(٥) روي أنه -ﷺ- توضأ بماء آجن.
لم أجده بهذا اللفظ، وإنما أخرج البيهقي في سننه (١/ ٢٦٩)، قال: حدثنا أبو عبدالله الحافظ، أنبأ أبو جعفر محمد بن عبدالله البغدادي، ثنا محمد بن عمرو بن خالد، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير: في قصة، أحد وما أصاب النبي -ﷺ- في وجهه، قال: وسعى علي بن أبي طالب إلى المهراس، فأتى بماء في مجنة، فأراد رسول الله -ﷺ- أن يشرب منه، فوجد له ريحا؛ فقال رسول الله -ﷺ-: هذا ماء آجن فمضمض منه، وغسلت فاطمة، عن أبيها الدم.
قلت: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وعروة بن الزبير، من صغار التابعين، لم يشهد الواقعة؛ فالإسناد منقطع.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٩٧٩)، وإسحاق بن راهويه كما في المطالب العالية (٤٣٧٨)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٦٠) من طرق، عن وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- مصعدين في أحد، فذهب رسول الله -ﷺ- على ظهره، لينهض على صخرة فلم يستطع، فبرك طلحة بن عبيدالله تحته، فصعد رسول الله -ﷺ- على ظهره، حتى جلس على الصخرة، قال الزبير: فسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: أوجب طلحة، ثم أمر رسول الله -ﷺ-، علي بن أبي
[ ١ / ٢٦ ]
طالب -﵁-، فأتى المهراس، وأتاه بماء في درقته، فأراد رسول الله -ﷺ- أن يشرب منه، فوجد له ريحا فعافه، فغسل به الدم الذي في وجهه، وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله -ﷺ-. هكذا لفظه، وليس فيه لفظ: (آجن). لكن يفهم من معناه، لهذا قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ١٣٥): وفي الباب حديث الزبير، في غسل النبي -ﷺ- وجهه، من الدم الذي أصابه بأحد، بماء آجن أي متغير رواه البيهقي وغيره. اهـ.
وقال البيهقي في سننه (١/ ٢٦٩) عن إسناد حديث الزبير: وهو إسناد موصول. اهـ.
وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٥/ ٢٢١) عن حديث الزبير: هذا إسناده صحيح. اهـ.
قلت: فيه وهب بن جرير، ثقة، وأبوه جرير بن حازم، ثقة، لكن له أوهام إذا حدث من حفظه.
أما محمد بن إسحاق، فهو مدلس، لكنه صرح بالتحديث، واختلف في حاله بين أهل العلم؛ فمنهم من مشاه، ومنهم من توقف في الاحتجاج به، خاصة في أحاديث الأحكام، بخلاف المغازي. ويحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، وثقه ابن معين والنسائي، لكن في سماعه من جده نظر، فجده توفي سنة ثلاث وسبعين، وهو توفي بعد المائة، وهو ابن ست وثلاثين، فيبعد سماعه منه.
* الخلاصة:
الحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وفي الإسناد انقطاع.
والحديث الثاني في إسناده محمد بن إسحاق وقد تكلم فيه.
[ ١ / ٢٧ ]
(٦) قوله: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء وفي راوية لم يحمل خبث. رواه أحمد وغيره.
رواه أبو داود (٦٤)، وابن ماجه (٥١٧)، والترمذي (٦٧)، وأحمد (٢/ ٢٧)، والبيهقي (١/ ٢٦١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥)، والدارمي (١/ ١٨٦)، والدارقطني (١/ ٢١)، كلهم، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، سئل عن الماء، يكون بالفلاة من الأرض، وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال رسول الله -ﷺ-: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء.
ورواه عن ابن إسحاق، كل من، يزيد بن هارون، وعبده بن سليمان، ومحمد بن أبي نعيم، وأحمد بن خالد الوهبي، ويزيد بن زريع، وابن المبارك، وأبومعاوية الضرير، وحماد بن سلمة، وعبد الرحيم بن سليمان الكندي، وسعيد بن زيد، وابن نمير، وإبراهيم بن سعد، وعباد بن عباد المهلبي، وجرير بن عبد الحميد، وزهير بن حرب، وزائدة بن قدامة، وغيرهم، وصرح ابن إسحاق بالتحديث عند الدارقطني.
لكن أعل الحديث بأربع علل:
الأولى: الاختلاف في إسناده؛ فقد رواه أبو داود (٦٣)، والنسائي (١/ ٤٦)، وعبد بن حميد في المنتخب (٨١٧)، وابن حبان (١٠١٨)، والحاكم (١/ ٢٢٥)، والبيهقي (١/ ٢٦٠ - ٢٦١)، كلهم، من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبدالله المكبر، عن ابن عمر، بمثله، غير أنه قال: لم يحمل الخبث.
[ ١ / ٢٨ ]
وقد رواه عن أبي أسامة هكذا، جمع منهم، عبد بن حميد، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، ومحمد بن عبادة، ويعقوب الدورقي، والحسين بن حريث، وموسى بن عبدالرحمن الكندي، وأبو عبيدة بن أبي السفر، وهناد بن السري، والحسن بن علي بن عفان العامري، وأحمد بن جعفر، وغيرهم.
ورواه النسائي (١/ ١٧٥) قال: حدثنا الحسين بن حريث المروزي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، بمثله مرفوعا، وتابع الحسين بن حريث في قوله: عبيد الله يحيى بن حسان، كما عند الدارمي (١/ ١٨٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥).
وأيضا تابعهم، حوثرة بن محمد البصري كما عند ابن خزيمة (١/ ٤٩).
وتابعهم أيضا، محمد بن عبدالله بن المبارك، وموسى بن عبدالرحمن المسروقي، وابن أبي شيبة كما عند ابن حبان (١١٨)، ومشكل الآثار (٣/ ٢٦٦).
ورواه أبو داود (٦٥)، وابن الجارود في المنتقى (٤٦)، وأبوداود الطيالسي (١٩٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٦)، كلهم، من طريق حماد، أخبرنا عاصم بن المنذرعبيدالله بن عبدالله بن عمر، قال: حدثني أبي أن رسول الله -ﷺ- قال: إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس.
وخالف حماد بن سلمة؛ حماد بن زيد، فرواه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه موقوفا، كما قال الدارقطني (١/ ٢٢)، فلما ذكر حديث حماد بن سلمة، قال: خالفه حماد بن زيد، فرواه
[ ١ / ٢٩ ]
عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، موقوفا غير مرفوع، وكذلك رواه إسماعيل بن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل لم يسمه، عن ابن عمر موقوفا أيضا. اهـ.
ورجح ابن معين الطريقين، فقال عباس الدوري، كما في تاريخ ابن معين (٤/ ٢٤٠): سمعت يحيى يقول: وسئل عن حماد بن سلمة، حديث عاصم بن المنذر بن الزبير، عن أبي بكر بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر هذا خير الإسناد، أو قال يحيى: هذا جيد الإسناد. قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه، قال يحيى: وإن لم يحفظه ابن علية؛ فالحديث جيد الإسناد، وهو أحسن من حديث الوليد بن كثير- يعني يحيى- في قصة الماء لا ينجسه شيء. اهـ.
ورواه البيهقي (١/ ٢٦١) من طريق شعيب بن أيوب، ثنا أبو أسامة، ثنا الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن عباد بن جعفر، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، بمثله مرفوعا.
قلت: ومجمل ما حصل في إسناده من اضطراب؛ أن الحديث مداره على الوليد بن كثير؛ فرواه مرة، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة، عن محمد بن عباد بن جعفر، وابن جعفر اختلف عليه؛ فتارة يروى عنه، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر المصغر، وتارة يروى عنه، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر.
ولهذا ضعف بعض العلماء، حديث القلتين؛ فقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٥): أما ما ذهب إليه الشافعي، من حديث القلتين، فمذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل. اهـ.
[ ١ / ٣٠ ]
وقال أيضا ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٢٩): هو حديث، يرويه محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وبعض رواة الوليد بن كثير، يقول فيه عنه: عن محمد بن عباد بن جعفر، ولم يختلف، عن الوليد بن كثير، أنه قال فيه: عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، يرفعه، ومحمد بن إسحاق يقول فيه: عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، وعاصم أيضا؛ فالوليد يجعله، عن عبدالله بن عبدالله، ومحمد بن إسحاق يجعله، عن عبيدالله بن عبدالله، ورواه عاصم بن المنذر، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه؛ فاختلف فيه عليه أيضا؛ فقال: حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، وقال فيه: حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر ابن عبيدالله، عن عبدالله بن عمر. وقال حماد بن سلمة فيه: إذا كان الماء، قلتين، أو ثلاثا، لم ينجسه شيء، وقال بعضهم: يقول فيه: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل الخبث، وهذا اللفظ محتمل للتأويل، ومثل هذا الاضطراب في الإسناد، يوجب التوقف، عن القول بهذا الحديث، إلى أن القلتين غير معروفتين، ومحال أن يتعبد الله عباده بما لا يعرفونه. اهـ.
وقال أبو بكر بن العربي، في عارضة الأحوذي (١/ ٨٤): وحديث القلتين، مداره على مطعون عليه، مضطرب في الرواية. اهـ.
قلت: ويظهر والله أعلم، أن الترجيح فيه ممكن؛ فلعل الصحيح في الإسناد، أن شيخ محمد بن جعفر هو عبيدالله المصغر، لا عبدالله المكبر؛ فقد رواه جمع من الثقات، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير عنه، كما سبق.
وأيضا توبع الوليد بن كثير، على ذكر عبيدالله فقد تابعه محمد بن
[ ١ / ٣١ ]
إسحاق، ورواه عن محمد بن إسحاق جمع من الثقات كما سبق.
وروي عن محمد بن إسحاق، بأسانيد أخرى ضعيفة، رواه ابن عدي في الكامل، وابن حبان في الثقات، والدارقطني، وقد أعرضت عنها اختصارا، ولشدة ضعفها، فلا يحسن الوقوف عليها.
ويحتمل أن يكون كلاهما محفوظا، لهذا قال البيهقي (١/ ٣٢٧)، لما روى إسناد شعيب بن أيوب: وكذلك رواه أبو الحسن الدارقطني﵀- عن أبي بكر بن سعدان، عن شعيب، فالحديث محفوظ عنهما جميعا؛ إلا أن غير أبي أسامة، يرويه، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر؛ فكان شيخنا أبو عبدالله الحافظ يقول: الحديث محفوظ عنهما جميعا، وكلاهما رواه عن أبيه، وإليه ذهب كثير من أهل الرواية، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي﵀- يقول: غلط أبو أسامة في عبدالله بن عبدالله؛ إنما عبيدالله بن عبد الله، واستدل بما رواه عن عيسى بن يونس، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر قال: سئل النبي -ﷺ- فذكره، إلا أن عيسى بن يونس أرسله، وروايته في كتاب إسماعيل بن سعد الكسائي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس موصولا، ورواه عباد بن صهيب، عن الوليد، وقال، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبيه موصولا، والحديث مسند الأصل اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٢٨): قال ابن منده: إسناده على شرط مسلم، ومداره على الوليد بن كثير، فقيل عنه: عن محمد بن جعفر بن الزبير …، وتارة يرويه، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، وتارة يرويه، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، والجواب: أن هذا ليس اضطرابا
[ ١ / ٣٢ ]
فادحا؛ فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظا؛ انتقال من ثقة إلى ثقة، ثم قال الحافظ ابن حجر: وعند التحقيق الصواب: …، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. اهـ.
وتعقبه الشيخ أحمد شاكر﵀- في تعليقه على سنن الترمذي (١/ ٩٩)، فقال: وما قاله الحافظ من التحقيق غير جيد، والذي يظهر من تتبع الروايات، أن الوليد بن كثير، رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر، وأنهما كلاهما، روياه، عن عبدالله وعبيد الله ابني عبدالله بن عمر، عن أبيهما اهـ.
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٩٥): وقال الدارقطني في سننه وعلله: رواه الوليد بن كثير، عن المحمدين، فصح القولان، عن أبي أسامة، وصح أن الوليد بن كثير، رواه عن هذا مرة، وعن الآخر أخرى، وكذا قال الإمام الرافعي في شرح المسند: الظاهر عند الأكثرين، صحة الروايتين، وقال في التذنيب: الأكثرون صححوا الروايتين، وقالوا: إن عبدالله وعبيد الله روياه، عن أبيهما اهـ.
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٥٤): هذا صحيح؛ لأنه قد صح؛ أن الوليد بن كثير روى هذا الحديث، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر، كلاهما، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر اهـ.
أما شيخ الوليد بن كثير؛ فيحتمل أنه محمد بن عباد بن جعفر، ويحتمل أن يكون، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ويحتمل الوجهين، وبكل وجه قال الأئمة؛ أما الوجه الأول، فهو عند أبي داود (٦٣)، وابن الجارود في المنتقى
[ ١ / ٣٣ ]
(٤٤)، والدارقطني (١/ ١٥ - ١٦)، والبيهقي (١/ ٢٦٠)، والحاكم (١/ ٢٢٥)، وابن جرير في التهذيب (١١٠٨)، وابن حبان (١١٧)، كلهم من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبدالله المكبر، عن أبيه مرفوعا.
ورواه عن أبي أسامة جماعة منهم: الحميدي، ومحمد بن سعيد القطان، وأبو×بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وأحمد بن زكريا بن سفيان الواسطي، والحسن بن علي بن عفان، ومحمد بن عثمان الوراق، ومحمد بن حسان الأزرق، وسفيان، ووكيع، وعلي بن شعيب، وأبو مسعود أحمد بن عبد الحميد الحارثي، والحسين بن علي بن الأسود، وعلي بن أبي الخصيب، وغيرهم، وبهذا جزم أبوداود، فقال في السنن (١/ ٦٤): قال عثمان والحسن، عن محمد بن عباد بن جعفر، وهو الصواب. اهـ.
ورجح أبو حاتم، أن الحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير؛ فقد نقل ابن أبي حاتم كما في العلل (١/ رقم ٩٦)، عن أبيه أنه قال: الحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه. اهـ.
وكذا رجحه ابن منده؛ فقد نقل الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٠٦) عنه، أنه قال: اختلف على أبي أسامة، فروي عنه، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، وقال: مرة، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وهو الصواب؛ لأن عيسى بن يونس رواه عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، أن النبي -ﷺ- سئل؛ فذكره اهـ.
ورجح الدارقطني كلا الوجهين؛ فقال في السنن (١/ ٧): اتفق عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الزبير الحميدي، ومحمد بن حسان الأزرق،
[ ١ / ٣٤ ]
ويعيش بن الجهم، ومحمد بن عثمان بن كرامة، والحسين بن علي الأسود، وأحمد بن عبدالحميد الحارثي، وأحمد بن زكريا بن سفيان الواسطي، وعلي بن شعيب، وعلي بن محمد بن أبي الخطيب، وأبو مسعود، ومحمد بن الفضيل البلخي؛ فرووه، عن أبي أسامة الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، وتابعهم الشافعي، عن الثقة عنده، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، وقال يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومن ذكرنا معه في أول الكتاب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير؛ فلما اختلف على أبي أسامة في إسناده، أحببنا أن تعلم بالصواب؛ فنظرنا في ذلك، فوجدنا شعيب بن أيوب، قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعا، عن محمد بن جعفر بن الزبير؛ ثم أتبعه، عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولان جميعا، عن أبي أسامة، وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعا، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه؛ فكان أبو أسامة، مرة يحدث به، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، والله أعلم. اهـ.
ولما رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٢٤ - ٢٢٦) من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة، عن محمد بن عباد بن جعفر. قال: هذا خلاف لا يوهن هذا الحديث؛ فقد احتج الشيخان جميعا، بالوليد بن كثير، ومحمد بن عباد بن جعفر …، وإنما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر، ثم حدث به، مرة، عن هذا، ومرة، عن ذاك.
[ ١ / ٣٥ ]
ثم رواه الحاكم (١/ ٢٢٦) من طريق شعيب بن أيوب، ثنا أبو أسامة، ثنا الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن عباد بن جعفر، عن عبدالله به.
وقال عقبة: وقد صح وثبت بهذه الرواية، صحة الحديث، وظهر أن أبا أسامة، ساق الحديث، عن الوليد بن كثير، عنهما جميعا؛ فإن شعيب بن أيوب الصريفيني، ثقة مأمون، وكذلك الطريق إليه، وقد تابع الوليد بن كثير على روايته، عن محمد بن جعفر بن الزبير محمد بن إسحاق بن يسار القرشي. اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٢٨)، عن ابن منده، تصحيح الوجهين، وتبعه أيضا الحافظ ابن حجر.
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٩٣): وأعل قوم الحديث بوجهين: أحدهما الاضطراب، وذلك من وجهين: أحدهما في الإسناد، والثاني في المتن؛ أما الأول: فحيث رواه الوليد بن كثير، تارة، عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وحيث روى تارة، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، وتارة، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب. والجواب، عن هذا: أن هذا ليس اضطرابا؛ بل رواه محمد بن عباد، ومحمد بن جعفر، وهما ثقتان معروفان، ورواه أيضا عبيدالله، وعبد الله، ابنا عبدالله بن عمر بن الخطاب -﵃- وأرضاهم، عن أبيهما، وهما أيضا ثقتان، وليس هذا من الاضطراب، وقد جمع البيهقي طرقه، وبين رواية المحمدين، وعبدالله وعبيدالله، وذكر طرق ذلك كلها، وبينها، أحسن بيان، ثم قال: والحديث محفوظ، عن عبيدالله وعبدالله …، قال: وكذا كان
[ ١ / ٣٦ ]
شيخنا أبوعبدالله الحافظ يقول: الحديث محفوظ عنهما، وكلاهما رواه عن أبيه اهـ.
العلة الثانية: قالوا: إن الحديث مضطرب متنا، وبيان هذا أن الحديث رواه أبو داود (٦٣) من طريق موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد، أخبرنا عاصم بن المنذر، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، قال: حدثني أبي، أن رسول الله -ﷺ- قال: إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس.
وتابع موسى بن إسماعيل، عن حماد، على ذكر القلتين، كل من عفان بن مسلم، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وعبيدالله بن محمد العيشي، والعلاء بن عبد الجبار، وبشر بن السري، كما عند ابن الجارود في المنتقى (٤٦)، وأبي داود الطيالسي (٩٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٦٦)، والدارقطني (١/ ٢٢)، وابن المنذر في الأوسط (١/ رقم ١٨٩)، والبيهقي (١/ ٢٦٢).
وخالفهم وكيع، ويزيد بن هارون، وهدبة بن خالد، وإبراهيم بن الحجاج، وأبو سلمة التبوذكي، وزيد بن الحباب، كلهم رووه، عن حماد به، بلفظ: إذا بلغ الماء قلتين، أو ثلاثا، لم يحمل الخبث، كما عند ابن ماجه (٥١٨)، وأحمد (٢/ ٢٣، ١٠٧)، والدارقطني (١/ ٢٢)، وعبد بن حميد في المنتخب (٨١٨)، والحاكم (١/ ٢٢٧)، وابن جرير في التهذيب (١١١٢، ١١١٣).
قلت: يظهر أن الاختلاف في متنه، وقع من حماد بن سلمة، فلا شك أنه إمام جليل، أطنب العلماء في مدحه والثناء عليه، ولكن انتقد عليه بعض الشيء، خصوصا إذا روى عن غير ثابت.
[ ١ / ٣٧ ]
لهذا قال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين؛ إلا أنه لما كبر، ساء حفظه، تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد، وأخرج من حديثه، عن ثابت، ما سمع منه قبل تغيره .. اهـ.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. اهـ.
ولعل من ذلك هذا الحديث؛ لأنه رواه جمع من الحفاظ عنه، بذكر القلتين، وخالفهم أيضا، جمع من الحفاظ، فرووه عنه بالشك.
ويظهر أن الراجح، هو لفظ القلتين، وذلك لأن الذين رووه، عن حماد، بذكر القلتين أكثر، ثم أيضا الحديث رواه جمع، من طريق أبي أسامة، وفيه ذكر القلتين، وسبق بيانه. لهذا لما رواه الحاكم (١/ ٢٢٧) من طريق إبراهيم بن الحجاج، وهدبة بن خالد، قالا: ثنا حماد بن سلمة به، بلفظ: لو بلغ الماء قلتين، أو ثلاثا، لم ينجسه شيء.
قال الحاكم عقبه: هكذا، حدثنا، عن الحسن بن سفيان، وقد رواه عفان بن مسلم وغيره من الحفاظ، عن حماد بن سلمة، ولم يذكروا فيه: أو ثلاثا. اهـ.
ولما رواه البيهقي (١/ ٢٦٢) من الطريق نفسه، قال عقبه: كذا قالا: أو ثلاث، وكذلك قاله يزيد بن هارون، وكامل بن طلحة، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا أولى. اهـ.
وقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٧): قد اختلف، عن حماد؛ فروى عنه إبراهيم بن الحجاج، وهدبة بن خالد، وكامل بن طلحة؛ فقالوا: قلتين أو ثلاثا، وروى عنه عفان، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وبشر بن السري، والعلاء بن عبد الجبار، وموسى بن إسماعيل، وعبيدالله بن محمد العيشي
[ ١ / ٣٨ ]
إذا كان الماء قلتين، ولم يقولوا: ثلاثا، واختلف، عن يزيد بن هارون؛ فروى عنه ابن الصباح بالشك، وروى عنه أبو مسعود بغير شك، فوجب العمل على قول من لم يشك. اهـ.
وقال النووي في المجموع (١/ ١١٤ - ١١٥): وقد سلم أبو جعفر، إمام أصحاب أبي حنيفة، في الحديث والذب عنهم، صحة هذا الحديث، لكنه دفعه واعتذر عنه، بما ليس بدافع ولا عذر، فقال: هو حديث صحيح، لكن تركناه لأنه روي قلتين أو ثلاثا، ولا نعلم قدر القلتين؛ فأجاب أصحابنا: بأن الرواية الصحيحة المعروفة المشهورة قلتين، ورواية الشك شاذة غريبة هي متروكة، فوجودها كعدمها، وأما قولهم: لا نعلم قدر القلتين، فالمراد قلال هجر كما رواه ابن جريج، وقلال هجر كانت معروفة عندهم مشهورة، يدل عليه حديث أبي ذر في الصحيحين، أن النبي -ﷺ- أخبرهم، عن ليلة الإسراء، فقال: رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها مثل قلال هجر، فعلم بهذا أن القلال معلومة عندهم مشهورة، وكيف يظن أنه يحدد لهم أو يمثل، بما لا يعلمونه ولا يهتدون إليه؟! اهـ.
وروى الدارقطني (١/ ٢٤)، عن يحيى بن عقيل، أن يحيى بن يعمر، قال له: هلال هجر؟ قال: قلال هجر. اهـ.
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ٣٣١): قلال هجر، كانت مشهورة عند أهل الحجاز. وشهرتها عندهم شبه رسول الله -ﷺ- ما رأى ليلة المعراج اهـ.
والحديث صححه جمع من الأئمة، كالشافعي، وأحمد بن خزيمة، وابن حبان، والطحاوي، والدارقطني، وابن منده.
وقال ابن معين، كما في التاريخ برواية الدوري (٤/ ٢٤٠): هذا جيد
[ ١ / ٣٩ ]
الإسناد اهـ.
وهكذا نقل ابن عبد الهادي، في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق (١/ ٢٤)، عن ابن معين، وزاد فقيل له: ابن علية لم يرفعه، قال يحيى: وإن لم يحفظه ابن علية، فالحديث جيد الإسناد. اهـ.
وقال الحاكم (١/ ٢٢٥): هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين؛ فقد احتجا جميعا بجميع رواته، ولم يخرجاه، وأظنهما والله أعلم، لم يخرجاه لخلاف فيه، على أبي أسامة على الوليد بن كثير. اهـ.
وقال ابن حزم في المحلى (١/ ١٥١): صحيح ثابت، لا مغمز فيه. اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٢١/ ٤١)، عن حديث القلتين: وقد صح، عن النبي -ﷺ- … ثم قال: أما حديث القلتين، فأكثر أهل العلم بالحديث، على أنه حديث حسن يحتج به، وقد أجابوا، عن كلام من طعن فيه. اهـ.
وصححه أيضا البيهقي (١/ ٢٦٠). وحسنه النووي في المجموع (١/ ١١٢).
وقال في الخلاصة (١/ ٦٦): ورواه الثلاثة، وهو صحيح، صححه الحفاظ. اهـ.
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٩٦): وقال ابن الأثير في شرح المسند: لأجل هذا الاختلاف، تركه البخاري ومسلم؛ لأنه على خلاف شرطهما، لا لطعن في متن الحديث، فإنه في نفسه حديث مشهور، معمول به، ورجاله ثقات معدلون، وليس هذا الاختلاف مما يوهنه. اهـ.
ولما ذكر الخطابي في معالم السنن (١/ ٥٨) الاختلاف في إسناده. قال:
[ ١ / ٤٠ ]
وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث، وكفى شاهدا على صحته، أن نجوم الأرض من أهل الحديث، قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب. اهـ.
والحديث صححه الألباني في الإرواء (٢/ ٦٠).
ورواه ابن أبي شيبة (١/ رقم ١٥٣٧)، قال: حدثنا ابن علية، عن عاصم ابن المنذر، عن رجل، عن ابن عمر، قال: إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل نجسا، أو كلمة نحوها.
قلت: في إسناده رجل لم يسم، ورواه البيهقي (١/ ٢٦٢) من طريق معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفا.
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم.
* * *
[ ١ / ٤١ ]
(٧) حديث إن الماء الطهور لا ينجسه شيء.
رواه أبو داود- الطهارة- باب ما جاء في بئر بضاعة (٦٦)، والنسائي- المياه- باب ذكر بئر بضاعة (١/ ١٧٤)، والترمذي الطهارة- باب ما جاء في أن الماء لا ينجسه شيء (٦٦)، وأحمد (٣/ ٣١)، والبيهقي (١/ ٤، ٢٥٧)، والدارقطني (١/ ٢٩ - ٣٠)، كلهم من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبيدالله، عن أبي سعيد الخدري، أنه قيل لرسول الله -ﷺ-: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ - وهي بئر يطرح فيها الحيض، ولحم الكلاب، والنتن- فقال رسول الله -ﷺ-: الماء طهور لا ينجسه شيء.
قال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٦) قال ابن منده: هذا إسناد مشهور. اهـ.
قلت: اختلف في عبيدالله في الإسناد؛ فقال الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٣١): لما رواه عن عبيدالله بن عبدالله به، وقال أبو أسامة: مرة عبيدالله بن عبدالرحمن .. اهـ.
وكذا وقع عند النسائي، والبيهقي، وعند أبي داود، عبيدالله بن عبدالله بن رافع بن خديج، ثم قال أبو داود عقبه: وقال بعضهم: عبدالرحمن بن رافع. اهـ.
ورواه أحمد (٣/ ٨٦)، قال: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني سليط بن أيوب بن الحكم الأنصاري، عن عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع الأنصاري، ثم أحد بني عدي ابن النجار، عن أبي سعيد بنحوه مرفوعا. كذا رواه ابن إسحاق فقال: عبيد الله بن عبدالرحمن.
[ ١ / ٤٢ ]
قلت: سليط مجهول، وقد اختلف عليه في إسناده، فقد رواه أبو داود (٦٧)، والدارقطني (١/ ٣٠)، والبيهقي (١/ ٢٥٧)، كلهم من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبيدالله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري، ثم العدوي، عن أبي سعيد الخدري بنحوه.
وتابع محمد بن سلمة، أحمد بن خالد الوهبي، عند الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١)، واختلف فيه على أحمد بن خالد، فرواه الدارقطني (١/ ٣١) عنه، عن ابن إسحاق به، وفيه قال: عبدالله بن عبد الرحمن كذا المكبر.
ورواه البيهقي (١/ ٢٥٧) من طريق عبدالله بن مسلمة، ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن مطرف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: أتيت النبي -ﷺ-، وهو يتوضأ من بضاعة … بنحوه.
ولما ذكر ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٥) الطريق الأول، قال: وله طريق آخر، من رواية ابن إسحاق، عن سليط بن أيوب، واختلف على ابن إسحاق، في الواسطة التي بين سليط وأبي سعيد، فقوم يقولون: عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع، وقوم يقولون: عبدالله بن عبدالرحمن بن رافع، وقوم يقولون: عن عبدالرحمن بن رافع؛ فتحصل في هذا الرجل- يعني الراوي له، عن أبي سعيد- خمسة أقوال: عبيدالله بن عبيدالله بن رافع، وعبيدالله بن عبدالله بن رافع، وعبدالله بن عبدالرحمن بن رافع، وعبيدالله بن عبدالرحمن ابن رافع، وعبدالرحمن بن رافع، وكيف ما كان؛ فهو من لا تعرف له حال، ولا كيف. اهـ.
[ ١ / ٤٣ ]
واختلف عليه، فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١) من طريق ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبيدالله بن عبدالرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله، أيستقي لك من بير بضاعة، وهي بير يطرح فيها عذرة الناس، ومحائض النساء، ولحم الكلاب؟ فقال: إن الماء .. الحديث.
رواه أبو داود الطيالسي (٢١٩٩)، فقال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبيدالله، عن أبي سعيد بنحوه، مرفوعا.
ورواه الشافعي، كما في مسنده (٣٥) قال: أخبرنا الثقة، عن ابن أبي ذئب، عن الثقة، عنه عمن حدثه، وعن عبيدالله بن عبدالله العدوي، عن أبي سعيد الخدري بنحوه.
ولما رواه البيهقي (١/ ٢٥٧) من طريق أحمد بن شعيب، وعبد العزيز بن يحيى، قالا: محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبيدالله بن عبدالرحمن …، به كما سبق، قال: كذا روياه، عن محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، وقيل: عن محمد بن سلمة في هذا الإسناد، عن عبدالرحمن بن رافع الأنصاري، وقال: يحيى بن واضح، عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبيدالله بن عبدالله بن رافع، كما قال: محمد بن كعب.
وقال: إبراهيم بن سعد، وأحمد بن خالد الوهبي، ويونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن رافع، وقيل: عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن عبدالله بن أبي سلمة، عن عبدالله بن عبدالله بن رافع، وقيل: عن سليط، عن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه. اهـ.
[ ١ / ٤٤ ]
وقال ابن الجوزي في التحقيق (١٥): قد رواه جماعة، عن أبي أسامة، فقالوا: عن عبيدالله بن عبدالله، ورواه سليط بن أيوب؛ فقال: عن عبدالرحمن بن رافع، وقال مرة: عن عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع، ورواه يعقوب بن إبراهيم، فقال: عن عبيدالله، عن أبيه؛ فقد اضطربوا فيه، ورواه المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ-. قال الدارقطني: والحديث غير ثابت، وقد ذكر أبوبكر عبدالعزيز في كتاب الشافي، عن أحمد أنه قال: حديث بئر بضاعة صحيح. اهـ.
وقال الترمذي (١/ ٧١): هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث؛ فلم يرو أحد، حديث أبي سعيد في بئر بضاعة، أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه، عن أبي سعيد. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٢٤): صححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو محمد بن حزم، ونقل ابن الجوزي أن الدارقطني قال: إنه ليس بثابت، ولم نر ذلك في العلل له، ولا في السنن. اهـ.
وقال أيضا الحافظ: وقد ذكر في العلل الاختلاف فيه على ابن إسحاق وغيره، وقال في آخر الكلام عليه: وأحسن إسنادا، رواية الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، يعني، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن رافع، عن أبي سعيد، وأعله ابن القطان بجهالة راويه، عن أبي سعيد، واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه. اهـ.
وقال المنذري كما في مختصر السنن (١/ ٧٣ - ٧٤)، لما ذكر الحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وتكلم فيه بعضهم، وحكي، عن الإمام أحمد بن حنبل، أنه قال: حديث بئر بضاعة صحيح. اهـ.
[ ١ / ٤٥ ]
وقال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٥): وهذا الذي ذكره الشيخ، رواه الخلال أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر، في كتاب العلل، عن أبي الحارث، عن أحمد. اهـ.
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٥٢): قال الإمام أحمد: هذا حديث صحيح، نقله الحافظ جمال الدين المزني في تهذيبه وغيره عنه. قال النووي في كلامه، على سنن أبي داود: صححه يحيى بن معين، والحاكم، وآخرون من الأئمة الحفاظ، وقال في الخلاصة: وقولهم مقدم على قول الدارقطني: إن هذا الحديث ليس بثابت. قلت: كذا نقل، عن الدارقطني هذه القولة أيضا ابن الجوزي في تحقيقه، ولم أرها في علله؛ بل ذكر في علله الاختلاف في إسناده، ثم قال: وأحسنها إسنادا، حديث الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبيدالله بن عبدالله بن رافع، عن أبي سعيد، وحديث ابن إسحاق، عن عبدالله بن أبي سلمة الماجشون، عن عبدالله به. اهـ.
وقال ابن القطان، في كتابه الوهم والإيهام (٣/ ٣٠٨): أمره إذا بين، يتبين منه ضعف الحديث لا حسنه، وذلك أن مداره على أبي أسامة، عن محمد بن كعب، ثم اختلف على أبي أسامة، في الواسطة التي بين محمد بن كعب وأبي سعيد، فقوم يقولون: عبدالله بن عبدالله بن رافع بن خديج، وقوم يقولون: عبيدالله بن عبدالله بن رافع بن خديج، وله طريق آخر من رواية ابن إسحاق، عن سليط بن أيوب، واختلف على ابن إسحاق، في الواسطة التي بين سليط وأبي سعيد؛ فقوم يقولون: عبدالله بن عبدالرحمن ابن رافع، وقوم يقولون: عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع، وقوم يقولون: عن عبدالرحمن بن رافع، فتحصل في هذا الرجل الراوي له، عن أبي سعيد خمسة أقوال: عبدالله بن
[ ١ / ٤٦ ]
عبيدالله بن رافع، وعبيد الله بن عبدالله بن رافع، وعبد الله بن عبدالرحمن بن رافع، وعبيد الله بن عبدالرحمن بن رافع، وعبد الرحمن بن رافع، وكيفما كان، فهو من لا تعرف له حال، ولا عين اهـ.
قلت: بل عينه معروفة، وإنما اختلف في اسمه، ونص ابن منده أنه مجهول، كما في التهذيب (٧/ ٢٦)، لهذا قال المنذري في مختصره على السنن (١/ ٧٤)، عن حديث بضاعة: تكلم فيه بعضهم. اهـ.
قلت: ولحديث بضاعة شاهد كما سيأتي، لهذا قال ابن القطان في كتاب بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٠٩): ولحديث بئر بضاعة طريق حسن، من غير رواية أبي سعيد، من رواية سهل. اهـ وسيأتي.
وصحح الألباني ﵀ في الإرواء (١/ ٤٥) حديث أبي سعيد الخدري.
وروى الطبراني في الأوسط مجمع البحرين (١/ ٣٠٩)، وأبو يعلى كما في المطالب (٣١)، والبزار في كشف الأستار (١/ ١٣٢) (٢٤٩)، والطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٩)، وكلهم من طريق شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: الماء لا ينجسه شيء.
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن المقدام إلا شريك. اهـ.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٤): رجاله ثقات. اهـ.
قلت: رجاله لا بأس بهم، غير شريك، هو ابن عبدالله بن أبي شريك النخعي، أبو عبدالله الكوفي القاضي، فهو صدوق يخطئ كثير، وقد تغير حفظه لما ولي القضاء. قال ابن معين: لم يكن شريك، عند يحيى يعني القطان، بشيء، وهو ثقة. ثقة. اهـ.
[ ١ / ٤٧ ]
وقال أبو يعلى: قلت لابن معين: أيما أحب إليك. جرير أو شريك؟ قال: جرير. قلت: فشريك أو أبو الأحوص، قال: شريك. ثم قال: شريك ثقة، إلا أنه لا يتقن، ويغلط، ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة. اهـ. وقال ابن المديني: شريك أعلم من إسرائيل، وإسرائيل أقل خطأ منه. اهـ. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، سيئ الحفظ جدا. اهـ. وقال الجوزجاني: شريك سيئ الحفظ، مضطرب الحديث مائل. اهـ. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: شريك يحتج بحديثه؟ قال: كان كثير الخطأ صاحب حديث، وهو يغلط أحيانا. اهـ.
ثم قال ابن أبي حاتم: وسألت أبي، عن شريك وأبي الأحوص، أيهما أحب إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط. اهـ. وقال صالح جزرة: صدوق، ولما ولي القضاء، اضطرب حفظه. اهـ. وقال النسائي: ليس به بأس. اهـ، وقال في موضع آخر: ليس بالقوي. اهـ.
وقال ابن القطان: كان مشهورا بالتدليس. اهـ.
وقد روي موقوفا.
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٢٦): رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى، والبزار، وأبو علي بن السكن، في صحاحه من حديث شريك، ورواه أحمد من طريق أخرى صحيحة، لكنه موقوف. اهـ.
وروى أحمد (٦/ ١٧٢) من طريق يزيد بن الرشك، عن معاذة قالت: سألت عائشة، عن الغسل من الجنابة؟ فقالت: إن الماء لا ينجسه شيء، قد كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد.
وسنده صحيح وهو موقوف.
[ ١ / ٤٨ ]
وروى قاسم بن أصبغ، كما ذكره ابن القطان، في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٠٩)، وذكر إسناده ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٥٥)، فقال: قال قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن وضاح، ثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة الحلبي بحلب، نا عبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قالوا: يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وفيها ما ينجي الناس، والمحايض، والجنب؟ فقال رسول الله -ﷺ-: الماء لا ينجسه شيء، قال قاسم: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة، وقال محمد بن عبدالملك بن أيمن: ثنا ابن وضاح، فذكر أيضا بإسناده ومتنه. انتهى كلام ابن الملقن، ونقله ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٨)، عن ابن القطان.
قلت: رجاله لا بأس بهم، غير عبد الصمد بن أبي سكينة؛ فقد وثقه ابن حزم، فقال في المحلى (١/ ١٥٥): ثنا عباس بن أصبغ، ثنا محمد بن عبدالملك بن أيمن، ثنا محمد بن وضاح، ثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة، وهو ثقة، ثنا عبدالعزيز بن أبي حازم به. اهـ
ونقل ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٥٧)، وقبله ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٨)، أن ابن حزم قال في كتابه الإيصال: عبد الصمد بن أبي سكينة ثقة مشهور. اهـ.
وتعقبه ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٩)، فقال: عبد الصمد هذا، الذي ذكر ابن حزم أنه ثقة مشهور، تتبعت تراجم من اسمه عبد الصمد، في تاريخ الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن الدمشقي؛ فلم أجد له في تلك التراجم ذكرا. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٢٥): ابن أبي سكينة
[ ١ / ٤٩ ]
الذي يزعم ابن حزم أنه مشهور، قال ابن عبد البر، وغير واحد، إنه مجهول، ولم نجد عنه راويا إلا محمد بن وضاح. اهـ.
والحديث حسنه ابن القطان فقال في كتابه بيان الوهم والإيهام (١/ ٣٠٩): ولحديث بئر بضاعة طريق حسن، من غير رواية أبي سعيد، من رواية سهل بن سعد. اهـ.
ورواه ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ١٠٨)، بإسناده إلى قاسم بن أصبغ، ثم قال: هذا اللفظ غريب في حديث سهل، ومحفوظ من حديث أبي سعيد الخدري، لم يأت به في حديث سهل غير ابن أبي حازم. اهـ.
ورواه الدارقطني (١/ ٢٩)، قال: حدثنا محمد بن الحسين الحراني أبو سليمان، نا علي بن أحمد الجرجاني، نا محمد بن موسى الحرشي، نا فضيل بن سليمان النميري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: الماء لا ينجسه شيء.
قال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٩): في إسناده من يحتاج إلى الكشف عنه. اهـ.
قلت: إسناده ليس بالقوي؛ لأن فضيل بن سليمان النميري تكلم فيه، قال ابن معين: ليس بثقة. اهـ. وقال أبو زرعة: لين الحديث، روى عنه ابن المديني. وكان من المتشددين. اهـ. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ليس بالقوة. اهـ. وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ. وقال صالح بن محمد: جزرة منكر الحديث. اهـ.
وبه أعله ابن الجوزي في التحقيق (١٢).
وأما محمد بن موسى بن نفيع الحرشي، قال الآجري: سألت أبا داود عنه
[ ١ / ٥٠ ]
فوهاه وضعفه. اهـ، وقال أبو حاتم: شيخ. اهـ، وقال النسائي: صالح. اهـ.
ولهذا قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٧٥): لما ذكر الحديث: فضيل هذا، تكلم فيه يحيى، وأبو زرعة، وأبو حاتم، لكن احتج به الشيخان، ومحمد هذا، وهاه أبو داود ووثقه غيره. اهـ.
ورواه أبو يعلى في مسنده (١٣/ ٥١١) برقم (٧٥١٩) من طريق إسحاق بن راهويه، والبيهقي (١/ ٢٥٩) من طريق علي بن بحر، والطبراني في الكبير (٦/ رقم ٦٠٢٦) من طريق هشام، كلهم رووه، عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبيه قال: دخلنا على سهل بن سعد الساعدي في بيته، فقال: لو أني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم، وقد والله أسقيت منها رسول الله -ﷺ- بيدي.
وخالفهم أصبغ بن الفرج؛ فرواه عن حاتم، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه به. أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢).
قلت: حاتم بن إسماعيل تكلم فيه.
وروى ابن ماجه (٥٢٠) قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شريك، عن طريف بن شهاب، قال: سمعت أبا نضرة يحدث، عن جابر بن عبد الله، قال: انتهينا إلى غدير، فإذا فيه جيفة حمار، قال: فكففنا عنه، حتى انتهى إلينا رسول الله -ﷺ-، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء، فاستقينا، وأروينا، وحملنا.
قال مغلطاي في شرح ابن ماجه (١/ ٥٥٠): هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف رواية أبي سفيان طريف بن شهاب السعدي الأشهل. اهـ.
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢١٦): هذا إسناد فيه طريف بن
[ ١ / ٥١ ]
شهاب، وقد أجمعوا على ضعفه، وله شاهد من حديث أبي سعيد، رواه الترمذي والنسائي. اهـ.
وقال الألباني في صحيح أبي داود تحت الحديث (٥٩): طريف: هو أبو سفيان، وليس بالقوي؛ إلا أني أخرجته شاهدا لما تقدم. اهـ.
قلت: وهو عند الطحاوي، من طريق شريك عنه … به، عن جابر أو أبي سعيد …، على الشك. وهو عند ابن ماجه (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، عن جابر ..، بدون شك.
* * *
[ ١ / ٥٢ ]
(٨) حديث: الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه، أو طعمه، أو لونه.
أخرجه ابن ماجه- الطهارة- باب الحياض- (٥٢١) قال: حدثنا محمود بن خالد، والعباس بن الوليد، الدمشقيان، قالا: حدثنا مروان بن محمد، حدثنا رشدين، أنبأنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه، وطعمه، ولونه.
قال الحافظ في بلوغ المرام: ضعفه أبو حاتم. اهـ.
وقال في التلخيص: قال الشافعي: ما قلت من أنه إذا تغير، طعم الماء، وريحه، ولونه، كان نجسا. يروى عن النبي -ﷺ- من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم خلافا. اهـ.
وقال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه (١/ ١٣١).
وضعفه أيضا السيوطي، والمناوي في الجامع الصغير (١/ ٦٠٤).
وقال مغلطاي في شرح ابن ماجه (١/ ٥٥٠): هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف رواية أبي الحجاج. اهـ.
وقال العيني في عمدة القاري (٥/ ١٠٢): قال الدراقطني: إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد، ولم يرفعه غير رشدين. قلت: وفيه نظر؛ لأن أبا أحمد بن عدي رواه في (الكامل) من طريق أحمد بن عمر، عن حفص بن عمر، حدثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة، فرفعه، وقال: لم يروه عن ثور إلا حفص. قلت: وفيه نظر أيضا؛ لأن البيهقي رواه من
[ ١ / ٥٣ ]
حديث أبي الوليد، عن الساماني، عن عطية بن بقية بن الوليد، عن أبيه، عن ثور، وقال البيهقي: والحديث غير قوي، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء، إذا تغير بالنجاسة خلافا. اهـ ..
وقال الشيخ الألباني: (ضعيف). اهـ. انظر حديث (رقم: ١٧٦٥) في ضعيف الجامع.
وروى البيهقي- الطهارة- باب نجاسة الماء الكثير إذا غيرته النجاسة- (١/ ٢٥٩) من طريق مروان بن محمد، ثنا رشدين به، بلفظ: الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب عليه، طعمه، أو ريحه.
ورواه الدارقطني (١/ ٢٨ - ٢٩) من طريق يوسف الغضيضي، نا رشدين بن سعد أبو الحجاج به، بلفظ: لا ينجس الماء شيء، إلا ما غير ريحه، أو طعمه.
قلت: إسناده ضعيف؛ لأنه تفرد برفعه رشدين بن سعد، وهو ضعيف. قال الميموني: سمعت أبا عبدالله يقول رشدين بن سعد: ليس يبالي، عن من روى، لكنه رجل صالح. قال: فوثقه الهيثم بن خارجة، وكان في المجلس فتبسم أبو عبدالله، ثم قال: ليس به بأس في أحاديث الرقاق. اهـ. وقال حرب: سألت أحمد عنه فضعفه، وقدم ابن لهيعة عليه. اهـ. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه. اهـ. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ليس من حمال المحامل. اهـ. وقال عمرو بن علي، وأبو زرعة: ضعيف الحديث. اهـ. وقال أبو حاتم: منكر الحديث وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير، عن الثقات، ضعيف الحديث، ما أقر به من داود بن المحبر، وابن لهيعة استر، ورشدين أضعف. اهـ. وقال النسائي: متروك الحديث. اهـ. وقال في موضع آخر: ضعيف الحديث لا
[ ١ / ٥٤ ]
يكتب حديثه. اهـ.
ولهذا أعل الحديث الدارقطني، فقال في السنن (١/ ٢٩): لم يرفعه غير رشدين، عن معاوية ابن صالح، وليس بالقوي اهـ.
وقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٩٤): هذا الحديث ضعيف؛ فإن رشدين بن سعد جرحه النسائي، وابن حبان، وأبو حاتم، ومعاوية بن صالح، قال أبو حاتم: لا يحتج به. اهـ.
قلت: إعلاله بمعاوية بن صالح بن حدير الحمصي فيه نظر؛ لأنه وثقه الإمام أحمد، وابن معين، وابن مهدي، والعجلي، والنسائي، وأبو زرعة، ونقل الدوري، عن ابن معين أنه قال: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه. اهـ. وقال يعقوب بن شيبة: قد حمل الناس عنه، ومنهم من يرى أنه وسط، ليس بالثبت ولا بالضعيف، ومنهم من يضعفه. اهـ. وقال ابن عدي: له حديث صالح، وما أرى بحديثه بأسا، وهو عندي صدوق، إلا أنه يقع في حديثه إفرادات. اهـ.
فالأولى إعلال الحديث برشدين بن سعد، وبه أعله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٢٦).
وتابع رشدين بن سعد ثور بن يزيد؛ فقد رواه البيهقي (١/ ٢٥٩)، قال: أخبرنا أبو عبدالله، أنا أبو الوليد، ثنا الشاماني، ثنا عطية بن بقية بن الوليد، ثنا أبي، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد به، بلفظ: إن الماء طاهر إلا إن تغير ريحه، أو طعمه، أو لونه، بنجاسة تحدث فيها.
قلت: إسناده ليس بالقوي؛ لأن عطية بن بقية تكلم فيه، فقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٣٨١)، فقال: عطية بن بقية بن الوليد
[ ١ / ٥٥ ]
الحمصي روى عن أبيه، بقية ابن الوليد، كتبت عنه، ومحله الصدق، وكانت فيه غفلة. اهـ.
وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥٢٧)، وقال: يخطئ ويغرب، يعتبر حديثه إذا روى عن أبيه غير الأشياء المدلسة. اهـ. وذلك لأن ابنه بقية بن الوليد، مكثر من التدليس وقد عنعن.
وقد تابع الوليد بن بقية، حفص بن عمر، فقد رواه البيهقي (١/ ٢٦٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٨٩)، كلاهما من طريق حفص بن عمر، ثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد به.
قلت: حفص بن عمر بن دينار أبو إسماعيل الأيلي. قال أبو حاتم: كان شيخا كذابا. اهـ.
وذكر ابن عدي، هذه المتابعة في ترجمته في الكامل (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠) فقال: ولحفص بن عمر هذا، غير ما ذكرت من الحديث، وأحاديثه كلها؛ إما منكر المتن، أو منكر الإسناد، وهو إلى الضعف أقرب. اهـ.
وذكره ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٨٥)، وقال: حفص بن عمر الأيلي الذي يقال له الحبطي، يقلب الأخبار، ويلزق بالأسانيد الصحيحة المتون الواهية. اهـ.
وتعقبه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٢/ ٣٩٥)، في قوله الحبطي فقال: وهم ابن حبان فجعل الأيلي هو الحبطي. اهـ.
وقد روي مرسلا. فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٩) من طريق معلي بن منصور، نا عيسى بن يونس، نا الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله -ﷺ-: الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب عليه. ريحه، أو طعمه.
[ ١ / ٥٦ ]
قال الدارقطني عقبة: مرسل، ووقفه أبو أسامة على راشد. اهـ.
ثم رواه الدارقطني (١/ ٢٩) من طريق أبي أسامة، نا الأحوص بن حكيم، عن أبي عون وراشد بن سعد قالا: الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غير ريحه، أو طعمه.
ورجح أبو حاتم المرسل. فقال ابن أبي حاتم في العلل (٩٧). سألت أبي، عن حديث رواه عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا ينجس الماء، إلا ما غلب عليه طعمه، ولونه، فقال أبي: يوصله رشدين بن سعد، يقول: عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ-. ورشدين ليس بقوي، والصحيح مرسل. اهـ.
ونقل ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٨٢) عن الدارقطني أنه قال في علله: هذا حديث يرويه رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد، عن أبي أمامة مرفوعا، وخالفه الأحوص بن حكيم؛ فرواه عن راشد بن سعد مرسلا، عن النبي -ﷺ-، وقال أبو أسامة: عن الأحوص، عن راشد قوله: لم يجاوز به راشدا. قال الدارقطني: ولا يثبت الحديث. اهـ.
وقد اختلف في إسناد الأحوص، فرواه عبد الرزاق (١/ ٨٠) من طريق إبراهيم بن محمد، عن الأحوص بن حكيم، عن عامر بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: لا ينجس الماء، إلا ما غير فجعل بدل راشد بن سعد، عامر بن سعد، ويظهر أنه وهم، والله أعلم.
قلت: الأحوص بن حكيم ضعيف؛ قال عنه ابن معين: ليس بشيء. اهـ. وقال النسائي: ضعيف. اهـ. وقال ابن المديني: ليس بشيء، لا يكتب حديثه. اهـ.
[ ١ / ٥٧ ]
وساق له ابن عدي أحاديث، ثم قال: وليس فيما يرويه الأحوص حديث منكر، إلا أنه يأتي بأسانيد لا يتابع عليها. اهـ.
وقال النووي في المجموع (١/ ١١٠)، عن حديث أبي أمامة: ضعيف، لا يصح الاحتجاج به، وقد رواه ابن ماجه، والبيهقي، من رواية أبي أمامة وذكرا فيه: طعمه، أو ريحه، أو لونه، واتفقوا على ضعفه، ونقل الإمام الشافعي ﵀، تضعيفه، عن أهل العلم بالحديث. اهـ.
وقال في الخلاصة (١/ ٦٩): هذا الحديث أوله صحيح، لكن ضعيف الاستثناء. اهـ.
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٨٣): فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف، لا يحل الاحتجاج به؛ لأنه ما بين مرسل وضعيف. اهـ.
ومع أن الحديث ضعيف؛ فإن الإجماع انعقد، على أن الماء إذا تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه، بنجاسة، فهو نجس ولهذا قال البيهقي (١/ ٢٦٠): الحديث غير قوي، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء، إذا تغير بالنجاسة خلافا، والله أعلم. اهـ.
ثم روي عن الشافعي أنه قال: وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء، ولونه، وريحه، كان نجسا، يروى عن النبي -ﷺ- من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، وهو قول العامة: لا أعلم بينهم فيه خلافا. اهـ.
ولهذا قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٨٣ - ٨٤): فإذا علم ضعف الحديث، تعين الاحتجاج بالإجماع، كما قاله الشافعي، والبيهقي، وغيرهما من الأئمة. اهـ.
ونحوه قال النووي في المجموع (١/ ١١٠).
[ ١ / ٥٨ ]
ونقل ابن المنذر الإجماع عليه؛ فقال في الإجماع (ص ٣٣): أجمع العلماء على أن الماء القليل أو الكثير، إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت طعما، أو لونا، أو ريحا، فهو نجس. اهـ.
وأيضا نقل الإجماع ابن هبيرة في الإفصاح (١/ ٥٨).
ونقل ابن الجوزي في التحقيق (١٤)، عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكنه قول العامة، لا أعلم بينهم فيه خلافا. اهـ.
* فائدة:
قال الخطابي في معالم السنن (١/ ٣٣): قد يتوهم كثير من الناس، إذا سمع هذا الحديث، أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدا وتعمدا، وهذا ما لا يجوز أن يظن بذمي بل بوثني، فضلا، عن مسلم، ولم يزل من عادة الناس قديما وحديثا مسلمهم وكافرهم، تنزيه المياه وصونها، عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان، وهم أعلى طبقات أهل الدين، وأفضل جماعة المسلمين. والماء في بلادهم أعز، والحاجة إليه أمس، أن يكون هذا صنيعهم بالماء، وامتهانهم له، وقد لعن رسول الله -ﷺ-؛ من تغوط في موارد الماء ومشارعه، فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه، رصدا لأنجاس، ومطرحا للأقذار، هذا ما لا يليق بحالهم، وإنما كان هذا من أجل أن هذه البئر، موضعها في حدور من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار، من الطرق والأفنية، وتحملها فتلقيها فيها، وكان الماء لكثرته؛ لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء، ولا يغيره، فسألوا رسول الله -ﷺ-، عن شأنها؛ ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة، فكان من جوابه لهم، أن الماء لا ينجسه شيء، يريد الكثير منه، الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته، وكثرة
[ ١ / ٥٩ ]
جمامه؛ لأن السؤال إنما وقع عنها بعينها، فخرج الجواب عليها، وهذا لا يخالف حديث القلتين، إذ كان معلوما أن الماء في بئر بضاعة يبلغ القلتين، فأحد الحديثين يوافق الآخر، ولا يناقضه، والخاص يقضي على العام ويبينه، ولا ينسخه. اهـ.
* * *
[ ١ / ٦٠ ]
(٩) عن أبي هريرة -﵁- يرفعه: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، الذي لا يجري، ثم يغتسل منه. متفق عليه.
أخرجه البخاري (١/ ٦٨)، والنسائي (١/ ١٩٧)، وابن خزيمة (٦٦)، كلهم من طريق أبي الزناد أن عبدالرحمن بن هرمز الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه.
وأخرجه مسلم (١/ ١٦٢)، والترمذي (٦٨)، والنسائي (١/ ١٩٧)، وأحمد (٢/ ٣١٦)، كلهم من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: لا يبولن الرجل في الماء الدائم، ثم يغتسل منه أو يتوضأ.
وأخرجه أحمد (٢/ ٤٩٢ و٥٢٩)، قال: حدثنا روح. قال: حدثنا عوف، عن محمد بن سيرين وخلاس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه.
وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٩)، والنسائي (١/ ٤٩)، وفي الكبرى (٥٦)، كلاهما من طريق عوف، عن خلاس، وعن عجلان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة.
وأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٨)، قال: حدثنا زيد بن حباب، وفي (٢/ ٥٣٢)، قال: حدثنا حماد بن خالد، كلاهما- زيد، وحماد- عن معاوية بن صالح، قال سمع أبا مريم، عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يبال في الماء الراكد، ثم يتوضأ منه.
وأخرجه ابن خزيمة (٩٤)، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال:
[ ١ / ٦١ ]
أخبرنا أنس بن عياض، عن الحارث، وهو ابن أبي ذباب، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه أو يشرب.
وروى ابن ماجه (٣٤٥)، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن المبارك، ثنا يحيى بن حمزة، ثنا ابن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يبولن أحدكم في الماء الناقع.
قلت: إسناده ضعيف جدا؛ لأن فيه إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة عبدالرحمن بن الأسود أبو سليمان الأموي. قال البخاري: تركوه. اهـ. وقال أحمد: لا تحل عندي الرواية عنه، وفي رواية: ليس بأهل أن يحمل عنه. اهـ. وقال ابن معين: حديثه ليس بذاك. اهـ. وقال إسماعيل القاضي، عن علي: منكر الحديث. اهـ.
وقال عمار: ضعيف ذاهب. اهـ. وقال عمرو بن علي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي: متروك الحديث. اهـ. زاد أبو زرعة: ذاهب الحديث. اهـ. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث. يروي أحاديث منكرة، ولا يحتجون بحديثه. اهـ.
وروى عبد الرزاق (١/ ٢٥٥) عن معمر قال: أخبرني الأشعث، عن الحسن، عن عبدالله بن مغفل قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامه الوسواس منه.
ومن طريق معمر، رواه أحمد (٥/ ٥٦)، وابن ماجه (٣٠٤)، وأبو داود (٢٧).
ورواه أحمد (٥/ ٥٦)، والترمذي (٢١)، والنسائي (١/ ٣٤)، وابن حبان
[ ١ / ٦٢ ]
(٤/ ٦٦)، كلهم من طريق عبدالله بن المبارك، عن معمر به.
قلت: أشعث، يحتمل أنه أشعث بن سوار الكندي، وهو ضعيف.
ويحتمل أنه أشعث بن عبدالله بن جابر الحراني، وهو ثقة؛ فكلاهما يروي عن الحسن، ويروي عنه معمر، وبالثاني جزم ابن دقيق العيد في الإمام (٢/ ٤٦٣) فقال أشعث: هذا هو ابن عبدالله، ورد منسوبا في بعض الروايات اهـ.
ورواه الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٠٣) من طريق معمر بن أشعث به.
ثم قال الترمذي: سألت محمدا، عن هذا الحديث. فقال: لا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه، ويرون أن أشعث هذا هو ابن جابر الحداني، وروى معمر فقال: عن أشعث، عن عبدالله بن الحسن. اهـ.
ولما ذكر عبد الحق الحديث، في الأحكام الوسطى (١/ ١٢٧) قال: لم يسمعه أشعث من الحسن، وقد روي موقوفا على عبدالله بن مغفل. اهـ.
وذكر ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام (٢/ ٥٧٢)، عن عبد الحق، أنه قال في كتابه الكبير، بعد أن أورد الحديث بإسناد أبي داود، من رواية عبدالرازق، عن معمر، عن أشعث. قال: هذا الحديث أرسله الأشعث، عن الحسن، ولم يسمعه منه، وذكر العقيلي، عن يحيى القطان، قيل لأشعث: أسمعته من الحسن؟ قال: لا، ورواه شعبة، عن قتادة، عن عقبة بن صهبان، عن عبدالله بن مغفل موقوفا؛ ثم قال: ابن القطان: هذا نص ما ذكر، ومن خطه نقلته، وعلمنا منه، أن الذي رمي به الحديث المذكور، من الانقطاع، فيما بين الأشعث والحسن، هو ما ذكر العقيلي، عن يحيى القطان، فنظرنا في ذلك؛ فلم نجد عند العقيلي منه حرفا، وإنما الذي عنده: أن الحسن بن ذكوان قيل
[ ١ / ٦٣ ]
له: سمعته من الحسن؟ يعني البصري. قال: لا، والحسن بن ذكوان، لا ذكر له في إسناد الحديث، الذي أورد من عند أبي داود … اهـ.
ونقله عنه بتمامه ابن دقيق العيد في الإمام (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥).
* * *
[ ١ / ٦٤ ]
(١٠) وروى الخلال بإسناده، أن عليا -﵁- سئل عن صبي، بال في بئر، فأمرهم بنزحها.
أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٣٢) (١/ ١٦٢) الطهارة - باب الفأرة والدجاجة، وأشباههما تقع في البئر: قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن خالد بن سلمة، أن عليا سئل، عن صبي، بال في البئر؟ قال: تنزح.
قلت: أبا خالد الأحمر ليس بالقوي، كما قال ابن معين عنه: صدوق وليس بحجة، وفيه أيضا خالد بن سلمة، المعروف بالفأفأ، وثقه جماعة، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه.
وإسناده منقطع، لأن خالد بن سلمة من صغار التابعين، لم يدرك عليا، فالرواية عنه منقطعة.
قال ابن قدامة في المغني (١/ ٥٦): وأخرجه الخلال بإسناد صحيح. اهـ.
* * *
[ ١ / ٦٥ ]
(١١) نهى النبي: أن يتوضأ الرجل، بفضل طهور المرأة. رواه أبو داود وغيره، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان.
أخرجه أبو داود- الطهارة- باب النهي، عن الوضوء بفضل وضوء المرأة- (٨٢)، وابن ماجه- الطهارة- (٣٧٣)، والترمذي- الطهارة- باب ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة- (٦٤)، والنسائي- المياه- باب النهي، عن فضل وضوء المرأة- (١/ ١٧٩)، وأحمد (٤/ ٢١٣) برقم (١٨٠١٨)، وفي (١٨٠٢٠)، وفي (٥/ ٦٦) برقم (٢٠٩٣٣) كلهم من طريق شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو الغفاري؛ أن النبي -ﷺ-: نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، أو قال: بسؤرها.
قال أبو عبدالرحمن النسائي: اسمه سوادة بن عاصم، يعني أبا حاجب. اهـ.
ورواه النسائي (١/ ١٧٩)، وأبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، وابن ماجه (٣٧٣)، وأحمد (٥/ ٦٦)، والدارقطني (١/ ٥٣)، والبيهقي (١/ ١٩١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٤)، وأبو داود الطيالسي (١٢٥٢)، وابن حبان (٤/ ٧١)، كلهم من طريق شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم ابن عمرو، أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة، كذا رووه بهذا اللفظ، إلا أنه عند الطحاوي الشك بلفظ: نهى رسول الله -ﷺ- أن يتوضأ الرجل، بفضل المرأة، أو بسؤر المرأة، لا يدري أبو حاجب أيهما قال، وعند الترمذي: أن النبي -ﷺ- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، أو قال بسؤرها.
[ ١ / ٦٦ ]
لهذا قال البيهقي (١/ ١٩١): وكان لا يدري عاصم فضل وضوئها، أو فضل شرابها. اهـ.
ورواه الترمذي (٦٣) من طريق سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي حاجب، عن رجل من بني غفار، قال: نهى رسول الله -ﷺ-، عن فضل طهور المرأة.
وتابعه محمد بن جعفر، عن سليمان به، كما عند أحمد (٥/ ٦٦).
وشعبة كما عند البيهقي (١/ ١٩١).
وإسماعيل بن علية، كما عند ابن أبي شيبة (١/ رقم ٣٥٥).
قال الترمذي (١/ ٦٩): هذا حديث حسن. وأبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم، وقال محمد بن بشار في حديثه: نهى رسول الله -ﷺ- أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، ولم يشك فيه محمد بن بشار. اهـ.
ونقل ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢١٥) عن الأثرم أنه قال: قال أبوعبدالله: يضطربون فيه، عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، وبعضهم يقول: عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول فضل وضوء المرأة. اهـ. ونقل أيضا، عن البخاري أنه قال: ليس بصحيح. اهـ.
قلت: مداره على أبي حاجب، اسمه سوادة بن عاصم العنزي، وثقه ابن معين، والنسائي، وقال أبو حاتم: شيخ. اهـ. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. اهـ.
ثم أيضا اختلف في إسناده فقد روي موقوفا.
قال الدارقطني (١/ ٥٣): أبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم، واختلف عنه، فرواه عمران بن جرير، وغزوان بن حجير السدوسي، عنه موقوفا، من
[ ١ / ٦٧ ]
قول الحكم، غير مرفوع إلى النبي -ﷺ-. اهـ.
ولهذا ضعف البخاري الحديث؛ فقال الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٣٤): سألت محمدا، عن هذا الحديث. فقال: ليس بصحيح. اهـ.
وقال البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٨٤): سوادة بن عاصم أبو حاجب العنزي، بصري، كناه أحمد وغيره، ويقال: الغفاري، ولا أراه يصح، عن الحكم بن عمر. حدثني محمد بن بشار، نا أبو داود، نا شعبة، عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو- هو الأقرع- نهى رسول الله -ﷺ- أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة اهـ.
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٦٠ - ١٦١): قال أبوعيسى: حديث حسن، ولم يقل صحيح؛ لأنه روي موقوفا، وغير أبي عيسى يصححه؛ لأن إسناده صحيح، والتوقيف عنده لا يضر، والذي يجعل التوقيف فيه علة، أكثر وأشهر. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٣٠٠): أغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه. اهـ ولم أقف على قول النووي بعد البحث، لكن ذكر النووي الحديث في المجموع (٢/ ١٩١)، ونقل تضعيف البخاري؛ إعلال الدارقطني له بالوقف، ولم أجد هذا اللفظ عنه.
وأيضا ذكر الحديث في الخلاصة (١/ ٢٠٠)، ثم نقل تحسين الترمذي، ثم تعقبه فقال: وخالفه الجمهور. اهـ.
وأعل هذه الأحاديث البيهقي، من باب مخالفة المتون، فقال في المعرفة (١/ ٢٧٨): الأحاديث التي ذكرناها في الرخصة أصح، فالمصير إليها أولى، وبالله التوفيق. اهـ.
[ ١ / ٦٨ ]
وقال الألباني في صحيح أبي داود (٧٥): وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رجال مسلم؛ غير أبي حاجب- واسمه سوادة بن عاصم العنزي- وهو ثقة بلا خلاف. والحديث رواه البيهقي (١/ ١٩١) من طريق المؤلف. وهو في مسند الطيالسي- رواية يونس بن حبيب عنه- برقم (١٢٥٢)، لكن ليس في روايته تسمية الحكم بن عمرو؛ بل فيه: سمعت أبا حاجب، يحدث، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- ..، ثم قال يونس: هكذا، حدثنا أبو داود! قال عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو … ورواه البيهقي، عن يونس … به كما في المسند. وخالفه جمع من الثقات؛ فرووه كما رواه المصنف، عن ابن بشار. وكذلك رواه الترمذي، وابن ماجه، عن محمد بن بشار، وكذا البيهقي. ثم أخرجه النسائي (١/ ٦٤)، والترمذي أيضا، وأحمد (٥/ ٦٦) من طرق عن أبي داود … به. فلعل أبا داود الطيالسي كان أحيانا يصرح باسم الصحابي، وأحيانا يبهمه. ثم أخرجه أحمد (٤/ ٢١٣)، والطحاوي (١٤)، والبيهقي من طرق أخرى، عن شعبة … به مصرحا باسم الصحابي. وتابعه- عن عاصم-: قيس بن الربيع: عند الطحاوي. وتابع عاصما- عن أبي حاجب-: سليمان التيمي؛ إلا أنه لم يسم الصحابي؛ بل قال: عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- من بني غفار: أخرجه البيهقي، والترمذي، وقال: حديث حسن. وأما البيهقي؛ فيظهر أنه حاول إعلاله بما رواه عن البخاري أنه قال: سوادة بن عاصم أبو حاجب العنزي؛ يعد في البصريين؛ ويقال: الغفاري، ولا أراه يصح، عن الحكم بن عمرو. وصرح الترمذي في العلل، عن البخاري، أنه قال، عن هذا الحديث: ليس بصحيح. قلت (القائل الألباني ﵀): وهذا من الإمام جرح مبهم؛
[ ١ / ٦٩ ]
فلا يقبل، ولعل سوادة لم تثبت عنده عدالته، أو لقاؤه للحكم؛ فقد ثبت ذلك عند غيره كما سبق؛ وإنما يشترط التصريح باللقاء عند الجمهور، من المدلس فقط؛ خلافا للبخاري، كما مضى. ثم روى البيهقي الحديث من طرق أخرى، عن سوادة العنزي، عن الحكم … موقوفا عليه. وهذا ليس بعلة؛ فقد رفعه عنه ثقتان، وهي زيادة يجب قبولها، ولا يجوز هدرها. ولذلك لم يلتفت الحافظ إلى تضعيف الحديث، بل رد على من فعل ذلك، فقال في الفتح (١/ ٢٤٠): أما حديث الحكم بن عمرو؛ فأخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه. انتهى ما نقله وقاله الألباني.
وروى ابن ماجه (٣٧٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٤)، والدارقطني (١/ ١١٦ - ١١٧)، وابن حزم في المحلى (١/ ٢١٢)، كلهم من طريق معلي بن أسد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عاصم الأحول، عن عبدالله بن سرجس، قال: نهى رسول الله -ﷺ-: أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا.
ورواه البيهقي (١/ ١٩٢) من طريق مطير، ثنا إبراهيم بن الحجاج، ثنا عبدالعزيز بن المختار به مرفوعا.
قلت: عبد العزيز بن المختار ثقة، لكن خالفه شعبة، فرواه عن عاصم موقوفا على عبدالله بن سرجس، كما عند الدارقطني (١/ ١١٧)، والبيهقي (١/ ١٩٢)، وعبد الرزاق (١/ ١٠٧).
ولما روى الدارقطني المرفوع، من طريق عبد العزيز بن المختار قال: خالفه شعبة، ثم رواه من طريق شعبة، عن عاصم به موقوفا. ثم قال: هذا
[ ١ / ٧٠ ]
موقوف صحيح وهو أولى بالصواب. اهـ.
وقال ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٢٥): وعندي أن عبدالعزيز بن المختار قد رفعه وهو ثقة، ولا يضره وقف من وقفه، ولكن شيخ الدارقطني فيه هو عبدالله بن محمد بن سعيد، لا تعرف حاله، وهو أبو محمد المقرئ المعروف بابن الجمال، وقد ذكره الخطيب وعرف برواته، وتاريخ وفاته، غير حاله فلم يعرض لها، ولعله سيوجد فيه تعريف بحاله، أو يوجد الحديث بإسناد غيره إلى عبد العزيز بن المختار؛ فأما الآن فهو عندي غير صحيح، وأصح منه وأولى، بأن يكون في هذا الباب حديث حميد بن عبدالرحمن. اهـ.
قلت: شيخ الدارقطني توبع، فقد رواه الطحاوي، من طريق محمد بن خزيمة، ثنا المعلي به، وأيضا رواه ابن ماجه من طريق محمد بن يحيى، ثنا المعلي به.
لكن للأئمة موقف في زيادة الرفع، وأن الصواب الوقف.
وانتصر الغماري إلى ترجيح رواية الرفع، فقال في الهداية (١/ ٣٠٣): لما نقل قول الدارقطني: بل رفعه صواب، وادعاء مخالف للقواعد، مع أنه دعوى مجردة، عن الدليل؛ فإن الذي رفعه ثقة، من رجال الصحيح؛ فزيادة الثقة مقبولة، مقدمة على رواية من وقفه اهـ.
وفيما قاله نظر؛ لأن زيادة الثقة ليست مقبولة مطلقا، بل لابد من النظر في القرائن، سواء كانت في الراوي، أو المروي، وكذلك موقف الأئمة النقاد من هذه الزيادة.
ولهذا فإن عبد العزيز بن المختار، ثقة من رجال الجماعة. وثقه ابن
[ ١ / ٧١ ]
معين، وأبوزرعة، والنسائي، وأبوحاتم، لكن ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ، وابن حبان معروف بسبر أحاديث الرواة.
وقال ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة: ليس بشيء. اهـ. فهو وإن كان ثقة أخرج له الشيخان، فلا يعني قبول حديثه مطلقا، خصوصا إذا خالف؛ فلهذا رجح الأئمة رواية الوقف كما قال الدارقطني، وسبقه البخاري، فقد قال الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٣٤): سألت محمدا … حديث عبدالله بن سرجس في هذا الباب فقال: هو موقوف ومن رفعه فهو خطأ. اهـ.
ونقل ابن القيم في كتابه تهذيب السنن (١/ ٨١): عن أبي عبيد أنه قال في كتاب الطهور: حدثنا علي بن معبد، عن عبيدالله بن عمرو، عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن عبدالله بن سرجس أنه قال: أترون هذا الشيخ- يعني نفسه- فإنه قد رأى نبيكم -ﷺ-، وأكل معه، قال عاصم: فسمعته يقول: لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من الجنابة، من الإناء الواحد، فإن خلت به فلا تقربه، فهذا هو الذي رجحه البخاري، ولعل بعض الرواة ظن أن قوله: فسمعته يقول من كلام عبدالله بن سرجس؛ فوهم فيه، وإنما هو من قول عاصم بن سليمان يحكيه، عن عبد الله. اهـ ونص ابن ماجه أيضا أن رفعه وهم.
ولما ذكر النووي في الخلاصة (١/ ٢٠٠) حديث ابن سرجس؛ قال: حديث ضعيف. اهـ.
وروى أبو داود (٨١)، والنسائي (١/ ٣٠)، وأحمد (٤/ ١١١)، والبيهقي (١/ ١٩٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٤)، كلهم من طريق أبي عوانة، عن داود بن عبدالله الأودي، عن حميد بن عبدالرحمن، قال: لقيت
[ ١ / ٧٢ ]
رجلا صحب النبي -ﷺ-، كما صحبه أبو هريرة -﵁- أربع سنين. قال: نهى رسول الله -ﷺ- أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعا، هذا لفظ النسائي، والبيهقي، وأحمد. ولم يذكر أبو داود، والطحاوي، الامتشاط والبول.
قلت: رجاله ثقات.
وصححه النووي في المجموع (٢/ ١٩١).
وقال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١٥٤): وقد اختلف في هذا المبهم، في هذه الرواية. فقيل: إنه عبدالله بن سرجس، وقيل: إنه الحكم بن عمرو الغفاري، وقيل: عبدالله بن مغفل المزني. اهـ.
ولهذا أعله البيهقي بالإرسال؛ فقال في السنن (١/ ٩٠): هذا الحديث رواته ثقات، إلا أن حميدا لم يسم الصحابي الذي حدثه، فهو بمعنى المرسل، إلا أنه مرسل جيد، ولولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود بن عبدالله الأودي لم يحتج به الشيخان، البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. اهـ.
وقال في المعرفة (١/ ٢٧٨): أما حديث داود بن عبدالله الأودي، عن حميد بن عبدالرحمن الحميري، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، عن النبي -ﷺ- النهي، عن اغتسال المرأة … فإنه منقطع. وداود بن عبدالله ينفرد به، ولم يحتج به صاحبا الصحيح. اهـ. وفيما قاله نظر من وجهين:
أولا: أن هذا الحديث ليس بمرسل، بل هو موصول، وجهالة الصحابي لا تضر، ولهذا تعقب ابن دقيق العيد البيهقي، فقال في الإمام (١/ ١٥٥): وهذا الذي ذكره الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى تعليل ضعيف، أما قوله: إنه بمعنى المرسل، فإن أراد به، يشبه المرسل في أنه لم يسم فيه الصحابي فهذا صحيح،
[ ١ / ٧٣ ]
لكنه لا يمنع خصمه من الاحتجاج، ذاهبا إلى أنه لا حاجة إلى تسمية الصحابي، بعد أن حكم بكونه صحابيا، لعدالة الصحابة كلهم، وإن أراد بأنه في معناه أنه لا يحتج به، كما لا يحتج بالمرسل، منعه الخصم لما ذكرناه. اهـ.
ونقل الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٦) عن الأثرم، أنه سئل الإمام أحمد: إذا قال الرجل التابعي، حدثني رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، ولم يسمه، أيكون الحديث صحيحا؟ قال: نعم. اهـ.
ولما نقل ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢١٧) كلام البيهقي، تعقبه فقال: وهذا الحديث ليس بمرسل، وجهالة الصحابي لا تضر، وقيل: أن هذا الرجل الذي لم يسم، عبدالله بن سرجس، وقيل: عبدالله بن معقل، وقيل: الحكم بن عمرو الغفاري. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٣٠٠): دعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صح التابعي بأنه لقيه. اهـ.
ثانيا: أن داود بن عبدالله الأودي الزعافري، وإن لم يخرج له الشيخان، فهو ثقة، وثقه ابن معين في رواية إسحاق بن منصور، وأيضا الإمام أحمد، وابن شاهين، والنسائي، وأبعد ابن حزم فضعفه، وهما منه.
لهذا قال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (١/ ٢١٧): وقد تكلم على هذا الحديث ابن حزم، بكلام أخطأ فيه، ورد عليه ابن مفوز، وابن القطان، وغيرهما، وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق، يخبر بصحة هذا الحديث. اهـ.
وقال ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٢٦): داود هذا وثقه ابن معين، والنسائي، وغلط ابن حزم فيه غلطا قد بيناه عليه في أمثاله، وسبق
[ ١ / ٧٤ ]
إلى ذلك أبو بكر ابن مفوز، وذلك أن ابن حزم قال: إن كان داود عم ابن إدريس فهو ضعيف، وإن كان غيره فهو مجهول، وابن عم ابن إدريس هو داود بن يزيد الأودي؛ فأما هذا فهو داود ابن عبدالله الأودي، وقد وثقه من ذكرنا وغيرهم، وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق، يخبره بصحة هذا الحديث، وبين له أمر هذا الرجل؛ فلا أدري ارجع، عن قوله أم لا؟. اهـ.
وقال ابن دقيق العيد (١/ ١٥٦): وقول البيهقي: داود بن عبدالله لم يحتج به الشيخان، غير ضار ولا مانع من الاحتجاج، وقد اعترف بأن الحديث رواته ثقات، وقد نقلنا أيضا توثيق داود، عن ابن معين والنسائي، وكم من موثق في الرواية لم يخرجا له في الصحيح، ولا التزما إخراج كل موثق. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٣/ ١٦٦) في ترجمته: لما ذكر ابن حزم الأندلسي، حديثه في الوضوء بفضل المرأة، قال: إن كان داود عم ابن إدريس فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول، وقد رد ذلك ابن مفوز على ابن حزم، وكذلك ابن القطان الفاسي، قال ابن القطان: وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الحديث، وبين له أمر هذا الرجل بالثقة، قال: فلا أدري أرجع، عن قوله أم لا. اهـ.
وقال أيضا في الفتح (١/ ٣٠٠): ودعوى ابن حزم أن داود راويه، عن حميد بن عبدالرحمن، هو ابن يزيد الأودي، وهو ضعيف، مردودة؛ فإنه ابن عبدالله الأودي، وهو ثقة، وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره. اهـ.
قلت: وصرح باسمه أيضا أحمد، والبيهقي، والطحاوي، ونقل ابن عبدالهادي في المحرر (١/ ٨٦) عن الحميدي: أنه صححه. اهـ.
(١٢) عن أبي هريرة -﵁-: لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب. رواه
[ ١ / ٧٥ ]
مسلم.
أخرجه مسلم (١/ ٢٣٦) - الطهارة (٩٧)، والنسائي (١/ ١٢٤ - ١٢٥) - الطهارة- باب النهي، عن اغتسال الجنب في الماء الدائم- (٢٢، ١/ ١٧٦) - المياه- باب النهي، عن اغتسال الجنب في الماء الدائم- (٧٣١، ١/ ١٩٧) - الغسل- باب ذكر نهي الجنب، عن الاغتسال في الماء الدائم- (٣٩٦)، وابن ماجه- الطهارة- باب الجنب ينغمس في الماء الدائم أيجزئه- (٦٠٥)، وأبوعوانة (١/ ٢٧٦)، وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٥٠ - ٩٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤) - الطهارة، والدارقطني (١/ ٥١ - ٥٢) - الطهارة- باب الاغتسال في الماء الدائم، وقال: إسناد صحيح، وابن حزم في المحلي (١/ ٢١١، ٢/ ٤١)، والبيهقي (١/ ٢٣٧) - باب الدليل على أنه يأخذ لكل عضو ماء جديدا ولا يتطهر بالماء المستعمل- كلهم من طريق عبدالله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج؛ أن أبا السائب مولى هشام ابن زهرة، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله -ﷺ-: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟
قال: يتناوله تناولا. ولم يذكر النسائي زيادة: (كيف يفعل ).
والماء الراكد، وردت جملة من الأحاديث في النهي، عن البول فيه، أو الاغتسال فيه وهو جنب، وفي بعض الروايات تداخل: فقد روى البخاري (٢٣٩)، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: أخبرنا أبو الزناد، أن عبدالرحمن بن هرمز الأعرج، حدثه أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول
[ ١ / ٧٦ ]
الله -ﷺ- يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه.
ورواه البيهقي (١/ ٢٣٨) من طريق أبي اليمان به، بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه.
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥) من طريق ابن عجلان، عن أبي الزناد به، بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ولا يغتسل فيه.
ثم رواه أيضا الطحاوي (١/ ١٥) من طريق عبدالله بن عياش، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- غير أنه قال: ولا يغتسل فيه جنب.
ورواه مسلم (١/ ٢٣٥)، وأبو داود (٦٩)، وأحمد (٢/ ٣٦٢)، والدارمي (١/ ١٨٦)، والبيهقي (١/ ٢٣٨)، كلهم من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه هكذا عندهم بهذا اللفظ. وعند أبي داود: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه.
ورواه مسلم (١/ ٢٣٥)، والترمذي (٦٨)، وأحمد (٢/ ٣١٦)، والبيهقي (١/ ٩٧، ٢٣٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٦)، كلهم من طريق معمر بن راشد، عن همام بن منبه، قال: هذا ما، حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله -ﷺ-، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله -ﷺ-: ولا يبل في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه. اهـ.
ورواه أبو داود (٧٠)، وابن ماجه (٣٤٤)، وأحمد (٢/ ٤٣٣)، والبيهقي (١/ ٢٣٨)، كلهم من طريق ابن عجلان المدني، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة.
[ ١ / ٧٧ ]
وللحديث طرق وألفاظ عدة. فقد رواه أحمد (٢/ ٤٩٢) قال: ثنا محمد بن جعفر، وروح، قالا: ثنا عوف، عن محمد بن سيرين قال: روح وخلاس، عن أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يبال في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه.
ورواه بن خزيمة (١/ ٥٠)، وابن حبان (٤/ رقم ١٢٥٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢)، كلهم من طريق يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا أنس بن عياض، عن الحارث وهو ابن أبي ذباب، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه، أو يشرب منه.
وتابع يونس بن عبد الأعلى، ابن وهب، كما عند البيهقي (١/ ٢٣٩).
ورواه أحمد (٢/ ٢٢٨) قال حدثني زيد بن الحباب، أن معاوية بن صالح قال: قال سمعت أبا مريم، يذكر، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يبال في الماء الراكد، ثم يتوضأ منه.
ورواه أيضا أحمد (٢/ ٥٣٢) قال: حدثنا حماد بن خالد، ثنا معاوية بن صالح به.
* * *
[ ١ / ٧٨ ]
(١٣) حديث: إذا استيقظ أحدكم من نومه؛ فليغسل يديه قبل أن يدخلها في الإناء ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري، أين باتت يده. رواه مسلم.
رواه البخاري (١٦٢)، ومسلم (١/ ٢٣٣)، ومالك في الموطأ (١/ ٢١)، وأبوعوانة في مسنده (١/ ٢٦٣)، والبيهقي (١/ ٤٥)، كلهم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي -ﷺ- قال: إذا استيقظ أحدكم، فليفرغ على يده ثلاث مرات، قبل أن يدخل يده في إنائه؛ فإنه لا يدري فيم باتت يده. هذا اللفظ لمسلم. وللبخاري: إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده.
ورواه ابن ماجه (٣٩٥) قال: حدثنا إسماعيل بن توبة، حدثنا زياد بن عبدالله البكائي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: إذا قام أحدكم من النوم، فأراد أن يتوضأ، فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده، ولا على ما وضعها.
قال الطبراني في الأوسط (٣٣٣٥): لم يروه عن عبد الملك إلا زياد، تفرد به موسى، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد. اهـ.
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١٦٢): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الدارقطني في سننه من هذا الوجه، وله شاهد من الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة. اهـ.
وقال الألباني في ضعيف ابن ماجه (٨٩): منكر؛ بزيادة ولا على ما وضعها، وهو في مسلم دونها. صحيح أبي داود (٩٣): وهو في صحيح ابن
[ ١ / ٧٩ ]
ماجه برقم (٣١٦). اهـ.
ورواه الدارقطني (١/ ٤٩) من طريق محمد بن نوح، نا زياد البكائي به.
قلت: رجاله لا بأس بهم، وحسنه الدارقطني.
لكن أصل الحديث عند مسلم (١/ ٢٣٣) من طريق معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي هريرة، أنه أخبره أن النبي -ﷺ- قال: إذا استيقظ أحدكم، فليفرغ على يده ثلاث مرات، قبل أن يدخل يده في إنائه. فإنه لا يدري أين باتت يده هكذا من مسند أبي هريرة.
وروى ابن ماجه (٣٩٤)، وابن خزيمة (١/ ٧٥)، والدارقطني (١/ ٤٩ - ٥٠)، والبيهقي (١/ ٤٦)، كلهم من طريق ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة، وجابر بن إسماعيل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه. قال رسول الله -ﷺ-: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها. اهـ. هذا لفظ ابن ماجه.
وزاد البقية: حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده، أو أين طافت يده. فقال له رجل: أرأيت إن كان حوضا. قال: فحصبه ابن عمر. وقال: أخبرك، عن رسول الله -ﷺ- وتقول: أرأيت إن كان حوضا.
قلت: في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
لكن تابعه جابر بن إسماعيل، كما هو ظاهر في الإسناد. وجابر بن إسماعيل لم يوثقه غير ابن حبان، وروى عنه ابن وهب. ورمز له الحافظ ابن حجر في التقريب (٨٦): مقبول. اهـ.
ثم أيضا ابن لهيعة الراوي عنه ابن وهب. فلعل هذه القرائن تشد الحديث، خصوصا أن للحديث شواهد.
[ ١ / ٨٠ ]
ولهذا قال ابن خزيمة عقب روايته للحديث: ابن لهيعة ليس ممن أخرج حديثه في هذا الكتاب، إذا تفرد برواية. وإنما أخرجت هذا الخبر لأن جابر بن إسماعيل معه في الإسناد. اهـ.
وقال الدارقطني: إسناده حسن. اهـ.
وقال البيهقي (١/ ٤٦): لأن جابر بن إسماعيل مع ابن لهيعة في إسناده. اهـ.
وقال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ٤٦٣): هذا تعليل منه بحسنه، من حديث لم ينفرد ابن لهيعة اهـ.
ورواه الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٠٧) من طريق عبدالله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: فذكره … الحديث.
قال الترمذي عقبه: سألت محمدا، عن هذا الحديث، فقال: وهم فيه؛ إنما روى ابن وهب هذا، عن جابر بن إسماعيل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله -ﷺ- اهـ.
وقد صحح إسناد الحديث الألباني كما في الإرواء (١/ ١٨٣).
وروى ابن أبي شيبة (١/ رقم ١٠٥٣)، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن أبي هريرة، قال: إذا استيقظ الرجل من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها.
قلت: رجاله ثقات، وإسناده ظاهره الصحة.
* * *
[ ١ / ٨١ ]