أَولا: اسْمه وَنسبه ونسبته وكنيته:
هُوَ: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان بن مَالك بن شُعَيْب الْبَغْدَادِيّ القَطِيعي أَبُو بكر، واشتهر "بالقَطِيعي" و" بِأبي بكر ابْن مَالك"، وَرُبمَا نسبه بَعضهم إِلَى جده فَقَالَ: أَحْمد بن شبيب، وحمدان لقب جده، واسْمه: أَحْمد، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ١ –ت ٥٩٧هـ -.
والقَطيعي: بِفَتْح الْقَاف، وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء المنقوطة من تحتهَا بِاثْنَتَيْنِ وَفِي آخرهَا الْعين الْمُهْملَة، قَالَه الْأَمِير ابْن مَاكُولَا٢ –ت٤٧٥هـ – والسمعاني٣ –ت٥٦٢هـ -، وَهِي نِسْبَة إِلَى: قطيعة الدَّقِيق مَحَلّة فِي أَعلَى غربي بَغْدَاد، سكنها فنسب إِلَيْهَا٤.
ثَانِيًا: وِلَادَته ونشأته:
ولد القَطِيعي سنة ٢٧٤هـ، قَالَ أَبُو طَالب: مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن بُكير–ت ٤٣٦هـ -: "سَمِعت أَبَا بكر بن مَالك يذكر أَن مولده فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث خلون من الْمحرم سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ: كَانَت والدتي بنت أخي ابْن عبد الله الْجَصَّاص، وَكَانَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل يجيئنا فنقرأ عَلَيْهِ مَا نريده، وَكَانَ يُقعدني فِي حجره حَتَّى يُقَال لَهُ: يؤلمك فَيَقُول: إِنِّي أحبه " ٥.
وَهُوَ صَاحب رحْلَة، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ –ت٧٤٨هـ: "رَحل وكَتَب
_________________
(١) المنتظم ١٤/٢٦٠
(٢) الْإِكْمَال ٧/١٤٩
(٣) الْأَنْسَاب ١٠/٤٦٤
(٤) تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٣، والإكمال ٧/١٤٩.
(٥) تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٣
[ ٩٩ ]
وخرَّج " ١، وَقَالَ عَنهُ ابْن الْجَزرِي –ت٨٣٣هـ -: "ارتحل إِلَى الْبَصْرَة والموصل وواسط وَكتب وَجمع، مَعَ الصدْق والدّين وَالْخَيْر وَالسّنة " ٢.
ثَالِثا: شُيُوخه:
أَخذ القَطِيعِي الْعلم عَن عدد من الْمُحدثين والحفاظ٣، مثل الْحَافِظ أبي إِسْحَاق: إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ الْبَغْدَادِيّ –ت ٢٨٥هـ - صَاحب الإِمَام أَحْمد وَكتاب غَرِيب الحَدِيث٤، والحافظ الْمسند أبي مُسلم: إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مُسلم بن مَاعِز الْبَصْرِيّ الكَجِّ –ت ٢٩٢هـ - صَاحب كتاب السّنَن٥، وَالْإِمَام الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس: أَحْمد بن عَليّ بن مُسلم الْبَغْدَادِيّ الأبَّار–ت ٢٩٠هـ - صَاحب التأريخ٦، والمقرئ الثِّقَة أبي الْحسن: إِدْرِيس بن عبد الْكَرِيم الْبَغْدَادِيّ الْحداد–ت ٢٩٢هـ - ٧، والحافظ أبي يَعْقُوب: إِسْحَاق بن الْحسن بن مَيْمُون الْبَغْدَادِيّ الْحَرْبِيّ من رُوَاة الْمُوَطَّأ عَن القَعْنَبي –ت ٢٨٤هـ٨، والحافظ أبي عَليّ: بشر بن مُوسَى بن صَالح الْأَسدي الْبَغْدَادِيّ– ت ٢٨٨هـ –٩، وَالْإِمَام الْحَافِظ أبي بكر: جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحسن الفِرْيابي صَاحب كتاب أَحْكَام الْعِيدَيْنِ، وَدَلَائِل النُّبُوَّة وَغَيرهمَا –ت
_________________
(١) سير أَعْلَام النبلاء ١٦/٢١٠
(٢) المصعد الأحمد ٤٢
(٣) ذكرهم الذَّهَبِيّ فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٦/٢١٠
(٤) تَارِيخ بَغْدَاد ٦/٢٧، وطبقات الْحَنَابِلَة ١/٨٦
(٥) طَبَقَات عُلَمَاء الحَدِيث، لِابْنِ عبد الْهَادِي الصَّالِحِي ٢/٣٢٢/٦١٥
(٦) طَبَقَات الْحفاظ، للسيوطي ٢٨٠
(٧) طَبَقَات الْقُرَّاء، للذهبي ١/٢٠٤
(٨) سير أَعْلَام النبلاء ١٣/٤١٠
(٩) ستأتي تَرْجَمته فِي ص: ٤٠
[ ١٠٠ ]
٣٠١ - هـ - ١، والحافظ أبي عبد الرَّحْمَن: عبد الله بن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ الْمروزِي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ– ت ٢٩٠هـ - ٢، والمسند أبي شُعَيْب: عبد الله بن الْحسن بن أَحْمد الْحَرَّانِي – ت ٢٩٥هـ - ٣، والمسند الثِّقَة أبي خَليفَة: الْفضل بن الْحباب بن مُحَمَّد الجُمَحي – ت٣٠٦هـ - ٤، وَأبي الْعَبَّاس: مُحَمَّد بن يُونُس بن مُوسَى الكُدَيمي الْقرشِي الْبَصْرِيّ –ت ٢٨٦هـ - ٥، وَالْإِمَام الْحَافِظ الْفَقِيه القَاضِي الْمُقْرِئ أبي بكر: مُوسَى بن إِسْحَاق بن مُوسَى الخطمي الْأنْصَارِيّ - ت٢٩٧هـ –٦.
رَابِعا: تلاميذه٧:
لقد كَانَت للقَطِيعي منزلَة جليلة فِي عصره، وَمِمَّا يدل على ذَلِك: عناية أَئِمَّة الحَدِيث فِي وقته بِالْأَخْذِ عَنهُ، وَالسَّمَاع مِنْهُ مثل: الْحَافِظ أبي نُعيم: أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب الْحِلْية٨– ت ٤٣٠هـ -، والمسند المعمر أبي الْحسن: بُشْرى بن مَسِيس الفاتِني الرُّومِي٩ - ت ٤٣١هـ -، وَالْإِمَام الْعَلامَة الْفَقِيه أبي عَليّ: الْحسن بن شهَاب بن الْحسن العُكْبري–ت ٤٢٨هـ - ١٠، والمحدث الْمسند
_________________
(١) طَبَقَات عُلَمَاء الحَدِيث، لِابْنِ عبد الْهَادِي الصَّالِحِي ٢/٤١٢/٦٨٢
(٢) سبقت تَرْجَمته فِي ص: ٥
(٣) ستأتي تَرْجَمته فِي ص: ٢٦
(٤) ستأتي تَرْجَمته فِي ص: ٣٦
(٥) ستأتي تَرْجَمته فِي ص: ٣٠
(٦) الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٨/١٣٥، طَبَقَات الشَّافِعِيَّة، للسبكي ٢/٣٤٥، وطبقات الْقُرَّاء، لِابْنِ الْجَزرِي ٢/٣١٧
(٧) ذكرهم الذَّهَبِيّ فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٦/٢١١
(٨) طَبَقَات عُلَمَاء الحَدِيث، لِابْنِ عبد الْهَادِي الصَّالِحِي ٣/٢٨٨/٩٧٠
(٩) تَارِيخ بَغْدَاد ٧/١٣٥، والإكمال، للأمير ابْن مَاكُولَا ٧/٥١، ٧٩، ٢٥٥
(١٠) طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/١٨٦
[ ١٠١ ]
أبي عَليّ: الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بِابْن المُذْهب–ت ٤٤٤هـ - ١، وَالْإِمَام الْمُحدث الثِّقَة أبي مُحَمَّد: الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الْحسن الشِّيرَازِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ الْجَوْهَرِي المُقَنَّعي – ت ٤٥٤هـ - سمع من القَطِيعي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة قَالَه الذَّهَبِيّ٢، والحافظ أبي مُحَمَّد: الْحسن بن أبي طَالب: مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ الْبَغْدَادِيّ الْخلال – ت ٤٣٩هـ - ٣، والحافظ النَّاقِد أبي عَليّ: خلف بن مُحَمَّد بن عَليّ الوَاسِطِيّ صَاحب كتاب: "أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ" –الْمُتَوفَّى بُعيد الْأَرْبَع مئة بِيَسِير - ٤، والحافظ الْوَاعِظ أبي الْقَاسِم: عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عبد الله بن بَشرَان الْأمَوِي الْبَغْدَادِيّ صَاحب الأمالي– ت ٤٣٠هـ - ٥، والمسند الْمُقْرِئ أبي الْقَاسِم: عُبيد الله بن أَحْمد بن عُثْمَان الْأَزْهَرِي الْبَغْدَادِيّ الصَّيْرَفِي الْمَعْرُوف بِابْن السَّوَادي - ت ٤٣٠هـ - ٦، والواعظ الْمُحدث أبي الْفَتْح: عُبيد الله بن أبي حَفْص: عمر بن عُثْمَان ابْن شاهين الْبَغْدَادِيّ –ت ٤٤٠هـ - ٧، والحافظ النَّاقِد الجهبذ أبي الْحسن: عَليّ بن عمر بن أَحْمد الدَّارَقُطْنِيّ الْبَغْدَادِيّ صَاحب كتاب: "السّنَن والعلل" –ت٣٨٥هـ - ٨، والفقيه الثِّقَة أبي طَالب: عمر بن إِبْرَاهِيم بن سعيد الزُّهْرِيّ الوقاصي –ت ٤٣٤هـ - ٩، وَالْإِمَام الْحَافِظ أبي الْحسن: مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن رَزْق
_________________
(١) الْمِيزَان للذهبي ١/٥١٠، ولسان الْمِيزَان، لِابْنِ حجر ٢/٢٣٦
(٢) سير أَعْلَام النبلاء ١٨/٦٨
(٣) تَارِيخ بَغْدَاد ٧/٤٢٥
(٤) أَخْبَار أَصْبَهَان ١/٣١٠، وَتَذْكِرَة الْحفاظ للذهبي ٣/١٠٦٧
(٥) سير أَعْلَام النبلاء ١٧/٤٥٠
(٦) غَايَة النِّهَايَة، لِابْنِ الْجَزرِي ١/٤٨٥
(٧) العبر، للذهبي ٣/١٩٢، وسير أَعْلَام النبلاء ١٧/٦٠١
(٨) طَبَقَات عُلَمَاء الحَدِيث، لِابْنِ عبد الْهَادِي الصَّالِحِي ٣/١٨٣/٩٠١
(٩) تَارِيخ بَغْدَاد ١١/٢٧٤، وطبقات الشِّيرَازِيّ ١٢٥
[ ١٠٢ ]
الْبَغْدَادِيّ الْبَزَّاز الْمَعْرُوف بِابْن رَزْقويه –ت٤١٢هـ - ١، وَالْإِمَام الْحَافِظ الْمُحَقق أبي الْفَتْح: مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن فَارس ابْن أبي الفوارس الْبَغْدَادِيّ –ت ٤١٢هـ - ٢، والمسند الصدوق أبي طَالب: مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن بُكير–ت٤٣٦هـ - ٣، والفقيه الْمُحدث القَاضِي أبي عمر: مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد البَسْطامي –ت ٤٠٨هـ - ٤، والحافظ أبي عبد الله: مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي –ت٤٠٥هـ - صَاحب كتاب الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ٥، والمحدث الْوَاعِظ أبي طَاهِر: مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ الْمَشْهُور بِابْن العَلاَّف – ت ٤٤٢هـ - ٦، والمحدث أبي بكر: مُحَمَّد بن المؤمل بن الصَّقْر الْوراق الْمَعْرُوف بِغُلَام الْأَبْهَرِيّ –ت ٤٣٤هـ - ٧.
وَآخر من حدث عَنهُ: أَبُو مُحَمَّد: الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد الشِّيرَازِيّ الْجَوْهَرِي المُقَنَّعي، قَالَ الذَّهَبِيّ عَنهُ: "خَاتِمَة أَصْحَابه " ٨، وَقَالَ أَيْضا: "كَانَ آخر من روى فِي الدُّنْيَا عَنهُ بِالسَّمَاعِ وَالْإِذْن " ٩، وَذكر أَن سَمَاعه مِنْهُ كَانَ سنة ٣٦٨هـ ١٠.
_________________
(١) سير أَعْلَام النبلاء ١٧/٢٥٧
(٢) تذكرة الْحفاظ للذهبي ٣/١٠٥٣
(٣) تَارِيخ بَغْدَاد ٢/٢٥٣
(٤) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة، للسبكي ٤/١٤٠، وسير أَعْلَام النبلاء ١٧/٣٢٠
(٥) طَبَقَات عُلَمَاء الحَدِيث، لِابْنِ عبد الْهَادِي الصَّالِحِي ٣/٢٣٧/٩٤١
(٦) تَارِيخ بَغْدَاد ٣/١٠٣
(٧) تَارِيخ بَغْدَاد ٣/٣١٢
(٨) سير أَعْلَام النبلاء ١٦/٢١١.
(٩) سير أَعْلَام النبلاء ١٨/٦٨
(١٠) الْمصدر نَفسه.
[ ١٠٣ ]
خَامِسًا: مكانته العلمية:
كَانَ القَطِيعي مُحدثا مكثرًا من أسْند أهل زَمَانه، قَالَ عَنهُ تِلْمِيذه الدَّارَقُطْنِيّ: "ثِقَة زاهد قديم سَمِعت أَنه مجاب الدعْوَة " ١، وَقَالَ تِلْمِيذه أَبُو عبد الله الْحَاكِم: "ثِقَة مَأْمُون " ٢، وَقَالَ تِلْمِيذه ابْن المُذْهِب: "الْمُحدث الْعَالم الْمُفِيد الثِّقَة " ٣، وَقَالَ عَنهُ تِلْمِيذه أَبُو بكر: أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب البَرْقاني - ت٤٢٥هـ - "ثِقَة " ٤، وَقَالَ عَنهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ٥، والأمير ابْن مَاكُولَا٦، والسمعاني٧، وَابْن كثير٨، وَابْن الْجَزرِي٩: "كثير الحَدِيث "، وَزَاد الأخيران: "ثِقَة ".
وَقد تُكلم فِيهِ بِسَبَب نسخه بعض كتبه من غَيرهَا بعد غرق كتبه قَالَ تِلْمِيذه مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي الفوارس: "لَهُ فِي بعض الْمسند أصُول فِيهَا نظر، ذُكر أَنه كتبهَا بعد الْغَرق " ١٠، وَقَالَ تِلْمِيذه أَبُو بكر البَرْقاني: "كَانَ شَيخا صَالحا غرقت قِطْعَة من كتبه فنسخها من كتاب ذكرُوا أَنه لم يكن سَمَاعه فِيهِ،
_________________
(١) سُؤَالَات السّلمِيّ لَهُ ١٤
(٢) كَمَا فِي تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٤
(٣) كَمَا فِي المصعد الأحمد، لِابْنِ الْجَزرِي ٢٩
(٤) تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٣
(٥) الْمصدر السَّابِق.
(٦) الْإِكْمَال ٧/١٤٩
(٧) الْأَنْسَاب ١٠/٤٦٤
(٨) الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١١/٢٩٣
(٩) غَايَة النِّهَايَة ١/٤٣
(١٠) تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٤
[ ١٠٤ ]
فَغَمَزُوهُ لأجل ذَلِك، وَإِلَّا فَهُوَ ثِقَة " ١، وَقَالَ أَيْضا: "كنت شَدِيد التنقير عَن حَال ابْن مَالك حَتَّى ثَبت عِنْدِي أَنه صَدُوق لَا يُشَك فِي سَمَاعه، وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ بله فَلَمَّا غرقت القَطِيعة بِالْمَاءِ الْأسود غرق كل شَيْء من كتبه، فنسخ بدل مَا غرق من كتاب لم يكن فِيهِ سَمَاعه، وَلما اجْتمعت مَعَ الْحَاكِم بن عبد الله بن البيع بنيسابور، ذكرت ابْن مَالك ولينته فَأنْكر عَليّ، وَقَالَ: ذَاك شَيْخي وَحسن حَاله أَو كَمَا قَالَ " ٢.
وَهَذَا الْجرْح مَحل تَأمل؛ لِأَن الثِّقَة لَا يُقدم على ذَلِك إِلَّا إِذا كَانَت هَذِه الْكتب مُعَارضَة على كتبه، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: "مثل هَذَا لَا يطعن بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون تِلْكَ الْكتب قد قُرئت عَلَيْهِ، وعورض بهَا أَصله " ٣، وَقَالَ ابْن كثير: "هَذَا لَيْسَ بِشَيْء؛ لِأَنَّهَا قد تكون مُعَارضَة على كتبه الَّتِي غرقت " ٤، ويؤكد ذَلِك مَا تقدم من تَوْثِيق الْأَئِمَّة لَهُ، ثمَّ إِنَّهُم على شدَّة تحريهم لم يمتنعوا من الرِّوَايَة عَنهُ بِسَبَب ذَلِك، وَلَا سِيمَا أَن فيهم الْحَافِظ النَّاقِد الدَّارَقُطْنِيّ، وَلِهَذَا يَقُول الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: "لم نر أحدا امْتنع من الرِّوَايَة عَنهُ، وَلَا ترك الِاحْتِجَاج بِهِ " ٥، وَيَقُول ابْن الْجَوْزِيّ: "قد روى عَنهُ الْأَئِمَّة: الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن شاهين والبَرْقاني، وَأَبُو نُعيم وَالْحَاكِم، وَلم يُمْتَنع من الرِّوَايَة عَنهُ، وَلَا تُرِك الِاحْتِجَاج بِهِ " ٦، وَيَقُول ابْن كثير: "لم يمْتَنع أحد من الرِّوَايَة عَنهُ وَلَا
_________________
(١) الْمصدر السَّابِق.
(٢) تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٤
(٣) المنتظم ١٤/٢٦٠
(٤) الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١١/٢٩٣
(٥) تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٣
(٦) المنتظم ١٤/٢٦١
[ ١٠٥ ]
التفتوا إِلَى مَا طعن عَلَيْهِ بَعضهم وَتكلم فِيهِ " ١.
وتُكلم فِيهِ أَيْضا بِسَبَب اخْتِلَاطه، قَالَ أَحْمد بن أَحْمد القَصْري: "قَالَ لي ابْن اللبان الفَرَضي: لَا تذْهبُوا إِلَى القَطِيعي، قد ضعف واختل، وَقد منعت ابْني من السماع مِنْهُ " ٢، ويروي عَن أبي الْحسن: مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن أَحْمد بن الْفُرَات الْبَغْدَادِيّ - ت ٣٨٤هـ – أَنه قَالَ: "خلط فِي آخر عمره، وكف بعده وخرف، حَتَّى كَانَ لَا يعرف شَيْئا مِمَّا يُقرأ عَلَيْهِ"٣، وَقَالَ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح: "اخْتَلَّ فِي آخر عمره وخَرِف حَتَّى لَا يعرف شَيْئا مِمَّا يُقرأ عَلَيْهِ " ٤، وَيرى الإِمَام الذَّهَبِيّ أَن تغير هـ كَانَ قَلِيلا٥، وَتعقب ابْن الصّلاح على كَلَامه السَّابِق فَقَالَ: "هَذَا القَوْل غلو وإسراف، وَقد كَانَ أَبُو بكر أسْند أهل زَمَانه " ٦، وَكَلَام الذَّهَبِيّ مَحل تَأمل؛ لِأَن ابْن الصّلاح مؤيد بِمن سبق، وَبِذَلِك أجَاب ابْن حجر، وَذكر أَن سَماع ابْن المُذْهِب مِنْهُ كَانَ قبل اخْتِلَاطه٧.
وَالَّذِي يتَرَجَّح أَنه: ثِقَة مُسْند مكثر زاهد تغير بِأخرَة.
هَذَا مَا يتَعَلَّق بِحَالهِ، أما عَن مروياته فَالَّذِي يظْهر أَنه لم يكن من الْأَئِمَّة النقاد الَّذين يعنون بالانتقاء، ويعرفون أَحْوَال الروَاة ٨، وَلَعَلَّه مِمَّن يرى بَرَاءَة الذِّمَّة
_________________
(١) الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١١/٢٩٣
(٢) كَمَا فِي تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٤، وسير أَعْلَام النبلاء ١٦/٢١٢
(٣) كَمَا فِي تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٤، حَيْثُ يَقُول الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: "حُدثت عَن أبي الْحسن بن الْفُرَات " وَذكره، وَهَذَا مُنْقَطع.
(٤) عُلُوم الحَدِيث ٣٩٧
(٥) الْمصدر السَّابِق.
(٦) كَمَا فِي الْمِيزَان للذهبي ١/٨٧
(٧) لِسَان الْمِيزَان ١/١٥١
(٨) سَيَأْتِي (فِي ص: ٢٠، ٢٣) أَن للقَطِيعي زِيَادَته كَثِيرَة على فَضَائِل الصَّحَابَة للْإِمَام أَحْمد، أَكْثَرهَا مَوْضُوعَة، وزياداته على مُسْند الإِمَام أَحْمد –على قلتهَا - واهية الْأَسَانِيد.
[ ١٠٦ ]
بِمُجَرَّد الْإِسْنَاد، وَقد اشْتهر ذَلِك أَيْضا عَن فريق من مُتَقَدِّمي أهل الحَدِيث؛ لأَنهم يرَوْنَ أَن من أسْند أحَال إِلَى مَلِئِ، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: "أَكثر الْمُحدثين فِي الْأَعْصَار الْمَاضِيَة من سنة مِائَتَيْنِ وهلمَّ جرَّا إِذا ساقوا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ، اعتقدوا أَنهم برئوا من عهدته " ١، وَيَقُول الذَّهَبِيّ عَنهُ: "لم يكن القَطِيعي من فرسَان الحَدِيث، وَلَا مجودًا بل أدّى مَا تحمله إِن سَلِم من أَوْهَام فِي بعض الْأَسَانِيد والمتون " ٢.
سادسًا: آثاره ومؤلفاته:
يُعتبر القَطِيعي من مكثري الرِّوَايَة وَلَا سِيمَا عَن عبد الله بن الإِمَام أَحْمد – كَمَا تقدم -، وَقد سمع من عبد الله بن الإِمَام أَحْمد: الْمسند، وَذكر ابْن نقطة أَنه فَاتَهُ على عبد الله بن أَحْمد خَمْسَة أوراق من مُسْند عبد الله بن مَسْعُود، فرواها عَنهُ بِالْإِجَازَةِ، وَهِي من أَوله٣.
وَسمع مِنْهُ أَيْضا: الزّهْد، والفضائل، والتأريخ، والمسائل وَغير ذَلِك، قَالَه الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ٤.
وَمن مروياته أَيْضا كتاب: "النَّهْي عَن اللقب " لشيخه أبي إِسْحَاق: إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ٥، وَحَدِيث أبي عَاصِم: الضَّحَّاك بن مَخْلد النَّبِيل لأبي مُسلم:
_________________
(١) لِسَان الْمِيزَان ٣/٩٠.
(٢) سير أَعْلَام النبلاء ١٣/٥٢٤
(٣) كَمَا فِي المعجم المفهرس لِلْحَافِظِ ابْن حجر ١٢٩/٤٧٦
(٤) تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٣
(٥) كَمَا فِي المعجم المفهرس، لِلْحَافِظِ ابْن حجر ٢٣٩
[ ١٠٧ ]
إِبْرَاهِيم بن عبد الله الكَجِّي١.
وَأما مؤلفاته فَمِنْهَا:
أ - الْفَوَائِد المنتقاة والأفراد والغرائب الحسان٢، وَتسَمى أَيْضا القطيعات الْخَمْسَة ٣، وخامسها هُوَ جُزْء الْألف دِينَار ٤.
ب - أمالي ذكرهَا الْحَافِظ ابْن حجر ٥، والكتاني٦.
سابعًا: وَفَاته:
توفّي القَطِيعي فِي ذِي الْحجَّة سنة ٣٦٨هـ بِبَغْدَاد، وَدفن فِي مَقَابِر بَاب حَرْب قَرِيبا من قبر الإِمَام أَحْمد ٧، رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا.
_________________
(١) الْمصدر السَّابِق ٣١٦/١٣٤٩، ٤١٩/١٠٨٩
(٢) فِي الظَّاهِرِيَّة برقم ٥٢٢ حَدِيث.
(٣) كَمَا فِي المعجم المفهرس، لِلْحَافِظِ ابْن حجر ١/٤٥٢، ٢/٤٦، ٢٣١، وَالْمجْمَع المؤسس لَهُ أَيْضا ١/٤٥٢، والرسالة المستطرفة ٩٣.
(٤) المعجم المفهرس ٢٣٠/٩٩٠، وَهُوَ مطبوع بتحقيق: بدر الْبَدْر.
(٥) الْمصدر السَّابِق ٣٤٠/١٤٥٤
(٦) الرسَالَة المستطرفة ١٦٠
(٧) انْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٧٤، والمنتظم، لِابْنِ الْجَوْزِيّ ١٤/٢٦١، وشذرات الذَّهَب ٣/٦٥
[ ١٠٨ ]