حديث عائشة وأبي سعيد قالا: "كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة قال ذلك".
يقصد قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
_________________
(١) قال المستدرك: "الحديث لا يصح مرفوعًا، فحديث عائشة أعلَّه أبو داود، وأحمد، وحديث أبي سعيد ضعَّفه أحمد، وحديث أنس قال عنه أبو حاتم: "هذا حديث كذب لا أصل له". وقد ذكر جميع ذلك الشيخ الألباني، لكنه لم يرتَضِهِ، وسأبين -إن شاء الله- أن قول الأئمة هو الصحيح، وأن هذا الحديث إنما صح موقوفًا عن عمر في مسلم وغيره" اهـ. * قلت: لسنا في حاجة للرد على هذا الكلام، فإن الحديث اشتهر عند المسلمين؛ بل ربما أكثرهم لا يعرف غيره، فهو مما تلقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبول. قال شيخ الإسلام ﵀: "وأيضًا؛ فقد كان عمر -﵁ - يجهر بسبحانك اللهم وبحمدك، يعلمها الناس، ولولا أن النبي - ﷺ - كان يقولها في الفريضة، ما
[ ٢٣٠ ]
فعل ذلك عمر، وأقره المسلمون" (١).
وبهذا يظهر لك ضعف قول ابن خزيمة ﵀: "وهذا صحيح عن عمر بن الخطاب أنه كان يستفتح الصلاة مثل حديث حارثة، لا عن النبي - ﷺ -، ولست أكره الافتتاح بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) على ما ثبت عن الفاروق -﵁ -، أنه كان يستفتح الصلاة، غير أن الافتتاح بما ثبت عن النبي - ﷺ - في خبر علي بن أبي طالب وأبي هريرة وغيرهما بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه - ﷺ -، أحب إليَّ وأولى بالاستعمال، إذ اتباع سُنَّةِ النبي - ﷺ - أفضل وخير من غيرها" (٢). فإنه ﵀ لم يسق كافة طرق الحديث، ولم يفطن إلى ما فطن له شيخ الإسلام من أن الفاروق لم يكن ليجهر بها في مسجد رسول الله - ﷺ - يعلمها الناس، ويقره الصحابة لو لم يعلموا أنها سنة، وهكذا فعل ابن عباس حين جهر بالفاتحة في صلاة الجنازة، وقال: "لتعلموا أنها سنة".
وإذا أردتَ أن تعلم أنه لا يمكن خروجه إلا من مشكاة النبوة؛ فانظر إلى شرحه في "مجموع الفتاوى": ج ٢٢/ ص ٣٨٤، و"زاد المعاد" ج ١/ ص ٢٠٥.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأهل العلم المأثور عن الرسول - ﷺ - أعظم الناس قيامًا بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه ويتكلم في أحب الناس إليه، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح، من
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٣٤٤).
(٢) انظر: "صحيح ابن خزيمة" (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ٢٣١ ]
السعي المشكور والعمل المبرور، ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه" (١).
وقد رواه مرفوعًا أربعة من الصحابة: أبو سعيد، وجابر، وأنس، وعائشة رضوان الله عليهم.
قال ابن القيم ﵀: "وأحمد لم يضعِّف أحاديث الافتتاح، ولا أسقط وجوبه من أجل ضعفها ولا من أجل ترك ابن مسعود له، وإنما لم يوجبه لعدم الأمر به، فإن النبي - ﷺ - قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". ولم يأمره بالاستفتاح" (٢)، والله الموفق.
ومصداق هذا الاستفتاح في القرآن، قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]. فقدله تعالى: (حينَ تقومُ) أي: للصلاة، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (١/ ١٠).
(٢) انظر: "بدائع الفوائد" (٣/ ٦٠٢).
[ ٢٣٢ ]