وهو منقطع أيضًا.
فالأثر الصحيح برواية أبي نعيم، والله أعلم.
* * *
٨٤ - قال الدارمي: أخبرنا يعلى، حدثنا الأعمش، عن شقيق، قال: قال عبد الله -[يعني: ابن مسعود]-: "كيف أنتم إذا لَبَسَتْكُمْ فتنةٌ؛ يهرَمُ فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتحذها الناسُ سُنَّة، فإذا غُيّرت قالوا: غيِّرَتِ السنةُ"!
قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الله؟!
قال: "إذا كثُرَت قرَّاؤُكم، وقلَّت فقهاؤُكم، وكثُرَث أمراؤُكم، وقلَّت أمناؤكُم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة".
أخرجه: الدارمي (١/ ٢٧٨/ ١٩١) والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥١٤ - ٥١٥) والبيهقي في "المدخل" (رقم: ٨٥٨).
من طريق: يعلى بن عبيد به.
وإسناده صحيح كما قال الذهبي في "التلخيص".
لكن وقع عند البيهقي: عن الأعمش، عن شعبة، عن شقيق به، فزاد فيه شعبة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٥/ ٣٤/ ١٩٠٠٣) أو (٧/ ٤٥٢/ ٣٧١٤٥ - العلمية) من طريق: أبي معاوية، عن الأعمش به.
وأخرجه ابن وضّاح في "البدع والنهي عنها" (رقم: ٢٨٥) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم: ١١٣٥) وابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" (٧/ ٨٨١) ونعيم بن حماد في "الفتن" (٥٢).
من طريق: سفيان الثوري، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابراهيم، عن علقمة، عن عبد الله به.
وأخرجه الدارمي (١/ ٢٧٨/ ١٩٢) من طريق: خالد بن عبد الله، عن يزيد به.
[ ١ / ٩١ ]
ويزيد بن أبي زياد هو الشامي؛ ضعيف.
وأخرجه اللالكائي (رقم: ١٢٣) من طريق: ابن فضيل، عن يزيد به.
وخالف سفيانَ وخالدًا وابنَ فضيل؛ محمدُ بن نبهان، فرواه عن يزيد مرفوعًا، كما في "الحلية" (١/ ١٣٦). ومحمد بن نبهان ضعيف، وقال أبو نعيم بعد أن ذكره: "كذا رواه محمد بن نبهان مرفوعًا، والمشهور من قول عبد الله بن مسعود موقوف".
وأخرجه ابن وضاح (رقم: ٨٠) من طريق: زبيد اليامي، عن عبد الله بن مسعود.
وزبيد لم يسمع من عبد الله؛ فهو منقطع.
وأخرجه: معمر في "جامعه" المطبوع مع مصنف عبد الرزاق (١١/ ٣٥٩ - ٣٦٠/ ٢٠٧٤٢) وابن بطة في "الإبانة" (رقم: ٧٥٨) والخطابي في "العزلة" (ص ١١).
من طريق: معمر، عن قتادة، عن عبد الله به.
وقتادة لم يسمع من أحد من الصحابة خلا أنس بن مالك، كما قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" وابن أبي حاتم في "المراسيل" وغيرهما، فالإسناد منقطع.
وأخرجه أبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" (رقم: ٢٨١) من طريق: سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرة، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله به.
وإسناده ضعيف جدًا.
والأثر صححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ١٥٥/ ١١١) وفي "صلاة التراويح" (ص ٥).
فقه الأثر:
- فيه تشخيصٌ دقيق لواقعنا في هذا الزمان من تبدّل الحال على ما كان عليه الزمن الأول؛ زمن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأصحابه.
[ ١ / ٩٢ ]
- أن العبرة ليست بكثرة العُبّاد والقرّاء، بل العبرة بفقه هذه العبادة والقراءة والعمل بها وتنزيلها في الحياة. وأدلّ دليلٍ على هذا؛ حال الخوارج -وقد وصفهم النبي - ﵌ - بكثرة العبادة والقراءة، لكن هذه العبادة والقراءة لم تنفعهم، إذ هم: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، فالعبرة إذًا بموافقة السنة، والله الموفق.
- فيه أن الناس إذا اعتادوا أمرًا جعلوه سنة، وهذا مشاهد في عصرنا؛ إذ فشت البدع وسمّيت سننًا، فإذا جاء السُّنيُّ ينكرها أنكر الناس عليه ذلك واتهموه في دينه. وإذا أتى يقيم السنة استنكروا واستغربوا، كأنها بدعةٌ تقام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
- وفيه أيضًا تشخيص لحال الفقهاء والقراء الذين اتخذوا هذا الأمر مهنة ووظيفة، فالتمسوا الدنيا بعمل الآخرة، فصارت النيات زائغة عند الكثير، فهو يريد أن يكون قارئًا كي يدرَّ عليه من المال الوفير، وآخر إن رُتّب له راتب من المال دعا إلى الله، وإلا فلا!!
وهذا الأثر يعدُّ من أعظم الآثار الواردة عن الصحابة وأجلّها، وفيه فوائد وعبر كثيرة غير ما ذكرنا، وهذا ما فتح أدنه به، والحمد الله أولًا وآخرًا.
* * *
٨٥ - قال معاذ بن جبل - ﵁ -: "يُفْتَحُ القرآنُ على الناسِ؛ حتى يقَرأَهُ المرأةُ والصَّبيُّ والرجلُ، فيقول الرجلُ: قد قرأتُ القرآنَ فلم أُتَّبَع؛ والله لأقومنَّ به فبهم لعلّي أُتَّبَعُ، فيقوم به فيهم؛ فلا يُتَّبَعُ، فيقول: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَعُ، وقد قمتُ به فيهم فلم أُتَّبَعْ؛ لأحتظِرن في بيتي مسجدًا لعلّي أُتَّبَعُ، فيحتظر في بيته مسجدًا؛ فلا يُتَّبَعُ، فيقول: قد قرأتُ القرآنَ فلم أُتَّبَعْ، وقُمتُ به فبهم فلم أُتَّبَعْ، وقد احتظرتُ في بيتي مسجدًا فلم أُتَّبَعْ؛ والله لآتينَّهُم بحديثٍ لا يجدونه في كتاب الله جل وعلا، ولم يسمعوه عن رسول الله - ﷺ -؛ لعلّي أُتَّبَعُ!
قال معاذ: فإياكم وما جاء به، فإن ما جاء به ضلالة".
صحيح. أخرجه: أبو داود (٤٦١١) -نحوه- والدارمي (١/ ٢٨٤/ ٢٥)
[ ١ / ٩٣ ]