ففي الأثر تعظيم قدر الصلاة، وشأن الإعتناء بها، وإقامتها في وقتها المأمور به، وعدم تأخيرها عن وقتها، أو الجمع بين الصلاتين إلا من عذر أو حاجة.
وفيه: جواز البكاء عند رؤية المحدثات والمخالفات، وهذا يدلّك على شدّة حرص أصحاب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على أمر الدين، والله أعلم.
* * *
٢٩ - عن حسان بن عطية، قال: "ما أحدث قومٌ بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدُها إليهم إلى يوم القيامة".
أخرجه: الدارمي في "مسنده" (١/ ٢٣١/ ٩٩ - حسين سليم) وابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (رقم: ٩٠) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٧٣) ويعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣٨٦) واللالكائي في "شرح أصول الإعتقاد" (١/ ١٠٤/ ١٢٩) وابن بطة في "الإبانة" (١/ ٣٥١/ ٣٢٨) والهروي في "ذم الكلام" (٤/ ١٥١/ ٩٢٧) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ٤٤٠ - ط دار الفكر).
من طرق؛ عن الأوزاعي، عن حسان به.
* * *
٣٠ - كتب عديُّ بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز يستشيره في القدرية، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز:
"أما بعد؛ أوصيكَ بتقوى الله، والإقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه - ﷺ -، وتَرْكِ ما أَحدَثَ المحدِثونَ بعدما جرت به سُنّته، وكفوا مؤنته. فعليك بلزوم السنة، فإنها لك -بإذن الله- عِصْمَة.
ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، أو عبرة فيها؛ فإن السنة إنما سنَّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارضَ لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم؛ فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافدٍ كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى،
[ ١ / ٤١ ]
وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم اليه، ولئن قلتم: إنما حدث بعدهم؛ ما أحدثه الا من اتبع غير سبيلهم وركب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، فقد تكلّموا فبه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مُقَصِّرِ، وما فوقه من محسر، وقد قصرَ قوم دونهم فَجَفُوا، وطمع عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم.
كتبتَ تسأل عن الإقرار بالقدر؛ فعلى الخبير -بإذن الله- وقعتَ؛ ما أعلم ما أحَدْثَ الناسُ من مُحْدَثَةِ، ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرًا ولا أثبتُ أمرًا من الإقرار بالقدر.
لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء؛ بتكلّمون به في كلامهم وفي شعرهم، يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يَزِدْهُ الإسلام بعدُ الا شدّة، ولقد ذكره رسول الله - ﷺ - في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلّموا به في حيانه وبعد وفاته، يقينًا وتسليمًا لربهم، وتضعيفًا لأنفسهم؛ أن يكون شيء لم يُحِط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمضِ فيه قَدَرُه، وإنه مع ذلك في مُحْكَم كتابه؛ منه اقتبسوه، ومنه تعلّموه، ولئن قلتم: لم أنزل الله آية كذا؟ ولمَ قال كذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك: كله بكتاب وقَدرٍ، وكتبت الشقاوة، وما يُقْدَرُ يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرًا ولا نفعًا، ثم ركبوا بعد ذلك ورهبوا".
أخرجه أبو داود (٤٦١٢) وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٣٨) وابن بطة في "الإبانة" (رقم: ١٦٣) واللالكائي في "شرح أصول الإعتقاد" (رقم: ١٦) وابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (رقم: ٧٤) والفريابي في "القدر" (رقم: ٤٤٥) والآجري في "الشريعة" (١/ ٤٤٣ - ٤٤٦/ ٥٧٠، ٥٧١). من طرق صحيحة.
والأثر صححه الشيخ الألباني -﵀- في "صحيح سنن أبي داود" بقوله: "صحيح مقطوع". قلت: وهو موصول عند بقية من خرّجه.
[ ١ / ٤٢ ]
فقه الأثر:
قوله: "أوصيك بتقوى الله .. إلخ".
قال شرف الحق العظيم آبادي صاحب "عون المعبود" (١٢/ ٢٠١ - وما بعدها- ط. دار إحياء التراث العربي):
"والحاصل أنه أوصاه بأمور أربعة: أن يتقيَ الله تعالى، وأن يقتصد -أي: يتوسط بين الإفراط والتفريط- في أمر الله -أي: فيما أمره الله تعالى- لا في يد على ذلك ولا ينقص منه، وأن يستقيم فيما أمره الله تعالى؛ لا يرغب عنه إلى اليمين ولا إلى اليسار، وأن يتبع سنة نبيه - ﷺ - وطريقه، وأن يترك ما ابتدعه المبتدعون".
وقوله: "كفوا مؤنته"؛ قال العظيم آبادي: "أي: أغناهم الله تعالى عن أن يحملوا على ظهورهم ثقل الإحداث والإبتداع، فإنه تعالى قد أكمل لعباده دينهم، وأتمَّ عليهم نعمته، ورَضِيَ لهم الإسلام دينًا؛ فلم يترك إليهم حاجة للعباد في أن يُحْدِثوا لهم في دينهم -أي: يزيدوا عليه شيئًا، أو ينقصوا منه شيئًا، وقد قال - ﵌ -: "شر الأمور محدثاتها".
- قوله: "فارضَ لنفسك ما رضي فيه القوم"؛ "أي: الطريقة التى رضي بها السلف الصالحون- أي: النبي - ﵌ - وأصحابه".
- قوله: "من محسر": أي: مكتشف، من حَسَرَ الشيء إذا كشفه.
- وقوله: "كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر .. إلخ".
قال العظيم آبادي: "يقول: إن الإقرار بالقدر هو أبين أثرًا وأثبت أمرًا في علمي من كل ما أحدثه الناس من محدثة وابتدعوه من بدعة لا أعلم شيئًا مما أحدثوه وابتدعوه أبين أثرًا وأثبت أمرًا منه؛ أي: من الإقرار بالقدر، وإنما سمي الإقرار بالقدر محدثًا وبدعة لغة، نظرًا إلى تأليفه وتدوينه، فإن تأليفه وتدوينه محدث وبِدْعَة لغة بلا ريب. فإن النبي - ﷺ - لم يدونه ولا أحد من أصحابه. ولم يسمه محدثًا وبدعة باعتبار نفسه وذاته، فإنه باعتبار نفسه وذاته سنة ثابتة ليس ببدعة أصلًا كما صرّح به فيما بعد" اهـ.
وفي هذا الأثر بيان ذم البدعة وما أحدَثه المبتدعون، كيف لا؛ والمبتدع كما يقول الشاطبي في "الإعتصام" (١/ ٦٢ - ط. الشيخ مشهور): "المبتدع معاند
[ ١ / ٤٣ ]