(٧٢٩) حديث أبي هريرة يرفعه: لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره. ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم. متفق عليه.
رواه مالك في الموطأ ٢/ ٧٤٥، والبخاري (٢٤٦٣)، ومسلم ٣/ ١٢٣، وأبو داود (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٣٥)، وابن ماجه (٢٣٣٥) كلهم من طريق الزهري، عن عبدالرحمن الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة -﵁- يقول؛ أن النبي -ﷺ- قال: لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة -﵁-: مالي أراكم عنها معرضين!؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم.
وفي باب، عن مجمع بن يزيد وابن عباس:
أولا: حديث مجمع بن يزيد، رواه ابن ماجه (٢٣٣٦) قال: حدثنا أبو بشر بكر بن خلف، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو ابن دينار، أن هشام بن يحيى أخبره، أن عكرمة بن سلمة أخبره، أن أخوين من بل مغيرة أعتق أحدهما أن لا يغرز خشبا في جداره. فأقبل مجمع بن يزيد ورجال كثير من الأنصار، فقالوا: نشهد أن رسول الله -ﷺ- قال: لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فقال: يا أخي! إنك مقضي لك علي. وقد حلفت، فاجعل أسطوانا دون حائطي أو جداري، فاجعل عليه خشبك.
قال البوصيري في الزوائد: في إسناده هشام بن يحيى بن العاص المخزومي، ذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي: مختلف فيه وعكرمة بن
[ ٤ / ٢٤٢ ]
سلمة لم أر من تكلم فيه لا بتجريح ولا توثيق. وقال: وليس لمجمع هذا عند المصنف ولا بقية الكتب سوى هذا الحديث. اهـ.
ثانيا: حديث ابن عباس رواه ابن ماجه (٢٣٣٧) قال: حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبدالله بن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن النبي -ﷺ- قال: لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة على جداره.
قلت: في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف كما سبق مطلقا وراية العبادلة أحسن حالا من غيرها، ومع حسنها فهي ضعيفة. وبه أعل الحديث البوصيري في تعلقيه على الزوائد.
* * *
[ ٤ / ٢٤٣ ]
(٧٣٠) قوله -ﷺ-: لا ضرر وضرار.
أخرجه ابن ماجه (٢٣٣٧)، وفي (٢٣٤١)، وأحمد ١/ ٢٥٥ (٢٣٠٧)، وفي ١/ ٣١٣ (٢٨٦٧) كلاهما من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا ضرر ولا إضرار وللرجل أن يجعل خشبة فى حائط جاره والطريق الميتاء سبعة أذرع.
ورواه عن عكرمة كل من الأسود، وجابر الجعفي.
- وفي رواية: لا يمنع أحدكم أخاه مرفقه أن يضعه على جداره.
قال ابن أبي حاتم في علله (٢٣٣٤): وسمعت أبي، وحدثنا: عن حرملة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ-، قال: لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره. قال أبي: الصحيح، عن عكرمة، عن أبي هريرة، كذا رواه أيوب .. اهـ.
وقال الطبري في تهذيب الآثار (٧/ ٢٤٠ - ٢٤١): القول في علل هذا الخبر: وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح؛ لعلل: إحداها: أنه خبر لا يعرف له مخرج، عن ابن عباس يصح إلا من حديث عكرمة، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه.
والثانية: أنه من نقل عكرمة، وفي نقله عندهم نظر يجب التثبت فيه من أجله.
والثالثة: أنه خبر قد حدث به، عن سماك، عن عكرمة، غير من ذكرنا أنه رواه فأرسله عنه، ولم يجعل بين عكرمة، وبين رسول الله -ﷺ- أحدا، لا ابن
[ ٤ / ٢٤٤ ]
عباس ولا غيره. والرابعة: أنه خبر قد حدث به، عن عكرمة جماعة، فجعلوه: عنه، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- … وقد وافق سماكا في رواية هذا الخبر، عن عكرمة غير واحد من أصحابه - ثم ذكر روايتان بإسناده، عن داود بن حصين، وأبي الأسود .. اهـ.
وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٩٤٧): له شاهد من حديث أبي هريرة، رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في الإرواء (٥/ ٢٥٥)، وأصله متفق عليه، ونحوه لفظ ابن ماجه، ورواية لأحمد بلفظ: لا يمنع أحدكم جاؤه أن يغرز خشبة على جداره. ولفظ أحمد: .. أخاه مرفقه أن يضعه على جداره. وإسنادهما صحيح. ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني (١١٥٠٢)، وقال الهيثمي (٤/ ١٦٠): رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. وخفي عليه أنه ليس من شرط زوائده لأنه عند ابن ماجه كما تقدم، كما أنه قصر في عدم عزوه إياه لأحمد. وكذلك وهم البوصيري في زوائده حيث قال: في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. فلم يتنبه أنه عند ابن ماجه من رواية عبدالله بن وهب، عن ابن لهيعة، وحديث ابن وهب عنه صحيح كما تقدم التنبيه عليه مرارا، وتابعه قتيبة بن سعيد عنه، وهو صحيح الحديث أيضا عنه، كما كنت نقلته، عن الذهبي. وقال ابن جرير بعد ما رواه من طرق عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح، لعلل … ثم ذكرها. وهي مما لا قيمة لها إلا الأخيرة منها، وهي أن بعض الثقات خالفوا سماكا فرووه، عن عكرمة، عن أبي هريرة، وهذا لا يقدح في رواية تلك الطرق المشار إليها في أول التخريج، عن عكرمة،
[ ٤ / ٢٤٥ ]
لاحتمال أن يكون هذا رواه عن كل من ابن عباس وأبي هريرة، فالحديث صحيح عنهما كليهما، وهو عن أبي هريرة أصح لاتفاق الشيخين عليه كما تقدم». أنتهى ما نقله وقاله الألباني.
وروى الحاكم ٢/ ٦٦، والدارقطني ٤/ ٢٨٨، كلاهما من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي -ﷺ- قال: لا ضرر ولا إضرار زاد الحاكم: من ضار ضاره الله، ومن شاق شاق الله عليه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه .. اهـ. ووافقه الذهبي.
قلت: وفيما قالاه نظر، لأن في سنده عثمان بن محمد ليس من رجال مسلم لا في الأصول ولا المتابعات. وهو متكلم فيه. ولهذا نقل الذهبي في الميزان: أن عبد الحق في أحكامه: الغالب على حديثه الوهم. اهـ.
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ٣/ ٥٣٧: في إسناده عثمان ابن محمد لا أعرف حاله. وقد رواه الحاكم وزعم أنه صحيح الإسناد، في قوله نظر، والمشهور فيه الإرسال. اهـ.
وتابعه عبد الملك بن معاذ النصيبي، كما عند ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ١٥٩ ونقله عنه الزيلعي في نصب الراية ٤/ ٢٨٥٠.
وعبد الملك بن معاذ النصيبي، قال الذهبي في الميزان ٢/ ٦٦٤ - ٦٦٥٠ لا أعرفه. اهـ. وذكر له الذهبي هذا الحديث مما أنكر عليه.
ولهذا لما ذكر ابن القطان هذا الحديث. قال في كتابه بيان الوهم والإيهام
[ ٤ / ٢٤٦ ]
٥/ ١٠٣: وعبد الملك هذا لا تعرف له حال، ولا أعرف من ذكره. اهـ.
وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير ٢/ ٤٣٨: قال ابن الصلاح: حسن. وقال أبو داود: هو أحد الأحاديث التي يدور عليها النفقة وصححه إمامنا في حرملة، وقال البيهقي: تفرد به عثمان. قلت: بل تابعه عبد الملك بن معاذ كما أفاده ابن عبد البر في مرشدة تمهيده واستذكار. انتهى ما نقله وقاله ابن الملقن.
وقد حسن النووي حديث أبي سعيد كما في الربعين وقال ابن حزم: هذا خبر لا يصح قط. كما في تحفة المحتاج ٢/ ٢٩٦٠
ورواه مالك في الموطأ ٢/ ٧٤٥، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: لا ضر ولا ضرار.
قلت: رجاله ثقات وإسناده ظاهره الصحة.
قال الألباني ﵀ في الإرواء ٣/ ٤١١ في أثناء كلامه على حديث أبي سعيد: وهذا مرسل صحيح الإسناد، وهذا هو الصواب من هذا الوجه. اهـ.
وللحديث شواهد، عن عبادة، وأبي هريرة، وجابر، وعائشة، ومرسل، عن واسع بن حبان ذكر فيه قصة أبي لبابة:
أولا: حديث عبادة، رواه ابن ماجه (٢٣٤٠)، وأحمد ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧ كلاهما من طريق موسى بن عقبة، ثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله -ﷺ- قضى أن لا ضرر ولا ضرار.
قلت: إسناده ضعيف. قال البوصيري في تعليقه على زوائد ابن ماجه: إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع؛ لأن إسحاق بن يحيى ابن الوليد، قال الترمذي وابن عدي: لم يدرك عبادة بن الصامت. وقال البخاري: لم يلق
[ ٤ / ٢٤٧ ]
عبادة. اهـ. وأعله أيضا الحافظ ابن حجر في الدارية ص ٣٧٣ بالانقطاع.
ولما ذكر ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٠٨ إسناد حديث عبادة. قال: وهذا من جملة صحيفة تروى بهذا الإسناد، وهي منقطعة مأخوذة من كتاب. قاله ابن المديني وأبو زرعة وغيرهما. وإسحاق بن يحيى، قيل: هو ابن طلحة، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة، قاله أبو رزعة وابن أبي حاتم، والدارقطني في موضع. وقيل: إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يسمع أيضا من عبادة، قاله الدارقطني أيضا. اهـ.
قلت: إسحاق بن يحيى هو ابن الوليد وهو مجهول الحال كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب (٣٩٢).
ثانيا: حديث أبي هريرة رواه الدراقطني ٤/ ٢٢٤ من طريق أبي بكر بن عياش- قال: أراه- قال: عن ابن عطاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن النبي -ﷺ- قال: لا ضرر ولا ضرورة، ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على حائطه.
قلت: إسناده ضعيف لتردد فيه، وأيضا لضعف يعقوب بن عطاء ابن أبي رباح، فقد ضعفه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وأبو حاتم. لهذا قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢/ ٢١٠: هذا الإسناد فيه شك، وابن عطاء هو يعقوب، وهو ضعيف.
ثالثا: حديث جابر رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين ٤/ ٥ قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، ثنا حيان ابن بشر القاضي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عنه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا ضرر
[ ٤ / ٢٤٨ ]
ولا ضرار في الإسلام.
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن محمد بن يحيى إلا ابن إسحاق، تفرد به محمد بن سلمة. اهـ.
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٠٩: هذا إسناد مقارب وهو غريب. اهـ.
قلت: في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس كما سبق وقد عنعن، وبه أعله الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١١٠٠
رابعا: حديث عائشة رواه الدارقطني ٤/ ٢٢٧ من طريق الواقدي، نا خارجة بن عبدالله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي -ﷺ- قال: لا ضرر ولا ضرار.
قلت: في إسناده الواقدي وهو متروك كما سبق.
وللحديث طريقان عند الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين ٤/ ٥ وفي كل واحد منهما متهم؛ لهذا قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٠٩: الواقدي متروك، وشيخه مختلف في تضعيفه. وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضا، عن القاسم، عن عائشة.
خامسا: مرسل، عن واسع بن حبان رواه أبو داود في المراسيل (٤٠٧) قال: حدثنا محمد بن عبدالله القطان، حدثنا عبدالرحمن- يعني ابن مغراء- حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى ابن حبان، عن عنه واسع بن حبان، أن النبي -ﷺ- قال: لا ضرر في الإسلام ولا ضرار وفي أوله قصة أبي لبابة.
قلت: رجاله ثقات غير أن ابن إسحاق مدلس وقد عنعن، كما سبق.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
والحديث مرسل، ورواه بنحوه- وبأطول مما أورده أبو داود في المراسيل- البيهقي ٦/ ١٥٨ من طريق أبي اليمان، أخبرني شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب … الحديث.
وقد حسن بعض العلماء الحديث بشواهده. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢/ ٢١٠: وقد ذكر الشيخ أن بعض طرقه تقوي ببعض. وهو كما قال. ونقل، عن ابن الصلاح تحسينه لهذا الحديث.
وقال النووي في الأربعين ص ٢١: حديث حسن … ورواه مالك في الموطأ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي -ﷺ- مرسلا. فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضا. اهـ.
وقال في الأذكار ص ٣٥١: حديث حسن، رواه مالك في الموطأ مرسلا، والداقطني في سننه وغيره من طرق متصلا. اهـ.
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢/ ٢١٠ - ٢١١: وقد ذكر الشيخ ﵀ أن بعض طرقه تقوى ببعض. وهو كما قال. وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبدالله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف قويت .. وقال الشافعي في المرسل: إنه إذا أسند من وجه آخر أو أرسله من يأخذ العلم، عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول، فإنه يقبل.
وقال الجوزجاني: إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع- يعني لا يقنع بروايته- وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار، استعمل، واكتفي به، وهذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوي منه. وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث، وقال: قال النبي -ﷺ-: لا ضر ولا ضرار. وقال أبو أحمد عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه،
[ ٤ / ٢٥٠ ]
ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به. وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف، والله أعلم. اهـ.
ونقل المناوي في فيض القدير ٦/ ٤٣٢، عن العلائي أنه قال: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به. اهـ.
ولهذا صحح الألباني ﵀ في الإرواء ٣/ ٤٠٨ وفي السلسلة الصحيحة ١/ ٤٤٣ الحديث بشواهده.
* * *
[ ٤ / ٢٥١ ]