قال: "إني خشيتُ أن يقرءا عليَّ آيةً فيحرّفانها، فيقرُّ ذلك في قلبي".
أخرجه الدارمي (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠/ ٤١١) والآجري في "الشريعة" (١/ ١٩١/ ١٢٧ - ط. الوليد سيف النصر) وابن بطة في "الإبانة" (رقم: ٤٩٨، ٦٥٢) واللالكائي في "شرح أصول الإعتقاد" (رقم: ٢٤٢) وابن سعد في "الطبقات" (٧/ ١٩٧).
من طريق: سعيد بن عامر به.
وإسناده صحيح.
ووقع عند الآجري: أسماء بن خارجة؛ ونبّه إلى ذلك محقق الكتاب - جزاه الله خيرًا.
وأخرجه ابن وضاح في "البدع" (رقم: ١٥٠) من طريق: مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: دخل على محمد بن سيرين يومًا رجل فذكره بنحوه.
ومؤمل بن إسماعيل ضعيف.
* * *
١١١ - قال الدولابي -﵀-: أخبرني أحمد بن شعيب، عن عمرو بن علي، قال: أخبرني سهل بن زياد أبو زياد الطحان، قال: حدثنا الأزرق بن قيس، قال:
"رأيتُ أنس بن مالك أَحْدَثَ؟ فغسلَ وجهه ويديه، ومسح على جوربين من صوف.
فقلتُ: أتمسحُ عليها؟!
فقال: "إنهما خُفَّانِ؛ ولكنهما من صوف".
أخرجه الدولابي في "الكنى" (١/ ١٨١).
قال العلامة المحدّث أحمد شاكر -محدّث مصر -﵀- في مقدمة
[ ١ / ١٢٠ ]
كتاب "المسح على الجوربين" للشيخ العلامة محمد جمال الدين القاسمي -﵀- (ص ١٣ - ١٥): "وهذا إسناد صحيح.
أحمد بن شعيب؛ هو النسائي الحافظ صاحب السنن.
عمرو بن علي؛ هو الفلاس، الحافظ الحجة.
أبو زياد سهل بن زياد الطحان؛ ثقة، ترجمه البخاري في "الكبير" (٢/ ٢/ ١٠٣ - ١٠٤) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ١٩٧)، فلم يذكرا فيه جرحًا، فهو ثقة عندهما. وذكره ابن حبان في "الثقات" كما في "لسان الميزان" (ج ٣/ ص ١١٨). وذكر أن الأزدي قال فيه: "منكر الحديث"، دون بيان سبب الجرح. والأزدي ينفرد بجرح كثير من الثقات، فلا يؤبه لتجريحه إذا تفرّد به.
والأزرق بن قيس؛ تابعي ثقة مأمون، مترجم في التهذيب، وهذا الحديث موقوف على أنس من فعله وقوله.
ولكن وجه الحجة فيه أنه لم يكتفِ بالفعل، بل صرّح بأن الجوربين "خفان، ولكنهما من صوف".
وأنس بن مالك صحابي من أهل اللغة، قبل دخول العُجمة واختلاط الألسنة.
فهو يبين أن معنى "الخف" أعم من أن يكون من الجلد وحده، وأنه يشمل كل ما يستر القدم ويمنع وصول الماء إليها (١). إذ أن الخفاف كانت في الأغلب من الجلد، فأبان أنس أن هذا الغالب ليس حصرًا للخفّ في أن يكون من الجلد. وأزال الوهم الذي قد يدخل على الناس من واقع الأمر في الخفاف إذ ذاك.
_________________
(١) علّق الشيخ الألباني قائلًا: "قوله: ويمنع وصول الماء إليها" قلتُ: لعل هذا القول سبق قلم من العلامة أحمد شاكر -﵀-، فإنه ليس في أثر أنس المذكور هذا القيد أو الشرط، بل هو أعم من ذلك، بدليل أن الصوف لا يمنع وصول الماء إلى القدم كما هو معلوم بالتجربة. فأرى أن الصواب حذف هذا القول من سياق كلام العلامة -﵀-، لأنه لا دليل عليه كما سبق، ولأنه أليق بموضوع رسالة العلامة القاسمي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، الذي اختار جواز المسح على الجورب الرقيق، وهو الحق. وهذا القول ينافيه مما لا يخفى" اهـ.
[ ١ / ١٢١ ]
ولم يأتِ دليلٌ من الشارع يدلُّ على حصر الخفاف في التي تكون من الجلد فقط.
وقول أنس في هذا أقرى حُجَّةً ألفَ مرّةٍ من أن يقول مثله مؤلّف من مؤلّفي اللغة؛ كالخليل والأزهري والجوهري وابن سيدة وأضرابهم. لأنهم ناقلون للُّغة، وأكثر نقلهم يكون من غير إسناد، ومع ذلك يحتج بهم العلماء.
فأولى ثم أولى إذا جاء التفسير اللغوي من مصدر أصلي من مصادر اللغة؛ وهو الصحابي العربي من الصدر الأول، بإسنادٍ صحيحٍ إليه.
وقد أشار الإمام ابن القيم إلى مثل هذا المعنى -وإن لم يكن صريحًا تمامًا- فيما نقلناه عنه آنفًا، من قوله: "وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرقٌ مؤثر يصحُّ أن يُحالَ الحكم عليه".
فجعل ابن القيم أن "الجوربين" مقيسان على "الخفين" قياسًا جَلِيًّا، "من غير فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه".
ولكن المعنى في حديث أنس أدقّ؛ فليس الأمر قياسًا للجوربين على الخفين، بل هو: أن الجوربين داخلان في مدلول كلمة "الخفين" بدلالة الوضع اللغوي للألفاظ على المعاني.
والخفان ليس المسح عليهما موضع خلاف، فالجوربان من مدلول كلمة "الخفين"، فيدخلان فيهما بالدلالة الوضعية اللغوية.
وقد ثبت -من غير وجه- عن أنس أنه مسح على الجوربين. فهو يؤيد رواية الدولابي التي ذكرنا.
وانظر "المحلّى" لابن حزم بتحقيقنا (ج ٢/ ص ٨٤ - ٨٥). والحمد لله رب العالمين" اهـ.
* * *
١١٢ - قال البيهقي -﵀-: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد، ثنا يحيى بن معين، ثنا عبد الرزاق، قال: سألتُ معمرًا عن الخَرْقِ يكون في الخُفِّ، فقال:
[ ١ / ١٢٢ ]
"إذا خرج من مواضع الوضوء شيء فلا تمسح عليه واخلع".
قال: وحدثنا عبد الرزاق، قال: سمعت الثوري يقول: "امسح عليها ما تعلَّقا بالقدم وإن تخرَّقا".
قال: "وكانت كذلك خِفَاتُ المهاجرين والأنصار مخرَّقة مشقَّقة".
أخرجه البيهقي في "الكبرى" (١/ ٢٨٣) وعبد الرزاق في "مصنفه" (رقم: ٧٥٣).
وصحّحه الشيخ الألباني في "تمام النصح في أحكام المسح" (ص ٨٤) - الملحق برسالة "المسح على الجوربين" للعلامة القاسمي بقوله: "فقد صحّ عن الثوري ".
قال الشيخ الألباني: "وأما المسح على الخف أو الجورب المخرق، فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا؛ فأكثرهم يمنع منه على خلاف طويل بينهم، تراه في مبسوطات الكتب الفقهية، و"المحلّى". وذهب غيرهم إلى الجواز، وهو الذي نختاره.
وحجّتنا في ذلك أن الأصل الإباحة، فمن منع واشترط السلامة من الخرق أو وضع له حدًّا، فهو مردود لقوله - ﷺ -: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" متفق عليه. وأيضًا فقد صحّ عن الثوري" .. ثم ذكر الأثر المذكور أعلاه بشطره الثاني.
ثم قال: "وقال ابن حزم (٢/ ١٠٠): "فإن كان في الخفين أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير طولًا أو عرضًا فظهر منه شيء من القدم؛ أقل القدم أو أكثرها أو كلاهما؛ فكل ذلك سواء، والمسح على كل ذلك جائز، ما دام يتعلّق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوري، وداود، وأبي ثور، واسحاق بن راهويه، ويزيد بن هارون".
ثم حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بينها من اختلاف وتعارض، ثم ردَّ عليها، وبيَّن أنها مما لا دليل عليها سوى الرأي وختم ذلك بقوله:
"لكن الحق في ذلك ما جاءت به السنة المبينة للقرآن من أن حكم القدمين
[ ١ / ١٢٣ ]