تخريج الأحاديث النبوية، وأدرس رجال الإسناد وحالهم، مع البحث على شواهد ومتابعات إن وجدت، وإن كان لأهل العلم كلام وقفتُ عليه حول أثر ما؛ أُثبِتُهُ دون تردّدٍ.
وفي هذا العمل تحقيق أمنية تمنَّاها المحدِّثُ الألباني -﵀- في جمع هذه الآثار والاعتناء بها؛ كما هو الحال في الأحاديث النبوية المرفوعة، وكانت هذه الإشارة إلى هذا العمل عبر سؤالٍ وجهه الشيخ الفاضل عبد الله بن صالح العبيلان -حفظه الله تعالى- للشيخ -﵀-.
وَتَيَمُّنًا بصنيع المحدث الألباني -﵀- في سلسلتيه الصحيحة والضعيفة؛ إذ أَوْدَعَ ما صحّ عن رسول الله - ﵌ - في سلسلة، وما لم يصح في الأخرى؛ فكذا كان صنيعي في هذا العمل.
ولمّا كان من العسير جمع هذه الآثار على الأبواب الفقهية وترتيبها في كتاب واحد؛ لما يحتاجه هذا العمل من الوقت الطويل والجهد الكبير والإحاطة بما هو مطبوع ومخطوط؛ فقد اتبعتُ أيضًا طريقة الشيخ الألباني -﵀- في "الصحيحة" و"الضعيفة"، وذلك بذكرِ ما يعرضُ لي وما أقِفُ عليه، ثم أرتّبُ هذه الآثار على أبوابها الفقهية في فهرس الكتاب كي يتسنَّى للباحِثِ والقارئ الوقوف على مراده منها.
أما عن الفرق بين عملي في هذا الكتاب وعمل الشيخ زكريا بن غلام قادر الباكستاني في كتابه: "ما صَحَّ من آثار الصحابة في الفقه" -والذي صدر عن دار الخرَّاز ودار ابن حزم -فالفرق بين العملين يتلخَّص فيما يلي:
أولًا: أن كتابه خاص بآثار الصحابة -في الفقه- دون التابعين، وكتابي جمع آثار الصحابة والتابعين.
ثانيًا: أن كتابه -وفقه الله- خاص بالفقه دون غيره من أبواب الدين؛ أما كتابي فإنه شامل غير مختص بباب معين.
ثالثًا: أنه قد فات الشيخ -وفقه الله- كثير من الآثار التي تتعلق بكتابه؛ لم يودعها، ولعلّ ذلك يعود لصعوبة احتواء هذه الآثار في أبواب فقهية -كما أسلفت- وكما سيتبين من خلال هذه السلسلة إن شاء الله.
رابعًا: أن الشيخ اعتمد في كتابه على مصادر قليلة جدًا، أهمها: "الأوسط" لابن المنذر، و"المصنف" لابن أبي شيبة، و"مصنف عبد الرزاق"، وغيرها.
[ ١ / ٩ ]
أما في هذه السلسلة فإني سأجمع -إن شاء الله- آثار الصحابة والتابعين من كتب الحديث المطبوعة -بما في ذلك السنن والمسانيد والمجاميع والأجزاء الحديثية- وما أقف عليه من مخطوطها.
خامسًا: أني أفصّل في حكمي على الأثر بالإعتماد على كلام أهل العلم السابقين -إن وجد- وإلا بيَّنتُ ذلك بذكر طرق الأثر، وتخريجه تخريجًا علميًا على قواعد تخريج الأحاديث المرفوعة.
وهذا هو المجلد الأول من قسم الصحيح من هذه الآثار، وهو يحتوي على ثلاثمائة وخمسين أثرًا، على أن تصدر هذه السلسلة تباعًا إن شاء الله تعالى، يسّر الله أمرنا وأمدّنا بعونه ورحمنا برحمته.
هذا؛ وأسألُ الله تعالى أن يتقبَّلَ مِنَّا أعمالنا، وأن يكتب لنا فيها الإخلاص والقبول، وأن لا يجعلَ لأحدٍ من خلقه في المقصد والمأربِ نصيبًا.
وهذا الكتاب أيها القارئ بين يَدَيكَ، وهو عمل بشر يعتريه الخطأ والزَّلَل، والحقُّ والصواب؛ فإن كانت الأولى فإني أستغفر الله تعالى من كل خطإٍ أو زللٍ، وأرجو ممن وقف على ذلك التصحيح والتنبيه، فإن العلم رَحِمٌ بين أهله، والنُّصح من مهمات هذا الدين. وإن كانت الثانية -وأسال الله تعالى أن يوفّقنا إليها- فهو فضل من الله ونعمة، وإكرام منه ومنّة، والحمد لله على كل حال.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
كتب ذلك: الفقير إلى عَفْوِ ربّه الرحيم
أبو عبد الله
الداني بن منير آل زهوي
كان الله له
الجية، منطقة جبل لبنان
لثلاثٍ خلون من شهر صفر، سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وألف
[ ١ / ١٠ ]