حديث ابن عباس -﵁- قال: "كنتُ فيمن قدم النبي - ﷺ - في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى".
وفي لفظ: "أمرهم أن لا يرموا الحجرة حتى تطلع الشمس".
ــ
قال المستدرك:
"هذا اللفظ شاذ، وقد أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث، وليس فيه هذه الزيادة، وضعَّفها من الأئمة: البخاري وابن خزيمة ".
* قلت:
للحديث طرق:
الأول: رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٩/ ١٢٣): حدثنا ابن أبي داود، ثنا المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، حدثني موسى بن عقبة، أنا كريب، عن ابن عباس: "أن النبي - ﷺ - كان يأمر نساءه، وثقله، صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا الجمرة إلا مصبحين".
الثاني: حدثنا محمد بن خزيمة، ثنا حماد، ثنا الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "أن رسول الله - ﷺ - بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار حتى تصبحوا" (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده: (١/ ٣٣٤)، وانظر: مرقاة المفاتيح: (٥/ ٥٢٨)، ونصب الراية: (٣/ ٨٦).
[ ٣٥٩ ]
وقال الترمذي: حديث ابن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ.
وأما الرواية الثانية: عند أصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي من طريق حبيب عن عطاء عن ابن عباس قال: "كان رسول الله - ﷺ - يقدم ضعفاء أهله بغلس، ويأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس".
وعن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: "قدمنا على رسول الله - ﷺ - من المزدلفة أغيلمة من بني عبد المطلب على جمرات، فجعل يلطح أفخاذنا، ويقول: يا بني؛ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (١).
قال المنذري: والحسن العرني احتج به مسلم، واستشهد به البخاري، وقال ابن معين: إنه لم يسمع من ابن عباس شيئًا.
وقال الحافظ ابن حجر: "حديث حسن، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، ومن ثم صححه الترمذي وابن حبان" (٢).
وقال ابن القيم: "حديث صحيح" (٣).
ويشهد له ما رواه الشيخان: عن أسماء وابن عمر: "أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني؛ غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت: يا هنتاه؛ ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني؛ إن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن" (٤).
"وكان عبد اللَّهِ بن عمر - ﵂ - يقدم ضعَفَةَ أَهلِهِ فَيَقِفُونَ عِندَ الْمشْعرِ الحرَامِ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده: (١/ ٢٣٤).
(٢) انظر: "فتح الباري" (٣/ ٥٢٨).
(٣) انظر: " زاد المعاد" (٢/ ٢٤٨).
(٤) أخرجه البخاري (١٦٧٩) ومسلم (١٢٩١).
[ ٣٦٠ ]
بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْل، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ ما بَدَا لهم، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قبل أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ من يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ من يَقْدَمُ بَعْدَ ذلك، فإذا قَدِمُوا رمووا الْجَمْرَةَ، وكان ابن عُمَرَ - ﵂ - يقول: أَرْخَصَ في أُولَئِكَ رسول اللَّهِ - ﷺ" (١).
فقولهما: "أذن للظعن وأرخص في أولئك" يقتضي قصر الإذن عليهم، وأن غيرهم لم يؤذن له، وكذلك تقديمه - ﷺ - ضعفة أهله وإبقاؤه سائر الناس معه، دليل على أن حكمهم بخلاف ذلك، وابن عباس حينها قد ناهز الاحتلام، ولذا قال له رسول الله - ﷺ - ومن معه من الفتيان: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، والله أعلم وأحكم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٧٦) ومسلم (١٢٩٠).
[ ٣٦١ ]