٣٢ - [١] قال الحافظ -﵀ - (^٢):
قال إسحاق: أنا أبو عامر العقَدي: ثنا أبو معشر المدني عن محمد ابن كعب القُرظي قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أوَّلُ مَنْ يَدخلُ منْ بابِ المَسْجِدِ رجلٌ منْ أَهلِ الجنَّةِ). فدخل عبد الله بن سلام. فقال له رجل: إن النبي - ﷺ - قال كذا، وكذا. فأي عمل لك أوثق ترجو به؟ قال: إن عملي لضعيف، وإن أوثق عملي أرجو به: سلامة صدري، وتركي ما لا يعنيني.
هذا حديث ضعيف، ومنقطع - أيضًا -. وأصله في الصحيح من رواية قيس ابن عباد، وخَرَشة (^٣) بن الحُرّ (^٤) عن عبد الله بن سلام متصلًا، دون ما في آخره من السؤال (^٥).
* * *
الحديث منقطع - كما قال الحافظ -؛ لأنه من رواية محمد بن كعب القُرظي عن النبي - ﷺ -. والقرظي حديثه مرسل لأنه من
_________________
(١) بالتخفيف، كما في: مختصر من الكلام لأبي علي الجواني (ص/ ١٠ - ١١).
(٢) المطالب (٩/ ٣٤٦) ورقمه/ ٤٥٢٦.
(٣) بفتحات، والشين معجمة. عن ابن حجر في التقريب (ص/ ٢٩٦) ت/ ١٧١٧.
(٤) أوله حاء مهملة، بعدها راء. عن ابن ماكولا في الإكمال (٢/ ٩٤).
(٥) انظر في الأصل الحديث ذي الرقم/ ١٥٣٦.
[ ١٠٩ ]
التابعين. وضعيف للإرسال، ولضعف أبي معشر المدني (واسمه: نجيح بن عبد الله السندي)، وقد تركه جماعة من أهل الحديث، واختلط بأخرة. وأبو عامر كنية: عبد الملك بن عمرو، ولا يُدرى متى سمع من أبي معشر.
وللحديث دون ما في آخره من السؤال شواهد تقدمت (^١) في فضائل ابن سلاّم هو بها: حسن لغيره - والله تعالى أعلم -.
وعلى قول الحافظ أربع نكات:
الأولى: أن رواية قيس بن عباد عند الشيخين - جميعًا -، لا في صحيح البخاري فقط كما يوهمه ظاهر كلامه.
والثانية: أنهما رويا عن قيس بن عباد قال: كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي - ﷺ -، فجاء رجل في وجهه أثر خشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة ثم ذكر أن الرجل هو: عبد الله بن سلام، وأنه قص رؤيا رآها على النبي - ﷺ -، فعبّرها له، وقال له - مما قال -: (وأنتَ علَى الإسلامِ حتَّى تَمُوْت). فليس هو بنحو لفظ الحديث الذي أورده عن إسحاق بن راهويه بسنده عن القرظي به.
والثالثة: أن مسلمًا فقط روى الحديث من طريق خرشة بن الحر عن عبد الله بن سلام به، بنحو حديث قيس بن عباد، مطولًا. وفيه أن ابن
_________________
(١) في الأصل برقم/ ١٥٣٦ - ١٥٣٨.
[ ١١٠ ]
سلام قال: فأنا أرجو أن أكون من أهل الجنة (^١). فحديث خرشة في صحيح مسلم لا في صحيح البخاري كما يوهمه ظاهر كلامه. ولكن يمكن الاعتذار له بأنه قصد بقوله: (وأصله في الصحيح) صحيحَ مسلم - والله أعلم -.
والأخيرة: أن الشيخين رويا بسنديهما عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي - ﷺ - يقول لأحد يمشي على الأرض: (إنَّه مِنْ أهلِ الجنَّة) إلا لعبد الله بن سلام. ورواه البزار بلفظ: ما سمعت رسول الله - ﷺ - يشهد لأحد من أهل الجنة إلاّ لعبد الله بن سلام، قال: (يدخل عليكم رجل من أهل الجنة)، فدخل عبد الله بن سلام (^٢). فكان الأولى بالحافظ أنْ يذكر أنّ نحو حديث القرظي دون ما في آخره من السؤال في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص - والله الموفق -.
٣٣ - [٢] قال الحافظ -﵀ - (^٣):
وبهذا الإسناد إلى أنس: جاء ابن سلام إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني سألتك عن خصال لم يُطلع الله عليها أحدًا غير موسى بن عمران ثم ذكر حديثًا مرفوعًا، فيه فضل العقل، وفي آخره: فقال رسول الله - ﷺ -: (صَدَقْتَ يَا ابَنَ سَلام).
* * *
_________________
(١) تقدم هذا الحديث في الأصل برقم/ ١٥٣٧.
(٢) تقدم هذا الحديث في الأصل برقم/ ١٥٣٦.
(٣) المطالب (٧/ ٢٧٤ - ٢٧٦) ورقمه/ ٣٠٦٩. مطولا.
[ ١١١ ]
ذكر الحافظ هذا الحديث عن الحارث بن أبي أسامة في مسنده، عقب حديث ساقه (^١) عنه عن داود بن المحبر عن سلام أبي المنذر عن موسى بن جابان عن أنس بن مالك.
وإسناد الحديث المذكور هنا وقع في مسند الحارث (^٢) هكذا: عن داود ابن المحبر عن ميسرة عن موسى بن جابان عن أنس بن مالك. ولعل ما ذكره الحافظ ابن حجر سبق قلم - والله أعلم -.
والإسناد واهٍ جدًّا، مسلسل بالمتروكين؛ فإن داود بن المحبر، وميسرة (هو: ابن عبد ربه) متروكان، مرميان بالكذب. وقال الخطيب في ترجمة ميسرة ابن عبد ربه (^٣): (روى عنه شعيب بن حرب المدائني خطبة الوداع، وداود بن المحبر بن قحذم أحاديث باطلة في كتاب العقل) اهـ. ثم نقل بسنده عن البخاري (^٤) قال: (ميسرة بن عبد ربه يُرمى بالكذب) اهـ. ومثل قوله لأبي حاتم (^٥). وحكى عبد الغني بن سعيد (^٦) عن الدارقطني أن كتاب العقل وضعه أربعة، أولهم: ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، ثم سرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر، ثم
_________________
(١) المصدر نفسه (٧/ ٢٧٤) ورقمه/ ٣٠٦٨.
(٢) كما في: البغية (٢/ ٨٠٧ - ٨٠٨) ورقمه/ ٨٢٦.
(٣) من تأريخ بغداد (١٣/ ٢٢٢) ت/ ٧١٩٣.
(٤) وقوله في التأريخ الكبير (٧/ ٣٧٧) ت/ ١٦٢٠.
(٥) كما في الجرح (٨/ ٢٥٤) ت/ ١١٥٧.
(٦) كما في: تهذيب الكمال (٤٤٧/ ٨).
[ ١١٢ ]
سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر!
وموسى بن جابان، ويقال: جابانلا -بدلًا من موسى بن جابان-، متروك مثلهما (^١). قال ابن ماكولا (^٢) - وقد ذكره -: (حدث عنه ميسرة بن عبد ربه. وميسرة غير ثقة، ولا يعرف موسى بن جابان إلا به) اهـ. والحديث من الموضوعات في فضائل العقل.
* خلاصة: اشتمل هذا القسم على حديثين: أحدهما مرسل حسن لغيره، والآخر موضوع - والله الموفق -.
_________________
(١) انظر: الضعفاء لابن الجوزي (١/ ١٦٣) ت/ ٦٢٤، ولسان الميزان (٢/ ٨٦) ت/ ٣٤٧.
(٢) الإكمال (٢/ ١١).
[ ١١٣ ]