْت، وقد حَلَّ الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحجِّ الآن. فقال: "إِنَّ هذا أَمْر كَتَبَهُ الله على بَنَاتِ آدَمَ فَاغتَسِلِي ثُمَّ أهِلِّي بِالْحَجِّ". ففعلت ووقَفَت المَواقِف، حتى إذا طهرت طَافَت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: "قد حَلَلْتِ من حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جميعًا". فقالت: يا رسول الله؛ إنى أجد فى نفسي أَنِّي لم أَطُفْ بِالْبَيْتِ حتى حَجَجْت. قال: "فَاذْهَبْ بها يا عبد الرحمن، فَأعْمِرْهَا من التَّنعيمِ" وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ" (١).
ثم من سبقك من الأئمة بالقول إن الزيادة شاذة؟! فإن الإمام البخارى بوَّب على حديث عائشة: "بَاب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا من الْمَحِيضِ". ولو كنت فقيهًا لعلِمْتَ أنه لا نقض إلا باغتسال.
على أن الإمام البخاري روى بسنده في "الصحيح"، عن عبد اللهِ بن عَبَّاسٍ - ﵁ - قال: "انْطَلَقَ النبي - ﷺ - من الْمَدِينَةِ بَعْدَ ما تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هو وَأَصْحَابُهُ" (٢)، وهذا لا يكون عادة إلا بعد الاغتسال، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه مسلم: (١/ ٢٦٣)، والنسائي في السنن الكبرى: (٢/ ٣٥٦)، وأبو داود في سننه: (٢/ ١٥٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: (٢/ ٥٦٠).
[ ١٦٦ ]