وانظر لمناقشة أمثال هؤلاء تحقيقي لكتاب "نواسخ القرآن" ط. المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، والحمد لله على توفيقه.
وانظر الأثر الذي بعده.
* * *
٩٧ - وعن عائشة - ﵂ - أنها قالت: "كان فيما أُنزِلَ من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نُسِخَت بخمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهي ممَّا يُقرأُ من القرآن".
أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ١١٦) - ٣٠ - كتاب الرضاع، (٣) باب جامع ما جاء في الرضاعة. ومسلم (١٤٥٢) وأبو داود (٢٠٦٢) والنسائي (٦/ ١٠٠) وفي "الكبرى" (٣/ ٢٩٨/ ٥٤٤٨) والترمذي (٣/ ٤٥٦) - ١٠ - كتاب الرضاع، وابن ماجه (١٩٤٢) وابن حبان (١٠/ رقم: ٤٢٢١، ٤٢٢٢) والبيهقي (٧/ ٤٥٤) والدارمي في "سننه -أو- مسنده" (٣/ ١٤٤٤ - ١٤٤٥/ ٢٢٩٩) وأبو جعفر النحاس في "ناسخ القرآن" (ص ١١) وابن أبي داود كما في "نواسخ القرآن" (ص ٣٣).
من طريق: مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عائشة به.
ووقع في مطبوعة الترمذي بتحقيق محمد فؤاد الباقي، وفي طبعة تحفة الأحوذي: حدثنا مالك حدثنا معن .. !، وهو تحريف فليصحّح.
فقه الأثر:
فيه توضيح للأثر السابق في أن آية الرضاع منسوخة التلاوة، فقولها -أي عائشة - ﵂ -: "فتوفي رسول الله - ﵌ - وهي مما يقرأ من القرآن"؛ هذا لقرب عهد النسخ بوفاة النبي - ﷺ -، وإلا فلو بقيت الآية كما هي لأثبتت في المصحف، وقد اتفق جمهور العلماء على أنها منسوخة.
قال الإمام البغوي -﵀- في كتابه العظيم "شرح السنة" (٩/ ٨١): "اختلف أهل العلم فيما تَثْبتُ به الحرمة من الرضاع؛ فذهب جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم إلى أنه لا تثبت بأقل من خمس رضعاتٍ متفرقات، وبه كانت تفتي عائشة وبعض أزواج النبي - ﷺ -، وهو قول عبد الله بن الزبير، وإليه ذهب
[ ١ / ١٠٨ ]
الشافعى وإسحاق، وقال أحمد: إن ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى قول عائشة في خمس رضعات فهو مذهب قوي.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره مُحَرِّمٌ؛ يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزُّهري، وهو قول سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ووكيع وأصحاب الرأي، وذهب أبو عبيد وأبو ثور وداود إلى أنه لا يحرم أقل من ثلاث رضعات، لقوله - ﷺ -: "لا تحرّم المصة والمصّتان"، ويُحكى عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات؛ وهو قول شاذ.
وقول عائشة: "فتوفي رسول الله - ﷺ - وهي فيما يقرأ من القرآن"؛ أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله - ﷺ -، حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرؤه على الرسم الأول، لأن النسخ لا يتصور بعد رسول الله - ﷺ -، ويجوز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة؛ كالرجم في الزنى حكمه باقٍ مع ارتفاع التلاوة في القرآن، لأن الحكم ثبت بأخبار الآحاد، ويجب العمل به، والقرآن لا يثبت باخبار الآحاد، فلم تجز كتابته بين الدفتين" اهـ.
وقال الحافظ ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" أو"ناسخ القرآن ومنسوخه" (ص ٣٤ - ط. المكتبة العصرية):
"قلت: أما مقدار ما يحرم من الرضاع؛ فعن أحمد بن حنبل -﵀- فيه ثلاث روايات:
الأولى: رضعة واحدة؛ وبه قال أبو حنيفة ومالك، أخذًا بظاهر القرآن في قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وتركًا لذلك الحديث.
والثانية: ثلاث؛ لقول النبي - ﷺ -: "لا تحرم المصة والمصتان" (١).
والثالثة: خمس؛ لما روينا في حديث عائشة.
وتأوّلوا قولها: "وهى مما يقرأ من القرآن"؛ أن الإشارة إلى قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وقالوا: لو كان يقرأ بعد وفاة رسول الله ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ لنقل
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٥٠).
[ ١ / ١٠٩ ]
إلينا نقل المصحف، ولو بقي من القرآن شيء لم ينقل لجاز أن يكون ما لم ينقل ناسخًا لما نقل، فذلك محال" اهـ.
وانظر للتفصيل: "فتح الباري" (٩/ ١٤٧) و"شرح صحيح مسلم" للنووي (١٠/ ٢١) و"المغني" لابن قدامة (٩/ ١٩٢ - ١٩٤) و"المحلّى" لابن حزم (١١/ ٨٨ - مسألة: ١٨٧٢) و"سبل السلام" (٦/ ٣٢٩ - ط. ابن الجوزي) و"التمهيد" (٨/ ٢٦٣ - ٢٧١) و"نيل الأوطار" (٦/ ٢٥٠) و"الإعتبار فى الناسخ والمنسوخ" (ص ١٨٨) و"رسوخ الأخبار في منسوخ الأخبار" (ص ٤٦٢ - ٤٦٣) و"أحكام الرضاع في الفقه الإسلامي" للدكتور محمد عمر الغروي (ص ٨١ - وما بعدها).
* * *
٩٨ - عن ابن عمر - ﵄ - قال: "كان النبيّ - ﷺ - يُصَلِّي على راحلته تطوّعًا أينما توجَّهَتْ به، وهو جاي من مكة إلى المدينة" ثم قرأ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فقال ابن عمر: "في هذا أنزلت الآية".
أخرجه: مسلم (٧٥٠) وأحمد (٢/ ٢٠) أو رقم (٤٧١٤ - شاكر) والترمذي (٢٩٥٨) والنسائي في "الصغرى - المجتبى-" (١/ ٢١٢/ ١١٢١) وابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣/ ١٢٦٧، ١٢٦٩) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٠٣) والدارقطني (١/ ٢٧٢) والبيهقي (٢/ ٤) وأبو يعلى في "مسنده" (١٠/ ١٧/ ٥٦٤٧) وأبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٢٤٤) وأبو جعفر النحاس في "ناسخه" (ص ١٧) وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (رقم: ١٩ - ط. المكتبة العصرية)
والواحدى في "أسباب النزول" (ص ٣٨ - ط. الحميدان) وغيرهم.
من طرق؛ عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر به.
* * *
٩٩ - وعن ابن عباس - ﵄ -، في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية. [البقرة: ١٨٠]، قال: فسختها: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ [النساء: ٧].
أخرجه أبو داود (٢٨٦٩) والنسائي (رقم: ٢٠٦، ٢٠٧) والبيهقي (٦/
[ ١ / ١١٠ ]
٢٦٥) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٢٤٥/ ٢٤٠) وابن الجوزي في "ناسخه" (رقم: ٢٩).
من طريق: أحمد بن محمد المروزي، قال: حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس به نحوه.
وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (رقم: ٣٤٩٣) بقوله: "حسن صحيح".
وأخرجه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٩٩/ ١٦٠٤) وأبو عبيد الهروى في "الناسخ والمنسوخ" (رقم: ٤٢٣) والنحاس في "ناسخه" (ص ٢١) وابن الجوزي في "ناسخه" (رقم: ٢٨).
من طريق: حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس به.
وأخرجه: ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٩١/ ٢٦٥٢ - شاكر) وسعيد بن منصور في "سننه " (٢/ ٦٦٣/ ٢٥٢ - ط. آل حميد) والبيهقي (٦/ ٦٥ و٧/ ٤٢٧ - ٤٢٨) والحاكم (٢/ ٢٧٣) وأبو عبيد في "ناسخه" (رقم: ٤٢١).
من طريق: إسماعيل بن إبراهيم ابن عُلَيَّة، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس به.
وأخرجه ابن الجوزي في "ناسخه" (رقم: ٣٠) من طريق: النضر بن شميل، قال: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين به.
ومحمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس، لكنه يشهد له ما قبله.
فالأثر صحيح والحمد لله.
* * *
١٠٠ - وعنه - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقره: ١٨٣]. قال: "يعني بدلك أهل الكتاب. وكان كتاب على أصحاب محمدٍ - ﷺ -؛ أنَّ الرجل كان يأكل ويشرب
[ ١ / ١١١ ]
وبنكح، ما بينه وبين أن يصلِّيَ العَتَمَةَ أو يرتد، واذا صلَّى العتمة أو رقد مُنِعَ ذلكَ إلى مثلها، فنسختها هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ [البقرة: ١٨٧].
حسن. أخرجه أبو داود (٢٣١٣) من طريق: علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وعلي بن الحسين بن واقد؛ "صدوق يهم".
وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره (١/ ٣٠٥/ ١٦٢٨) وأبو عبيد الهروي في
"ناسخه" (رقم: ٥١) وابن الجوزي في "النواسخ" (رقم: ٣٧).
من طريق: حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس به.
وهو منقطع بين عطاء وابن عباس، وابن جريج مدلس وقد عنعنه.
وأخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٢٥١/ ٢٤٨) وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (رقم: ٣٦).
من طريق: يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
وهذا إسناد حسن. وبه يكون الأثر حسنًا.
وقد قال المحدّث الألباني -﵀- في "صحيح سنن أبي داود" (رقم ٢٠٢٨): "حسن صحيح".
* * *
١٠١ - وعن البراء بن عازب - ﵁ -، قال: "كان أصحابُ محمدٍ - ﷺ - إذا كان الرجلُ صائمًا فحضَرَ الإفطارُ، فنامَ قبل أن يُفْطِرَ لم يكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي، وإن قيس بن صِرْمَة كان صائمًا، فلما حضره الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندَكِ من طعام؟ قالت: لا؛ ولكن أنطلقُ فأطلُبُ لكَ، فغلبته عينه، وجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك. فأصبح، فلما انتصَفَ النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبيّ - ﷺ -، فنزلت
[ ١ / ١١٢ ]