(٤٨٢) أن الأعرابي لما دفع إليه النبي -ﷺ- التمر ليطعمه للمساكين فأخبره بحاجته قال: أطعمه لأهلك ولم يأمره بكفارة أخرى.
رواه البخاري (١٩٣٦)، ومسلم ٢/ ٧٨١، والترمذي (٧٢٤)، وأبو داود (٢٣٩٢)، وابن ماجه (١٦٧١)، والنسائي في الكبرى ٢/ ٢١١، وأحمد ٢/ ٢٠٨، ٢٨١، والدارقطني ٢/ ١٩٠، والبغوي في شرح السنة ٦/ ٢٨٢، والبيهقي ٤/ ٢٢١، ٢٢٢، ومالك في الموطأ ١/ ٢٩٦ كلهم من طريق الزهري قال أخبرني حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة -﵁- قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. فقال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. ثم جلس، فأتى النبي -ﷺ- بعرق فيه تمر. فقال: تصدق بهذا. فقال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي -ﷺ- حتى بدت أنيابه. ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك.
وعند أحمد زيادة: ينتف شعره ويدعو ويله فقال رسول الله -ﷺ- مالك؟.
قلت: رواه عن الزهري جمع من الثقات. فقد رواه مالك وابن جريج ويحيى بن سعيد عنه به بلفظ: أن النبي -ﷺ- أمر رجلا أفطر في رمضان. أو أن رجلا أفطر في رمضان. ولم يذكروا أن الفطر كان بالجماع بل أبهموا. وخالفهم معمر ويونس وشعيب وابن عيينة وإبراهيم بن سعد وابن أبي عتيق والأوزاعي والليث بن سعد ومنصور بن المعتمر وإبراهيم بن عامر وعقيل
[ ٣ / ٢١٧ ]
وغيرهم كلهم رووه، عن الزهري وفيه ذكر الجماع. وهو الأرجح.
لهذا قال البخاري في التاريخ الكبير ١/ ٥٦: قال معمر ويونس وشعيب وإبراهيم بن سعد وابن عيينة وابن أبي عتيق والأوزعي وقعت بأهلي فقال: هل تجد رقبة؟ قال: لا. وحديث هؤلاء أبين. اهـ.
وقال الدارقطني في العلل ١٠/ رقم (١٩٨٨) لما سئل عنه: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه مالك بن أنس، واختلف عنه في متنه فرواه القعنبي ومعن وأصحاب الموطأ، عن مالك وقالوا فيه: إن رجلا أفطر في رمضان مبهما. ورواه حماد بن مسعدة والوليد بن مسلم، عن مالك فقالا فيه: أفطر بجماع. وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان، عن مالك. ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج وأبو أويس وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي وعبدالله بن أبي بكر ويزيد بن عياض وشبل بن عباد بهذا الإسناد وقالوا فيه: أن رجلا أفطر في رمضان. كما قال أصحاب الموطأ، عن مالك. وكذلك قال عمار بن مطر، عن إبراهيم بن سعد. وكذلك قال أشهب بن عبد العزيز، عن الليث بن سعد ومالك، عن الزهري وقالوا: كلهم في أحاديثهم: أن النبي -ﷺ- بين العتق أو الصيام أو الإطعام. ورواه نعيم بن حماد وابن عيينة، فتابعهم على أن فطره كان مبهما. وخالفهم في التخير، ورواه عن الزهري أكثر عددا بهذا الإسناد. وقالوا فيه: إن فطره كان بجماع وأن النبي -ﷺ- أمره أن يعتق فإن لم يجد صام، فإن لم يستطع أطعم منهم عراك بن مالك ويونس بن يزيد وعقيل بن خالد وشعيب بن حمزة ومعمر وإبراهيم بن سعد ومحمد بن أبي عتيق والليث بن سعد والنعمان بن راشد والأوزعي والحجاج. انتهى كلام الدارقطني.
[ ٣ / ٢١٨ ]
فالذي يظهر أن رواية مالك وابن جريج ويحيى بن سعد وقع فيها اختصار أو أنها كانت بالمعنى.
لهذا قال ابن حزم في المحلى ٦/ ١٨٦: لما ذكر رواية مالك وابن جريج ويحيى بن سعيد قال: روى من ذكرنا، عن الزهري مجملا مختصرا، ورواه الآخرون الذين ذكرنا قبل وأتوا بلفظ: الخبر كما وقع وكما سئل ﵇ وكما أفتى، وبينوا فيه أن تلك القصة كانت وطء لامرأته. ورتبوا الكفارة كما أمر بها رسول الله -ﷺ-. وأحال مالك وابن جريج ويحيى صفة الترتيب وأجملوا الأمر. اهـ.
وقال ابن قدامة في المغني ٣/ ٦٧: أما الدليل على وجوب الترتيب؛ فالحديث الصحيح الذي رواه معمر ويونس والأوزعي والليث وموسى ابن عقبة وعبيد الله بن عمر وعراك بن مالك وإسماعيل بن أميه ومحمد بن أبي عتيق وغيرهم، عن الزهري .. فذكر الحديث وفيه الترتيب- ثم قال: وهذا لفظ الترتيب والأخذ بها أولى من رواية مالك لأن فيه أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا سوى مالك وابن جريج فيما علمنا واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه ولأن الترتيب زيادة والأخذ بالزيادة متعين ولأن حديثنا لفظ النبي -ﷺ- وحديثهم لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه بـ أو لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت على الترتيب ككفارة الظهار والقتل. اهـ.
وقال عبدالله في مسائله ٢/ رقم (٨٨٢): سألت أبي ﵀، عن رجل يجامع أهله في شهر رمضان؟ قال: اختلفوا في حديث الزهري، فقال: مالك وابن جريج، عن الزهري في الحديث، عليه عتق رقبة أو صيام شهرين أو
[ ٣ / ٢١٩ ]
إطعام ستين مسكينا على التخير. قال أبي: وخالفهما ابن عيينة وإبراهيم بن سعد وعدة، فقالوا، عن الزهري في الحديث: عليه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يقدر على الصيام فإطعام ستين مسكينا، وخالفوهما، ولم يقل هؤلاء على التخير، والحيطة عندي فيما قال هؤلاء. وأما مالك وابن جريج فحافظان، ابن جريج سمعه من الزهري سماع، يقول: حدثنا ابن شهاب ومالك وابن جريج متثبتان. اهـ.
وقد رواه البخاري بألفاظ أجمعها لفظ: أن أبا هريرة قال: بينما نحن جلوس عند النبي -ﷺ- إذ جاءه رجل. فقال: يا رسول الله هلكت. قال: مالك؟
قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله -ﷺ- هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال فمكث النبي -ﷺ-، فبينا نحن على ذلك أتى النبي -ﷺ- بعرق فيها تمر، والعرق: المكتل، قال: أين السائل؟ فقال: أنا قال: خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها- يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي -ﷺ- حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك.
وعند مالك بلفظ: فأمره رسول الله -ﷺ- أن يكفر، بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. هكذا بلفظ: التخير ولعله من تصرف الرواة لآن أكثر طرقه بالترتيب كما سبق.
قال الترمذي ٣/ ٧٥: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. اهـ.
وقال الدارقطني ٢/ ١٩٠: هذا إسناد صحيح. اهـ.
ورواه أبو داود (٢٣٩٣)، والدارقطني ٢/ ١٩٠ كلاهما من طريق هشام بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي
[ ٣ / ٢٢٠ ]
هريرة قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- أفطر في رمضان وفيه قال: فأتى بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعا وقال: فيه كله أنت وأهل بيتك وصم يوما، واستغفر الله.
قال ابن مفلح في الفروع ٣/ ٨٧: إسناده جيد اهـ.
قلت: أعل هذه الزيادة ابن القطان وغيره. قال الزيلعى في نصب الراية ٢/ ٤٥٣: قال ابن القطان: وعلة هذا الحديث، ضعف هشام بن سعد. وقال عبد الحق في أحكامه طرق مسلم في هذا الحديث أصح وأشهر، وليس فيها: صم يوما، ولا مكتلة التمر، ولا الاستغفار، وإنما يصح القضاء مرسلا. اهـ. ما نقله الزيلعي.
وقال البرذعي كما في كتاب الضعفاء لأبي زرعة الرازي وأجوبته على أسئلة البرذعي ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢ مع كتاب أبي زرعة الرازي وجهوده في السنة: سمعت أبا زرعة يقول: هشام بن سعد واهي الحديث. أتقنت ذلك، عن أبي زرعة، وهشام عند غير أبي زرعة أجل من هذا الوزن فتفكرت فيما قال أبو زرعة، فوجدت في حديثه وهما كبيرا، من ذلك أنه حدث، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قصة الوقاع في رمضان وقد روى أصحاب الزهري قاطبة، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن وليس من حديث أبي سلمة، وقد حدث به وكيع، عن هشام، عن الزهري، عن أبي هريرة، كأنه أراد الستر على هشام، في قوله، عن أبي سلمة. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٤/ ١٦٣ لما ذكر إسناد الزهري، عن حميد: هكذا توارد أصحاب الزهري. وقد جمعت منهم في جزء مفرد لطرق هذا الحديث أكثر من أربعين نفسا منهم ابن عيينة، والليث ومعمر، ومنصور
[ ٣ / ٢٢١ ]
عند الشيخين، والأوزعي، وشعيب وإبراهيم بن سعد عند البخاري ومالك وابن جريج عند مسلم، ويحيى بن سعيد وعراك بن مالك عند النسائي وعبد الجبار بن عمر عند أبي عوانة … وخالفهم هشام بن سعيد فرواه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أخرجه أبو داود وغيره. قال البزار وابن خزيمة وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام بن سعد. اهـ.
فالذي يظهر أن هشام بن سعد أخطأ فيه فخالف أصحاب الزهري الحفاظ في سنده ومتنه. اهـ.
لهذا نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ٤/ ١٦٣، عن البزار وابن خزيمة وأبي عوانه أنهم قالوا: أخطأ فيه هشام بن سعد. اهـ.
وقال ابن رجب في شرح العلل ٢/ ٢٩٣: هو حديث في إسناده مقال، تفرد به من لا يوثق بحفظه واتقانه. اهـ.
وقال ابن عبد البر في التمهيد ٧/ ١٦٨: هشام بن سعد لا يحتج به في حديث ابن شهاب. اهـ.
وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى ٢/ ٢٣١: وطريق مسلم أصح وأشهر وليس فيه صم يوما وإنما يصح حديث القضاء مرسلا. اهـ.
وتعقبه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٣٥ ١١٨٧ فقال: كذا أجمل تعليل حديث أبي داود وهو حديث يرويه أبو داود … ثم إسناد هشام بن سعد وقال: فعلة هذا الحديث ضعف هشام بن سعد. اهـ.
وقال ابن القيم في تهذيب السنن ٣/ ٢٧٣: هذه الزيادة وهي الأمر بالصوم قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ … والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري، فإن أصحابه الأثبات الثقات، كيونس وعقيل ومالك
[ ٣ / ٢٢٢ ]
والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبد الرحمن بن خالد لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة وإنما ذكرها الضعفاء عنه كهشام بن سعد وصالح بن أبي الأخضر وأضرابهما.
وقال أيضًا ابن القيم: وقال الدارقطني: رواتها ثقات. ورواه ابن أبي أويس، عن الزهري وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه وتابعه أيضًا هشام بن سعد عنه قال: كلهم ثقات. وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة، فإن هؤلاء إنما هم أربعة. وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عددا، وهم أربعون نفسا. لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة اهـ.
وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة ٥/ ٢٢٤: لم يأمر النبي -ﷺ- الذي جامع أهله في رمضان بصوم بل أمره بالكفارة فقط. وقد جاء ذكر أمره بالقضاء في حديث ضعيف ضعفه أحمد بن حنبل وغيره اهـ. ومما يدل على أن هشام وهم فيه، عن الزهري أن أصحاب الزهري الحفاظ رووه، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة ولم يذكروا هذه الزيادة. اهـ.
وقال البيهقي ٤/ ٢٢٦: ورواه هشام بن سعد، عن الزهري إلا أنه خالف الجماعة في إسناده. فقال، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في النكت ٢/ ٦٧٨: قال العلائي: تفرد به هشام بن سعد- وهو متكلم فيه سيئ الحفظ، وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فمن دونهم فإنه عندهم عنه، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة. لا، عن أبي سلمة وليست عندهم هذه الزيادة. اهـ. أي زيادة وصم يوما مكانه واستغفر الله ثم قال الحافظ ابن حجر في النكت أيضًا ٢/ ٦٧٩: وذكر أبو عوانة في صحيحه حديث هشام بن سعد هذا. وقال: غلط هشام بن سعد.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
وأورده ابن عدي في مناكير هشام بن سعد. قال أبو يعلى الخليلي: أنكر الحفاظ حديثه في المواقع في رمضان من حديث الزهري، عن أبي سلمة وقالوا وإنما رواه الزهري، عن حميد، قال: ورواه وكيع عنه، عن أبي هريرة -﵁- منقطعا قال أبو زرعة الرازي: أراد وكيع الستر على هشام بن سعد بإسقاط أبي سلمة. اهـ.
وذكر البخاري في التاريخ الكبير ١/ ٥٦ حديث هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة وقال: ولم يصح أبو سلمة. اهـ.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٤/ ١٧٢: ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم، عن الزهري. وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد، عن الليث، عن الزهري، وحديث إبراهيم ابن سعد في الصحيح، عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة وحديث الليث، عن الزهري في الصحيحين بدونها. اهـ.
قلت: رواية أبي أويس عند الدارقطني ٢/ ٢١٠٠
وقال في كتاب تعليقات الدارقطني على كتاب المجروحين لابن حبان صـ ١٤٨: قال أحمد بن حنبل في رواية الأثرم، وأبو أويس، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة: حديث الجماع. فقال فيه: تقضي يوما مكانه وسماع مالك بن أنس وأبي أويس من الزهري واحد مالك لا يقول هذا، كأنه منكر. اهـ.
وقال ابن أبي حاتم في العلل (٦٥٣): سئل أبو زرعة، عن حديث أبي أويس، عن الزهري- يعني، عن حميد بن عبدالرحمن-، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- في رجل أفطر يوما من رمضان. قال عليه يوم مكانه قال: ليس هذا
[ ٣ / ٢٢٤ ]
بصحيح لم يقل هذا الحرف واحد يعني من الثقات. اهـ.
ورواه ابن ماجه (١٦٧١) قال: حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبدالله بن وهب، ثنا عبد الجبار بن عمر حدثني يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- بمثل حديث حميد بن عبد الرحمن. وفيه قال: وصم يوما مكانه.
قلت: إسناده ضعيف، لأن فيه عبد الجبار بن عمر الآيلي ضعيف صاحب مناكير ولعل هذا منها وقد ضعفه ابن معين، وأبو داود والترمذي. وقال البخاري: عنده مناكير. اهـ. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث ليس بقوي. اهـ. وقال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف ليس محله الكذب. اهـ. وقال النسائي: ليس بثقة. اهـ.
وبه أعله البوصيري في تعليقه على زوائد ابن ماجه فالذي يظهر أنه لا يصح أمره قضاء يوما مكانه من جهة الإسناد.
لهذا قال شيخ الإسلام في الفتاوى ٥/ ٢٢٥: وأما أمره للمجامع بالقضاء. فضعيف، وضعفه غير واحد من الحفاظ. وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحدا بالقضاء، ولو كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه. ولما لم يأمره به دل على أن القضاء لم يبق مقبولا منه. اهـ.
لكن يمكن أن يقال وإن لم يثبت من جهة السند فإنه ثابت من جهة القياس لأن الذمة مشغولة به. وليس كالصلاة لأن الصلاة وقتها مضيق بخلاف قضاء الصوم فوقته موسع ما لم يدركه رمضان آخر.
ولهذا قال ابن عبد البر في التمهيد ٧/ ١٦٨ - ١٦٩ لما أعل إسناد حديث
[ ٣ / ٢٢٥ ]
هشام بن سعد قال: ومن جهة النظر والقياس لا يسقط القضاء لأن الكفارة عقوبة الذنب الذي ارتكبه. والقضاء بدل من اليوم الذي أفسده وكما لا يسقط، عن المفسد حجه بالوطء إذا أهدى. القضاء للبدل بالهدي فكذلك قضاء ذلك اليوم. والله أعلم. اهـ.
وقد ورد في الحديث لفظ هلكت وأهلكت وهذا مما يدل على أنه أكرهها ولولا ذلك لم يكن مهلكا لها كما ذكره ابن الجوزي في التحقيق ٢/ ٣٠٢٠
فقد روى الدارقطني ٢/ ٢١٠ قال ثنا عثمان بن أحمد الدقاق ثنا عبيد بن محمد بن خلف ثنا أبو ثور ثنا معلى بن منصور ثنا سفيان بن عيينة، عن الترمذي أخبره حميد بن عبدالرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول: أتى رجل النبي -ﷺ- فقال: هلكت، وأهلكت. قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي … فذكر الحديث.
قال ابن الجوزي كما في التحقيق مع التنقيح ٢/ ٣٠٢: فإن قالوا: قد قال أبو سليمان الخطابي: المعلي بن منصور من رجال هذا الحديث، ليس بذاك. قلنا: ما عرفنا أحدا طعن في المعلى … اهـ.
وتعقبه ابن عبد الهادي في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ٢/ ٢٠٣ فقال: الإسناد لا بأس به، ومعلى بن منصور محتج به في الصحيحين. اهـ.
ورواه أيضًا الدارقطني ٢/ ٢١٠ قال ثنا النيسابوري ثنا محمد بن عزيز قال: حدثني سلامة بن روح، عن عقيل، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة قال: بينا أنا جالس عند رسول الله -ﷺ- جاءه رجل فقال: هلكت، وأهلكت … فذكر الحديث.
قال ابن مفلح في الفروع ٣/ ٨٧: ضعف هذه الزيادة البيهقي وصنف الحاكم ثلاثة أجزاء في إبطالها. اهـ.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
قلت: إسناده ضعيف لأن فيه سلامة بن روح وبه أعله ابن الجوزي.
وقال ابن عبد الهادي في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ٢/ ٣٠٣: الإسناد مقارب وسلامة متكلم فيه، قال أبو حاتم الرازي: ليس بالقوي وقال أبو زرعة: ضعيف منكر الحديث، وقد ذكر البيهقي هذه اللفظة وتكلم عليها، فقال بعد أن رواه: هذا الحديث لا يرضاه أصحاب الحديث، وروى بسند إلى الأوزاعي قال: حدثني الزهري، حدثنا حميد بن عبدالرحمن بن عوف قال حدثني أبو هريرة قال: بينا أنا عند رسول الله -ﷺ- إذ جاءه رجل. فقال: يا رسول الله؛ هلكت وأهلكت … ضعف شيخنا أبو عبدالله الحافظ هذه اللفظة وأهلكت وحملها على أنها أدخلت على محمد بن شبيب الأرغياني من رجال هذا الحديث. فقد رواه أبو علي الحافظ، عن محمد بن شبيب بالإسناد الأول دون هذه اللفظة، ورواه العباس بن الوليد، عن عقبة بن علقمة دون هذه اللفظة، ورواه كافة أصحاب الأوزاعي دونها ولم يذكرها أحد من أصحاب الزهري، عن الزهري، إلا ما روى عن أبي ثور، عن معلى بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري. وكان شيخنا يستدل على كونها في تلك الرواية أيضًا خطأ بأنه نظر في كتاب الصوم تصنيف المعلى بن منصور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة، وإن كان أصحاب سفيان رووه عنه دونها، والله أعلم. انتهى كلام ابن عبد الهادي.
ورواه مالك فى الموطأ ١/ ٢٩٧، عن عطاء الخرسانى، عن سعيد بن المسيب أنه جاء أعرابي إلى رسول الله -ﷺ- يضرب نحره وينتف شعره، وفيه هل تستطيع أن تهدي بدنة؟.
وهو وهم، قال ابن عبد البر في التمهيد ٢١/ ٨: قوله هل تستطيع أن تهدي
[ ٣ / ٢٢٧ ]
بدنة غير محفوظ في الأحاديث المسندة الصحاح، ولا مدخل للبدن أيضًا في كفارة الواطئ في رمضان عند جمهور العلماء. وذكر البدن هو الذي أنكر على عطاء في هذا الحديث. اهـ.
وروى البخاري في التاريخ الكبير ١/ ٢٧٠ من طريق محمد وعون أنهما قالا لسعيد بن المسيب أن عطاء الخرساني، حدثنا عنك أن النبي -ﷺ- أتاه رجل وقع بأهله في رمضان فأمره أن يعتق رقبة. فقال: كذب ما حدثته إنما قال: تصدق تصدق. اهـ.
وللحديث ألفاظ وطرق أخرى عند البخاري- الصوم- باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، وباب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة، و- الهبة- باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر ولم يقل قبلت، و- النفقات- باب نفقة المعسر على أهله، وباب الأدب- باب التبسم والضحك، وباب ما جاء في قول الرجل ويلك، ومسلم ٢/ ٧٨١ - ٧٨٢ - الصيام- ٨١، وأبو داود- الصوم- باب كفارة من أتى أهله في رمضان- (٢٣٩٠)، والترمذي- الصوم- باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان- (٧٢٤)، وابن ماجه- الصيام- ١٦٧١، والحميدي ٢/ ٤٤١ - (١٠٠٨)، عبد الرزاق ٤/ ١٩٤ (٧٤٥٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٦٠ - ٦١ - الصيام- باب الحكم في من جامع أهله في رمضان متعمدا، وأحمد ٢/ ٢٤١، ٢٨١، ٥١٦، وابن خزيمة ٣/ ٢١٧ (١٩٤٤، ١٩٤٥)، وابن حبان كما في الإحسان ٥/ ٢١٤ - ٢١٧ (٣٥١٧ - ٣٥٢١)، والدارقطني ٢/ ٢١، والبيهقي ٤/ ٢٢١ - ٢٢٦، ٧/ ٣٩٣، والبغوي في شرح السنة ٦/ ٢٨٢، (١٧٥٢٠).
[ ٣ / ٢٢٨ ]