حديث جابر بن عبد الله -﵁ -: "أنّ النبي - ﷺ - أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة".
ــ
قال المستدرك:
"الحديث معلول، أعلَّه البخاري، وأبو داود، والدارقطني، والبيهقي".
* قلت:
الحديث رواه أحمد، وأبو داود عنه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى -هو ابن أبي كثير- عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر قال: "أقام رسول الله - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة" (١).
قال أبو داود: غير معمر لا يسنده.
وقال البيهقي: "تفرَّد معمر بروايته مسندًا، ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان عن رسول الله - ﷺ- مرسلًا، وروي عن يحيى بن أبي كثير عن أنس، وقال: "بضع عشرة"، ولا أراه محفوظًا".
وأما أبو حاتم ابن حبان؛ فأخرجه في "صحيحه" (٢٧٤٩) من طريقه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٩٥) وأبو داود (١٢٣٥) وعبد الرزاق في "مصنفه" (٤٣٣٥) وابن حبان (٢٧٤٩) والبيهقي (٣/ ١٥٢) وغيرهم.
[ ٢٧٥ ]
ومعمر إمام مجمع على جلالته، فلا يضر تفرده به.
وقال أبو محمد ابن حزم: محمد بن عبد الرحمن ثقة، وباقي رواة الخبر أشهر من أن يُسْأَلَ عنهم.
وقال النووى في "خلاصته": "هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولا يقدح فيه تفرد معمر، فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة".
والحق أن الحديث صحيح بلا ريب، لعدة أمور:
الأول: أن الحديث له طريق آخر، قال البيهقي: "أخبرناه أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصمغاني، ثنا معاوية -يعني ابن عمرو- عن أبي إسحاق -يعني الفزاري- عن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "غزوتُ مع النبي - ﷺ - غزوة تبوك، فأقام بها بضع عشرة، فلم يزد على ركعتين حتى رجع". وهذا إسناد صحيح، وما يخشى من غلط معمر زال بهذا الطريق.
الثاني: أن جابر بن عبد الله ﵁ كان مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، وهذا في "الصحيحين" وغيرهما.
الثالث: أن النبي - ﷺ - كان يقصر ويجمع في تبوك، فقد روى مسلم عن مُعَاذٍ -﵁- قال: "خَرَجْنَا مع رسول اللَّهِ - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جميعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جميعًا" (١).
الرابع: أن أهل السِّيَرِ اتفقوا على أن الرسول - ﷺ - بقي في تبوك بضعة عشر يومًا، والبضع من الثلاث إلى التسع، ومن المعلوم في كلام العرب أنهم يُجُبِرُونَ الكَسْرَ، فلا اختلاف بين الروايتين.
الخامس: أنه لم يُنْقَلْ عنه - ﷺ - أنه أتم الصلوات، أو تنفَّل بينها في سفر،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٠٦).
[ ٢٧٦ ]
فقد روى الشيخان عن ابن عمر -﵄-: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ، فَكَانَ لا يَزِيدُ في السَّفَرِ على رَكعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كذَلِكَ -﵁" (١)، وتبوك آخر غزواته ﷺ.
ثم وقفتُ على كلام للإمام أحمد يدل على تصحيح الحديث: "قيل لأحمدَ -﵁-: إنَّ النَّبيَ - ﷺ - أقَامَ بمكةَ ثماني عشرةَ، زمنَ الفتح، قَالَ: إنَّما أرادَ حُنينًا، لم يكُنْ ثمَّ إجماع، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ، لمْ يكُنْ ثُمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجمِعَ على إقامةٍ زيادة على أربع أتَمَّ الصَّلاةَ" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٠١)، ١١٠٢)، ومسلم (٦٨٩).
(٢) انظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وابن راهويه: (١/ ٦١١).
[ ٢٧٧ ]