٤٧ - قال الإمام مسلم -﵀-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعلي بن حُجْرٍ، قالوا: حدثنا اسماعيل -وهو ابن عُلَيَّة- عن ابن أبي عروبة، عن عبد الله الدَّاناج. ح وحدثنا اسحاق بن ابراهيم الحنظلي - واللفظ له- أخبرنا يحيى بن حماد، حدثنا عبد العزبز بن المختار، حدثنا عبد الله بن فيروز مولى ابن عامر الداناج - حدثنا حُصين بن المنذر أبو ساسان، قال: شهدتُ عثمان بن عفان وأُتِيَ بالوليد قد صلّى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدُكم؟! فشهد عليه رجلان؟ -أحدهما حمران- أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ.
فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا علي؛ قم فاجلده.
فقال علي: قم يا حسن فاجلده.
فقال الحسن: ولِّ حارّها من تولّى قارها -فكأنه وجد عليه- فقال: يا عبد الله بن جعفر؛ قم فاجلده، فجلده وعليٌّ بعد، حتى بلغ أربعين. فقال: أمسِك، ثم قال: جلد النبي - ﷺ - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحبُّ إليَّ".
أخرجه مسلم (١٧٠٧) وأحمد (١/ ٨٢) أو رقم (٦٢٤ - شاكر) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥/ رقم: ٢٨٣٩٨ - العلمية) وأبو داود (٤٤٨٠، ٤٤٨١) من طريق: سعيد بن أبي عروبة به.
فقه الأثر:
الوليد هو: ابن عقبة بن أبي معيط.
توله: "فشهد حمران أنه شربها، وشهد آخر أنه رأه يتقيأ .. "؛ "فيه من الفقه تلفيق الشهادتين إذا أدّتا إلى معنى واحد، فإن أحدهما شهد برؤية الشرب، والآخر بما يستلزم الشرب، ولذلك قال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها". قاله أبو العباس القرطبي في "المفهم" (٥/ ١٣٤).
وقال النووي في "المنهاج" -شرحه لمسلم- (١١/ ٢١٩): "هذا دليل لمالك وموافقيه في أن من تقيأ الخمر يُحدُّ حدَّ الشارب، ومذهبنا أنه لا يُحَدُّ
[ ١ / ٦٠ ]
بمجرد ذلك؛ لاحتمال أنه شربها جاهلًا كونها خمرًا، أو مكرهًا عليها أو غير ذلك من الأعذار المسقطة للحدود.
ودليل مالك هنا قوي؛ لأن الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور في هذا الحديث.
وقد يجيب أصحابنا عن هذا بأن عثمان - ﵁ - علم شرب الوليد فقضى بعلمه في الحدود؛ وهذا تأويل ضعيف، وظاهر كلام عثمان يرد هذا التأويل، والله أعلم!.
ومعنى قول الحسن: "ولّ حارّها من تولّى قارّها"؛ هذا مثل من أمثال العرب، قال الأصمعي: معناه: ولّ شدّتها من تولى هنيئَها. ومعناه: ولّ إقامة الحدّ من تولى إمرة المسلمين وتناول حلاوة ذلك.
وقوله: "فكأنه وجد عليه"؛ أي: غضب عليه لأجل توقفه فيما أمره به، وتعريضه بالأمراء. "المفهم" (٥/ ١٣٥).
وقوله: "فجلده وعليّ يعد إلخ"؛ فيه: أن عليًا - ﵁ - مذهبه في شارب الخمر أن يُحَدَّ بأربعين جلدة؛ لكن هذا يعارضه ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم: ٣٦٩٦) من أنه جلد الوليد ثمانين جلدة، وأنه جلد الرجل المعروف بالنجاشي ثمانين جلدة. وانظر كلام النووى حول هذه المسألة.
وفيه "دليل واضح على اعتقاد علي - ﵁ - صحة إمامة الخليفتين أبي بكر وعمر، وأن حكمهما يقال عليه: سنة، خلافًا للرافضة والشيعة، وهو أعظم حجة عليهم؛ لأنه قول متبوعهم الذي يتعضبون له ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه. وكيف لا تكون أقوال أبي بكر وعمر وأفعالهما سنة وقد قال - ﷺ -: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (١)؟! اهـ.
من "المفهم" لأبي العباس القرطبي (٥/ ١٣٦).
* * *
٤٨ - قال الحافظ سعيد بن منصور -﵀-: ثنا سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود في قوله
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٢) والترمذي (٣٦٦٣) وابن ماجه (٩٧) وغيرهم، وصححه الألباني.
[ ١ / ٦١ ]